* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، حدثنا الربيع بن سليمان، قال:
قال «الشافعي»: الشعر كلام حَسَنُه كحسَن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام، غير أنه كلام باق سائر، فذلك فضله على سائر (٢) الكلام، فمن كان من الشعراء (٣) لا يُعرف بنقص المسلمين وأذاهم والإكثار من ذلك ولا بأن يمدح فيكثر الكذب - لم تُردَّ شهادته. وبسط الكلام فيه.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا علي التَّرْقُفي (٤) يقول: سمعت ابن الأنباري يُنشد للشافعي.
ح. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني نصر بن محمد، حدثني أبو القاسم: الحسن بن محمد بن الحسن، قال: وجدت في كتابي: عن محمد بن القاسم العمري، حدثني الربيع بن سليمان قال:
جاء رجل إلى الشافعي فسأله عن مسألة فأجاب، فقال له الرجل: جزاك الله خيرًا. فأنشأ الشافعي يقول:
_________________
(١) في ح: أنشأه.».
(٢) ليست في ا.
(٣) في ا: «الشعر».
(٤) في ا: «البيهقي».
[ ٢ / ٦٠ ]
إذا المُشْكِلاتُ تَصدَّين لي كشفتُ حقائقَها بالنظرْ
وإن برقَت في مَخِيل السّحاب عَمْياء لا تَجْتلِيها الفِكرْ
مُقنَّعة بغيوب الغيوم وضعتُ عليها حُسام البصرْ (١)
لساني كشِقْشِقَة الأرْحَبِيِّ أو كالحُسَام اليماني الذّكرْ
ولَستُ بإمّعَةٍ في الرجال أسائل هذا وذا: ما الخبرْ؟
ولكنني مِدْرَهُ الأصغَرَينِ أقيسُ بما قد مضى ما غَبَرْ (٢)
وسبَّاق قومي إلى المكرُمات وجَلاَّب خير ودفَّاع شر
لفظ حديث أبي عبد الله إلا أنه قال: «تصدَّيْنني». وفي رواية السلمي: «في مخيل الصواب عمياء».
وقال:
مقنعة بغيوب الأمور وضعت عليها لسان البصر
وقال:
ولكنني مِدْرَهُ الأصغرين طَلاّب خير وفَرَّاج شرّ (٣)
وحدثنا أبو عبد الله الحافظ قال: وقال أبو عبد الله: محمد بن محمد بن عبيد الله الواعظ: سمعت أبا عمرو العثماني يحكي عن الربيع بن سليمان قال:
كنت يومًا عند الشافعي فجاءه رجل فقال: أيها العالم، ما تقول في حالف حلف إن كان في كمي دراهم أكثر من ثلاثة فعبدي حر؟ وكان في كمه أربعة
_________________
(١) في ح: «. . . بعيون»، وفي تاريخ دمشق: «مبرقعة في عيون الأمور».
(٢) في ح، ومناقب الفخر: «ولكنني مدرب ».
(٣) الأبيات في مناقب الشافعي للفخر الرازي ص ١١١، وتاريخ دمشق ١٠/ ٢٠٠ - ب، والأول والثالث والرابع والخامس في معجم الأدباء ١٧/ ٣٠٩، وفي التوالي ٧٤ ستة منها باختلاف يسير عما هنا.
[ ٢ / ٦١ ]
دراهمْ (١) فقال: لم يعتق عبده. قال: لم؟ قال: لأنه استثنى ما في كمه دراهم، والدرهم لا يكون دراهم. فقال آمنت بالذي فَوَّهَكَ هذا العلم (٢). فأنشأ الشافعي يقول. قال. فذكر هذه الأبيات.
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو سهل: محمد بن أحمد الفقيه، قال: سمعت الحسين بن الحسن يقول: سمعت سعدًا الكاتب يقول: سمعت «المُبرّد» يقول:
دخل رجل على «الشافعي» ﵁ وهو مستلق على ظهره فقال: إن أصحاب أبي حنيفة الفُصّحاء. قال: فاستوى الشافعي جالسًا وأنشأ يقول:
فلولا الشّعْرُ بالعلماء يزْرِي لكنتُ اليوم أَشْعَرَ من لَبِيد
وأشجعَ في الوغي من كلّ لَيْثٍ وآلِ مُهلّب وأبي يزيد
ولولا خشيةُ الرحمن ربي حَشَرْتُ الناس كلَّهم عَبِيدي (٣)
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا عبد الله: لزبير بن عبد الواحد الحافظ، يقول: سمعت أحمد بن محمد بن يحيى بن جرير المصري (٤) يقول: حدثني أبو عبيد الله بن أبي وهب قال:
سمعت الشافعي يقول:
_________________
(١) بعد هذا في ا: «والدرهم لا يكون دراهم».
(٢) في ا: «العالم» وهو خطأ.
(٣) مناقب الشافعي للرازي ١١٩، وفيها: «وآل مهلب بني يزيد»، «جعلت الناس كلهم عبيدي».
(٤) سقطت من ح.
[ ٢ / ٦٢ ]
وأَنَطَقتِ الدَّراهم بعد صَمْت أناسًا بعدما كانوا سُكُوتا
فما عطَفُوا على أحد بفضل ولا عرفوا لِمَكْرُمةٍ بيوتا
وأخبرنا أبو زكريا (١) بن أبي إسحاق، حدثنا الزبير، حدثني أبو علي: أحمد ابن محمد بن جرير، بمصر، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب قال:
سمعت الشافعي يقول. فذكر البيتين غير أنه قال: «أنطقت» لو يذكر الواو.
أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي قال: سمعت الحسين بن أحمد بن موسى البيهقي، أخبرنا محمد بن القاسم الأسدي.
وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا الزبير بن عبد الواحد الحافظ، حدثني أبو بكر: محمد بن القاسم بن مطر، بمصر، حدثنا الربيع بن سليمان.
وأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، قال: سمعت الزبير بن عبد الواحد يقول: سمعت أبا بكر: محمد بن القاسم، حدثنا الربيع قال (٢):
أنشدنا الشافعي:
لَيْتَ الكلابَ لنا كانت مُجَاورةً وليتنا لم نر مِمّن نرى أحدًا
إنّ الكلابَ لتَهْدَى في مَوَاطِنِها والناسُ ليس بهادٍ شرّهم أبدا
فانجُ بنفسك واستأنس بوحدتها تُلفَى سعيدًا إذا ما كنت منفردا (٣)
لم يذكر السلمي البيت الثالث:
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الوليد، حدثنا الحسن بن سفيان، عن حرملة.
