ذكر الغرنوي عن زفر عن الإمام أنه قال بلغت الغاية في الكلام حتى صرت مشارا إليه للأنام وكنت اجلس بقرب حلقة حماد فسئلت عمن له زوجة أمة كيف يطلقها للسنة فلم أهتد إلى جواب المسئلة فقلت لها سلي حمادا واخبريني بالجواب فسألت حمادا فأخبرتني فقلت لا حاجة لي في علم الكلام فتحولت إلى حلقة حماد وكان إذا ذكر المسئلة أحفظ قوله فإذا كرر كنت أحفظ أنا الجواب ويخطئ أصحابه فقال لا يجلس في الحلقة قبالتي غيرك فلزمته عشر سنين ثم أردت
[ ٢ / ٤٦٣ ]
أن انفرد في حلقة فلما دخلت المسجد على ذلك العزم لم أملك الخلاف فجلست عنده فأخبر بموت حميم له بالبصرة فخرج إليه وأجلسني مكانه فوردت علي ستون مسئلة لم أحفظ جوابها فأجبت وكتبت جوابي فلما جاء بعد شهرين عرضت عليه جوابي فخالفني في عشرين فحلفت أن لا أفارقه إلى الموت فلازمته ثمانية عشر سنة أخرى
وذكر تاج الإسلام أبو سعد السمعاني عنه قال خدعتني امرأة وفقهتني امرأة وزهدتني امرأة أما الأولى كنت مجتازا فأشارت لي امرأة إلى شئ مطروح في الطريق فتوهمت أنها خرساء وان الشيئ لها فلما رفعته إليها قالت احفظه حتى تسلمه إلى صاحبه والثاني سألتني امرأة عن مسئلة في الحيض فلم أعرف فقالت قولا فتعلمت الفقه والثالث مررت ببعض الطريق فقالت امرأة هذا الذي يصلي الفجر بوضوء العشاء فتعودت ذلك حتى صار عادة
وذكر عنه أنه قال كنت أنازع الناس في علم الدين فسئلت عن فريضة فلم أعرف فقيل تكلم في الدين وهو أدق من الشعر ولا تحسن فريضته فخجلت فأتيت الشعبي فإذا مخضوب الرأس واللحية يلعب بالشطرنج مع أصحابه فسألته عن مسئلة فقال ما يقول فيه الحكم بن عتيبة وحماد وسمعته يقول لا نذر في معصية الله ولا كفارة فيه فقلت الله تعالى يقول ﴿وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا﴾ ومع ذلك أوجب فيه الكفارة فقال أقياس أنت قم فاخرج عني فدخلت على قتادة فإذا هو يتكلم فى القدر فدخلت على أبي الزبير صاحب جبر بن عبد االله فرأيته رجلا لا يحفظ لسانه فأتيت نافعا مولى ابن عمر فإذا هو يروي عن مولاه أنه كان يرخص فى اتيان النساء غير ما تاهن ويتلوا قوله ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ الآية فقلت هذا أحمق الناس أو أكذب الناس فإذا كان سمع منه كان عليه أن يكتمه فلزمت حمادا فإن قلت
[ ٢ / ٤٦٤ ]
قد أنكر الإمام علي الشعبي لعبه بالشطرنج وهو مختلف بين العلماء المتأخرين فإن مالكا والشافعي جوزاه والنكير في المجتهدات ساقط قال النمرتاشي ليس لك أن تنكر على من قلد مجتهدا أو اجتهد دليلا فإن نقول لا نكير إلا أن الأفضل أخذ العلم ممن هو الأتقى إلا كمل ولذا أنكر على فعله لا على قوله فان التقوى فوق الفتوى قال تعالى ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ وورد استفت قلبك وإن أفتاك المفتون ومن المعلوم أن الخروج من موضع الخلاف مستحب بالإجماع وفسر بعضهم الانصباب بالنرد والشطرنج كما ذكر القرطبي وأغرب بعض الشافعية حيث بالغ في لعبه حتى بلغه إلى حد الندب وإذا عيي القراءة لعب به في المسجد وأسند إلى قوم من الصحابة والتابعين أنهم لعبوا بها قال ابن العربي ما مسها يد تقي قط والأصح أن مالكا معنى فى المنع وقد ثبت قوله ﵇ ملعون من لعب بالشطرنج والناظر إليه كآكل لحم الخنزير فلهذا المنقول الظاهر أنكر الإمام الباهر على المخالف المجاهر والله أعلم بحقائق السرائر قال الكردري فان قلت ما وجه الإنكار على نافع فيما يرويه عن مولاه مع ان ظاهر القرآن يوافقه وهو قوله تعالى ﴿أتاتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم﴾ وقد ثبت القول به عن نافع عن ابن عمر فان كل فرقة فسروا أنى في قوله تعالى ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ بمعنى أين وقالوا قال به سعيد بن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبد الملك بن الماجشون من المالكية وذكر ابن العربي أن سفيان ذكر في كتاب جماع النسوان وأحكام القرآن جوازه عن كثير من الصحابة والتابعين وقال أيضًا بوجود اللواطة في الجنة كثير من المحققين من علماء الحنفية فدل على أنه لا إنكار على نافع قلت كان العلامة يقول لا تهو لكم أسماء الرجال عند قوة
[ ٢ / ٤٦٥ ]
الدلائل وكشف المقال فان كتاب الله تعالى حاكم ببطلان هذا القول فان قوله تعالى ﴿فإذا تطهرن﴾ وقوله تعالى ﴿فأتوا حرثكم﴾ كل دليل قاطع على حرمة محل اللوث اللازم وكذا الأحاديث الحسان الكثيرة والصحاح شهيرة ناطقة صريحة في التحريم رواها الإمام أحمد بن حنبل في مسنده وأبو داود والترمذي والنسائي وقد جمعها أبو الفرج أحمد بن الجوزي في جزء ثم حرمة اللواط عقلية ولذا سماه الله فاحشة فلا وجود لها في الجنة وقيل سمعية فلها وجود فيها وقيل يخلق الله تعالى طائفة يكون نصفها الأعلى على صفة الذكور ونصفها الأسفل على صفة الإناث والصحيح الأول انتهى
ولا يخفي بعد هذا الاستدال بأمثال هذه الأقاويل المجهولة المجعولة في تجويز اللواطة هي الفاحشة في جميع الأمم المتقدمة والمتأخرة والقبيحة في العقول السليمة وأما نقلهم عن المحققين من علماء الحنفية وجودها فى دار النعم العظيمة حاشا المحققين من هذه المقالة السقيمة على أن الطائفة المنصفة لا يلزم في جماعها اللواطة وأيضًا لا يفرق بين الذكر والأنثى إلا بالنصف الثاني فعليك الكلام بالثاني إذ من المعلوم أن أهل الجنة جرد مرد على التنزل أن لمسلك الطائفة فالطابع الجنتية لا تميل إليها في الدار الكثيفة وأيضًا كيف يحكم المحققون بوجود اللواطة في الجنة مع أن العلوم الغيبية التي لا تشتبه بالأدلة القطعية وأقلها الضنية لا بالأمور الوهمية الصادرة عن العقول الردية فنسأل الله العافية من الخطاء في الأمور الدينية والآخروية وأما نقلهم عن نافع فان النسأي روى عن أبي النضر قال لنافع قد أكثر عليك القول أنك تقول به عن مولاك قال كذبوا عليّ الحديث
وذكر الدارمي في = مسنده عن سعيد بن يسار قال قلت لإبن عمر ما تقول
[ ٢ / ٤٦٦ ]
فى الجواري حين حمض بهن قال وما التحميض فذكرت له الدبر فقال هل يفعل ذلك أحد من المسلمين وقد ذكر بعض أصحابنا فيما أجاب به المعدل الذى هجا الإمام مذفران سالما روى عن ابن عمر خلافه فقال شعر … أن كنت ذا كذب على أشياخنا … متنقصا لأبي حنيفة أو زفر
فعليك إثم الشيخ أعني مالكا … في قوله وطي الحلائل في الدبر
هذا مقال قد رووا عن سالم … تكذيب ناقله وتزوير الخبر … وذكر الإمام الأندلسي وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون ذلك عنه فنفر عن ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل وقال كذبوا علي ألستم قوما عربا أو يكون الحرث إلا موضع النبت قال ثعلب شعر … إنما الأرحام أرضون محترف … فعلينا الزرع وعلى الله الإنبات …
أقول ولا يبعد الجمع بين نفي القول المذكور وإثباته أن محل الثاني إذا كانت المرأة حائضا كما نقل شيخ مشايخنا السيوطي في الدر المنثور روايات كثيرة عن بعض السلف والله سبحانه أعلم
وذكر الديلمي بإسناده إلى القاسم بن عدي العجلي قيل للإمام كيف اخترت حمادا قال بتوفيق الله تعالى وتأملت في العلوم فقلت الكلام عاقبته سوء ونفعه قليل إن تبحر فيه لا يقدر على الكلام جهارا ويرمي بالهوى وعاقبة الأدب مجالسة الصبيان وعاقبة الشعر التكدي بالمدح وقول الجفاء والخناء وتمزيق الدين وعلم القراءة بعد جمع الكثير منه في العمر الطويل مجالسة الأحداث وربما يرمي بسؤ الحفظ فيلزمه ذلك وعلم الفقه أولى لمجالسة المشائخ
[ ٢ / ٤٦٧ ]
والتخلق بأخلاقهم ولا يستقيم أداء التكاليف إلا به وحصول نجح الدارين متعلق بكسبه ولو نزلت نازلة في الحي احتاجوا إليك بسببه فإن يجدوا عندك جوابا قالوا سلوا مشائخك فان أردت الدنيا نلت به وان تخليت للعبادة فلم يقدر أحد أن يقول تعبد بلا علم
وبه إلى يحيى بن شيبان قال قال الإمام كنت أعطيت جدلا في الكلام وأصحاب الأهواء في البصرة كثيرة فدخلتها نيف وعشرين مرة وربما قمت بها سنة أو أكثر ظنا أن علم الكلام أجل العلوم فلما مضى مدة عمري تفكرت وقلت السلف كانوا أعلم بالحقائق ولم ينتصبوا مجادلين بل أمسكوا عنه وخاضوا في علم الشرائع ورغبوا فيه وتعلموا وعلموا وتناظروا عليه فتركت الكلام واشتغلت بالفقه ورأيت المشتغلين بالكلام ليس سيماهم سيماء الصالحين قاسية قلوبهم غليظة أفئدتهم لا يبالون بمخالفة الكتاب والسنة ولو كان خيرا لاشتغل به السلف الصالحون هذا
وحكاية روياه مشهورة أنه ينبش قبر النبي ﷺ ويولف العظام الكرام يوضع بعضها في موضع مناسب للمقام وتعبير ابن سيرين لها أن صاحبها رجل يحيي الله به سنة أميتت فيما بين الأنام
فصل في اعتقاده
