قرأ ملك يوم الدين بلفظ الفعل ونصب يوم على أنه مفعول وبه قرأ الحسن البصري وغيره وقرأ وإذا لاقوا الذين على وزن فاعوا وهي قراءة زيد بن علي ويعقوب وغيرهما واصله لاقيوا وقرأ إن البواقر تشابه علينا بالجمع والتاء وتشديد الشين والأصل تتشابه وهذه القراءة قرأة زيد بن علي والإدغام له وللحسن والأعرج وذكر بعضهم أنه قرأ وإذ ابتلى إبراهيم بالرفع وربه بالنصب وهي رواية جابر بن زيد عن ابن عباس ﵄
وروى محمد أنه قرأ ابعث لنا ملكا يقاتل في سبيل الله بالياء وضم اللام وبه قرأ ابن عباس والضحاك وابن أبي عبلة وقرأ أولو العلم قيما بالقسط
[ ٢ / ٥٠٧ ]
بتشديد الياء وهى قراءة علقمة عن ابن مسعود وقرأ ولله ميراث السماوات بالإمالة وقرأ إن يدعوا من دونه إلا إثنا بتقديم الثاء على النون وهي قراءة ابن عباس كأنه جمع وثنا على وثان كما تقول جمل وجمال ثم جمع وثانا على وثن كما يقال مثال ومثل ثم أبدل من الواو همزة لانضمامها كما في قوله تعالى ﴿وإذا الرسل أقتت﴾ والأصل وقتت لأنه من الوقت فاثن جمع الجمع ويعضده قراءة ابن مسعود وثنا بفتح الواو والثاء على إفراد اسم الجنس
روى عنه أيضًا أنه قرأ وثنا بضم الواو والثاء جمع وثن أيضًا مثل أسد وآساد وقرأ فمن أبصر فلنفسه ومن أعمى فعليها وقرأ لا تنفع نفسا إيمانها بها التاء وهى قرأة ابن سيرين وتوجيهه أن كثيرا ما يؤنثون فعلا للمضاف المذكر إذا كانت إضافته إلى مؤنث وقيل أن الإيمان مصدر والمصدر كما يذكر في قوله تعالى فمن جاءه موعظة كذلك يؤنث كما قال الشاعر … فقد عذرتنا في صحابته العذر …
بمعنى المعذرة وقرأ نفس بالرفع قيل أنه ضعيف ويمكن دفعه بأن إيمانها بدل اشتمال منها وقرأ في رواية الحسن عنه من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها برفع عشر منونا ورفع لأم أمثالها وبه قريء من طريق يعقوب الحضرمي ونسب إلى الحسن وسعيد بن جبير والأعمش وتأنيث العشر لكونه عبارة عن الحسنة وأمثالها بدل
وقرأ في رواية محمد عنه فى سورة الأعراف وجعلنا لكم فيها معايش بالهمزة والمد وبه قرأ الأعمش والأعرج ونافع في رواية حارثة بن مصعب عنه فعوملت الياء الأصلية معاملة الزائدة فحملت على مدائن وصحائف ورسائل
وقرأ في آخر التوبة وليجدوا فيكم غلظة بضم الغين وهى قرأة المفضل عن
[ ٢ / ٥٠٨ ]
عاصم وهى لغة بني تميم وقرأ الأعمش بفتح الغين كالسخطة
وقرأ قوله تعالى ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ بفتح النون وتشديدها ونصب الدال وهى قرأة بلال بن أبي بردة وابن محيصن وبه قرأ يعقوب والحضرمي وفى روايته المناهل بن شاذان عنه وقرأ فاليوم ننحيك بالحاء المهملة وهى قراءة اليزيدي ورواه علقمة عن ابن مسعود والمعنى على هذه نلقيك في ناحية من البحر وقرأ بأبدانك بصيغة الجمع أي بإعطاء بدنك وبأجزاء درعك وقرأ غيره في الشواذ بندائك أي على قومك أنار بكم الأعلى وقرأ الإمام أيضًا لمن خلقك بالقاف مع فتح اللام وهي قراءة علي كرم الله وجهه وقرأ لمن خلفك بفتح اللام والفاء أي لمن ورث أرضك من بعدك وهو بنو إسرائيل وغيرهم
