وذكر الغزنوي عن هلال أنه كان يحفظ التفسير والحديث وأيام العرب كان أقل علومه الفقه
عن علي بن الجعد أنه قال العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه أنت كلك وإذا أعطيته كلك كنت في إعطائه البعض لك على غرور
وعن إبراهيم أنه قال لا تطلب الحديث بكثرة الرواية فترمى بالكذب والغنى بالكيمياء فتفلس والعلم بالكلام فتحتاج إلى أن تعتذر لكل واحد
وعن يحيى بن يحيى عنه قال كل ما أفتيت به فقد رجعت عنه إلا ما وافق الكتاب والسنة
وعن ابن سماعة أنه كان يصلي بعدما ولي القضاء كل يوم مائة ركعة وفى رواية مأتي ركعة فلم يتركه بعد ما فلج
وعن الفضيل عنه قال قال لا يبلغ في الفقه إلا من ليس له هم الدنيا والآخرة
وعن علي بن الحسين عنه قال قال ما أتيت مجلسا أريد أن أتكبر فيه إلا افتضحت
وعن علي بن حجر عنه أنه قال اخذ في الفرائض بقول زيد وعلي رضي الله
[ ٢ / ٥٢٣ ]
عنهما فإذا اختلفا أخذت بقول علي لأنه ﷺ قال أقضاكم علي قلت ويعارضه قوله ﵇ أفرضكم زيد بن ثابت والجمع أن زيدا أعلم فى هذا الفن بخصوصه من بين الأحكام وعلي جامع لقضاء أحكام الإسلام والله أعلم بحقيقة المرام
وعن إبراهيم بن رستم قال مرض مرض الذي أصابه فيه البرسام فلما برأ قيل له هل أنكرت حفظك قال أما القرآن فعنم وأما العلم فكأني انظر فيه كما أنظر إلى طرق الكوفة انتهى ولا يخفي ما فيه فإن اللائق به أن يكون الأمر بالعكس وأين هذا من تلاوة الإمام الأعظم كل يوم ختمة وكل ليلة ختمة وقد يزيد على ذلك
وعن خزيمة بن محكمة قال كنت أجالس زفر طرفي النهار وأسأله عن المسائل فإذا كررت عليه المسئلة مرة أو مرتين وطلبت منه الدليل قال ما هذا الإبرام وكان لا يدخل في مسائل الحساب والوصايا والدور ومسائل الحيض وكنت أجالسه لعلمه وزهده فلما طال ذلك جالست أبا يوسف وكان جامعا للكل وكان يأتيني بأنواع الحجج فلزمته حتى كتبت أماليه انتهى وهذا مما يدل على كمال زفر فانه كان مشتغلا بأمور أهم مما ذكر ولذا قال الغزالي ضيعت قطعة من العمر العزيز في تصنيف البسيط والوسيط والوجيز
وذكر الحلبي عن الحسن بن زياد قال حججنا معه فاعتل في الطريق فجاءة سفيان بن عيينة في بير ميمونة عائدا فقال لنا خذوا حديثه فروى لنا أربعين حديثا من حفظه فلما قام سفيان حدثنا بالأربعين حديثا بسنده ومتنه حفظا وتعجبنا من سرعة حفظه مع علته وشغله بسفره قلت فكانه كان من رجال
[ ٢ / ٥٢٤ ]
﴿لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ قيل وكان يصوم رجب وشعبان وما ترك السلطان من خراج أرضه كان يتصدق به
وعن أبي إسحاق الرازي أنه خرج يوما راكبا بغلة في ركابي ذهب فقيل له أتركب في ركابي ذهب وقد نهى عنه فقال أردت أن أرى الناس عن العلم أن ابن الخياط بلغ به جلالة العلم إلى هذا القدر حتى يزدادوا حرصا قلت هذا تعليل في معرض النص وهو غير مقبول على أن فيه فتنه عظيمة للعامة
وعن أبي يوسف أنه كرر على الحسن بن زياد المسئلة ستة عشر مرة ثم قال الحسن لعلي لم أفهمها
ومن الطائفة أنه وقعت بين الرشيد وبين امرأته منازعة فقال الرشيد الخبيص أحلى من الفالوذج وعكست زبيدة فدخل هو وهم في هذا الحال فسأل عن هذا المقال فقال القضاء على الغائب لا يجوز فأتي بطبقين منهما فجعل يأخذ من هذا لقمة ومن هذا لقمة حتى كاد أن يأتي عليهما فسأله الرشيد أيهما أحلى فقال اصلح الله أمير المؤمنين كلما هممت أن أحكم لواحد آتي الآخر بشاهد فلما شبع قال الخبيص حلو قال الرشيد قويت حجج الخبيص فقال الخبيص حلو كما قلت لكن لا بمنزلة الفالوذج
وحكي عن ابن المبارك أنه قال خرجت حاجا فدخلت عليه فشكا لي ضيق الحال وقال فى جواري عني أريد أن أتوكل عنه في أموره فقلت اصبر على العلم فأنه لا يضيعك فلما قمت من عنده تعلق ذيلي بكوز وسخ فانكسر فتغير لونه فقلت ما الذي أصابك فقال إن هذا الكوز كان للشرب والوضوء لي ولوالدتي ليس لنا غيره فأخرجت دنيارا وأعطيته إياه فلما رجعت عن الحج رأيته قد جعل قاضيا للقضاة وأجرى له كل شهر مائة دينار بألف درهم ودار ذلك الغني جعل اصطبلا
[ ٢ / ٥٢٥ ]
لدوابه قيل وكانت له عند الرشيد منزلة رفيعة بحيث يبلغ دار الخلافة راكبا بغلته فيرفع له الستر فيدخل كما هو راكبا والرشيد يبدؤه السلام وكان إذا رآه ينشده جاءت به معتجرا ببرده