ذكر الغزنوي عن يحيى بن نصر والديلمي عن نوح بن أبي مريم الجامع قالا سألناه عن السنة والجماعة قال تفضيل الشيخين ومحبة الختنين والإيمان بالقدر خيره وشره والمسح على الخفين وتحليل النبيذ للتقوى على طاعة الله لا السكر وعدم التكفير لأحد بذنب عدم التكلم فى الله بشيئ قال سعد بن معاذ جمع الإمام في هذه الأحرف
[ ٢ / ٤٦٨ ]
السبعة مذهب أهل السنة والجماعة
فاعلم أنه روى عبد الرحمن بن المثنى أن الإمام كان يفضل الشيخين ثم يقول علي وعثمان ثم من كان له سابقة وهو أنقى فهو أفضل وكان لا يقول في الصحابة إلا خيرا وكان يقول مقام أحدهم مع النبي ﷺ ساعة أفضل من عبادتنا طول عمرنا
ثم اعلم أن بعض المتكلين قالوا نمسك عن تفضيل الصحابة بعضهم على بعض والجمهور على خلافه ولكن اختلفوا فقال أكثرهم الصديق أفضلهم وقال الخطابية الفاروق أفضلهم وقال الرواندية العباس أفضلهم وقال الرافضة علي أفضلهم واتفق أهل السنة على تقديم الشيخين ووافقهم أيضًا فيه المعتزلة ثم اختلفوا فقال أقلهم وهو رواية عن الإمام ثم علي ثم عثمان وقال أكثرهم ثم عثمان ثم علي وهو الأصح من مذهب الإمام كما يعرف من كتاب الفقه الأكبر ونصائحه ثم تمام العشرة المبشرة بالجنة ثم أهل بدر ثم أهل أحد ثم أصحاب بيعة الرضوان وزعم طائفة منهم ابن عبد البران من توفي من الصحابة الكرام حال حياته أفضل ممن بقي بعد مماته ﵇ وهذا إطلاق غير مرضي عند العلماء الأعلام
ثم اختلف العلماء في التفضيل المذكور أقطعي أم ظني فذكر الأشعري أنه قطعي وذكر الباقلاني أنه ظني ثم اختلفوا أن التفضيل بحسب الظاهر فقط أم بحسب الظاهر والباطن كذا ذكره الكردري والقول بكونه قطعيا بعيد جدًا اللهم إلا أن يقال في حق الصديق فإنه إلى التحقيق حقيق وأما القول بأنه بحسب الظاهر والباطن فأبعد والله ولي التوفيق
ثم في قوله ومحبة الختنين إشارة إلى أن محبتهما كافية فى كون حليهما من
[ ٢ / ٤٦٩ ]
أهل السنة لما سبق من الكلام أراد الإمام التنبيه على أن باغضهما خارجي خارج من أهل السنة والجماعة وكذا باغض عثمان وهما الشيعة سواء يقولون لا نحب الثلاثة ولا نسبهم أو يلعنونهم وفى تكفير لاعنهم خلاف مشهور وتفصيل فى محله مسطور وقد بسطة هذه المسئلة في رسالة مستقلة ثم في قوله ويؤمن بالقدر خيره وشره إخراج المعتزلة وسائر المبتدعة من القدرية والمراد بالأيمان بالقدر اعتقاد أن جميع الأمور بقضاء الله وقدره وفق ما أراد أن يظهر بكسب العباد فخرج الجبرية على أنهم أقرب إلى الحق من سائر المبتدعة
ثم في قوله والمسح على الخفين رد على طائفة من الشيعة وقد نقل ابن المبارك عن الإمام ما قلت بالمسح عليهما حتى جاءني مثل ضوء النهار يعني الأدلة الساطعة من الكتاب فان آية الوضوء مبهمة مجملة باعتبار القراءتين وقد بينها النبي ﷺ بغسل الرجلين حال كشفهما ومسحهما وقت لبسهما وكادت الآثار في المسح أن تتواتر بل قد تتواتر معنى أكثرة طرقه ورواته
ثم في قوله وتحليل النبيذ إشعار بأن من قال به لا يخرج عن كونه من أهل السنة لا أنهم اتفقوا على تحليله فإن المسئلة خلافية وهي من الفروع الفقهية التي فيها خلاف المالكية والشافعية والحنبلية فمذهبهم إن كل ما يسكر كثيره فقليله حرام وقد بينة الأدلة من الجانبين في شرح مسند الإمام وفى قوله لا للسكر إيماء إلى أن شربه إذا أنجر إلى السكر فهو حرام وكذا إذا قصد السكر به في أول قعوده
وقد ذكر علماؤنا في بحث المثلث أنه إذا قعد للسكر فالقدح الأول حرام وكذا القعود عليه حرام وسرحوا بأن السكر من البنج ولبن الرماك حرام إلا أنه لا يحد وذكر فى يتيمة الدهران حادثة أهل البنج وقعت فى زمان
[ ٢ / ٤٧٠ ]
الطحاوي من أئمتنا وخاله المزني من الشافعية فأفتيا بالحرمة ووافقهما في ذلك أئمة عصرهما والمكتوب في حاشية القنية عن العلامة مولانا سيف الدين الفقيه أن من يعتاد أكل البنج يعاقب بالقتل وهذا محمول على أنه يأكله لتحصيل السكر ويزعمه حلالا
وأما ما ذكره الأئمة الثلاثة من الآثار الحسان والأحاديث الصحاح من تعليق الحكم وهو الحرمة بالسكر قل المشروب أو كثر فقد تكلم فيه رئيس المحدثين يحيى بن معين وعلى التنزل فمأول بان المراد من السكر هو المسكر بالفعل والمنع من شرب قليله إنما هو في حق من يشرب لقصد السكر والتلهي لا للنشاط على الطاعة والتقوى أو لئلا ينجر قليله إلى كثيره كالراعي حول الحمى
وقد ذكر الطحاوي وغيره أن عند محمد كل ما يسكر كثيره فقليله حرام وأما فتوى المشائخ على رأى أبي حنيفة وأبي يوسف ومع هذا ففي فتاوي قاضي خان أنه سئل الإمام أبو حفص الكبير عن هذا فقال لا يحل شربه فقيل له خالفت الشيخين فقال لا لأنهما كانا يحلان الأسمر للتقوى والناس في زماننا يشربونه للفجور والتلهي وشربه للهو لا يحل إجماعا
ثم في قوله وعدم التكفير بها أي بكبيرة رد على الخوارج وقوله وعدم التكلم في الله بشيء يعني في صفات الله كذا ذكره الكردري وفيه بحث إذ تكلم الإمام على الصفات في الفقه الأكبر وغيره والمسئلة تنازع فيها أهل السنة والمعتزلة حيث أثبتها الأولون قائلين بأنها قديمة لا عين الذات ولا غيرها والآخرون نفوها تحرزا من تعدد القدماء فينبغي حمل كلام الإمام على نفي الكلام في كنه ذاته وصفاته أو على نفيه فيهما مطلقا بمجرد الدلالة العقلية ففيه رد على الحكماء وبعض الجهلة من المتصوفة القائلين بوحدة الوجود والإتحاد
[ ٢ / ٤٧١ ]
والحلول وسائر مقالات أهل الفساد واليه رؤوف بالعباد
وروى الإمام أبو حامد محمد بن أبي الربيع المازني والشيخ الإمام النسفي بإسنادهما إلى أبي مقاتل السمرقندي أن الإمام قال فى = كتاب العالم والمتعلم العمل تبع للعلم والعمل القليل بالعلم خير من العمل الكثير بالجهل كما أن الزاد القليل الذى لا بد منه في المفازة مع الهداية أفضل من الزاد الكثير مع الجهالة قال الله تعالى ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ وقد صرح الإمام في ذلك الكتاب بأكثر قواعد أهل السنة فهو بريئ من كونه معتزليا أو مرجيا أو جبريا كما توهم بعضهم إذ أسندوا مذهبهم إليه ترويجا بما شاهدوا من الفضل لديه واعتماد أكثر المسلمين في باب الإعتقاد والأعمال عليه فله ولأصاحبه الحنفية مشاركة في الملة الحنفية حيث ادعى كل أرباب ملة أن الخليل منهم وقد نفى الله عنهم بقوله ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين﴾ والحمد لله رب العالمين
هذا وكان الإمام إذا وردت مسئلة فيها حديث صحيح تبعه ولو عن الصحابة والتابعين وإلا قاس فأحسن القياس روى أنه وضع ستين ألف مسئلة وقيل وضع خمسة مائة ألف مسئلة وذكر الخطيب الخوارزمي أنه وضع ثلاثة آلاف وثمانين ألف مسئلة منها ثمانية وثلاثون ألفا في العبادة والباقي في المعاملات لولا هذا لبقي الناس في نية الضلالة وبيداء الجهالة
وذكر أبو المعالي الحلبي عن الحسن بن زياد عنه أنه قال قولنا هذا رأى حسن وهو أحسن ما قدرنا عليه فمن جاء بأحسن مما قلنا فهو أولى بالصواب منا
وذكر الديلمي عن زهير بن معاوية قال كنت عنده والأزهر بن الأغريقائه إذا صاح رجل وقال أول من قاس إبليس فقال الإمام يا هذا
[ ٢ / ٤٧٢ ]
وضعت الكلام فى غير موضعه قاس اللعين لرد أمر الله حيث قال تعالى ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا﴾ ونحن من مسئلة إلى أخرى لنردها إلى أصل من أصول الكتاب أو السنة أو اتفاق أمة فنجتهد وندور حول الاتباع فأين هذا من ذاك فصاح الرجل وقال تبت من مقالتي إلى ربي نورت الله قلبك كما نورت قلبي
وعن علي بن هشام قال اخبرنا أبو حنيفة قال حدثنا الشعبي أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري وهوعامل بالبصرة إن قس الشيئ بالشيئ واضرب الأمثال يتبين لك الحق
وعن الحسن بن زياد أنه كان يقول ليس لأحد أن يقول برأيه مع نص عن كتاب الله أو سنة عن رسول الله أو إجماع عن الأمة وإذا اختلف الصحابة على أقوال نختار منها ما هو أقرب الى الكتاب أو السنه ونحبتنب عما جاوز ذلك فالاجتهاد موسع على الفقهاء لمن عرف الاختلاف وقاس فاحسن القياس وعلى هذا كانوا
وروى عنه ما جاء عن الله ورسوله لا نتجاوز عنه وما اختلف فيه الصحابة أخترناه وما جاء عن غيرهم أخذنا وتركنا
وروى أنه كان كثيرا يقرأ هذه الآية فى خلال كلامه ﴿فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ وفيه دليل على أنه لم يبدع لفظ الاستحسان فانه موجود فى الكتاب وكذا في السنة فقد ورد ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن
وعن أبي يوسف أنه كان إذا وردت حادثة قال الإمام هل عندكم أثر فإن كان عنده أو عندنا أثر أخذ به وإن اختلف الآثار أخذ بالأكثر وإلا أخذ بالقياس
[ ٢ / ٤٧٣ ]
وإن تعسر القياس فتركه إلى الاستحسان
