ولد سنة ثماني عشر ومائة وكانت أمه خوارزمية وأبوه تركيا قيل كان سبب توبته أنه سمع قوله تعالى ﴿ألم يأن للذين آَمَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبِهِمْ لِذِكْرِ اللهِ وِمْا نزل من الحق﴾ وقال بلى والله وكان هذا أول زهده قيل وكذلك هذه الآية سبب لتوبة فضيل بن عياض مات عبد الله بهيت سنة إحدى وثمانين ومائة ﵀
وعن الحسن بن ربيع قال لما حضرته الوفاة اشتهى سويقا فلم يوجد إلا عند رجل يعمل من أعمال السلطان فعرض عليه فلم يقبل ومات ولم يشرب
وعنه قال لما حضرته الوفاة قال قد ترى شدة الكلام علي فإذا سمعتني قلت كلمة الشهادة فلا تردها علي حتى تسمعني أخذت فى كلام آخر فإنما كانوا يحبون أن يكون آخر كلامهم كلمة الشهادة لقوله ﵇ من كان آخر كلامه لا اله إلا الله دخل الجنة قيل لعبد الله بن المبارك أجمل لنا حسن الخلق في كلمة قال ترك الغضب قلت ولذا قال لما قال بعض الصحابة أوصني يا رسول الله قال لا تغضب
وقال أبو علي الروذباري صحبته في طريق مكة فلما دخلنا البادية قال تكون الأمير أم أكون أنا قلت بل أنت قال فعليك بالسمع والطاعة فاخذ المخلاة ووضعها على عاتقه فقلت دعني احمل فقال أنا الأمير أم أنت قلت أنت فمكثنا ذات ليلة إذا أخذ المطر فأخذ الكساء فأظلني وترك نفسه إلى الصباح فوددت إني أمت ولم اقل كن أميرا فلما أردت الافتراق قال يا أبا علي إذا صحبت إنسانا فاصحبه هكذا ولابن المبارك
[ ٢ / ٥٢٩ ]
شعر
… إذا رافقت في الأسفار قوما … فكن لهم كذي الرحم الشفيق
يعيب النفس ذا بصر وسلم … عمى القلب عن عيب الرفيق
ولا تأخذ بهفوة كل قوم … ولكن قل هلم إلى الطريق
متى تأخذ بهفوتهم تمل … وتبقى في الزمان بلا صديق …
ومن كلامه أن العلماء ورثة الأنبياء فإذا كانوا على طمع فبمن يقتدي والتجار أمناء الله فإذا خانوا فعلى من يؤمن والغزاة أضياف الله إذا غلوا فبمن يظفر على العدو والزهاد ملوك الأرض فإذا كانوا أذرياء فبمن يتبع والولاة رعاة الأنام فإذا كان الراعي ذئبا فبمن تحفظ الرعية وقد أشار عمران بن حطان الخارجي إلى الفقرة الأخيرة فيما قاله لعبد الملك بن مروان مخاطبا
شعر
… إن أنت لم تبقى لا صوفا ولا غنما … القيتني اعظما في قرقر قاع
أخذت رزقي من ربي لتحفظني … فصرت لي سبعا أيها الراعي …
وعن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عن الحسن قال حضرنا باب سفيان بن عيينة ليلا فقيل هو عند يحيى بن خالد وقال آخر هو عند جعفر فقال رجل منا يا رب أرنا رجلا يسوي هذا العلم بين الناس فقال رجل هو ابن المبارك وقال رجل هات غيره فذكرت هذا الكلام لابن المبارك ولم أقل ذكروك فقال هو فضيل بن عياض رحمه الله تعالى
وعن الأشعث بن شعبة المصيصي قال قدم ابن المبارك علينا بالرقة وفيها هارون فانحفل الناس إليه حتى تقطعت النعال وارتفعت الغبرة فأشرفت أم ولد للرشيد من برج وقالت من هذا قالوا قدم من خراسان عالم يقال له ابن
[ ٢ / ٥٣٠ ]