_________________
(١) في ح: «أبو بكر».
(٢) ما بين القوسين سقط من ح.
(٣) المناقب للرازي ص ١١٤، والعزلة للخطابي ص ٦٥.
[ ٢ / ٦٣ ]
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد الرازي - حدثنا أبي، حدثنا حرملة قال:
سمعت الشافعي ﵀ يقول:
ودع الذين إذا أَتَوْكَ تنَسَّكُوا وإذا خَلَوْا فهُمُ ذِئابُ حِقَافِ (١)
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أنشدني أبو عثمان: سعيد بن أبي سعيد قال: أنشدني أبو علي الحليمي الشَّاشِي، ببخاري، للشافعي ﵁.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني نصر بن محمد، قال: أنشدني منصور ابن يحيى (٢) الحنفي قال: أنشدني عبد الله بن إبراهيم الحميري (٣)، باليمن، للشافعي ﵁:
أصبحت مُطَّرحًا في مَعْشرٍ جَهِلُوا حقَّ الأديب فباعوا الرأس بالذنبِ
والنّاسُ يجمعهم شَمْلُ وبينهم في العقل فَرْقٌ وفي الآداب والحسبِ (٤)
والعُوْدُ لو لم تَطبْ منه روائحه لم يفْرق الناسُ بين العود والحطَبِ (٥)
أنشدنا أبو القاسم: الحسن بن محمد بن حبيب المفسّر، قال: أنشدنا أبو عبد الله الصغّار، قال: أنشدنا ابن الأنباري، قال: أنشدني الحسين بن عبد الرحمن للشافعي، ﵁:
_________________
(١) الحقاف: جمع حِقف، وهو ما اعوج من الرمل واستطال، والبيت في آداب الشافعي ص ٢٧٢.
(٢) في ا: «محمد».
(٣) في ح: «الحسري».
(٤) في ا: «كالذهب».
(٥) المناقب للرازي ص ١١٣.
[ ٢ / ٦٤ ]
أقسم بالله لرَضْخُ النَّوَى وشُرْبُ ماء القُلُبِ المَالِحهْ
أحْسنُ بالإنسان من حِرصه ومن سؤَال الأَوْجهِ الكالِحَهْ (١)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني نصر بن محمد، قال: أنشدني ابن أبي حاتم: عبد الرحمن بن محمد، قال: أنشدني أبو محمد الشاشي للشافعي ﵁:
لَذلّ السّؤالِ وهَوْل الممات كُلاّ وجدناه طَعْمًا وَبِيلا
فإن كان لا بد إحداهما فمَشْيًا إلى الموت مَشْيًا جميلا (٢)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر، قال: سمعت سعيد بن أحمد بن سلمة الهمذاني، يقول: أنشدني محمد بن الحسن الحنفي قال: أنشدنا خيثمة بن سليمان، عن الربيع بن سليمان، قال: أنشدني الشافعي ﵁:
تَدَرّعتُ ثوبًا للقنوع حَصِينةً أصُون بها عرضي وأجعلها ذُخْرا
ولم أحذر الدهر الخَؤون فإنما قُصَارَاهُ أن يرمي بي الموت والفقرا
فأعددت للموت الإلهَ وعَفْوَه أعددت للفقر التجلّدَ والصبرا (٣)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر، قال: أنشدني محمد بن حاضر، قال: أنشدني بعض أصحابنا، عن محمد بن
_________________
(١) المناقب للرازي ص ١١٣.
(٢) المناقب للرازي ص ١١٤.
(٣) المناقب للرازي ص ١١٢. (م ٥ - مناقب جـ ٢)
[ ٢ / ٦٥ ]
عبد الرحيم (١) الجرجاني، قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي ﵁ يقول:
حسبي بقُلِّى إن نفعْ ما الذّلّ إلا في الطمعْ
من راقب الله رجعْ عن سوء ما كان صنعْ (٢)
ما طار طَيرٌ وَارْتفعْ إلا كما طار وقعْ (٣)
أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا العلاء: الحسن ابن كوشاد الأديب يقول: أنشدنا الربيع بن سليمان للشافعي ﵁:
لا تاسَ في الدنيا على فائتٍ وعندك الإسلامُ والعافيهْ
إن فات أمر كنت تسعى له ففيهما من فائتٍ حافيهْ (٤)
أخبرني (٥) أبو عبد الرحمن السلمي قال: أنشدني أبو عبد الله: محمد بن شاذان قال:
_________________
(١) في ح: عبد الرحمن».
(٢) في ح: «من شر ما كان ».
(٣) المناقب للرازي ص ١١٢.
(٤) المناقب للرازي ص ١١٢، وتاريخ دمشق ١٠/ ٢٠٧ - اوفيه: «إن فات شيء وكنت تدعى له».
(٥) وفي ح بعد ذلك: أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي، قال: سمعت أحمد ابن الحسن موسى الترقفي، قال: أخبرنا محمد بن القاسم الأسدي. ح، وأخبرنا محمد ابن عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا الزبير بن عبد الواحد الحافظ قال: حدثني أبو بكر: محمد ابن القاسم بن مطر - بمصر - قال: حدثنا الربيع بن سليمان. ح وأخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق المزكي، قال: سمعت الزبير بن عبد الواحد يقول: سمعت أبا بكر: محمد ابن القاسم يقول: حدثنا الربيع قال: أنشدني الشافعي: وأحييت القنوع وكان ميتًا وفي إحيائه عرضي مصون وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ الخ.