وعن محمد بن سماعة أن الإمام ذكر في تصانيفه نيفا وسبعين ألف حديث وانتخب الآثار من أربعين ألف حديث والمسائل التي رجع عنها من القيام إلى الأثر كثيرة لشدة اتباعه منها كان يقسم الدية على منافع الأئمة ويوجب الأرش في الإبهام أكثر مما يوجبة في سائر الأصابع فلما بلغه قول ﵇ الأصابع كلها سواء رجع عن ذلك كالصديق كان يقول الدية في الأنف أكثر من الأذنين لأنه يستره العمامة والأنف مكشوف ففوات الزمان فيه أكثر فلما بلغه أنه ﵇ أوجب في الأذنين الدية رجع عن ذلك
ومنها أن الإمام كان يقول اكثر الحيض خمسة عشر يوما فلما بلغه عن أنس أنه ﵇ قال الحيض ثلاثة أيام إلى العشرة والزايد استحاضة رجع عن ذلك ومنها ما ذكره خلف الأحمر أن الإمام كان لا يصلى قبل العيد ولا بعده ثم رأيته يصلي بعد العيد فسألته عن ذلك فقال بلغني عن علي ﵁ أنه كان يصلي بعده أربعا فاقتديت به انتهى ولعله كان يصلى فى بيته كما رواه ابن ماجه أنه كان ﵇ يصلي بعده في بيته ركعتين
فان قلت تعليم الحيل مذموم حتى قالوا أن المفتي الذي يعلم الناس الحيل هو الماجن الذي يستحق الحجر في جميع المذاهب قلت الحق فيه التفصيل قال تعالى ﴿كذلك كدنا ليوسف﴾ الآية وقال ﷿ لأيوب ﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث﴾ وكان حلف أن يجلد زوجته رحمة مائة جلدة فعلمه الله تعالى المخرج وقد صح أنه ﵇ قال خذو عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه به حين أتى يناقض الخلق وقدرني وصح أنه ﵇ قال لعامل خيبر وكل تمر خيبر هكذا قال لا بعت منه صاعين بصاع فقال ﷺ
[ ٢ / ٤٧٤ ]
أوه عن الربو هلا بعت صاعيك بدرهم ثم ابتعت به تمرا فدل أن الحيلة للتوصل إلى الحق أو للتخلص عن المضرة جائزة وإنما الحرام ما يتوصل به إلى الباطل وإبطال الحق بعد الثبوت والمفتي الماجن في القول المعتمد هو الذي يفتي بأمر باطل يؤدي إلى الخروج من الدين كما يعلم لامرأة الارتداد ليتخلص من الزوج وليس لها ذلك فأنها إن فعلت ذلك يسترقها زوجها وهذا على قولها بلا شبهة والمسئلة معروفة
وقد ذكر عبد المجيد الخوارزمي عن محمد بن مقاتل أن رجلا جاء وقال للإمام ما تقول فيمن لا يرجو الجنة ولا يخاف النار ولا يخاف الله ويأكل الميتة ويصلي بلا ركوع ولا سجود ويشهد بما لم يره ويبغظ الحق ويحب الفتنة فقال أصحابه أمر هذا الرجل مشكل فقال الإمام هذا رجل يرجو الله تعالى لاالجنة ويخاف الله تعالى لا النار ولا يخاف الظلم عليه من الله في عدله ويأكل السمك والجراد ويصلي على الجنائز ويشهد بالتوحيد ويبغض الموت وهو حق ويحب المال والولد وهما فتنة فقام السائل وقبل رأسه وقال أشهد أنك وعاء للعلم
وذكر العلامة حسام الملة السغناقي أن رجلا جاء إليه وقال بواو أم بواوين فقال بواوين فقال بارك الله فيك كما بورك في لا ولا فلم يعلم الحاضرون ما قالا فقال الحاضرون ما هذا الكلام فقال سألني عن التشهد بواو أم بواوين فقلت بهما فقال بارك الله فيك كما بورك في شجرة لا شرقية ولا غربية
وذكر الديلمي عن علي بن عثام قال لما فر الإمام إلى المدينة وكان فيها حسين بن زيد العلوي واليا من جهة بني العباس فقال لغلامه خذ بلجام دابة الشيخ وقل له من خير الناس بعد النبي ﵇ فقال العباس فسكت وكان غرض
[ ٢ / ٤٧٥ ]
العلوي أنه إذا قال الصديق آذاه وإذا قال المرتضى لامه في ترك مذهبه فلما اختار الثالث لم يتمالك أن يقول شيئا خوفا من بني العباس انتهى وكان الإمام قصد به الخيرية من الحيثية النسبية وقد ورد أن في المعاريض لمندوحة عن الكذب وثبت أن الحرب خدعة
وذكر الإمام الحلبي عن علي بن عاصم قال كان الإمام يأخذ من لحيته الحجام فقال له اتبع مواضع البياض فقال لا تفعل لأنه يزيد فقال اتبع مواضع السواد لعله يزيد فبلغ الحكاية إلى شريك فقال لو ترك القياس فى شيئ لتركه مع الحجام
وذكر الكرماني عن محمد بن سلمة والصيمري عن فضل بن غانم قالا مرض أبو يوسف فعاده الإمام مرارا فرآه في بعض الأيام ثقيلا فقال لقد كنت اؤملك بعدي للمسلمين ولئن أصبت ليموتن علم كثير فلما برأ أعجب بنفسه وعقد مجلس الأمالي في مسجده فلما بلغ ذلك الإمام دس إليه رجلا وقال له قل له ما تقول في قصار أنكر أن يكون الثوب لصاحبه ثم جاء به إلى المالك مقصورا وطلب الأجران قال يجب الأجر قل أخطأت وإن قال لا يجب قل أخطأت ففعل الرجل ذلك فقام أبو يوسف من ساعته وراح إلى خدمته فقال ما جاء بك إلا مسئلة القصار سبحان الله من رجل يتكلم في دين الله ويعقد مجلسا ولا يحسن مسئلة من مسائل الإجارة فقال علمني قال إن قصره قبل الجحود يجب الأجر لأنه صنعه للمالك وإن قصره بعده لا يجب لأنه صنعه لنفسه ثم قال من ظن أنه يستغني عن التعلم فليبكي على نفسه
وذكر المرغيناني أن شيطان الطاق وهو شيخ للرافضة كان يتعرض للإمام كثيرا فدخل الشيطان يوما في الحمام وكان فيه الإمام وكان قريب العهد بموت
[ ٢ / ٤٧٦ ]
أستاذه حماد فقال الشيطان مات أستاذكم حماد فاسترحنا منه فقال الإمام أستاذنا مات وأستاذكم من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم فتحير الرافضي وكشف عورته فغمض الإمام بصره فقال الشيطان يا نعمان منذكم أعمى الله بصرك فقال مذهتك الله سترك فبادر الإمام إلى الخروج من الحمام وأنشأ يقول شعر … أقول وفي قولي بلاغ وحكمة … وما قلت قولا جئت فيه بمنكر
ألا يا عباد الله خافوا إلهكم … ولا تدخلوا الحمام إلا بميزر …
وروى عنه أنه قال كنا لا ننصرف من عند حماد إلا بفائدة فقال لنا يوما إذا وردت عليكم مسئلة معضلة فاجعلوها سوالا على صاحبها فوعيته فبعد مدة ذهبت إلى دار المنصور فخرج إلي ربيع الحاجب وكان يعاديني فقال أن أمير المؤمنين يأمرنا بقتل رجل ولا ندري ما هو أنقتله قلت يا أبا العباس أن أمير المؤمنين يأمر بالحق أو الباطل قال بل بالحق قلت أنفذ الحق حيث كان قال وكان الربيع أراد أن يوثقني فربطته
وروى أن امرأة كانت مجنونة لها لقب إذا دعيت بذلك شتمت فدعاها رجل به فقذفت أبويه وهما حيان فرفعت إلى ابن أبي ليلى فأقام عليها حدين قائمة في المسجد في مجلس واحد فقال الإمام المجنونة لا تحد والخصم أبواه وهما فى الأحياء ولا تحد إلا بطلبهما ولا يوالي بين الحدين حتى يجف الأول ولا يقام الحدان لو قذف جماعة بكلمة ولا تقام الحدود في المساجد ولا تحد قائمة ولا تمد فى الحدود
وعن خارجة قال دعاه المنصور وعنده ابن أبي ليلى قاضي الكوفة وابن شبرمة قاضي بغداد فقال ما قولك فى الخوارج إذا صابوا من مال المسلمين
[ ٢ / ٤٧٧ ]
ودمائهم قال الإمام سل هذين فسألهما فقال أحدهما يواخذون وقال الآخر لا قال أخطئا جميعا قال لهذا دعوتك ما صوابه قال ما أصابوا بعد التجمع لا يضمنون وما أصابوا قبله ضمنوا ادعي الزهري فى هذه المسئلة إجماع الصحابة
وروى أن عاصما كان من شيوخه كان إذا أتاه ويستفتيه قال له أتيتنا صغيرا وأتيناك كبيرا
وعن بشر بن المفضل عنه أنه قال كانت لنا جارة ولها غلام أصاب منها دون الفرج فحبلت فجاءني أهلها فقالوا نخاف أن تلد وهي بكر فقلت هل لها أحد تثق به فقالوا عمتها قلت تهب الغلام منها ثم تزوجها منه فإذا أزال عذريتها ردت الغلام إليها فيبطل النكاح وهذه حيلة أيضًا ذكرها لمن يخاف أن لا يطلق المحللة بعد النكاح منه فتهب المرأة غلامها لمن تثق به أو تنكح بغلام رجل ثم تهب ذلك الغلام منها بعد الدخول بها فيفسد النكاح وإن أرادت قطع التحدث باعت الغلام من تاجر يروح به إلى أقصى المقام وينقطع التحدث
وعن يوسف بن خالد السمتى قال خرجنا معه إلى بستان إذ نحن بابن أبي ليلى راكبا على بغلته فسلم فسايرا فمرا على نسوان يغنين فلما سكتن قال الإمام أحسنتن فنظرا ابن أبي ليلى في قماطره فوجد قضية فيها شهادته فدعاه ليشهد في تلك القضية فلما شهد أسقط شهادته وقال قلت لمن كن يغنين أحسنتن قال متى قلت ذلك حين سكتن أم حين كن يغنين قال حين سكتن قال أردت بذلك أحسنتن بالسكوت فأمضى شهادته ثم قرأ الإمام ﴿ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله﴾ فخاف ابن أبي ليلى من الإمام خوفا شديدا بعد ذلك المقام وكان إذا وقع له عويصة دس إلى الإمام رجلا يسأله عما هنالك وكان الإمام يعلم به وينشد
شعر
[ ٢ / ٤٧٨ ]
وإذا تكون كريهة ادعي لها … وإذا يحاس الحيس يدعى جندب … وفيه تنبيه على ان الغناء للناس كبيرة كما هو مفهوم من الهداية في قوله ولا من يغني الناس
وقد ذكر السهروردي فى العوارف عن الأئمة الأربعة الرواية على حرمته وعن ابن سلام قال ما زال الإمام يخطئ ابن أبي ليلى حتى عزله الخليفة عن القضاء
ومن غريب ما وقع له معه أن الإمام دخل عليه زائرا فلما جلس قال لحاجبه ايذن للخصوم كأنه رام أن يرى الإمام إمضاء الحكم فتقدم إليه خصمان قال أحدهما أن هذا قال لي يا ابن الزانية فخذ حقي منه فقال القاضي للمدعي عليه ما تقول قال الإمام لِمَ لم تسأل عنه إن كانت أمه حية فليس له حق الطلب وان كانت ماتت كان قولا آخر فسأله فادعى موتها فبرهن فأراد القاضي السوال عنه فقال سله هل لها وارث آخر فإن لم يكن لها وارث آخر كان قولا آخر فبرهن على أنه لا وارث لها غيره فذهب القاضي ليسأل المدعي عليه فقال سله هل كانت أمه حرة فبرهن على حريتها فلما رام القاضي السوال قال سله هل كانت مسلمة فبرهن على إسلامها وكانت من وجوه أهل الكوفة فقال الإمام سل الآن عن القاذف فأنكر فلما ذهبوا به إلى البينة قام الإمام فالتمس القاضي منه أن يقعد حتى يأتي بالبينة فأبى وراح واستراح