المبارك قالت هذا هو الملك لا ملك هارون الذي لا تجتمع الناس عليه إلا بشروط وأعوان
وعن إبراهيم بن عبد الله قال كان كتبه التي حدث بها عشرين ألفا أو أحد وعشرون ألفا
وعن إسحاق قال نظرت في أمر الصحابة وأمر ابن المبارك فما رأيت لهم عليه فضلا إلا بصحبة النبي ﷺ
ومن كلامه لا أعلم بعد النبوة افضل من بث العلم
وعن عمرو بن حفص الصوفي قال خرج ابن المبارك يريد المصيصة للغزاء وصحبه بعض الصوفية فقال لهم أنتم لكن أنفس تحتشمون إن نفق عليكم هات يا غلام المنديل والطست فالقي عليه المنديل ثم قال يلقي كل منكم تحت المنديل ما معه فجعل الرجل يلقي عشرة وعشرين درهما قال فانفق عليهم إلى المصيصة قال الكردري يجوز أن يكون من قبيل إخفاء الإحسان على عادة السلف قلت ويأيده أنه كان ينفق على الفقراء في كل سنة مائة ألف ويجوز أن يكون من باب الكرامات ويؤيده ما روى ابن وهب أن ابن المبارك مر بأعمى فقال ادعوا الله أن يرد الله علي بصري فدعا فرد الله عليه بصره وأنا أنظر إليه
ومن كلامه من كان فيه خلة من جهل فهو من الجاهلين قال تعالى ﴿أني أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ ويشير إليه حديث المكاتب عبد ما بقي عليه درهم
ومن كلامه الرفيع من رفعه الله بطاعته والوضيع من وضعه الله بمعصيته وقال احب الصالحين ولست منهم وأبغض الطالحين وأنا منهم
ودخل عليه أبو أسامة فرأى في وجهه أثر ضر فلما خرج وجه إليه أربعة ألاف درهم ورزمة ثياب ورقعة وكتب إليه فيها
[ ٢ / ٥٣١ ]
وفتى خلا من ماله … ومن المروة غير خال
أعطاك قبل سوا له … وكفاك مكروه السوال …
وقال صاحب حلية الأولياء أن رجلا من سرخس بعث إلى ابن المبارك شيئا عليه خيط فأخذ الهدية ورد الخيط وقال كتب إلي فى الشيئ ولم يكتب إلي في الخيط رب عمل يسير يعظمه الله تعالى ورب عمل كثير يصغره الله تعالى
وروي أنه رجع من مرو إلى الشام في قلم استعاره ليرده على صاحبه وسأله رجل عن الرباط فقال رابط نفسك على الحق حتى تقيمها على الحق فذلك أفضل الرباط أي في قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا﴾
وسأله رجل أن تعلم القرآن افضل أم تعلم العلم قال أتقرأ من القرآن ما تقيم به الصلاة قال نعم قال فعليك بالعلم تعرف به القرآن أي معناه والحاصل إن الاشتغال بمعنى القرآن المستفاد من التفسير والحديث والفقه أفضل من مجرد تلاوته وكثرة قراءته وهذا معنى قوله ﵇ فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم وقال الحبر في الثوب حلية العلماء ولبعضهم في هذا المعنى … إنما الزعفران عطر العذارى … ومداد الدواة عطر الرجال …
ويؤيده حديث مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء
وذكر الهمداني عن العباس بن مصعب قال كان ابن المبارك جمع بين الفقه والحديث والعربية واللغة والغريب وأيام الناس والسخاوة والشجاعة والتجارة والمحبة عند الناس
وذكر محمد بن الحسن البخاري عن الفضل بن دكين ما رأيت قط أحسن قراءة منه كان يقرأ على الإمام