[ ٢ / ٦٦ ]
أنشدنا أحمد بن محمد الصابوني قال: قال حرملة: قال الشافعي:
أمَتُّ مطامعي وأرحتُ نفسي فإنّ النفسَ ما طِمَعت تهونُ
وأحييت القُنُوعَ وكان ميْتا ففي إحيائه عرض مَصُونُ (١)
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني نصر بن محمد، قال: أنشدني علي بن محمد القَصْري، قال: أنشدني عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أنشدونا للشافعي ﵀:
أزلتُ مطامعي وأرحتُ نفسي لأنّ النفسَ ما طمِعَت تهونُ
وأحييت الرجاءَ وكان ميْتا وفي إحيائه عرضي مصونُ (٢)
إذا طَعٌ ألمَّ بنفس عبدِ عَلَته مذَلةٌ وعلاه هُونُ (٣)
أنشدنا أبو عبد الرحمن قال: أنشدنا طاهر بن عبد الله قال: أنشدنا أبو الحسن: محمد بن الحسين الفياضي، قال: أنشدني أبي للشافعي:
كُلْ بملح الجريش خُبزَ الشّعيرِ واعْتَقِب للنجاةِ ظَهْرَ البعير
وجُبِ المهْمهَ المخوفَ إلى طَنْجَةٍ أو خلفها إلى الدُّرْدُرُورِ (٤)
وصُنِ الوجهَ أن يذلَّ وأن يَخْضَعَ إلاَّ إلى اللطيفِ الخبير
_________________
(١) تاريخ دمشق ١٠/ ٢٠٧ - ا.
(٢) في ا: « عرض مصون».
(٣) في تاريخ دمشق: إذا طمع يحل بقلب عبد .. علته مهانة
(٤) في معجم البلدان لياقوت ٤/ ٥٢: دردرور: موضع في ساحل بحر عمان: مضيق بين جبلين يسلكه الصغار من السفن.
[ ٢ / ٦٧ ]
أخبرنا (١) أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله: الزبير ابن عبد الواحد الحافظ، بأسداباذ، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن محمد: أبو بكر القطان، قال: حدثني أبو عيسى: محمد بن عياض بن أبي شحمة الضبعي، قال: حدثنا محمد بن راشد، حدثنا (٢) أبو بكر الأصبهاني، قال: سمعت أبا إبراهيم المزني يقول:
أنشدني الشافعي من قِيله:
شهدتُ بأن الله لا شيء غيرهُ وأشهد أنّ البعثَ حقٌّ وأخلصُ
وأنّ عُرَى الإيمان قولٌ مبيَّنُ وفعلٌ زكيٌّ قد يزيد وينقصُ
وأنّ أبا بكر خليفةُ ربِّه وكان أبو حفْصٍ على الخير يحرصٌ (٣)
وأشهِدُ ربي أنّ عثمان فاضلٌ وأنّ عليًّا فَضْلهُ مُتخَصِّصُ (٤)
أئمةُ قومٍ يُقْتدى بِهُداهُمُ لَحَا الله مَنْ إبّاهم يَتَنَقَّصُ (٥)
فما لِغواةٍ يَشْتُمُونَ سفاهةً وما لسفيهٍ لا يحيصُ ويخرصُ (٦)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: قرأت في كتاب بعض فقهائنا: سمعت
_________________
(١) في هامش ا: أول الجزء الحادي عشر من أصل المصنف بخطه.
(٢) ليست في ح.
(٣) في ح: «أخرس».
(٤) في تاريخ دمشق: «يتخصص».
(٥) في ا: « يهتدي بهداهم» وفي المناقب للرازي: « بفعالهم».
(٦) في ا «فما لفتاة يشهدون » وفي ح: فما لغباة » وفي تاريخ دمشق: «وما لسفيه لا يحيس» وفي المناقب: « لا يجاب فيخرص». والأبيات في المناقب للفخر ص ٤٨ - ٤٩، وتاريخ دمشق ١٠/ ١٩٠ - ب، وطبقات الشافعية: ١/ ٢٩٦.
[ ٢ / ٦٨ ]
أبا الحسن: محمد بن شعيب الترقفي (١) الفقيه ينشد للشافعي ﵁:
آلُ النبيّ ذَرِيعَتِي وهُمُ إليه وسيلتي
أرجو بأنْ أُعطي غدًا بيدي اليمين صحيفَتِي (٢)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في «كتاب المعجم» حدثنا أبو الحسين: علي ابن عبد العزيز البغدادي، حدثنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله بن وافد الكوفي قال: حدثني أبي قال: حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني (٣) عن محمد بن إدريس الشافعي قال: لما قَتل عليُّ بن أبي طالب ﵁ عمرو بن عبدودٍّ (٤) العامري بكته أخته عمرة بنت عبدودّ فقالت:
لو كان قاتلُ عَمْرو غير قاتله بكَيتُه ما أقام الرّوحُ في جسدي
لكنّ قاتلَهُ من لا يعاب به وكان يدعى قديمًا بيضةَ البَلد
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في: «كتاب التاريخ» قال: حدثني علي بن الحسين بن علي الطوسي التاجر، حدثنا محمد بن المنذر بن سعيد حدثنا الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي وقيل له: إنا نرى قريشا يُظهرُون من محبة أهل البيت ما تخفيه ولا تظهره، فأنشأ الشافعي يقول:
وما زال كِتمانِيكَ حتى كأنّما برَجْع سؤال السائلي عنك لأعجَمُ (٥)
_________________
(١) في ا: «البيهقي).
(٢) المناقب للرازي ص ٥١.
(٣) في ح: «الرازي» وهو خطأ.
(٤) هو من فرسان الجاهلية، أدرك الإسلام ولم يسلم، قتله علي يوم الخندق سنة خمس من الهجرة.
(٥) المناقب للرازي ص ٥٠ وفيه: «يرد سؤال السائلين لأعجم».
[ ٢ / ٦٩ ]
لأسلمَ من قول الوشاة وتَسْلمي سلمت وهلْ حيٌ من الناس يَسلم (١)
وبلغني أنه قيل لأبي نعيم: الفضل بن دكين في معنى هذا فأنشد البيتين، كما أخبرنا أبو الفتح: محمد بن أحمد بن أبي الفوارس الحافظ، ببغداد، قال: سمعت أحمد بن يعقوب يقول: سمعت عبد الله بن الصّلت يقول: كنت عند أبي نعيم: الفضل بن دكين فجاءه ابنه يبكي فقال له: مالك؟ فقال: الناس يقولون: إنك تتشيع، فأنشأ يقول:
وما زال كِتْمَانِيكَ حتّى كأنما بردّ جواب السائلي عنك أعجمُ
وأكتم ودى مع صفاء مودتي لتسلمَ من قول الوشاة وأسلمُ
وقرأت بخط رفيقنا أبي عبد الله الكِرْماني فيما سمعه من أبي عبد الله:
محمد بن عبد الله بن عبيد الشيرازي: أن أبا العباس الضرير أنشده قال: أنشدني عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: أنشدني المزني قال: سمعت الشافعي ﵁ ينشد:
إذا نحن فضّلنا عَلِيًّا فإننا رَوَافضُ بالتفضيل عند ذوي الجهل
وفَضلُ أبي بكر إذا ما ذكرتْهُ رُمِيتُ بِنَصْبٍ عند ذكريَ للفضل
فلا زِلْتُ ذا رفضٍ ونصبٍ كلاهما بحُبَّيهما حتى أُوَسَّدَ في الرمل (٢)
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ في «التاريخ» قال: سمعت عبد الله (٣) بن حامد
_________________
(١) في المناقب: وأكتم ودي في صفاء مودتي فلم من قول الوشاة أسلم
(٢) توالي التأسيس ٧٤.