وقرأ مالك ﴿لا تأمنا﴾ بالإدغام بغير الإشمام ورواه قالون عن نافع وبه قرأ أبو جعفر من العشرة وأبو عبيد القاسم بن سلام وهو القياس وقرأ طلحة بن مصرف بنونين ظاهرتين على الأصل وقرأ يحيى بن وثاب وأبو رزين والأعمش لا يتمنا وهي لغة بني تميم يقولون أنت تضرب وقرأ قد شعفها بالعين المهملة وبها قرأ جعفر بن محمد وابن محيص والحسن وأبو رجاء وقتادة والشعيبي وهي لغة في المعجمة وقرأ قالوا نفقد صواغ الملك بالغين المعجمة وهي قراءة أبي رجاء وغيره وقال كان إناء صيغ من ذهب وروى عن أبي الأشهب صواع وصواع بالفتح والكسر وقرأ في رواية محمد يوم يدعوا كل أناس بالياء وهي قراءة مجاهد والحسن البصري وعنه أنه قرأ يوم يدعا بصيغة المجهول وكل بالرفع والمراد بإمامهم نبيهم أو كتابهم الذي يعمل به أو كتاب أعمالهم ويوئده ما بعده وما قوله ﵇
[ ٢ / ٥٠٩ ]
فيما رواه مسلم من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية فان أهل الجاهلية ما كان لهم شرع ولا تمسك فيه للروافض أنه لا بد من اتباع إمام فاطمي في كل وقت
وقرأ في روايته محمد عنه ﴿طه ما أنزلنا عليك القرآن﴾ بفتح الطاء وسكون الهاء وهي قراءة عكرمة وتوجيهه أنه أمر من وطأ يطأ والأصل طأ أبدلت الهمزة هاء كما في إياك وهياك أو حذفت الهمزة تحفيفا والحق بها هاء السكت ويؤيده ما في الشفاء عن ربيع بن أنس قال كان النبي ﷺ يقوم على إحدى رجليه إذا صلى وبرفع الأخرى فنزلت الآية أي أصل طه طاها والضمير إلى الأرض ولا يبعد أن يكون الضمير في قراءة الإمام إلى مكان القيام والله أعلم بحقيقة المرام
وذكر في المناقب أنه قرأ تخيل إليه من سحرهم ولم يبين كيفية قراءته لكن في اللوامع عن أبي حنيفة نخيل بالنون قال الكردري وقرأ به غيره في الشواذ
وقرأ ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه﴾ بالنون وفتح الياء ووحيه بالنصب وبه قرأ ابن مسعود ويعقوب الحضرمي وعاصم الجحدري وقرأ زهرة الحياة الدنيا نفتح الهاء قال أبو حاتم السجستاني قرأ به طلحة وعيسى بن عمرو وهي قراءة الحضرمي
وقرأ في رواية محمد عنه ويخلد فيه مهانا بضم الياء وفتح اللام ورفع الدال وهي رواية شاذة عن أبي عمرو
وقرأ / بما آتيتهين كلهن / بالقصر وقرأ في رواية محمد ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات بالرفع على بنية القطع والاستيناف أي يتوب فى كل حال
[ ٢ / ٥١٠ ]
وبه قرأ الحسين بن علي وأنس بن مالك ﵃ فيما ذكره مجاهد وبه قرأ الحسن
وقرأ ﴿إنما يخشى الله﴾ بالرفع من ﴿عباده العلماء﴾ بالنصب وبه قرأ محمد بن عبد العزيز والمعنى إنما يعظم الله إذ الخشية يلزمها التعظيم لأنها حرف مقرون به ففيه التجريد
وقرأ / فأغشيانهم / في يس بالعين المهملة وبه قرأ بعضهم ونسب إلى ابن عباس كما رواه شهر بن حوشب وبه قرأ يزيد بن المهلب
وقرأ في سورة الجن في رواية محمد غدقا بكسر الدال
وقرأ في سورة الفيل يرميهم بالياء وهى قراءة يحيى بن يعمر وطلحة والأعرج فالضمير إلى الله أو إلى الطير باعتبار الجنس