وعنه أن أول العلم النية ثم الفهم ثم العمل ثم الحفظ ثم النشر
[ ٢ / ٥٣٢ ]
وعن محمد بن إبراهيم البهراني أن ابن المبارك أملأ هذه الأبيات عليه وأنفذه إلى الفضيل ابن عياض سنة سبع وسبعين ومائة شعر … يا عابد الحرمين لو أبصرتنا … لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه … فنحور نابد مائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل … فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم وريح عبيرنا … وهج السنابك والغبار الأصهب
ولقد أتانا عن مقال نبينا … قول صحيح صادق لا يكذب
لا جمع بين غبار خيل الله في … أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا … ليس الشهيد كميت لا يكذب … قال فلقيت الفضيل في المسجد الحرام فلما قرأه بكي وقال صدق أبو عبد الرحمن ثم قال وأنت ممن يكتب الحديث قلت نعم يا أبا علي قال فاكتب هذا الحديث جزاء لحمل الكتاب
وقال حدثني المنصور بن المعتمر عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رجلا قال دلني على عمل أنال به ثواب المجاهد في سبيل الله فقال النبي ﷺ هل تستطيع أن تصوم ولا تفطر وتصلي ولا تفتر فقال يا رسول الله إني أضعف عن ذلك فقال ﵇ فوالذى نفسي بيده لو طوقت ذلك لما بلغت فضل المجاهد في سبيل الله أما علمت أن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب لصاحبه بذلك الحسنات
ويروي أنه كان يقاتله علج فدخل وقت صلاة العلج فاستمهله فلما سجد الكافر للشمس أراد أن يضربه بالسيف فسمع صوتا من الهوى وهو يقول ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا﴾ فأمسك فلما فرغ المجوسي قال لما أمسكت
[ ٢ / ٥٣٣ ]
عن قصدك فحكى له ما سمع فقال الكافر نعم الرب رب يعاتب وليه في عدوه وأسلم وأحسن إسلامه
وعن عبيد الله بن سنان قال كنت معه ومع المعتمر بن سليمان بطرسوس فصاح الناس النفير فلما اصطف الناس خرج علج رومي يطلب البزار فخرج إليه مسلم فقتله ثم وثم حتى قتل ستة من المسلمين ثم لم يخرج إليه أحد فلما رأى ابن المبارك ذلك أوصى إلي وقال إن قتلت فافعل كذا وكذا فخرج من الصف وقتله وقتل ستة من الكافرين ثم امتنعوا عنه فغاب ثم نظرته فإذا هو بالمكان الذي كان فيه وكان يحضر القتال ويقاتل ويبلى بلاء حسنا فإذا كان وقت القسمة غاب فقيل له في ذلك فقال يعرفني الذي أقاتل له ومناقبه كثيرة ومرتبته شهيرة وفي هذا مقنع لأرباب الألباب في هذا الباب
فصل في مناقب الإمام زُفر رحمه الله تعالى
وهو ابن الهذيل بن قيس العنبري البصري الكوفي يكنى بأبي الهذيل وكان أبوه من أهل اصفهان ولد سنة عشر ومائة
عن إبراهيم بن سليمان كان إذا جالسناه لم نقدر أن نذكر الدنيا بين يديه وإذا ذكرها واحد منا قام عن مجلسه وتركه في موضعه وكنا نحدث فيما بيننا أن الخوف قتله
وقال شداد سألت أسد بن عمرو أأبو يوسف أفقه أم زفر قال زفر أورع قلت عن الفقه سألتك قال يا شداد بالورع يرتفع الرجل
وعن ابن المبارك قال سمعت زفر يقول نحن لا نأخذ بالرأي ما دام أثر وإذا جاء الأثر تركنا الرأي