(٣) في ح: «عبيد الله».
[ ٢ / ٧٠ ]
يقول: حدثونا عن مشايخنا أن الشافعي قال: فذكر هذه الأبيات الثلاثة غير أنه قال: «حتى أغيَّب في الرمل».
أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزّكِّي حدثنا الزبير بن عبد الواحد الحافظ أخبرني محمد بن محمد بن الأشعث، حدثنا الربيع قال: أنشدنا الشافعي ﵁:
يا راكبًا قِف بالمُحَصَّبِ من مِنى واهتف بقاعد خِيفها والناهِض
سَحَرًا إذا فاض الحجيجُ إلى مِنى فَيضًا كمُلْتَطم الفُرَاتِ الفائض
إن كان رَفْضًا حبُّ آلِ محمدٍ فَلْيَشْهَدِ الثقلانِ أني رافضي (١)
وإنما قال هذه الأبيات حين نسبته الخوارج إلى الرفض حسدًا وبَغْيًا.
وقد روينا عن يونس بن عبد الأعلى: أن الشافعي كان إذا ذكر «الرافضة» عابهم أشد العيب ويقول: شر عصابة.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني الزبير بن عبد الواحد، حدثني أبو القاسم بن سلامة المصري، حدثني الحسن بن محمد بن الضحاك (٢) قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر العدل، قال: وجدت في كتابي: عن أحمد بن يوسف ابن تميم، حدثنا الربيع قال: أنشدنا الشافعي:
لم يبرح الناس حتى أحدثوا بدعا في الدين بالرأي لم تُبعث بها الرّسُلُ
حتى استخفّ بحق الله أكثرْهم وفي الذي حُمِّلوا من حقه شُغُلُ (٣)
_________________
(١) المناقب للفخر ص ٥١، وتاريخ دمشق ١٠/ ١٩١ - ب، وطبقات الشافعية: ١/ ٢٩٩.
(٢) في هامش ا: كتب الناسخ بعد هذا: سقط وبعده أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، قال:
(٣) تاريخ دمشق ١٠/ ١٩٠ - اوفيها: «قد نفر الناس حتى ..»
[ ٢ / ٧١ ]
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أنشدنا الحسين بن أحمد بن موسى القاضي، قال: أنشدني ابن الأنباري، عن أبيه، للشافعي:
ح. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو بكر الخوارزمي، ببغداد، قال: حدثني أحمد بن علي البخاري، قال: حدثني بعض أصحابنا عن الخوارزمي لأنه أنشد للفقيه الشافعي:
أأنثر دُرًّا بين سَارِحَة النّعمْ أأنظم منثورًا لراعية الغنمْ؟
لعمري لئن ضُيِّعت في شَرّ بلدةٍ فلست مُضِيعًا بينهم غررَ الكلمْ
فإن فرّج الله اللطيفُ بلطفه وصادفتُ أهلًا للعلوم وللحِكمْ
بَثَثْتُ مفيدًا واستفدتُ وِدادَهم وإلاّ فَمَحْزونٌ لدَيَّ ومكْتَتَمْ
ومن مَنحَ الجهّالَ علمًا أضلعَه ومن منع المُسْتوجِبِين فقد ظَلَمْ
لفظ حديث أبي عبد الله، وفي رواية السلمي:
أأنثر درًّا بين سارحة النعم وأنشر مَكْنونًا لدى سائر الغنم؟
فإن قدّر اللهُ المفيد إفادة وصادفتُ أهْلا للعلوم وللحِكمَ
ثم ذكر البيتين بعده وقال: «فمكنون» (١) بدل «محزون» (٢).
قلت: بلغني أن الشافعي لما دخل مصر أتاه جلّة أصحاب مالك وأقبلوا فابتدأ في مخالفة أصحاب مالك في بعض المسائل؛ فتنكروا له فأنشأ يقول. فذكر هذه الأبيات.
_________________
(١) في ح «فيحنون» والأبيات في طبقات الشافعية: ١/ ٢٩٤.
(٢) المناقب للرازي ص ١١١
[ ٢ / ٧٢ ]
أخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد الماليني (١)، حدثنا أبو أحمد بن عدي، قال: سمعت الحسن بن سفيان يقول: سمعت حَرْمَلة يقول:
كان الشافعي كثيرًا ما يتمثل بهذين البيتين.
وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا الزبير (٢) بن عبد الواحد الحافظ، بأسداباذ، وأبو عبد الله: محمد بن عبيد الله الواعظ، قال: حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا حرملة بن يحيى، قال:
سمعت الشافعي يقول:
ح. وأخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمِي، حدثنا محمد بن يزيد العدل، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا حَرْمَلة بن يحيى، قال: كان الشافعي يتمثل بهذين البيتين:
تمنى رجالٌ أن أموتَ وإنْ أَمُتْ فتلك سبيلٌ لست فيها بأَوحَد
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى تهيأ لأُخرَى مِثْلِها فَكأن قدِ (٣)
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: وقال الحسين بن محمد الماسرجسي، حدثنا أبو الحسين: محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي، حدثنا إبراهيم بن يوسف الهِسِنْجَاني (٤)، قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
_________________
(١) في ح: «أبو سعيد: محمد بن محمد الماليني» وفي ا: «أبو سعد: محمد بن أحمد الماليني» والصواب ما أثبتناه.
(٢) في ح: «الربيع».
(٣) المناقب للرازي ص ١١٥، وتاريخ دمشق ١٠/ ٢٠٩ - ب، والتوالي ٨٣ ونوادر القالي ٢١٨/ ٣، وعيون الأخبار ٣/ ١١٤.