وقرأ في سورة الفلق محمد عنه ﴿من شر ما خلق﴾ بتنوين شر وهو قراءة عمرو ابن خالد وموسى الإسواري فيجوز أن يكون ما بدل عن شر ويجوز أن تكون زيادة ولا يبعد أن يكون نافية على أن المعني ﴿من شر ما خلق﴾ إلى الآن فالإستعاذه من الشر في مستقبل الزمان والله المستعان لان الماضي قد مضى ويجب القضاء بما كان وبه يندفع ما ذكره الكردري من أنه لا يجوز أن تكون نافية لأنه يلزم تقديم ما بعد النفي على النفي في المبنى مع أنه يفسد أيضًا في المعنى لان التقدير وما خلق من شر ولأنه يخرج الكلام من الدعاء والاستعاذة إلى النفي
وقرأ مالك الناس بالألف وهي قراءة عمر بن الخطاب وقد قيل شعر … لأبي حنيفة ذي الفخار قراءة … مسموعة منحولة غراء
عرضت على القراء فى أيامه … فتعجبت من حسنها القراء …
[ ٢ / ٥١١ ]
لله در أبي حنيفة أنه … خضعت له القراء والفقهاء
خلف الصحابة كلهم فى علمهم … فتطاولت لجلاله الخلفاء
سلطان من في الأرض من فقهائها … وهم إذا أفتوا له أصداء
إن المياه كثيرة لكنه … فضل المياه جميعها صداء
ويرغم انف حاسد به ذكره … شرقا وغربا مسكة ذفراء …
فصل
وعن يوسف بن خالد ان الإمام كان ينشد هذا البيت كثيرا … كفى حزنا أن لا حياة هنيئة … ولا عملا يرضى به الله صالح …
وذكر السمعاني عن أبي سعد الصغاني قال سألت الإمام عن الأخذ عن سفيان قال ثقة واكتب عنه ما خلا أحاديث جابر الجعفي وزيد بن أبي عياش فإنهما كاذبان قال الإمام الشافعي سمعت ابن عيينة يقول سمعت جابرا يقول بالرجعة ومعناه إن جماعة من قتلة عثمان ﵁ كانوا يقولون أن سيدنا محمد ﷺ أفضل من عيسى ﵇ بلا نزاع وهو يرجع إلى الدنيا ويقاتل الدجال فسيدنا رسول الله أولى بهذا الكلام وتمسكوا بقوله تعالى إن الذي فرض عليك القرآن أرادك إلى معاد ورد بأن المراد في النص بالمغماد أما مكة وأما يوم العرض لا الدنيا على أن لا دلالة في الآية على العود بعد الموت وعن جعفر الأحمر سألته عن مسئلة فأجاب فيها فقلت لا يزال هذا المصر بخير ما أبقاك الله تعالى فقال
شعر
… خلت الديار فسدت غير مسود … ومن الشقا تفردي بالسدود …
وعن ابن عيينة قال مررت بأبي حنيفة وهو مع أصحابه فى المسجد وقد
[ ٢ / ٥١٢ ]
ارتفعت أصواتهم فقلت يا أبا حنيفة هذا المسجد والصوت لا ينبغي أن يرفع فيه قال دعهم فإنهم لا يتفقهون إلا به قلت وهذا محمول على أن رفع صوتهم لا يشوش على مصلي أو طائف أو قارئ فإن المتأخرين من أيمتنا صرحوا بأن رفع الصوت ولو بالذكر حرام في المسجد
وعن الهيثم بن عدي قال عدنا مع الإمام وأبو بكر النهشلي رجلا من القراء كان مريضا في خارج الكوفة منزله بعيد فقال بعضنا إذا جلستم تعرضوا بالغداء فلما جلسنا قرأ بعضهم قوله تعالى ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع﴾ فقال المريض ليس علي الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج زاد الزرنجري فأعطاهم دراهم دعوة لغداهم قلت وكان الأظهران يقول الأول آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا
وعن زفر قال إن الإمام سئل عن علي كرم الله وجهه ومعاوية ﵁ وقتلى صفين فقال إذا قدمت على الله يسألني عما كلفني ولا يسألني عن أمورهم
وروي أنه حين سئل عنه قال تلك الدماء طهر الله منها شأننا أفلا نطهر منها لساننا وفي رواية تلا قوله تعالى ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾
وعن غورك الكوفي قال أهديت إليه هدايا وكافأني بأضعافه فقلت لو علمت ذلك لم أفعل فقال الفضل للسابق ألا تستمع ما حدثني به الهيثم عن أبي صالح بلغ به النبي ﷺ قال من صنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لن تجدوا ما تكافئوه فأثنوا عليه خيرا فقلت هذا الحديث أحب إلي من جميع ما أملك
وعن عمر بن إبراهيم البصري عن أبيه فقال رأيته مغموما متفكر يتنفس
[ ٢ / ٥١٣ ]
الصعداء فقلت له يرحمك الله مالك قال مطلوب يخاف البيات وكنت يوما إلى جنبه في صلاة الفجر فقرأ الإمام ﴿ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون﴾ قال فارتعد أبو حنيفة حتى عرفت ذلك منه
وعن سهل بن مزاحم قال قال لي لا يترك القاضي على القضاء أكثر من سنة حتى يعود إلى العلم فيتذكر ثم يتولى ثانيا
وعن عبد الله الأحفظ أنه ذهب مع الحسن بن عيسى بن زيد إليه فقام له وعظمه ثم قال له كان جدك ﷺ يكره أن يقوم رجل لرجل إلا لثلاثة ذو سلطان لسلطانه وذو علم لعلمه وذو شرف لشرفه وأنت منهم
وعن أبي الحسن علي بن أحمد الفارسي قال من مناجاته أنه كان يقول إلهي إن كان صغيرا في جنب طاعتك عملي فقد كبر في جنب رجائك أملي إلهي كيف أنقلب بالخيبة محروما وظني بجودك أن تقلبني مرحوما إلهي إن عزب رائي عن تقويم ما يصلحني فما عزب يقيني عني فيما ينفعني إلهي أعززت نفسي بإيمانك فكيف نذلها بين أطباق نيرانك الهي إذا تلونا من كتابك شديد العقاب أشفقنا وإذا تلونا منه الغفور الرحيم اشتقنا فنحن بين أمرين لا يؤمننا الكتاب سخطك ولا يؤيسنا من رحمتك إن قصر سعينا عن استحقاق نظرك فاقض علي من كرمك انك لم تزل بي بار أيام حياتي فلا تقطع عني برك أيام مماتي إن غفرت فبفضلك وإن عذبت فبعدلك يا من لا يرجى إلا ثوابه ولا يخشى إلا عذابه ومن شواهد كرمك استمام نعمائك ومن محسان جودك استكمال آلائك إلهي إن أخطأت طريق النظر لنفسي بما فيه كرامتها فقد تبينت طريق الفزع بما فيه سلامتها
[ ٢ / ٥١٤ ]
إلهي إن كنت غير مستأهل لما أرجو من رحمتك فأنت أهل أن تجود على المذنبين بفضلك ورأفتك إلهي أمرت بالمعروف وأنت أولى به من المأمورين وأمرت بصلة السوال وأنت خير المسؤلين إلهي سترت على ذنوبا في الدنيا وأنا إلى سترها أحوج في العقبي إلهي هب لي توبة نصوحا تذيقني من حلاوتها وتوصل إلي قلبي برد رأفتها حتى أكون في الدنيا غريبا ولك حبيبا فأصبح في الدنيا بقلب حزين وعين سخينة وبطول بكاء وكثرة دعاء اللهم من أنزل حاجته بأحد من الناس أو طلبها إليه أوثق فيها بغيرك فإني لا أنزلها إلا بك ولا أطلبها إلا إليك فاقض يا رب حاجتي فأنت منتهى الحوائج واجعلني في رحمتك مع الأبرار واعتقني من النار واغفر لي عكوفي على الدنيا بالعشي والإبكار
ومن كلامه من أراد أن ينجو من عذاب العقبى لا يبالي من عذاب الدنيا ومنه لا تجمع الذنوب والآثام لحبيبك ولا تجمع الأموال لنقيضك عني بالحبيب نفسه وبالنقيض وارثه