[ ٢ / ٥٣٤ ]
وعن محمد بن عبد الله الأنصاري قال أكره زفر على أن يلي القضاء فأبى وهدم منزله واختفى مدة ثم خرج وأصلح منزله ثم هدم ثانيا واختفى كذلك حتى عفي عنه
وعن عكرمة قال لما قدم زفر البصرة نقل إليه جامع سفيان فقال هذا كلامنا ينسب إلى غيرنا
وعن أبي نعيم قال قال لي زفر هات أحاديثك أغربلها لك غربلة
وعن بشر بن القاسم سمعته يقول لا أخلف بعد موتي شيئا أخاف عليه الحساب فلما مات قوم ما في بيته فلم يبلغ ثلاثة دراهم
وعن وكيع وهو شيخه ما نفعني مجالسة أحد مثل ما نفعني مجالسة زفر
وعن أبي مطيع زفر حجة الله على الناس فيما بينهم يعملون بقوله وأما أبو يوسف فقد غرته الدنيا بعض الغرور
وعن عصمة أنه قال قال ما تمنيت البقاء قط وما مال قلبي إلى الدنيا أبدا
وعن يحيى بن أكثم قال رأيت وكيعا في آخر عمره يختلف إليه بالغداواة وإلى أبي يوسف بالعشيات ثم ترك أبا يوسف وجعل كل اختلافه إليه لأنه كان أفرغ وكان يقول الحمد لله الذي جعلك لنا خلفا عن الإمام ولكن لا يذهب عني حسرة الإمام
وعن الفضل بن دكين قال لما مات الإمام لزمته لأنه كان أفقه أصحابه وأورعهم فأخذت الحظ الأوفر منه
وعن الحسن بن زياد كان زفر وأبو داود الطائي متواخيين فترك داود الفقه وأقبل على العبادة وأما زفر فجمع بينهما
وعن هلال بن يحيى كان زفر وداود متواخيين وكان يتبع داود فجاء
[ ٢ / ٥٣٥ ]
داود وقعد على مزبلة ثم جاء زفر وقعد معه
وعن محمد بن وهب أنه كان من أصحاب الحديث وكان أحد العشرة الذين دونوا الكتب مات بالبصرة في أول خلافه المهدي سنة ثمان وخمسين ومائة وفي هذه السنة مات المنصور
وذكر الحافظ النيسابوري أن رجلا جاء إلى الإمام وقال لا ادري أطلقت امرأتي أم لا قال لا عليك حتى تتيقن بالطلاق ثم سأل الثوري فقال لا تضرك الرجعة فسأل شريكا فقال طلقها ثم راجعها فجاء إلى زفر فحكى له الأقاويل فقال أما الإمام فقد أفتى بالفقه والثوري بالورع وأما شريك بالحزم فاضرب لكم مثلا أن رجلا شك هل أصاب ثوبه نجس أم لا فقال الإمام لا عليك قبل العلم بالنجاسة والثوري قال لو غسلته لا عليك وأما شريك فقال بل عليه ثم اغسله
فصل في مناقب داود الطائي رحمة الله عليه
هو ابن نصر الطائي أبو سليمان الإمام الرباني كوفي واصله من خراسان
وعن عبد الله بن داود سأله إسحاق عن أصحاب الإمام فقال أبو يوسف ومحمد وزفر وداود وعافية الأودي وأسد بن عمرو وعلي بن مسهر ويحيى بن زايدة والقاسم بن معن ثم قال لو أن داود وزن بأهل الأرض لوزنهم فضلا
وعن عبد الله السابح أنه لما تعبد قال لنفسه يا نفس إن طلبت الدنيا بالقرآن أو بالحديث أو بالفقه أبو بالشعر وأيام الناس فأنت أنت وليس بعده الموت ثم جاء إلى خطة وقال ليس شيء أحل من هذه الخطة خطها الفاروق ﵁ حين هزم هرمز لأجدادي فباع ثلثيها بأربع مائة درهم فعبد الله عشرين سنة يأكل منها ثم لما مات كان كفنه منها
[ ٢ / ٥٣٦ ]