(٤) نسبة إلى قرية من قرى الري يقال لها: هسنكان، فعرّب، فقيل: هسنجان. روى إبراهيم بن يوسف عن أبي بكر الاسماعيلي وتوفى سنة ٣٠١. راجع اللباب ٣/ ٢٩٠ - ٢٩١، والأنساب ٣٩ - ب، ومعجم البلدان ٨/ ٤٦٥.
[ ٢ / ٧٣ ]
رأيت أشهب بن عبد العزيز ساجدًا وهو يقول في سجوده: للهم أمت الشافعي وإلا ذهب علم مالك بن أنس فبلغ الشافعي ذلك فتبسم وأنشأ يقول. فذكر البيتين وزاد بيتا ثالثًا:
وقد علموا لو ينفع العلمُ عندهم لئن مِتُّ ما الداعي عليَّ بمُخْلَد (١)
حدثنا أبو عبد الله الحافظ، سمعت أبا عبد الله: محمد بن أحمد بن بطة الأصبهاني يقول: سمعت الحسين بن محمد بن سلم الأصبهاني يقول: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن مئوية (٢) الأصبهاني يقول: سمعت المزني يقول:
حضرت الشافعي وقيل له: إن فلانًا يقول: الشافعي ليس بفقيه. فضحك وأنشأ يقول:
إنِّي نشأتُ وحسّادي ذَوُو عددٍ ربَّ المَعَارِج لا تُفْنِي لهم عددًا (٣)
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، حدثنا عبد الله بن سعيد بن عبد الرحمن البستي (٤)، حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف الهيتي، حدثنا محمد بن محمد بن عبد الله ابن جعفر، حدثنا أحمد بن سعيد بن غرير قال: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي ينشد:
كلّ العداوة قد تُرْجَى إماتتها إلا عداوة من عاداك بالحسدِ (٥)
_________________
(١) المناقب للرازي ص ١١٥.
(٢) في ح: «إبراهيم بن موسى».
(٣) البيت بن سيار. وفي العقد الفريد ٢/ ٣٢٤: «يا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا» كما في الموشى ص ٦.
(٤) في ح: «السبتي».
(٥) البيت في الموشى ٦، وعيون الأخبار ٢/ ١٠، وهو في العقد الفريد ٢/ ٣٢١ مع أبيات كتب بها ابن المبارك إلى علي بن بشر المروزي.
[ ٢ / ٧٤ ]
قال: وسمعت الشافعي يقول: يحسدني من هو مني إذ ليس مثلي، ويحسدني من هو مثلي إذ ليس مني.
وبهذا الإسناد: أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمي قال: أنشدنا الإمام أبو الطيب: سهل بن محمد بن سليمان للشافعي ﵁:
وذي حسدٍ يَغْتَابُنِي حيثُ لا يَرَى مكاني ويثني صالحا حيث أسمعُ (١)
تورَعتُ أن أغتابه مِن ورائه وما هو إذ يغتابني مُتَورِّعُ (٢)
وأنشدنا أبو عبد الله الحافظ، أنشدنا الأستاذ أبو الحسين: علي بن أحمد ابن أسد الأديب، أنشدني أبو عبد الله: محمد بن عبد الله بن واقد الكوفي، أنشدني علي بن محمد العلوي الحِمَّانِي (٣) للشافعي. فذكر هذين البيتين.
أخبرنا محمد بن الحسين الأزدي، حدثنا عبد الله بن سعيد بن عبد الرحمن البستي (٤)، حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف الْهِيتِي، حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي، حدثنا محمد بن زفر، حدثني المزني قال: سمعت الشافعي يقول:
كان لرجل جليس فبلغه أنه يذكره من خلفه ويطعن عليه، فكتب إليه بهذه الأبيات:
سأصبر فأصْبِر واقطع الوَصْلَ بيننا ولا تذكرني واسلُ بالله عن ذكري
فقد عشتَ دهرًا لسْتَ تعرف من أنا وعشتُ ولم أعرفك دهرًا من الدّهرِ
_________________
(١) في تاريخ دمشق: « حين أسمع».
(٢) المناقب للرازي ١١٥، وتاريخ دمشق ١٠/ ٢٠٨ - ب.
(٣) ليست في ح.
(٤) في ح: «السبتي».
[ ٢ / ٧٥ ]
سلام فراقٍ لا مودّة بيننا ولا ملتقى حتى القيامة والحشرِ (١)
سمعت حرملة يقول: سمعت الشافعي يتمثل بهذا البيت:
اسقِهم السُّمَّ إنْ ظفرتَ بهم وامزج لهم من لسانك العَسَلا
أخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت ابن أبي حازم (٢) يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي وكتب إلى رجل كتابًا يراسله: «إن الأفئدة مزارعُ الألسن؛ فازرع الكلمة الكريمة فإنها إن لم تنبت كلها (٣) نبت (٤) بعضها، وإنّ من النطق ما هو أشدّ من الصخر وأنفذ من لإبر، وأمرَّ من الصبر، وأدْور (٥) من الرّحا، وأحدُّ من الأسنَّة، وربما اغتفرتُ حَرًّا (٦) على حرارته مخافةَ أن يكون أحرّ وأمرّ وأنكر منه، ولذلك أقول:
لقد أسمع القول الذي كان كلّما تُذَكّرينه النفسُ قلبي يُصْدَعُ
فأُبدي لمن أبداه مني بشاشةً كأني مسْرُورٌ بما منه أسمعُ
_________________
(١) المناقب للرازي ١١٥.
(٢) في ا: «حاتم».
(٣) ليست في ا.
(٤) في ح: «أنبت».
(٥) في ا: «واحذر».
(٦) في ح: «كبيرًا».