وعن وكيع قال رأيته وسفيان ومسعرا أو مالك بن مغول وجعفر بن زياد الأحمر والحسن بن صالح في وليمة بالكوفة وفيها الأشراف والموالي وقد زوج بنتا رجل من ابني رجل فخرج عليهم صاحب الوليمة وقال مصيبة عظيمة زفت امرأة كل إلى آخر غلطا ودخل على كل واحدة غير زوجها فقال سفيان
[ ٢ / ٤٧٩ ]
لا بأس به وقد حكم فيهما أمير المؤمنين علي ﵁ حين كان وجه إليه معاوية فيه فقال علي للسائل أنت رسول معاوية أن هذا لم يكن ببلدنا أرى على الرجلين العقر بما أصابا وترجع كل واحدة إلى زوجها الأول ولا شيئ عليهما ذلك والناس يستمعون كلامه فالتفت مسعر إلى الإمام وقال قل فيها قال سفيان ما يقول غير هذا قال الإمام علي بالغلامين فأتي بهما فقال أيحب كل منكما أن تكون المصاب عنده قالا نعم قال لكل منهما طلق التى لك عند أخيك ففعل فأنكح كل واحد التى فى حبالته ثم قال للأولياء جددوا عرسكم فتعجب القوم وقام مسعر فقبل بين عينيه وقال تلومونني على حبه وسفيان ساكت
وروى أن الأعمش لم يكن يعاشر الإمام بجميل ولا يذكره بخير فوقع النزاع بين الأعمش وامرأته فحلفت أن لا تكلمه والأعمش يكلمها ولا تجيبه فقال الأعمش إن لم تكلميني الليلة فأنت طالق فندم ولم يدر المخرج فذهب ليلا إلى الإمام فقام معه الإمام وأكرمه فجعل الأعمش يعتذر فقال دع الاعتذار وتكلم بالحاجة فلما كلمه بحاجته قال الفرج قريب أن يسر الله تعالى فدعا مؤذن الأعمش وقال إذا دخل الأعمش منزله فإذن قبل انفجار الصبح وكانت العادة بالكوفة كما هو الشرع أن لا يؤذن للصلاة ما قبل دخول وقتها فلما أذن قبل الوقت ظننت أنه وقع عليه الحنث فقالت الحمد لله الذي أراحني منك يا سيئ الخلق فقال الأعمش لم نصبح حيلة وقعت ونعم الحيلة رحم الله أبا حنيفة دلنا عليها
وروي أن الأعمش لم يكن يعاشر زوجته بجميل ولا يذكرها بخير فحلف بطلاق امرأته أن أخبرته بفناء الدقيق بكلام أو إشارة وأرسلت إليه أو ذكرته له أو كتبت لأحد يذكره إليه فتحيرت المرأة وطلبت المخرج فسألت الإمام فقال الأمر سهل شدي جراب الدقيق على تكته أو ما قدرت عليه من ثوبه
[ ٢ / ٤٨٠ ]
فإذا رآه علم بفناء الدقيق بنفسه ففعلت فلما قام من الليل وجر أزراره رأى الجراب فعلم بفناء الدقيق فقال والله هذا من حيل النعمان يرينا عجزنا ويفضحنا بما شاء من نسائنا ويريهن عجزنا ورقة فهمنا
وذكر الحلبي عن أبي يوسف قال جاء إليه رجل فقال حلفت أن لا أكلم امرأتي أو تكلمني وحلفت هي أيضًا مثله فأفتى سفيان بان أيهما كلم الآخر حنث فقال الإمام كلمها ولا حنث عليك فأنكر سفيان وقال أنه يبيح الفروج فلما اجتمعا أعاد الرجل السؤال فأعاد الإمام الجواب فقال سفيان من أين هذا قال لما شافهته باليمين الثاني سقط الأول لأنها كلمته فقال سفيان فتح لك من العلم ما لم يفتح لنا
وعن عبد العزيز بن خالد عن الإمام قال أتاني رجل وقال ماتت أختي وفي بطنها ولد يتحرك فقلت اذهب وشق بطنها واخرج الولد ففعل فجاءني بعد سبع سنين ومعه غلام قال أتعرفه قلت لا قال هو الذي أفتيت بشق بطن أمه وإخراجه فأخرجته وسميته بمولى أبي حنيفة رحمة الله عليه
وعن محمد بن مقاتل قال سمعت أبا مطيع يقول رأيت عليه يوم الجمعة قميصا ورداء قومتهما بأربع مائة درهم وهذا محمول على قوله تعالى ﴿قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده﴾ وقوله سبحانه ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ وعلى ما ورد من حديث إذا أنعم الله على عبد أحب أن يرى عليه أثر تلك النعمة وقد روى ابن خزيمة في مسنده والبيهقي عن جابر أنه ﵇ كان يلبس برده الأحمر فى العيدين والجمعة والمراد بالأحمران فيه خطوطا حمراء كما هو شأن برود اليمن ويؤيده ما رواه الشافعي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه ﵇ كان يلبس برد حبرة في كل عيد إلا أن النوني ضعف الحديثين
[ ٢ / ٤٨١ ]
وعن شريك قال كنا في جنازة رجل من سادات بني هاشم ومعنا الثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة والإمام والجماعة من الأئمة فلما رفعت الجنازة وقف الناس هنالك فسأل الإمام عن سبب ذلك فقالوا حفلت أمه أن لا ترجع قبل الصلاة عليه وحلف أبوه بالطلاق أن لا تتبع الجنازة وترجع من مكانها فلم يهتد أحد إلى الجواب فناداه أبو الميت يا نعمان أغثنا فسأل الإمام عن كيفية الحلفين فلما بينوه قال ضعوا الجنازة فوضعوها فصلى الناس عليه ثم قال لها ارجعي إلى منزلك ثم رفع إلى القبر فقال ابن شبرمة عجزت النساء أن تلدن مثله
وعن عبد الله بن المبارك قال سأله رجل أن يثقب في حائطه كوة فأفتاه بالجواز فمنعه ابن أبي ليلى عن ذلك فأتاه ثانيا فقال افتح فيه بابا فمنعه ابن أبي ليلى فشكا إلى الإمام فقال كم قيمة حائطك قال ثلاثة دنانير قال على قمتها اذهب فاهدمها فلما رام الهدم خاصم خصمه إلى ابن أبي ليلى فقال كيف أحوله من هدم حائطه قال فلم منعتني عن أيسر من ذلك فقال القاضي ما أصنع تذهب إلى رجل يدلني على خطأي أفلا أرجع
وعن عبد الله بن المبارك قال سألته عن رجل له درهمان ورجل له درهم اختلطت ثم ضاع منها درهمان قال يكون الدرهم الباقي بينهما أثلاثا فلقيت ابن شبرمة وعرضت عليه الجواب فقال خطأ بل الباقي بينهما أنصافا لانا نعلم قطعا أن الواحد من الضائعين لذي الدرهمين فاستحسنت جوابه وكان عقل الإمام لو وزن بنصف عقل أهل الأرض لرجحهم فلما عرضته على الإمام قال لما اختلطا وجبت الشركة أثلاثا فالضائع والباقي على الشركة الثانية
وأدق من هذا ما روي عن علي كرم الله وجهه فيمن له خمسة أرغفة وللآخر ثلاثة أرغفة جلسا ليأكلا فجاء إليهما رجل وأكل معهما ودفع إليهما ثمانية
[ ٢ / ٤٨٢ ]
دراهم وقال اقتسما على قدر ما أكلت من أرغفتكم فأعطى صاحب الخمسة ثلاثة دراهم لصاحب الثلاثة فلم يرض إلا بالمناصفة فاختصما إلى أمير المؤمنين علي فقال خذ ما عرض عليك فقال لا أرضى إلا بالحق فقال إذن لك درهم فقال عرضت علي ثلاثة دراهم فلم أقبل فكيف كان ذلك فقال كان مصالحة أما الحق فلك درهم لأنا نفرض أنكم أكلتم بالسوية لأنا لا نعلم الأكثر أكلا أليس كل رغيف ثلاثة أثلاث فالكل أربعة وعشرين كل منكم أكل ثمانية من أربعة وعشرين فيكون لصاحبك سبعة أثلاث ولك ثلث
وذكر الإمام الحلبي عن وكيع قال كنا عنده إذ جاءته امرأة وقالت مات أخي وأعطوني من تركته دينارا قال من قسم تركتكم قالت داود الطائي قال لعله مات عن ست مائة دينار وبنتين لهما الثلثان أربع مائة دينار وأم لها السدس مائة دينار والمرأة لها الثمن خمسة وسبعون دينار أو اثنى عشر أخا وأخت وهى أنت لك أخ ديناران وأنت لك دينار واحد قالت نعم
وسئل الإمام عمن حلف ليقربن امرأته نهارا في رمضان قال يسافر بها ويقربها
وادعى رجل النبوة وطلب من الناس أن يمهلوه حتى يأتي بالعلامة على صدقة فقال الإمام من طلب منه العلامة كفر لأنه يوهم صدقه والمفتاح باب النبوة وفيه رد كونه ﷺ خاتم النبيين
وتزوج الإمام على والدة حماد فهجرت الإمام وقالت لا أرضي بلا تطليق الجديدة فقال لها إذا كنت جالسا مع والدة حماد فادخلي علينا كأنك سائلة وقولي إذا تزوج الرجل على امرأته فهل للقديمة هجران زوجها ففعلت فقالت والدة حماد لا أسالمك بلا تطليق الجديدة فقال الإمام كل امرأة لي خارج الدار فهى
[ ٢ / ٤٨٣ ]
طالق فرضيت وسالمته ولم تطلق الجديدة
وجاء رجل إلى الإمام فقال لي ابن أن زوجته امرأة طلق وان اشتريت له جارية أعتق وإن لم أزوج له امرأة ولم أشتر له أمة يقع في الزنا فما اصنع قال اشتر أمة وزوجها منه فإن طلقها ردت إليك وإن أعتق لم ينفذ
قال الليث ابن سعد إمام أهل مصر كنت أتمنى لقاء الإمام فرأيته قد اجتمع عليه الأنام وسئل عن هذه المسئلة فما أعجبني صوابه كما أعجبني سرعة جوابه
وروى أنه كان عند الأعمش إذ سئل عن مسئلة وقيل ما تقول فى كذا وكذا وقال الإمام أقول كذا وكذا فقال الأعمش من أين لك هذا قال أنت حدثتنا عن أبي صالح عن أبي هريرة وعن أبي وائل عن عبد الله عن أبي إياس عن أبي مسعود الأنصاري أنه قال قال رسول الله ﷺ من دل على خير كان له مثل أجر عمله وحدثتنا عن أبي صالح عن أبي هريرة أنه ﵇ قال له رجل يا رسول الله كنت أصلي في داري فدخل علي رجل فأعجبني ذلك فقال ﷺ لك أجران أجر السرو وأجر العلانية وحدثتنا عن الحكم عن أبي مجلز عن حذيفة عنه ﷺ لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى يشرك به ويجعل له الولد ثم يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم وحدثتنا عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال ﷺ ما من عبد إلا له صيت في السماء وصيت في الأرض فإذا كان في السماء حسنا وضع له القبول في الأرض وإن كان سيئا في السماء وضع له كذلك في الأرض وحدثتنا عن أبي الزبير عن جابر قال شكونا من جوع إليه ﵇ قال لعلكم تأكلون متفرقين اجتمعوا في طعامكم يبارك الله لكم وحدثتنا عن يزيد الرقاشي عن