قال الوليد بن عقبة كان له في كل ليلة رغيفان يفطر عليهما فأفطر ليلة على شق تمرة ومولاة له تنظر إليه ثم صلى حتى أصبح وصام يومه فلما جاء وقت فطره نظر إلى الرغيفين وقال يا نفس اشتهيت في الليلة الماضية التمر فأطعمتك ثم تشتهي الليلة ذلك لا أريتك تمرا ما عشت
وعن أبي يوسف اختلفت مع زفر فيما رويت عن الإمام فقال بيني وبينك داود فدخلنا عليه فثقل عليه دخولنا لديه لما فيه من الشغل بالعبادة فقلنا له المسئلة فقال كان الإمام يقول فيه بقول زفر فكلمناه فيه فرجع إلى قول أبي يوسف ثم سأله أبو يوسف عن مسئلة في كتاب الرهن مشكلة فلم يجبه فلما قمنا ناداه ومر فيه مسرعا كالسهم وقال لولا أنه يسبق إلى فكرك أني تركت الفكر في مثل هذا ما جئتك أبدا
وعن الحسن بن زياد قال دخلنا مع حماد ابن الإمام فقال مالي وللناس ثم اخرج حماد أربع مائة درهم وقال استعن بها على حوائجك فإنها من كسب الإمام لا من كسبي فاستعظم وقال لو كنت أقبل من أحد لقبلت منك
وعن أبي نعيم قال جلس داود مع أهل العربية حتى صار رأسا فيهم ثم مع علماء القرآن كذلك ثم مع المحدثين حتى صار إمامهم ثم جالس الإمام وتفقه حتى لم يتقدم عليه أحد ثم ترك وتخلى للعبادة حتى صار جبلا
وعن إسحاق بن منصور قال سألته عن رجل يصلي وهو محلول الجيب قال إذا كان عظيم اللحية فلا بأس به
وعن اسمعيل قيل له لا تشتهي الخبز قال ما بين مضغ الخبز وشرب السويق قدر خمسين آية اقرؤها
وعن ابن السماك قال أوصاني وقال انظر أن الله تعالى لا يراك حيث نهاك
[ ٢ / ٥٣٧ ]
ولا يفقدك حيث أمرك واستحى من الله تعالى في قربه إليك وقدرته عليك
وعن أبي الربيع الأعرج وقال أوصاني قال صم الدهر وليكن إفطارك له الموت وفر من الناس فرارك من الأسد غير تارك لجماعتهم ولا مفارق لسننهم
وذكر الحلبي أطول من هذا وقال قال الأعرج أقمت على بابه ثلاثة أيام لا أصل إليه فإذا سمع النداء خرج وإذا سلم الإمام قام ودخل منزله فصليت في مسجد آخر ثم جئت فلما أراد الانصراف قلت ضيف قال إن كنت ضيفا فأدخل فدخلت عليه فمكثت ثلاثة أيام لا يكلمني فلما كان اليوم الثالث قلت جئت من واسط إليك أريد أن تزودني فقال صم الدنيا إلى الآخرة قلت زدني قال فر من الناس فرارك من الأسد قلت زدني فقام إلى محرابه وقال الله أكبر
وذكر الديلمي أنه سئل عن حديث فقال دعني فإني أبادر خروج نفسي وكان الثوري إذا ذكره قال ابصر أمره قال ابن المبارك وهل الأمر إلا ما كان عليه هو
وعن يحيى الحماني وقد سأله عن الدهر قال إنما هي أيامك فانظر بماذا تقطعها
ومن كلامه إن العلم العمل فإذا فنى العمر في الآلة متى تعمل
وروي أنه كان يحضر مجلس الإمام سنة لا يتكلم حيث أراد أن يجرب نفسه أنه يقدر على العزلة ثم تخلي للعبادة
وأتاه الفضيل بن عياض يعوده فقال له أقلل من زيارتنا فأني خليت الناس فجاءه يوما ولم يفتح له الباب فقعد فضيل يبكي في الخارج وداود في الداخل فقال له دلني على رجل اجلس إليه قال تلك ضالة لا توجد
وقال له الحارث بن إدريس عظني قال عسكر الموتى ينتظرونك