[ ٢ / ٧٦ ]
وما ذاك من عجب به غير أنني أرى ترك بعض الشر للشر أقطعُ (١)
أنشدنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنشدني أبو سهل الفقيه، أنشدني أبو الحسين بن اللبان الفَرَضي للشافعي ﵀:
مَا حكَّ جلدَك مثلُ ظُفْرِك فتولَّ أنت جميعَ أمرِكْ
وإذا قصدت لحاجةٍ فاقصِد لِمعْتَرِفٍ بقدركْ (٢)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثني أبو عمرو: محمد بن أحمد الجوادي (٣) حدثنا أبو العباس: محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا أحمد بن عبد الله بن عمران ابن عبد الله قال: سمعت عبد الرحمن بن إبراهيم الزهري يقول:
وفد محمد بن إدريس الشافعي على رجل من قومه باليمن، كان بها أميرًا فأقام عنده أيامًا ثم سأله الرجوع إلى بلده فكتب إليه يعتذر وعرض عليه شيئًا يسيرًا فكتب الشافعي ﵁ بأبيات في ظهر رُقعته:
أتاني عذر منك في غير كُنْههِ كأنّك عن بِرِّي بِذَاكَ تحِيدُ (٤)
لسانُكَ هَشٌّ بالنَّوالِ ولا أرَى يمينك إن جاد اللِّسَانُ تجودُ
فإن قلت: لي بيتٌ وسِيطٌ وبَسْطَةٌ وأسلافُ صِدْقٍ قد مَضَوْا وجُدودُ
صَدَقْتَ ولكن أنتَ خرَّبتَ ما بَنَوْا بكفّيك عَمْدًا والبنَاءُ جديدُ (٥)
_________________
(١) المناقب للرازي ١١٥.
(٢) المناقب للرازي ١١٥ - ١١٦، وتاريخ دمشق ١٠/ ٢٠٧ - ب.
(٣) في ا: «المجرادي».
(٤) في ا: «كأنك برى من نداك يحيد» وفي المناقب: « في غير وقته» وفي تاريخ دمشق: «أتاني بر منك ..» وفي ح: « يداك تحيد».
(٥) هذا البيت والذي قبله ليس في تاريخ دمشق. وفي المناقب: «صدقت ولكن ما بنوا أنت هادم».
[ ٢ / ٧٧ ]
إذا كان ذو القربى لديك مبعَّدًا ونال الذي يهوى لديك بعيدُ (١)
تفرّق عنكَ الأقربون لشأنهم وأشفقت أن تبقى وأنت وحيدُ
واصبحت بين الحمد والذمِّ واقفًا فياليت شعري أيّ ذاك تريدُ؟ (٢)
قال: فكتب إليه: بل أريد الحمد منك بأبي أنت وأمي قد وجهت إليك بخمسمائة دينار لمهماتك وخمسمائة دينار لنفقتك، وعشرة أثواب [من] (٣) حبر اليمن، ونجيبًا لمطيتك.
وأخبرنا القاضي الإمام أبو عمر (٤): محمد بن الحسن بن محمد، حدثنا أحمد ابن محمود بن خرزاذ الكازروني، حدثنا أبو إسماعيل: إبراهيم بن محمد الأصبهاني حدثنا أبو العباس الأَبيوَرْدِيِ قال:
خرج الشافعي ﵁ إلى اليمن إلى ابن عم له فبرّه (٥) ببرّ غير طائل، فكتب إليه الشافعي، فذكر هذه الأبيات دون الثالث والرابع، وقال في ابتدائه: «أتاني بر منك في غير كنهه» وقال في الثالث: «ونال الندى من كان منك بعيد». قال: فكتب إليه ابن عمه أن خذ (٦) هذه خمسمائة دينار، وخمسمائة درهم، فاصرفها في نفقتك، وخمسة أثواب من عصب اليمن؛ فاجعلها في عَيْبتك، وهذا نجيبٌ فاركبه.
_________________
(١) في ا: «وباب الذي تهوى إليك بعيد» وفي المناقب كالرواية الآتية: «ونال الندى من كان منك بعيد».
(٢) تاريخ دمشق ١٠/ ٢٠٧ - ب، ومناقب الرازي ١١٦.
(٣) من المناقب للرازي.
(٤) في ح: «أبو عمرو».
(٥) في ح: «برا».
(٦) من ح.
[ ٢ / ٧٨ ]
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني محمد بن يوسف الدقيقي قال: سمعت أبا العباس الأصم يقول: سمعت أبا الحسن الكرماني ينشد للشافعي.
ح (١). وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت محمد بن عبد الله بن محمد - يعني أبا بكر الشيباني يقول: سمعت الحسن بن شهمردان يقول: سمعت أبا إسحاق المروزي يقول: ذكر المزني أن الشافعي أخذ بيده فقال:
أُحِبُّ من الإخوان كُلَّ مُوَاتِي وكلَّ غَضِيضِ الطّرْفِ عن عَثَراتي (٢)
يصاحبني في كلّ أمرٍ أحبُّه ويحفظني حيًّا وبعد وفاتي
فَمنْ لي بهذا ليت أني أصبْتُه فقاسمته مالي مع الحسناتِ (٣)
زاد أبو عبد الله في روايته: زادني (٤) فيه غيره:
تَصفَّحتُ إخواني فكان أقلّهم على كثرة الإخوان أهل ثقاتي (٥)
وقال: «يساعدني» مكان «يُصاحبني» وقال: «وجدته» بدل «أصبته» وقال: «أقاسمه مالي ومن حسناتي».
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي روايته عن الزبير بن عبد الواحد، عن أبي عبد الله: محمد بن جعفر أحمد الفارسي، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصبهاني، عن المزني، قال:
_________________
(١) من ح.
(٢) المناقب ص ١١٦، وتاريخ دمشق ١٠/ ٢٠٧ - ا.
(٣) في المناقب للرازي: « ليت أني أصيبه».
(٤) في ا: «زاد».
(٥) في تاريخ دمشق: «.. غير ثقاتي».
[ ٢ / ٧٩ ]
أخذ الشافعي بيدي ثم قال. فذكر هذه الأبيات الثلاثة يغير بعض الألفاظ.
قال أبو الحسن: وأنشدونا (١) لأبي العتاهية. فذكر هذه الأبيات غير أنه قال: «وكلّ عفيف الطرف (٢)»، وذكر البيت الذي زاد أبو عبد الله.