[ ٢ / ٤٨٤ ]
أنس عنه ﷺ أنه قال كاد الحسد أن يغلب القدر وكاد الفقران يكون كفرا وأن الرجل ليذنب ذنبا فيحرم نصيبه من الرزق قال الأعمش حسبك ما حدثتك في مائة يوم حدثتني في ساعة ما علمت أنك تعمل بهذه الأحاديث يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة وأنت أيها الرجل أخذت بكلى الطرفين
وذكر الإمام المرغيناني أن رجلا جاء إليه وقال حلفت أن لا أغتسل من هذه الجنابة فأخذ الإمام يده وانطلق به حتى إذا مر على قنطرة نهر دفعه في الماء حتى انغمس في الماء ثم خرج فقال قد طهرت وبررت لان اليمين كان على منع نفسه عن فعل الغسل ولم يحصل منه فعل
وسئل عن امرأة صعدت السلم فقال لها زوجها إن صعدت فأنت طالق وإن نزلت أيضًا قال يرفع السلم وهي قائمة عليه ثم يوضع على الأرض أو ترفع المرأة وتوضع على الأرض ولا يحنث لأنها ما نزلت ولا طلعت
وسئل أيضًا عن رجل قال لامرأته إن لبست هذا الثوب فأنت كذا وإن لم أجامعك فيه فأنت كذا فتحير علماء الكوفة فقال يلبسه الزوج ويجامعها فيه
وولدت امرأة ولدين ظهرهما متصل فمات أحد الولدين قال علماء الكوفة يدفنان جميعا وقال الإمام يدفن الميت ويتوصل بالتراب في قطع الاتصال ففعلوا فانفصل الحي وعاش وكان يسمى بمولى أبي حنيفة ﵁
ودعاه ابن هبيرة يوما وراه فصا منقوشا مكتوب عليه عطاء بن عبد الله وقال أكره التختم به لمكان اسم غيري عليه ولا يمكن حكه فقال دور رأس الباء يكون عطاء من عند الله فتعجب من سرعة استخراجه وقال لو أكثرت الاختلاف إلينا وأفدتنا قال وما أصنع عندك إذا قربتني فسنى وإن أقصيتني
[ ٢ / ٤٨٥ ]
أحزنتني وليس عندك ما أرجوه وليس عندي ما أخافك عليه ومثل هذا جرى بينه وبين المنصور وعيسى بن موسى أمير الكوفة حين قالا له لو أكثرت الاختلافات إلينا وأفدتنا
وعن الحسن بن زياد عنه قال ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد الصادق دعاني المنصور يوما وقال الناس قد افتتنوا به فهيئ عليه من المسائل الشداد فهيأت له أربعين مسألة ثم دعاه وقال الق عليه من مسائلك فألقيت عليه واحدًا واحدا فجعل يقول كذا قال أهل المدينة فيه وأنتم قلتم كذا وكذا وأنا أقول فيه كذا فربما تابعنا وربما تابع أهل المدينة وربما خالف الكل فلما فرغ قال ألسنا روينا أن أعلم الناس أعلمهم بهذه الاختلافات
وعن أبي معاذ البلخي أن الإمام كان يقول أهل الكوفة كلهم مولاي لان الضحاك بن قيس الشيباني الحروري دخل الكوفة وأمر بقتل الرجال كلهم فخرج إليه الإمام في قميص ورداء وقال أريد أن أكلمك فقال تكمل قال لم أمرت بقتل الرجال قال لأنهم مرتدون قال أكان دينهم غير ما هم عليه فارتدوا حتى صاروا إلى ما هم عليه أم كان هذا دينهم قال أعد ما قلت فأعاد قال الضحاك أخطأنا فغمدوا سيوفهم ونجا الناس
وقال أبو الفضل الكرماني لما دخل الخوارج الكوفة ورأيهم تكفير كل من أذنب وتكفير كل من لم يكفر قيل لهم هذا شيخ هؤلاء فاخذوا الإمام وقالوا تب من الكفر فقال أنا تائب من كل كفر فقيل لهم أنه قال أنا تائب من كفركم فأخذوه فقال لهم أبعلم قلتم أم بظن قالوا بظن قال إن بعض الظن إثم والإثم ذنب فتوبوا من الكفر قالوا تب أيضًا من الكفر فقال أنا تائب من كل كفر فهذا الذي قاله الخصوم أن الإمام استتيب من الكفر
[ ٢ / ٤٨٦ ]
مرتين ولبسوا على الناس
وحكى أن رجلا أوصى إلى رجل وسلم إليه كيسا فيه ألف دينار وقال إذا كبر ولدي فادفع إليه ما تحبه فلما كبر دفع إليه الكيس وامسك المال فلم يجد الصبي مخرجا فجاء إلى الإمام وقص عليه فدعا الوصي وقال له ادفع الألف لأنك أمسكت المال والرجل إنما يمسك ما يحب ويعطي ما لا يحب
وكان الإمام إذا شكلت عليه مسئلة قال لأصحابه ما هذا إلا لذنب أحدثته وكان يستغفر وربما قام وصلى فتنكشف له المسئلة ويقول رجوت أني تيب علي فبلغ ذلك فضيل بن عياض فبكى بكاء شديدا ثم قال ذلك لقلة ذنب فأما غيره فلا يتنبه لهذا قلت ولعل الشافعي من هنا قال شعر … شكوت إلى وكيع سوء حفظي … فأوصي لي إلى ترك المعاصي
فان الحفظ فضل من اله … وفضل الله لا يعطى لعاص … ووكيع هذا كان أستاذ الإمام الشافعي وقد قال الإمام لداود والطائي أنت تتخلى للعبادة وقال لأبي يوسف إنك تميل إلى الدنيا وقال لكل واحد من تلامذته كلاما وكان كما قاله وهذا من الكرامة والفراسة وكان يقول ذو الشرف أتم عقلا من غيره قلت ولعل مأخذه قوله ﵇ إذا فقهوا
وذكر أبو العلاء الهمداني عن أبي القاسم يوسف بن علي اليشكري صاحب الكامل في علم القراءة مرض أبو يوسف فقيل أنه قضى قال الإمام لا قيل من أين علمت قال أنه خدم العلم فلم يجتن ثماره لا يموت وكان كما قال حتى روى أنه كان له يوم مات سبع مائة ركاب ذهبية
وذكر الإمام أبو القاسم بن علي الرازي قال احتاج الإمام إلى الماء
[ ٢ / ٤٨٧ ]
فى طريق الحجاز فساوم أعرابيا قربة ماء فلم يبعه إلا بخمسة دراهم فاشتراه بها ثم قال له كيف أنت بالسويق فقال أريده فوضعه بين يديه حتى أكل ما أراد وعطش فطلب الماء فلم يعطه حتى اشترى منه شربه بخمسة دراهم
فصل في ورعه وتقواه وزهده وعلمه وكرمه ﵁
عن ابن المبارك قلت لسفيان الثوري ما أبعده عن الغيبة ما سمعت يغتاب عدو له قط قال هو أعقل من أن يسلط على حسناته من يذهب بها
وعن يزيد بن هارون رأيته يوما بفناء دار غريم له قد قام في الشمس فانكرته فقال لي على مالكها مال أخاف أن أجلس في ظلها
ومثله عن يحيى بن أبي زائدة إلا أنه قال حلفته بالله العظيم عن مانع الاستظلال فقال أخاف أن يكون قرضا جر نفعا قال وما أراه على الناس لكن على العالم أن يأخذ بعلمه أكثر مما يدعو إليه ولكن شمس الأئمة في كتاب الصرف رد هذا وقال إنه من التكلف لا من الزهد لكن ذكر في صفات الصالحين أن امرأة سألت الإمام أحمد بن حنبل أن شموع آل طاهر تعبر من محلنا ونحن نغزل فى ضوئه ونحن على السطوح طاقة أو طاقتين فهل يحل لنا ثمن ذلك الغزل فقال الإمام أحمد من أنت قالت أخت بشر الحافي قال ما زال هذا الورع الصافي يخرج من آل بشر الحافي فعلم بهذا أن دقائق الورع لا غاية لها ولا نهاية
وكان حفص بن عبد الرحمن شريك الإمام فبعثه إلى تجارة وقال فى ثوب كذا عيب فباع بلا بيانه وجاء بربح فتصدق بحصته وفاسخه الشركة قال المرغيناني وكان الربح خمسة وثلاثين ألف درهم
وكان الحسن بن عمارة يقع فيه فجمع علماء الكوفة أميرها لمسئلة فالكل
[ ٢ / ٤٨٨ ]
اخطأ إلا الحسن قال الإمام كلنا اخطأ إلا الحسن فلو شاء أن يقيم قولا لأقامه ويبطل قولي لأبطله لكنه منعه زهده وتقواه وكان الحسن بعد ذلك يمدحه وفي رواية سهل بن مزاحم وتكلم العلماء وتكلم الإمام فقال العلماء كلهم القول قوله فقال له الأمير اكتب فقال الحق ما قاله الحسن فازداد الناس اعتقادا فيه
وعن النضر بن محمد الرقي قال لقيته ببغداد وأنا أريد الكوفة فقال قل لإبني حماد قوتي في الشهر درهمان من سويق وقد حبسته عني فعجله إلي وكان في تلك الأيام حبسه المنصور للقضاء ببغداد وكان لا يأكل من طعامه بل يوتي له بالسويق من الكوفة
وعنه أن الإمام نهى عن الإفتاء وكان ابنه يسأل عنه في الخلوة شيئا فلا يجيبه فقال حماد أنت بمكان لا يراك فيه أحد فقال أخاف أن يسألني السلطان هل أفتيت فأخاف أن أقول لا
وعن الإمام أحمد أنه ذكره فقال كان زاهدا ورعا ضرب على القضاء إحدى وعشرين سوطا فأبى
وعن المبارك أراد الإمام أن يشتري جاريه فشاور عشر سنين من أي جنس يشتريها ووقعت أغنام من الغارة في الكوفة فسأل عن مدة حياة الغنم فقيل سبع سنين فما أكل اللحم سبع سنين ونعم ما قيل فيه شعر … حسبي مديح أبي حنيفة أنه … أسد العلوم وغابة الأقلام
قد كان في شأن التورع غاية … تكبو وراء بلوغها الأوهام
للزهد لم يقبل حلالا طيبا … فمتى يساق إلى حماه حرام …
[ ٢ / ٤٨٩ ]
هل قد رأيتم مثله متورعا … جاءت به الأصلاب والأرحام
لما أتاه الفقه مزموما وما … باهى به باهى به الإسلام …
وعن سهيل بن مزاحم بذلت له الدنيا بحذافيرها وضرب عليها بالسياط قلم يقبلها من قليلها وكثيرها
وعن أبي يوسف سمعت يقول لولا الخوف من الله ما أفتيت أحدا لكون المهنأ لهم والوزر علينا قلت فكأنه ﵁ أشار إلى قوله ﵇ أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار ولهذا كان السلف الأبرار يتدافعونه عن أنفسهم فى الإعصار والأمصار وقد نظم الإمام سراج الدين الغزي أخو صاحب المحيط هذا المبني وزاد فى المغني فقال