وذكر الإمام السمعاني عن هلال بن يحيى البصري سمعت يوسف ابن خالد السمتي قال كنت اختلف إلى عثمان البتي بالبصرة فقيه أهلها وكان يتمذهب بمذهب الحسن وابن سيرين فأخذت من مذاهبهم وناظرت عليها منهم ثم استأذنت للخروج إلى الكوفة لتلقي مشائخها والنظر في مذاهبهم والاستماع عنهم فدلوني على سليمان الأعمش لأنه أقدمهم في الحديث وكان معي مسائل في الحديث وكنت سألت عنها المحدثين فلم أجد أحدا يعرفها فذكرت ذلك في حلقة الأعمش فذكر ذلك له فقال ايتوني به فمضيت إليه فقال لعلك تقول أن أهل البصرة اعلم من أهل الكوفة كلا ورب البيت الحرام ما ذلك
[ ٢ / ٥١٥ ]
كذلك وما أخرجت البصرة إلا قاصا أو معبرا أو نائحا والله لو لم يكن بالكوفة إلا رجل ليس من عربها ولكن من مواليها يعلم من المسائل ما لا يعلم الحسن ولا ابن سيرين ولا قتادة لا عمي ولا البتي ولا غيرهم وغضب علي غضب شديدا حتى خفت أن يضربني بعصاه ثم قال لبعض من حضره اذهب به إلى مجلس النعمان فوالله لو رأى اصغر أصحابه علم أنه لو قام أهل الموقف لأوسعهم جوابا ودخل في قلبي من الرعب ما الله تعالى به عالم فقام الرجل واتبعته فلما خرج من المسجد قال النعمان يكون في بني حرام فاسأل عنه فانه بهذه المسائل أعلم وأولى ولي شغل لا يمكن المصير إليه فخرجت اسأل عنه قبيلة بعد قبيلة حتى أتيت بني حرام فى آخر القبايل وقد دخل وقت العصر فإذا أنا بكهل قد أقبل حسن الوجه حسن الثياب وخلفه غلام أشبه الناس به فلما دنا سلم ثم صعد المأذنة فأذن أذانا حسنا فتوسمت فيه أنه الإمام ثم نزل فصلى ركعتين خفيفتين تامتين أشبه بصلاة الحسن وابن سيرين فاجتمع نفر من أصحابه وتقدم فأقام وصلى بهم أشبه الناس بصلاة أهل البصرة فلما سلم استند إلى المحراب وأقبل بوجهه إلى الناس فحياهم ثم سأل كل واحد من أصحابه عن حاله فلما انتهى إلي قال كأنك غريب من أهل البصرة وقد نهيت عن مجالستنا قلت نعم فقال ما اسمك فأخبرته باسمي ثم سأل عن كنيتي فأخبرته فقال أكنت تختلف إلى البتي قلت نعم فقال لو أدركني لترك كثيرا من قوله ثم قال هات ما معك وابدأ قبل أصحابي فإن بك وحشة الغربة وحق لمثلك من المتفقهة التقدم إذ لكل داخل دهشة ولكل قادم حاجة قال فسألته عن المسائل التي كانت مشكلة علي فأجابني فحكيت ما جرى بيني وبين الأعمش فقال حفظك الله يا أبا محمد يجب أن ينوه باسم بلده بغيره ما مثله إلا كما قال القايل
[ ٢ / ٥١٦ ]
شعر … وإذا تكون كريهة ادعى لها … وإذا يحلس الحيس يدعى جندب …
ولئن كان الحسن وابن سيرين فاضلين كان كل واحد منهما يتكلم في الآخر بما يصدق قول الأعمش كان ابن سيرين يعرض بالحسن المعتزلي ويقول يأخذ الجوائز من السلطان ويروي بالمحالات ويفتي بالهوى ويقول بالقدر كأنه إله الأرض ينفرد بالفعل دون ربه ويروي عن علي كأنه رآه وعن سمرة بن جندب كأنه شاهده ويقول بفضل عثمان كأنه من مواليه أعاذنا الله تعالى وإياكم منه فلم يزل يقول ذلك حتى قام خالد الحذاء يوما من مجلسه وقال مهلا يا ابن سيرين لم تقول في هذا الرجل قد استتيب عن القدر عام حجه وفيها أيوب السخستياني ومالك بن دينار ومحمد بن واسع فتاب ويتوب الله على من تاب وقال ﷺ لا تعيروا أحدا بما كان فيه من الكفر فإن الإسلام يهدم ما كان قبله ثم قال الإمام ما أعجب ما قال خالد وهذا محمد بن واسع وقتادة وثابت البناني ومالك بن دينار وهشام بن حسان وأيوب وسعيد بن أبي عروبة وغيرهم يذكرون أن الحسن لم يتب عن القدر حتى مات وهذا عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وغيلان بن جرير وغيرهم يدعون الناس إلى مذهب الحسن وهلم أهل البصرة جرا على هذا المذهب فارتفع قول خالد من هؤلاء وقد قيل إن خالدا تمذهب هذا المذهب أيضًا وكان الحسن يعرض بابن سيرين ويقول يتوضأ بالقربة ويغتسل بالراوية صبا صبا دلكا دلكا تعذيبا لنفسه وخلافا لسنة نبيه ﷺ يعبر الرؤيا كأنه من آل يعقوب ﵇ فدع عنك أيها الرجل هذا وهلم فيما قصدت له وتعلم ما لا يسعك إن الأمم قبلكم ما اجتمعت ولا تجتمع أبدا والله تعالى يقول ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾
[ ٢ / ٥١٧ ]
ولذلك خلقهم ولولا ما جرت المقادير واختلفت الطبائع ما اختلفت ولكن كل يعمل على شاكلته فربكم اعلم بمن هو أهدى سبيلا ثم سكت
فقلت له ما تقول فيما اختلفوا فيه من القدر قال أهل البصرة والكوفة قد اختلفوا فيه على ما علمت وكبر أمره عن الطوق وهذه مسئلة قد استصعبت على الناس فأنى يطيقونها هذه مسئلة مقفلة قد ضلت مفتاحها فان وجد مفتاحها علم ما فيها ولم يفتح إلا بمخبر عن الله تعالى يأتي بما عنده ويأتي ببرهان وبينة وقد فات ذلك والذى نقول في ذلك قولا متوسطا بين القولين أينما مال ملت معه كما قال محمد بن علي ﵄ لا جبر ولا تفويض ولا تسليط والله لا يكلف العباد ما لا يطيقون ولا أراد منهم ما لا يعلمون ولا عاقبهم بما لم يعملوا لا سألهم عما لم يعلموا ولا رضي لهم بالخوض فيما ليس لهم به علمي والله يعلم بما نحن فيه والصواب الذي عنده ونحن مجتهدون وكل مجتهد مصيب إلا أنه لم يكلفهم الاجتهاد فيما ليس لهم به علم والله ولي كل نجوى واليه رغبة كل راغب وفقنا الله تعالى وإياكم لما يحب ويرضى
ومن أصحابه الجامع وروي عنه شعبة وابن جريج وأمثالهما ومع ذلك المقام لزم الإمام وروي عنه الكثير من الكلام وسمى به لأنه كان له أربعة مجالس مجلس لمعاني القرآن ومجلس لأقاويل الإمام من درس الفقه ومجلس للأدب كالنحو ومجلس للمناظرة وغيره ولما مات قعد ابن المبارك على بابه للتعزية ثلاثة أيام
عن الإمام أنه قال ما جازيت أحد بسوء وما لعنت أحدا ولا غششت أحدا
وعن أبي يوسف كل قول قلناه لم نقل به من عندنا إنما كان قولا قاله
[ ٢ / ٥١٨ ]
أولا ثم تركه فقلنا به
وعن الحكم بن هشام قال قلت له هذا الذي تفتينا به صواب قال لا ادري لعله يكون خطاء وهذا نص منه أن المجتهد يخطئ ويصيب لا كما يقوله المعتزلة وإيماء إلى ما قالوا من أن المقلد ينبغي أن يعتقدان إمامه على الصواب ويحتمل الخطاء وغيره على خطاء ويحتمل الصواب وهذا في الفروع وأما في الأصول فيعتقدان المخالف مخطئ جزما
وعن بكير بن معروف قلت له الناس يتكلمون فيك ولا تتكلم أنت فيهم فقال هو فضل الله يؤتيه من يشاء
وعن حازم قال كلمت الإمام في الزهد والعبادة واليقين والتوكل ففسر لي كل باب على حدة
وعن أحمد بن مردويه قال ذكر إبراهيم بن شماس أن ابن المبارك ترك الإمام فغضب وقال قل لإبراهيم أن ثلاثا وثلاثين من كتبه تكذبك
وذكر الغزنوي عن الإمام الشافعي أنه قال إني لا أتبرك بأبي حنيفة وأجيئ إلى قبره زائر فى كل يوم فإذا عرضت لي حاجة جئت إلى قبره وصليت ركعتين وسألت الله تعالى الحاجة فقضيت