وعن أبي إسحاق المروزي، أنه أملى على أصحابه، قال: قال الشافعي لصديق جفاه:
لستُ مَنْ جفاه أخوه أَظْهرَ الذّمّ أو تناول عِرْضا
بلْ إذا صاحبي بدا لي جَفَاهُ عُدْتُ بالودِّ والوِصال ليرضى
كنْ كما شئتَ لي فإني حمولٌ أنا أوْلى مَنْ عَنْ مساويك أغْضَى (٣)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثني أبو بكر: محمد بن محمد المقري، حدثنا أبو بكر: عبد الله بن محمد بن زياد الفقيه النيسابوري عن المصريين قال: أنشد الشافعي لنفسه:
يا لهَفَ نَفْسِي على مالٍ أُفَرِّقُهُ على المُقِلِّين من أهل المروءات
إنَّ اعتذاري إلى من جاء يسألني ما ليس عندي من إحْدى المصيباتِ (٤)
أخبرنا محمد بن الحسين السُّلمي قال: سمعت الحسين بن يحيى يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: سمعت علي بن أحمد المقدسي يقول: أنشدنا أصحابنا للشافعي:
_________________
(١) في ح: «وأنشدوا».
(٢) الأبيات الأربعة في ديوان أبي العتاهية ص ٥٩ وفيه: «وفيّ يغض الطرف » والثلاثة في غرر الخصائص ص ٤٢٧، وهي «في الصداقة والصديق» غير منسوبة. وانظرها في التوالي ص ٧٤.
(٣) ما بين القوسين ساقط من ا. والأبيات في المناقب للرازي ١١٤.
(٤) المناقب للرازي ١١٦، وطبقات الشافعية ١/ ٣٠١. وتاريخ دمشق ١٠/ ٢٠٥ - اوفيه: «ما لست تملكه».
[ ٢ / ٨٠ ]
أَرَى نَفْسي تكلّفني أُمورًا يُقَصّرُ دون مَبْلَغِهِنَّ مَالِي
فلا نَفْسي تُطاوعني لِشُحٍّ ولا مَالِي يُبلِّغُني فِعَالي] (١)
أخبرنا أبو عبد الله قال: سمعت محمد بن الحسين بن أحمد بن موسى الترقفيَّ (٢) يقول: سمعت محمد بن يحيى الصولي ينشد للشافعي:
وأَنْزَلني طُولُ النّوى دَارَ غُرْبَةٍ إذا شئتُ لاقيتُ امرءا لا أُشَاكِلُهْ (٣)
فحَامَقْتُهُ حَتَّى يقالَ: سَجِيَّةٌ ولو كان ذا عَقْلٍ لكنتُ أُعَاقِلُهْ (٤)
ورأيت في كتاب أبي نعيم الأصبهاني بإسناد له عن المزني قال:
قدم الشافعي في بعض قَدَماتِه من «مكة» فخرج إخوان له يتلقونه فإذا هو قد نزل منزلا، وإلى جانبه رجل جالس وفي حجره عود، فلما فرغوا من السلام عليه قالوا: يا أبا عبد الله، أنت في مثل هذا المكان؟ فأنشأ يقول: فذكر هذين البيتين.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو الوليد: حسّان بن محمد الفقيه قال: سمعت بعض أصحابنا يقول:
سافر الشافعي مرة فصحبه في سفره من لا يداينه في نسبه وعقله، فأنشأ الشافعي يقول:
وأنزلني طولُ النَّوَى دارَ غُرْبةٍ مجاورتي من ليس مثلي يُشَاكِلُهْ
_________________
(١) ما بين القوسين سقط من ح، والبيتان في المناقب للرازي ١١٦، وعيون الأخبار ١/ ٣٤٠، والحماسة ٣/ ١٠٢.
(٢) في ا: «البيهقي».
(٣) طبقات الشافعية ١/ ٣٠٦.
(٤) البيتان في عيون الأخبار ٣/ ٢٤، والبيان والتبيين ١/ ٢٤٥ غير منسوبين. (م ٦ - مناقب جـ ٢)
[ ٢ / ٨١ ]
ثم ذكر البيت الثاني.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ في التاريخ، سمعت أبا محمد: عبد الله بن علي القاضي المنجنيقي يقول: سمعت أبا نعيم يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول:
وأنزلني طولُ النَّوى دارَ غربةٍ يقاومني من ليس مثلي يشاكلهْ
فحامَقْته حتى يقال: سجيَّةٌ ولو كان ذا عقلٍ لكنت أعاقلُهْ
وأنشدنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنشدني أبو الحسن: أحمد بن علي المصري، بمكة، أنشدني أبو بكر بن البغدادي القاضي للشافعي:
إنَّ الغريبَ له مَخَافةُ سارقٍ وخضوعُ مَدْيونٍ وذلّةُ وَامِق
وإذا تذكَّر أهلّه وبلادَهُ ففؤادُه كجَناح طيرٍ خافقِ (١)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر المعدِّل، أنشدني عدي بن عبد الله الأديب عن بعضهم للشافعي:
أَكْثَرَ الناسُ في النساءِ وقالُوا إنّ حبَّ النساء جهدُ البلاء
ليس حبُّ النساء جهدًا ولكنْ قُرْب من لا تحبّ جهد البلاء
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني محمد بن يوسف الدقيقي، سمعت عبد الله بن محمد بن عدي الفقيه يقول: أنشدني أحمد بن زريق قال: قال الشافعي:
أجارتَنا إنَّ الخُطُوبَ تَنُوبُ إني مقيمٌ ما أقام عَسِيبُ (٢)
_________________
(١) المناقب للرازي ١١٤.
(٢) الأبيات لامرئ القيس، وعسيب: جبل بعالية نجد، كما في ديوانه ٣٥٧، ٤٥٤، واللسان ٢/ ٨٩، ومعجم البلدان ٦/ ١٧٨.