شعر
… تركت الكتب فى الفتوى وأبي … لمحتسب بهذا الترك أجرا
وما تركي لعجزي منه لكن … أكرر من أصول الشرع وقرا
وأما ما درست بغير حفظ … فيعظم ذكرها عدا وحصرا
ولي من سائر الأنواع حظ … وما قولي معاذ الله كبرا
ولكن أذكر النعماء عندي … من الرحمن إيمانا وشكرا
ولكن قد يكون الحكم طورا … خلافيا وبالإجماع طورا
فترتعد الفرائض عند كتبي … نعم أو لا لظني ذاك خيرا
وتركي قول مجتهد سوا … لظن قد يكون الظن وزرا
تدبرت الأمور وكان كتبي … لذي الأمثال صيتا لي وذكرا
فقلت هلكت إن الناس طرا … قد اتخذوك للنيران جسرا
فلا يغررك ذكر الناس واجهد … لتكسب عند ربك العرش ذكرا …
[ ٢ / ٤٩٠ ]
وبادر فى قول الحق واحذر … قضاء لازما موتا وحشرا
ودع عنك العلو تكون عبدا … قنوعا صالحا سرا وجهرا
ولا تركن إلى الدنيا وشمر … لما يدعي لدي الرحمن ذخرا
فلا يغني مقال الخلق عني … هو المغني لما أرهقت عسرا
فحسبي عفو ربي عند تركي … وحسبي كتبة الباقين عذرا …
وعن الحسين بن مالك عن الإمام أنه قال وقع بين المنصور وامرأته مشاجرة فاختارت الإمام ليكون حكما فدعاه المنصور وجلست امرأته وراء الستر فقال المنصور كم يحل للرجل من الحراير قال أربع قال ومن الإماء قال ما شاء بلا عدد قال هل يجوز لأحد خلاف في ذلك قال لا قال الخليفة اسمعي ما قال قالت سمعت قال الإمام يا أمير المؤمنين إنما تحل الأربع لمن عدل فمن لم يعدل أو خاف أن لا يعدل فلا تحل إلا واحدة قال الله تعالى ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ الآية فسكت الخليفة وقام أبو حنيفة فلما بلغ الإمام منزله بعثت الحرة إليه بخمسين ألف درهم وبجارية حسناء معها وبمركب شكرا لما صنع فجاء الخادم بكل ذلك إليه فلم يقبل منه شيأ وقال ما أردت بهذا الكلام تقربا إلى أحد ولا التماسا للبر من المخلوق ولم يمس منه شيئا ولم ينظر إليه حتى رفع من بين يديه
وعن العسكري أنه لما جيئ به إلى المنصور أمر له بعشرة آلاف درهم على يد حسن بن قحطبة فلما أحس أنه يؤتى بمال جعل لا يكلم أحدا فحمل إليه المال فقيل أنه ما تكلم اليوم فقال الحمالون ما نصنع بالمال فوضعوه في زاوية من البيت فلما مات كان ابنه حماد غائبا فقدم فذهب بالمال إلى ابن قحطبة وكان ذلك المال لم يحرك من مكانه فقال هذه وديعتك كانت في زاوية البيت فخذها فنظر إليه الحسن وقال
[ ٢ / ٤٩١ ]
رحمة الله كان شحيحا على دينه وذكر صاحب = المنظومة عن الإمام أبي حفص الكبير البخاري أن الإمام لما فر من ابن هبيرة إلى مكة أقام بها إلى أن ظهرت الهاشمية فقدم الكوفة فاشخص إلى بغداد فأمر له المنصور بعشرة آلاف درهم وجارية فقال له عبد الملك بن حميد وزيره وكان جيد الرأي فيه اقبل الجائزة فإن الخليفة يطلب عليك علة فقال لا حاجة لي فيه فقال أما المال فقد كتب في الديوان أنه قبل وأما الجارية فأما أن تقبلها وأما أن تعتذر حتى أعذرك عنده قال إني ضعيف عن النساء لا حاجة في الجارية لا أصل إليها ولا أحسن أن أبيع جارية وصلت إلي من حرم أمير المؤمنين وذكر المرغيناني عن الحميدي عن أبيه قال لما أشخصه المنصور إلى بغداد شخصت معه فلما خرج من عند المنصور منتقع اللون سألته عن ذلك فقال دعاني إلى القضاء فقلت لا أصلح لذلك لأنه ليس لي قلب أحكم به عليك وعلى أولادك وقوادك فقال لِمَ لم تقبل صلتي فقلت تعطيني من بيت المال ولست من المقاتلة حتى آخذ مالهم ولا من الذرية حتى آخذ عطاياهم ولا من الفقراء حتى آخذ ما يأخذونه قال فأقم حتى تستفتيك القضاة فيما يحتاجون إليك من الأحكام
وعن الحسن بن زياد أنه لم يقبل من أحد هدية ولا جائزة
وعن سهل بن مزاحم كنا ندخل بيته ولا نرى إلا البواري
وعن عبد الرزاق كنا إذا رأيناه رأينا آثار البكار في عينيه وخديه
وسئل أبو مقاتل عنه وعن سفيان فقال ليس من ابتلي فهرب كمن ابتلي فصبر يريد أن سفيان لما دعي للقضاء هرب والإمام صبر على السياط ولم يقبل
وعن عبد العزيز بن عصام أن المنصور لما عرض عليه القضاء وامتنع ضربه ثلاثين سوطا حتى سال الدم على عقبيه قال له عمه عبد الصمد بن علي بن عبد الله
[ ٢ / ٤٩٢ ]
ابن عباس سللت على نفسك مائة ألف سيف هذا فقيه العراق وفقيه المشرق فأمر له بثلاثين ألف درهم وكان كل درهم مقدار مائة درهم اليوم لعزة الدراهم فلما وضعت بين يديه رفضها فقيل له لو تصدقت بها فقال أبو جد عندهم الحلال
وعن جعفر بن عون العمري قال أتته امرأة تطلب ثوبا بما قام عليه فأخرج ثوبا وقال قام على بأربعة دراهم قالت أتهزأ بي وأنا عجوز قال اشتريت ثوبين وبعت أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم فهذا قام على بأربعة
وعن عبد العزيز بن خالد إمام أهل ترمذ أودعت عنده جارية حين خرجت حاجا وغبت أربعة اشهر فلما قدمت قلت له كيف رأيتها قال ما نظرت إليها وسمعت أنه لم يغتسل في تلك المدة فقيل له في ذلك فقال خفت أنها إن سمعت خشخشة الماء تحن إلى الرجال
وقد قال بعض أصحابه حرزنا ختمة في الموضع الذي فارق فيه الدنيا سوى سائر المواضع فكان سبعة آلاف ختمة وكان له في كل شهر ستون ختمة ختمة بالليل وختمة بالنهار
وعن يحيى بن معين أنه كان يختم في رمضان ستين ختمة فيجوز أن يراد بالرواية الأولى هذه أيضًا فان اشتغاله بالنهار في الدرس والقضايا مشهور إلا في رمضان فإنه كان يتفرغ له ويؤيده ما روى عن عبد الله بن أسد قال إذا دخل رمضان يتفرغ لقراءة القرآن فإذا دخل العشر الأخير ما نقدر أن نتكلم معه إلا قليلا لا يقال قد ورد من قرأ القرآن في اقل من ثلاث لم يفقه فإنا نقول لعل ذلك في حق من لم تخفف له القراءة ألم تر إلى ما قد صح عنه ﷺ أنه خفف لداود ﵇ القراءة وكان يأمر دوابه لتسرج فيقرأ الزبور حين تسرج وقد صح أن عثمان وتميما الداري وسعيد بن جبير كانوا يختمون
[ ٢ / ٤٩٣ ]
القرآن في ركعة وقد نقل عن الإمام أيضا ولنا قدوة في الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين هذا وقد يقال المراد بالحديث نفي الكمال على أنه قد يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال
وعن زفر قال بات الإمام عندي ليلة فقام الليل كله بآية واحدة وهي قوله تعالى ﴿بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر﴾
وروى أنه قام الليل كله بآية ﴿فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم﴾
وروى أنه سمع رجلا يقرأ سورة إذا زلزلت الأرض في صلاة العشاء وهو خلفه فجلس بعد خروج الناس إلى أن طلع الفجر وهو آخذ بلحيته قائما يقول يا من يجزي مثقال ذرة خيرا خيرا ويا من يجزى مثقال ذرة شرا شرا أجر عبدك نعمان من النار وما يقرب إليها وأدخله في سعة رحمتك وفي رواية أخرى الليل يقرأ ألهاكم التكاثر ويرددها
وعن أسد بن عمرو عنه أنه قال ما بقى في القرآن سورة إلا وقد قرأتها في وتري ولعله أراد بالوتر التهجد كما في بعض الأحاديث وإلا فالسنة قراءة السور الثلاث في ركعات الوتر
وعن أبي مطيع قال كنت بمكة ما أدخل الطواف في ساعة من ليل أو نهارا إلا رأيته وسفيان في الطواف
وعن حفص بن عبد الرحمن كان يحيي الليل كله بقراء القرآن ثلاثين سنة في ركعة
وذكر الصيمري عن أبي يوسف كان يختم القرآن في كل يوم وليلة مرة وفي رمضان مع يوم الفطر اثنتين وستين ختمة
وقد جاء في رواية أنه لما اشتغل بوضع المسائل واستخراجها قلت عبادته
[ ٢ / ٤٩٤ ]
يعني بالنسبة إلى بدء حالته وعادته
وعن عبد الله الليثي الخوارزمي قال كانت عادته في أثناء كلامه أن يقول ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار
وعن أبي الأحوص أنه لو قيل له انك ميت إلى ثلاث ما كان يمكن أن يزيد في عمله
وروي أن مسعرا جاءه وقال تبت من ذكرك بسوء فاجعلني في حل فقال الإمام من اغتابني من أولى الجهل فهو في حل ومن اغتابني من العلماء فلالان وقيعة العلماء شين إلا بد إلا أن يتوب وجعلتك في حله ولكن كيف بطلب الله إياك بما نهاك من الكتاب والسنة فكانا متواخيين بعد ذلك حتى مات
وعن الحماني كان لا يدخل في جوفه لقمة أحد
وروي أنه ما أكل من البصل والثوم منذ خمسين سنة
وعن يحيى بن آدم قال حج خمسا وخمسين حجة
وروي أنه سكن بمكة في رمضان وتمكن من مائة وعشرين عمرة لكل يوم أربع عمرات ومما قيل فيه شعر … نهارا أبي حنيفة للإفادة … وليل أبي حنيفة للعبادة
وودع نومه خمسين عاما … لطاعته وخداه الوسادة …
وعن الحسن بن زياد أنه رأي على بعض جلسائه ثيابا رثة فقال ارفع هذا المصلى وخذ الألف التي تحته واصلح بها حالك قال إني موسر قال صح في الحديث إن الله إذا أنعم على عبد أحب أن يرى اثر النعمة عليه فغير ثيابك حتى لا يغتم بك صديقك
[ ٢ / ٤٩٥ ]
وروى أنه أعطى لمسلم ابنه حين علمه الفاتحة ألفا واعتذر إليه