وقال صدقة الزاهد خرج معنا في جنازة بالكوفة فقعد في ناحية فجلس
[ ٢ / ٥٣٨ ]
الناس قريبا منه فتكلم وقال من خاف الوعيد قصر عليه البعيد ومن طال أمله ضعف عمله وكل آت قريب ومن شغلك عمله عنك فهو شوم وكل أصحاب الدنيا من أهل القبور وإنما يفرحون بما قدموا ويندمون على ما خلفوا فما يندم عليه أصحاب القبور فأهل الدنيا فيه يتنافسون وعليه عند الحكام يختصمون
وعن محمد بن سويد الطائي رأيته يغدو ويروح إلى الإمام فلما تخلي للعبادة رأيت الإمام جاءه زائر غير مرة
وروي أنه في آخر أمره جعل ينقض سقوف الدار ويبيع حتى بلغ البواري وصار حائط داره قصيرا حتى لو أن غلاما وثب منه لسقط على الدار
وعن محمد العبدي قال له حماد ابن الإمام لقد رضيت من الدنيا باليسير قال أفلا أدلك على من رضي منها بأقل من ذلك من رضى بالدنيا عوضا عن الأخرى
وكان سبب علته أنه بات بآية فيها ذكر النار فكررها فلما أصبحوا وجدوه قد مات على لبنة
وعن الوليد بن عقبة سمعته يقول كم من مسرور بأمر فيه هلاكه وكم من كاره أمرا فيه صلاحه دنيا ودينا وليس لنا إلا الرضى والتسليم والاستكانة والخشوع
وروي أنه قدم البصرة فاجتمع إليه الناس وقالوا قال أبو حنيفة قدر الدرهم لا يمنع الصلوة فمن أين قاله قال الحمد لله لم يقل الإمام شيئا إلا ساربه فى الأمصار أراد به قدر الدرهم فكنى عنه بالدرهم
ويروى أنه مر بزقاق فيه تمر مصفوف فقال للبياع أتعطيني بدرهم رطبا نسية قال لا فرآه رجل يعرفه فقال للبياع هذا كيس فيه مائة درهم فخذه وأدركه فإن اشترى بدرهم رطبا فكله لك فلحقه وعرض عليه فأبى وسمعه
[ ٢ / ٥٣٩ ]
يقول لنفسه لما تساو من الدنيا بدرهم رطبا وأنت تريد الجنة
وعن ابن المبارك كان داود إذا قرأ القران كأنه يسمع الجواب من ربه
وذكر الحلبي عن محمد بن عبد الله بن نمير أنه مات سنة خمس وستين ومائة في خلافة المهدي
فصل في ذكر وكيع بن الجراح الكوفي رحمة الله تعالى
قيل اصله من نيسابور سمع هشام بن عروة والأعمش وابن عون وابن جريج والأوزاعي والثوري والإمام أبا حنيفة وأبا يوسف وزفر روى عنه ابن المبارك وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم ولد سنة تسع وعشرين ومائة أراد الرشيد أن يوليه القضاء فامتنع
وعن يحيى بن أكثم قال صحبته في السفر والحضر وكان يصوم الدهر ويختم القرآن فى كل ليلة
وشكى إليه الشافعي من أصحابه عن سوء الحفظ قال استعينوا على الحفظ فى ترك المعاصي وأنشده
شعر
… شكوت إلى وكيع سوى حفظي … فأوصاني إلى ترك المعاصي
وذاك لان حفظ المرأ فضل … وفضل الله لا يعطى لعاصي …
وكان يقول ما خطوت للدنيا منذ أربعين سنة ولا سمعت حديثا قط فنسيته
وعن أحمد بن الحواري قلت لأحمد بن حنبل أيما الرجلين أحب إليك وكيع أم عبد الرحمن بن مهدي قال أما وكيع فصديقه حفص بن غياث لما ولي القضاء ما كلمه حتى مات وأما عبد الرحمن فصديقه معاذ بن معاذ العنبري لما ولي القضاء ما زال صديقه حتى مات توفي سنة ثمان أو تسع وتسعين ومائة
[ ٢ / ٥٤٠ ]