وذكر الخطيب في تاريخ بغداد عن القاسم بن الحكيم قال سمعته يقول يا ليتني مت على ما كنت عليه من الفقر ولم أدخل في القضاء على أني بحمد الله ما تعمدت جورا ولا حابيت خصما على خصم من سلطان ولا سوقة
ويروى أن الرشيد لما جعل الأمين ولي عهده في حياته قال أبو يوسف الحمد لله الذي جعل ولي عهد أمير المؤمنين من لم يسود صحيفته بالأوزار فبلغ ذلك زبيدة أمه فأنقذت إليه مائة ألف دينار
قيل وأصحاب الأمالي الذي رووها عن أبي يوسف لا يحصون
فصل في مناقب الإمام محمد بن الحسن رحمة الله عليه
هو أبو عبد الله الشيباني من قرية تسمى حرستي من أعمال دمشق قدم أبوه العراق فولد محمد بواسط سنة اثنتين وثلاثين ومائة ونشأ بالكوفة وسمع العلم من الإمام الأعظم والأوزاعي والإمام مالك والثوري ومسعر بن كدام وروى عنه الإمام الشافعي وغيره من العلماء الكرام والمشائخ العظام
وروى أنه محمد بن الحسن بن عبد الله بن طاوس بن هرمز ملك بني شيبان وأبو حنيفة نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز اسلم على يد عمر ﵁ وعن وكيع قال كنا نكره أن نمشي معه فى طلب الحديث لأنه كان غلاما جميلا
وذكر السمعاني أن أباه قدم به إلى الإمام فقال الإمام لوالده احلق رأسه وألبسه الخلقان ففعل أبوه امتثالا فزاد عند الحلق حسنا وجمالا وفيه يقول أبو نواس
[ ٢ / ٥٢٦ ]
شعر … حلقوا رأسه ليكسوه قبحا … غيرة منهم عليه وشحا
كان في وجهه صباح وليل … نزعوا ليله وأبقوه صبحا …
ولاه الرشيد القضاء حين خرج معه إلى خراسان ومات بالري سنة تسع وثمانين ومائة وهو ابن ثمان وخمسين سنة ومات الكسائى بعده بيومين وحكي أنهما ماتا في يوم واحد فقال الرشيد دفن الفقه واللغة في الري وتشاءم به ودفن الإمام محمد بجبل طبرك والكسائي بقرية رنبويه وبينهما أربعة فراسخ وكان معسكر الرشيد أربعة فراسخ نزل الإمام الكسائي في جانب والإمام محمد في جانب وقيل في مرثيتهما شعر … تصرمت الدنيا فليس خلود … لما قد نرى من بهجة ستبيد
ألم ترى شبابا إذا ما ابتلوا البلي … وإن الشباب الغض ليس يعود
سيأتيك ما أفنى القرون التي مضت … فكن مستعدا للقاء عتيد
أسفت على قاضي القضاة محمد … وأذريت دمعي والفواد عميد
وأوجعني موت الكسائي بعده … وكادت بي الأرض الفضاء تميد …
وذكر السمعاني عن هشام بن عبد الله الذي توفي الإمام محمد في بيته أنه لما حضرته الوفاة بكى فقيل في ذلك فقال إذا أوقفني الله تعالى بين يديه وقال يا محمد ما أقدمك على الري أمجاهدا في سبيلي أم ابتغاء مرضاتي ما أقول
وعن البويطي عن الشافعي أعانني الله تعالى في العلم برجلين في الحديث بابن عيينة وفي الفقه بمحمد بن الحسن ﵄
وعن ابن جبلة سمعت محمدا يقول لا يحل لأحد أن يروي عن كتبنا
[ ٢ / ٥٢٧ ]
إلا ما سمع أو يعلم مثل ما علمنا
وعن أحمد بن حجاج يقول لم يحمل عني هذا الكتاب أحد اصح مما احتمله البخاري اخذ عني ولم يستقص علي أحد فى السماء كاستقصائه قلت لعله أراد به أبا حفص الكبير البخاري فإن محمد بن إسمعيل البخاري ليس له رواية عن محمد فيما احفظه
قيل دخل على الإمام أول ما دخل للعلم قال استظهر القرآن فغاب سبعة أيام ثم جاء وقال حفظته
وعن الديلمي أن الشافعي قال جالسته عشر سنين وحملت من كلامه حملي جمل لو كان يكلمنا على قدر عقله ما فهمنا كلامه لكن كان يكلمنا على قدر عقولنا
وعن الشافعي ما رأيت سمينا عاقلا قط غيره وانشدوا للشيخ سيف الدين الباخرزي البخاري
شعر
… يقولون أجسام المحبين نضوة … وأنت سمين ليس غير مرائ
فقلت لان الحب خالف طبعهم … ووافقه طبعي فصار غذائ …
وعن ابن سماعة قال لأهله لا تسألوني حاجة من الحوائج فان فيها شغل قلبي وخذوا ما بدا لكم من وكيلي فإنه أفرغ لقلبي
وروي أنه لما مات أبو يوسف لم يخرج محمد لجنازته فقيل له في ذلك قال لأن جواري أبي يوسف يندبنه ويقلن
شعر
… اليوم يرحمنا من كان يحسدنا … اليوم نتبع من كانوا لنا تبعا …
[ ٢ / ٥٢٨ ]
وروى عنه أنه ترك لي أبي ثلاثين ألف درهم فأنفقت خمسة عشر ألفا على النحو والشعر والباقي على الحديث والفقه وقال أقمت على باب مالك ثلاث سنين