وعن عبد الله بن مالك بن سليمان قال أرسل زيد إليه يدعوه إلى البيعة فقال لو علمت أن الناس لا يخذلونه كما خذلوا أباه لجاهدت معه لأنه إمام حق ولكني أعينه بمالي فبعث إليه بعشرة آلالف درهم وقال للرسول ابسط عذري عنده وفي رواية اعتذر إليه بمرض يعتريه ولامنع من الجمع وسئل عن خروجه فقال ضاهي خروج رسول الله ﷺ يوم بدر فقيل له لم تخلفت قال حبسني عنه ودائع الناس عرضتها على ابن أبي ليلي فلم يقبل فخفت أن أموت مجهلا وكان كلما ذكر خروجه بكى
وعن أبي ملبح أنه قال ما ملكت أكثر من أربعة آلاف منذ أكثر من أربعين سنة إلا أخرجتها وإن أمسكتها لقول علي ﵁ أربعة آلاف درهم وما دونها نفقة ولولا أني أخاف أن ألتجئ إلى هؤلاء ما أمسكت درهما واحدا
وروي عنه أنه كان يؤذن ويؤم الناس في مسجده وقال حدثني نافع عن ابن عمران من صلى الفجر ولم يتكلم إلا بذكر الله حتى تطلع الشمس كان كالمجاهد في سبيل الله
وحدثني أبو سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ في الحية إذنها ثلاثا فان ذهبت وإلا فاقتلها
وذكر السمعاني مسندا عن عصام بن يوسف والزرنجري مرسلا قال أتيت مجلسه ورجل يشتمه فما أجابه هو ولا أحد من أصحابه ولا قطع مجلسه حتى فرغ من كلامه فلما قام ودخل منزله جاء الرجل ونظر من شق الباب وجعل يشتم وفي رواية فلما بلغ الإمام الباب توقف وقال للشاتم أريد دخول
[ ٢ / ٤٩٦ ]
منزلي فإن كان بقي من شتمك شئ فاختمه حتى لا يبقى عندك شئ فتاب الرجل وقال اجعلني في حل فجعله في حل
وعن يزيد بن المكتف قال ناظره رجل في مسئلة فقال يا زنديق يا مبتدع فقال الإمام الله يعلم مني خلاف ذلك يعلم أني ما عدلت به أحدا منذ عرفته ولا رجوت إلا عفوه ولا خفت الا عقابه
وذكر الإمام الزاهد النسفي عن أبي الخطاب الجرجاني قال كنت عنده إذ سأله شاب عن مسئلة فأجاب فقال الشاب أخطأت ثم سأله عن أخرى فأجاب فقال الشاب اخطأت فقال لأصحابه سبحان الله ألا تعظمون الشيخ يجئ إليه شاب فيخطئه مرتين وأنتم سكوت فقال لي الإمام دعهم دعهم فإني عودتهم من نفسي ذلك
وذكر الإمام الحلبي عن يحيى بن عبد الحميد عن أبيه قال كان يخرج كل يوم من السجن فيضرب ليدخل في القضاء فيأبى فلما ضرب رأسه واثر ذلك في وجهه بكي فقيل له في ذلك فقال إذا رأته أمي بكت واغتمت وما علي اشد من غم أمي روي أنها قالت يا نعمان إن علما أوردك مثل هذا لحري أن تفر منه فقلت تعلمت لله لا للدنيا
وذكر أنه قال ما صليت صلاة منذ مات حماد إلا استغفرت له ولوالدي ولمن تعلم مني أو تعلمت منه
وروي عنه أنه قال ما مددت رجلي نحو سكة حماد قط وكان بينهما مقدار سبع سكك
وذكر الإمام الحلبي عن عبد الرزاق إن رجلا سأله عن مسئلة فأجاب فقال الرجل إن الحسن أجاب بخلاف هذا فقال الإمام اخطأ الحسن فقال
[ ٢ / ٤٩٧ ]
الرجل يا ابن الزانية فمضى ولم يتغير وجهه بل قال أخطأ الحسن وأصاب ابن مسعود ﵁
ذكر الحلبي عن سفيان بن وكيع عن أبيه قال دخلت عليه وهو مطرق رأسه يتفكر قال من أين جئت قلت من عند شريك بن عبد الله فرفع رأسه وأنشأ يقول
شعر
… إن يحسدوني فإني غير لائمهم … قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم … ومات أكثرنا غيظا لما وجدوا …
وقد احسن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى حيث أنشد
شعر
… هم يحسدوني وشر الناس منزلة … من عاش في الناس يوما غير محسود …
وعن يحيى بن معين رحمة الله تعالى قال كان إذا ذكر أحد عنده بسوء قال
شعر
… حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه … فالقوم اعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لزوجها … حسدا وبغيا أنها لذميم …
وقيل لعبد الله بن طاهر أن الناس يقدحون فيه فقال
شعر
… ما يضر البحرا مسى زاخرا … إن رمى فيه غلام بحجر …
ونعم ماقال القائل … إن يحسدوني فزاد الله في حسدي … لا عاش من عاش يوما غير محسود
ما يحسد المرأ إلا من فضائله … بالعلم والبأس أو بالمجد والجود …
[ ٢ / ٤٩٨ ]
ولبعضهم … فازداد لي حسدا من لست أحسد … إن الفضيلة لا تخلو عن الحسد … ولحاتم الطائي … يا كعب ما إن أرى من بيت مكرمة … إلا له من بيوت الناس حساد …
وعن ابن البجلي إن الإمام مر يوما بسكران يبول قائما فقال له اجلس فقال له السكران يا مرجئ فقال هذا جزائي حين حكمت بإيمانك يجوز أن يريد بالحكم بالإيمان الحكم بعدم خروجه من الإيمان لو تكلم بكلمة الكفر أو أن يريد به عدم الخروج من الإيمان بالسكر الذي هو كبيرة وفيه خلاف المعتزلة كذا ذكره الكردري والصواب أن فيه خلاف الخوارج في المسئلة
وعن بشر بن الوليد قال قال أبو يوسف لقيني الأعمش وقال صاحبكم يخالف ابن مسعود حيث لا يجعل بيع الأمة طلاقها وابن مسعود جعل بيع الأمة طلاقها قلت أنت حدثتنا بذلك قال كيف قلت حدثتنا عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أنه ﵇ خير بريرة بعد ما اشترتها عائشة ولو كان بيع الأمة طلاقها ما كان للتخير فائدة قال أفيه ذلك قلت نعم
عن الإمام قالت سألت الشعبي عن حرة تحت عبدكم طلاقها قال قال ابن مسعود الطلاق والعدة بالنساء فأتيت حمادا فأخبرته فقال أخبرني إبراهيم عن ابن مسعود ﵁ بمثله
وعن عبد الله بن عنبسة قال قال سمعت الشعبي يقول عليكم بالمساجد فإنها مجالس الأنبياء
وعن إسحاق بن دينار عن الإمام قال سمعت الشعبي يقول انما سمي الهوى هوى لأنه يهوي صاحبه إلى النار ونعم ما قيل
[ ٢ / ٤٩٩ ]
شعر
… نون الهوان عن الهوى مسروقة … واأسير كل هوى أسير هوان …
ولآخر … فإذا هويت فقد تعبدك الهوى … فاخضع لحبك كائنا من كانا
أن الهوى لهو الهوان بعينه … فإذا هويت لقد لقيت هوانا …
ولابن المبارك رحمه الله تعالى … ومن البلاء وللبلاء علامة … أن لا يرى لك عن هواك نزوع
العبد عبد النفس في شهواته … والحر يشبع تارة ويجوع …
وروي عنه أنه قال سمعت الأعمش يقول في علته أن الناس يستثقلوني وأنت زدتني عندهم ثقلا فقال الإمام لولا العلم الذي يجري على لسانك ما رأيتني أبدا لان فيك خصالا أنا لها كاره تتسحر عند طلوع الفجر الثاني وتقول هو الأول وقد صح عندي أنه الثاني وترى الماء من الماء ولا ترى الاغتسال من الأكسال ولولا ما عندك من الحديث ما كلمتك فما تسحر الأعمش بعدها إلا قبل الثاني ولا جامع إلا وقد اغتسل وقال صلاة وصيام كيف يكون باختلاف وقال والله لا أفتيت بذلك أبدا
وذكر أبو العلاء الحافظ أن الإمام قال للأعمش لولا أنه تثقل عليك زيارتنا لزرناك أكثر من هذا فقال انك تثقل علي وأنت في بيتك فكيف إذا زرتني فقام الإمام وخرج ولم يقل شيئا فقيل له في ذلك ما أقول له ما صام ولا صلى في عمره
وذكر الغزنوي عن شريك بن عبد الله قال كنا عند الأعمش في مرضه الذي توفي فيه فدخل عليه أبو حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة وكان الإمام
[ ٢ / ٥٠٠ ]
أكبرهم فبدأ بالكلام وقال اتق الله فانك في أول يوم من الآخرة وقد كنت تحدث عن علي ﵁ بأحاديث لو أمسكتها لكان خيرا لك فقال الأعمش اسندوني لمثلي يقال هذا حدثني أبو المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ إذا كان يوم القيامة قال الله تعالى لي ولعلي بن أبي طالب أدخلا الجنة من أحبكما وأدخلا النار من أبغضكما وذلك قول الله تعالى ﴿القيا في جهنم كل كفار عنيد﴾ قال الإمام قوموا حتى لا يجئ باطل من هذا قال فوالله ما جزنا الباب حتى مات قلت وكما يعيشون يموتون وكما يموتون يحشرون وقد قال تعالى ﴿كما بدأكم تعودون﴾
وذكر الكردري أن للرافضة أحاديث أكاذيب ولهم أيضا تأويلات باطلة في الآيات وزيادات وتصحيفات كزيادة والعصر ونوائب الدهر وكقوله وعبد الله وجيها تتغير النون إلى الباء وكقوله تعالى إن علينا للهدى صحفوا أن عليا وهم قوم بهت يزعمون أن عثمان أسقط من القرآن خمس مائة كلمة منها قال تعالى ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ وزادوا فيه بسيف علي وهذا وأمثاله كفر قال تعالى ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ فمن أنكر حرفا مما في صحف عثمان أو زاد فيه أو نقص فقد كفر ألا يرى أن عبيد الله بن زياد سمي فاسقا بزيادة الألف في قوله تعالى ﴿سيقولون لله﴾ فزاد الألف وقال الله مع أنه لا يخرج به عن الفصاحة قلت كيف يكون فاسقا هذا وهو قراءة ثابتة في السبعة وقرأ بها أبو عمرو والبصري فالمدار على الرواية المتواترة وان لم يكن مطابقا للرسم في الصورة فمن أنكر أو زاد فيها أو نقص منها فقد كفر
وعن يسار بن قيراط وكان شريك الإمام قال حججت مع الإمام والثوري فإذا نزلنا بلدة قالا الناس فقيها العراق واجتمعوا عليهما وكان
[ ٢ / ٥٠١ ]
يقدم الإمام ويمشي خلفه وإذا سئل عن مسئلة بحضرة الإمام لم يجب حتى يجيب الإمام فسئل الإمام عن النبيذ فأراد أن يرخص فمنعه سفيان وقال إن رخصنا بالكوفة لا ننفذ بالمدينة
وعن بشر بن يحيى قلت لابن المبارك أدخلت علم أبي حنيفة وسفيان في الكتب ولم تدخل رأي مالك والأوزاعي قال لأني لم أعدهما علما والله سبحانه أعلم
فصل في وفاة الإمام ﵁ ورحمه
روى أن المنصور أشخص الإمام إلى بغداد وطلب منه أن يتولى القضاء من تحت يده إلى جميع الكون واعتل بعلل فخلف المنصور أنه أن لم يقبله يحبسه فأصر على الإباء وقال الخليفة أقدر على كفارة يمينه فحبسه وكان يرسل إليه في الحبس أنه إن لم يقبل ضربه فأبى فأمر أن يخرج ويضرب كل يوم عشرة أسواط فلما تتابع عليه الضرب في تلك الأيام بكى فاكثر البكاء فلم يلبث إلا يسيرا حتى انتقل إلى جوار الملك العلام فمات في الحبس مبطونا مجهودا وقيل مسموما فأخرجت جنازته وكثر بكاء الناس على حالته ودفن في مقابر الخيزران بناء على وصيته
وروى أنه ضرب مائة وعشرة أسواط في إحدى عشر يوما فاخرج من السجن على أن يلزم الباب فاخذ منه الكفلاء وطلب منه أن يفتي فيما يرفع إليه من الأحكام وكان يرسل إليه بالمسائل وكان لا يفتي فأمر أن يعاد إلى السجن ويغلظ عليه فأعيد وضيق عليه تضييقا شديدا فكلم خواص المنصور المنصور وأخرج من السجن ومنع من الفتوى والجلوس للناس والخروج من المنزل فكانت تلك حالته إلى أن توفي ولم يدخل في العمل ﵁
وروى أنه اخرج من الحبس ودفع إليه قدح فيه سم ليشرب فأبى وقال
[ ٢ / ٥٠٢ ]
لا أشرب لأني أعلم ما فيه ولا أعين على نفسي فطرح وصب في فمه وخلى عنه فجاء إلى المنزل الذي نزل فيه ببغداد فلم يلبث إلا قليلا حتى مات
وروى أنه لما أحس بالموت سجد فخرجت روحه وهو ساجد
وذكر الإمام النسفي عن الإمام أبي حفص الكبير البخاري قال دخل الحسن ابن قحطبة أحد قواد المنصور على الإمام وقال عملي لا يخفى عليك فهل لي من توبة قال نعم إذا علم الله أنك نادم على ما فعلت ولو خيرت بين قتل مسلم وقتلك لاخترت قتلك على قتله وتجعل مع الله عهدا أن لا تعود فإن وفيت في توبتك قال الحسن أني فعلت ذلك وعاهدت الله على أن لا أعود على قتل المسلمين فكان ذلك إلى أن ظهر بالبصرة إبراهيم بن عبد الله الحسنى فأمر المنصور أن يذهب إليه فجاء إلى الإمام وقص عليه الكلام فقال جاء أو أن توبتك أن وفيت بما عاهدت فأنت تائب وإلا فأخذت بالأول والآخر فجد في توبته وتأهب وسلم نفسه إلى القتل ودخل على المنصور وقال لا أسير إلى هذا الوجه إن كان لله طاعة في سلطانك فيما فعلت فلي منه أوفر الحظ وان كان معصية فحسبي فغضب المنصور فقال حميد أخوه إنا أنكرنا عقله منذ سنة وكأنه خولط عليه أنا أسير وأنا أحق بالفضل منه فسار فقال المنصور لبعض ثقاته من يدخل عليه من هؤلاء الفقهاء فقالوا أنه يتردد إلى الإمام فدعا الإمام بعلة شئ فسقاه السم ثم سقى الحسن أيضًا بعد أيام فأما الحسن فعالج نفسه فبرأ ومات الإمام شهيدا في سنة خمسين ومائة وكان ابن سبعين ولم يكن له من الأولاد سوى حماد
وذكر العسكري عن عبد الله بن مطيع عن أبيه قال رأيت جنازة في أيام المنصور في طاقات باب خراسان وخلفها رجل يحملها أربعة أنفس قلت جنازة من هذه قالوا جنازة فقيه كوفي يدعى أبا حنيفة مات في السجن فلما أخرج
[ ٢ / ٥٠٣ ]
من باب خراسان كأنه نودي في الناس فازدحموا عليه فعبر به إلى الجانب الآخر فصلينا عليه بباب الحسن فلم نقدر على دفنه إلا بعد العصر من الزحام فجاء المنصور فصلى على قبره ومكث الناس يصلون على قبره إلى عشرين يوما فقلت كيف اختار هذا الجانب قال لان ذلك الجانب غصب وهذه الأرض كانت أطيب منه فلما بلغ المنصور وصيته قال من يعذرني منه حيا وميتا وقيل حرز من صلى عليه فكان مقدار خمسين ألفا وقد قيل فيه
شعر
عز الشريعة إذ مضى كشافها … وظهيرها النعمان نحو جنانه
عمر التقى والشرع اكثر عصره … بالأصغرين لسانه وجنانه
عجبا لقبر فيه بحر زاجر … عجبا لبحر لف في أكفانه
وذكر الإمام الأسفرايني عن الربيع بن يونس قال سمعت المنصور يخاطب الإمام على القضاء وهو يقول اتق الله تعالى ولا تدع في أمانتك إلا من يخاف الله تعالى ما أنا بمأمون الرضى فكيف أكون مأمون الغضب ولو اتجه الحكم عليك ثم تهددني على أن تغرقني في الفرات أو أزيل الحكم لاخترت الغرق حاشيتك محتاجون إلى من يكرمهم لك فقال المنصور وكذبت انك تصلح قال قد حكمت لي على نفسك كيف يحل لك إن تولي القضاء من يكون كاذبا
وما ذكرنا من أفعال المنصور بالإمام فعل يزيد بن هبيرة إلي الكوفة بالإمام مثله أيضا في الزمان المروانية كما رواه العسكري وغيره عن يحيى بن أكثم عن أبي داود قال أراد ابن هبيرة أن يولي الإمام قضاء الكوفة فأبى فحلف ابن هبيرة أن يقتله بضربه بالسياط على رأسه ويحبسه فحلف الإمام على أنه لا يلي منه فقيل له أنه حلف على أن يضربك قال ضربه في الدنيا هون من معالجة مقامع
[ ٢ / ٥٠٤ ]
الحديد في العقبى والله لا أفعل ولو قتلني فقيل أنه حلف أن لا يخليك وأنه يريد بناء قصر فتول له عدد اللبن فقال لو سألني أن أعد له أبواب المسجد ما فعلت فذكر قوله للأمير فقال ابلغ من قدره إلى أن يعارضني في اليمين فدعاه فشافهه فحلف إن لم يقبل ضربه على رأسه عشرين سوطا فقال اذكر مقامك بين يدي الله تعالى فإنه أذل من مقامي هذا ولا تهددني فإني أقول لا إله إلا الله والله ﷾ يسألك عني حيث لا يقبل منك الجواب إلا بالحق فأومى إلى الجلاد أن أمسك وبات في السجن وأصبح قد انتفخ وجهه ورأسه من الضرب فقال الأمير رأيت النبي ﷺ وهو يقول أما تخاف الله تعالى تضرب رجلا من أمتي بلا جرم وتهدده فأخرجه من السجن
وذكر أنه لما ضربه الأمير كان ابن أبي ليلى وابن شبرمة في المسجد فأخبرا بذلك فأظهر ابن أبي ليلى الشماتة فقال له ابن شبرمة لا ادري ما تقول هذا نحن نطلب الدنيا وهذا يضرب على رأسه ليأخذ الدنيا فلا يقبلها
وعن ابن المبارك أنه قال ان الرجال في الاسم سواء حتى يقع في البلوى وقد ضرب أبو حنيفة على رأسه في السجن حتى يدخل في الحكم فصبر على الذل والضرب في الحبس طلبا للسلامة في دينه
وعن أبي عبد الله بن أبي حفص الكبير البخاري أن الفتنة لما ظهرت بخراسان دعا ابن هبيرة العلماء كابن أبي ليلى وابن شبرمة وابن أبي هند وولى كل واحد منهم شيئا من عمله وعرض على أبي حنيفة أن يكون الخاتم في يده لا ينفذ كتابا إلا من تحت يده فأبى فحلف الأمير أنه أن لم يفعل يضربه في كل جمعة سبعة أسواط فقال له الفقهاء إنا إخوانك نناشدك على أن لا تهلك نفسك وكلنا نكره عمله ولكن لم نجد بدا منه فقال الإمام لو أراد مني أن أعد أبواب مسجد
[ ٢ / ٥٠٥ ]
واسط لم أعد له فكيف وهو يريد مني أن يكتب في دم رجل وأختم له والله لا أدخل في ذلك فقال ابن أبي ليلي دعوه فإنه مصيب فحبسه الشرطي جمعتين وضربه أربعة عشر سوطا وفي رواية ضربه أياما متوالية ثم جاء الضارب إلى الأمير وقال أنه يموت فقال قل له يخرج من يميننا فقال لو أمرني أن أعد له أبواب المسجد لم أفعل ثم اجتمع مع الأمير فقال ألا ناصح لهذا أن يستمهلني فاستمهله وقال أشاور إخواني فخلاه فهرب إلى مكة في سنة مائة وثلاثين إلى ان صارت الخلافة للعباسية وقام بها فقدم الكوفة في زمن منصور فعظمه أمر له بجائزة عشرة آلاف درهم وجارية فلم يقبلهما وروى أنه كان يمتثل كثيرا
شعر
عطاء ذي العرش خير من عطيتكم … وفضله واسع يرجى وينتظر
أنتم يكدر ما تعطون بمنكم … والله يعطي فلا من ولا كدر
وروي أن ابن هبيرة أتى بشاهد زور وهو والي الكوفة فقال علي بالقاضي فقيل رأيت القاضي وأبا حنيفة والحجاج بن أرطاة فى المسجد فقال علي بهم فلما جاؤا قال هذا ارتكب ما ارتكب فما نصنع به فبدأ بابن أبي ليلى وقال يضرب أربع مائة سوط وقال الحجاج بحلق رأسه ولحيته فقال للإمام ما تقول أنت قال بلغنا أن شريحا كان إذا أتى بمثله سوقيا طيف به في سوقه وان كان من العرب طيف به في حية فعمل بقول الإمام وكان على رأس الإمام عمامة استرخى كور منها في وجهه فلما خرجوا قال لابن أبي ليلى ما هذه الفتيا لو ضرب أربع مائة ومات بما كنت تلقى الله في دمه قال ما أردت إلا أربعين ولكن من الخوف جرى على لساني وقال للحجاج حلق الرأس قد جاء في موضعه أما حلق اللحية إذا حلقت ولم تنبت
[ ٢ / ٥٠٦ ]
كيف حكمه قال ما أردت إلا حلق الرأس فمن الهيبة جرى على لساني فقال ابن أبي ليلى وأنت أيضًا لم تجتر على تسوية كور عمامتك من وجهك ألم يكن لك يد قال إن لم يكن لي يد أسوي بها عمامتي فلي قلب أعلم ما أقول به
وروي أن المنصور كان يريد أن يقرب الإمام فقال الإمام لا لأنك إن قربتني فتنتني وإن أبعدتني أحزنتني وليس عندك ما أرجوك له وليس عندي ما أخافك عليه وإنما يغشاك من يغشاك يستغني بك عمن سواك وإنا غني بمن أغناك فلم أغشاك فيمن يغشاك
ومثله ذكر عن الإمام محمد بن الحسن أنه قال لعيسى بن موسى والي الكوفة وزاد في آخره فأنشأ قائلا
شعر
كسرة خبز وقعب ماء … وفرد ثوب مع السلامة
خير من العيش في نعيم … يكون في آخره ندامة