[ ٢ / ٨٢ ]
أجارتَنا إنا غريبان ها هنا وكلُّ غريبٍ للغريب نسيبُ
فإنْ تَصِلِينَا تَسْعدِي بمودَّتي وإنْ تَقْطعِينا فالغريبُ غريبُ
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر، سمعت محمد ابن يعقوب بن الحجاج الأديب يقول: وجدت في كتابي، عن المزني: أن الشافعي أملى عليه:
وأَكثِرَ من الإخوان ما اسْطَعْتَ إنهمْ بُطُونٌ إذا اسْتَنْجَدْتَهُمْ وظُهُورُ
وليسَ كثيرًا ألفُ خِلٍّ لعاقلٍ وإنَّ عدوًّا واحدًا لَكَثيرُ (١)
وأخبرنا أبو عبد الله، أخبرني أبو الفضل، أنشدني عبد الله بن أحمد بن خزيمة، أنشدني محمد بن الحسن للشافعي ﵀:
عواقبُ مكروهِ الأمورِ خيارُ وأيامُ شَرٍّ لا تدومُ قِصارُ
وليس بباقٍ بُؤْسُها ونَعِيمُها إذا كَرٍّ ليلٌ ثم كَرَّ نهارُ
قال: وقال الشافعي ﵀:
إذا شئتَ أنْ تَحْيَا فلا تكنْ على حالةٍ إلا رضيتَ بِدُونها (٢)
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الفضل، سمعت تمام بن عبد الله
_________________
(١) من غير نسبة في «الصداقة والصديق» وفي محاضرات الأدباء ٢/ ٢ لمحمود الوراق، وفيها: «فما بكثير ألف خل وصاحب» وفي المناقب للرازي ١١٤: «وليس كثيرًا » كما في الموشي ص ١٦/ ١٧ وهما منسوبان لعلي ﵁، وفي روضة العقلاء ص ٩٩ غير منسوبين. وانظرهما في التوالي ٧٤.
(٢) المناقب للرازي في الموضع السابق.
[ ٢ / ٨٣ ]
الطرسوسي يقول: سمعت نصر بن عصام الأردبيلي يقول: سمعت عبد الرحمن ابن محمد يقول: سمعت المزني يقول: سمعت الشافعي يقول:
نَعِيبُ زمانَنا والعيبُ فينا وما لِزَمَانِنا عيبٌ سِوَانا
وقد نَهْجُوا الزمانَ بغير جُرْمٍ ولو نَطَق الزمان به هَجانا
ديانتنا التّصنّعُ والتَّرَائِي فنحنُ به نُخادِعُ مَنْ يرانا
وليس الذئبُ يأكلُ لحمَ ذئبٍ ويأكلُ بعضُنا بَعْضًا عِيانا
لَبِسْنَا لِلتّخَادُعِ مَسْكَ ضَأنٍ (*) فَوَيْلٌ للمُغيرِ إذا أتانا (١)
أنشدنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنشدني سعيد بن أحمد بن محمد، أنشدني أبو علي: أحمد بن علي المالكي للشافعي ﵀:
إذا رافقتَ في الأسفار قومًا فَكُنْ لهم كذي الرَّحِم الشّفيقِ
بعيبِ النفسِ ذَا بصرٍ وعلمٍ وأَعْمَى العين عن عيبِ الرّفيقِ (٢)
ولا تأخذْ بعثْرةِ كلّ قومٍ ولكن قل: هَلُمّ إلى الطريقِ
فإن تأخذْ بعثرتهم يَقِلُّوا وتبقى في الزمانِ بلا صديقِ
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا أبو القاسم: عبد الله بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم الحلواني (٣) ببغداد، حدثنا أبو محمد: إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل بن أحمد الرفاء، سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول:
_________________
(١) (*) أثبتت أولًا في المطبوع لفظة «مُسُوكَ ضَانٍ»، ثم صححت في فهرس التصويبات ٢/ ٤٧٠ إلى: «مَسْك ضأن» كما في ا، ح، وفي هامش ح: (للخداع مسوك).
(٢) الأبيات الأربعة السابقة كتبها بعض النساخ لعيون الأخبار ٢/ ٢٦٠ منسوبة للشافعي عقب فراغه من كتاب العلم.
(٣) في مناقب الرازي: «لعيب النفس ».
(٤) ليست في ح.
[ ٢ / ٨٤ ]
سمعت الشافعي ينشد هذه الأبيات:
سأضرِبُ في الآفاقِ شَرْقًا ومَغْرِبًا وأكسب مالًا أو أموت غريب (*)
لئن تَلِفْتْ نفسي فلله درُّها وإن سلِمَتْ كان الرجوع قريب (*)
* * *
سقى اللهُ أرضَ العامريِّ غمامةً وردّ إلى الأوطان كلَّ غريب
وأعطى ذوي الحاجات فوق مناهُمُ وأمتع محبوبا بقرب حبيب
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني نصر بن محمد العطار، أنشدني أبو القاسم: الطيب بن محمد الأنصاري الفقيه، أنشدني إبراهيم بن عرفة، نفطويه، لمحمد ابن إدريس الشافعي في وصف القلم:
هل تذكرين إذا الرسائل بيننا يَجْرين في الشجر الذي لم يُغْرَسِ
أيّامَ سِرُّك في يدي ومثاله لي في يديك من الضَّمير الأخرسِ
قرأت في كتاب أبي بكر: محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا، روايته عن أحمد بن محمد بن إسماعيل، الإسماعيلي الفقيه، عن محمد بن أحمد الهروي، عن أبي عبد الله بن المهتدي الهاشمي، عن علي بن سهل الرملي، عن رجل نَسى ابن المهتدي اسمه، قال:
لما قرأ هارون الرشيد كتاب الولاية للأمين والمأمون بمكة، قام فتى شاب فقال: يا أمير المؤمنين:
لا قَصَّرا عنها ولا بُلّغْنها حتى يطول بها لديك طوالها
قال: فقاتل الناس: من هذا الشاب الذي جمع التهنئة والتعزية في بيت
_________________
(١) (*) كذا في الأصول، والصواب: غريبا .. قريبا. [فهرس التصويبات ٢/ ٤٧٠]
[ ٢ / ٨٥ ]
واحد؟ فقيل: هذا فتى من قريش يقال له: محمد بن إدريس الشافعي.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني نصر بن محمد العطار، أخبرني محمد ابن عمر (١) البصري، حدثني محمد بن أحمد بن عاصم، حدثني محمد بن عبد الله ابن جعفر الرازي، حدثنا الحسن بن علي بن مروان، حدثنا الربيع بن سليمان، قال: قال لي الشافعي: سألت محمد بن الحسن أن يعيرني كتابًا فكتبت إليه هذه الأبيات:
قل لمن لم تَرَ عيـ ـنُ من رآه مثلَهُ (٢)
ومن كأن من رآ هـ قد رأى من قبلَهُ (٣)
العلم ينهى أهلَه أن يمنعوه أهلَهُ
لعله يَبْذُلُهُ لأهله لعلَّهُ (٤)
قال: فحمل محمد بن الحسن الكتاب في كمّه وجاءني معتذرًا عن حبسه.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثني أبو بكر: محمد بن إبراهيم الشافعي، حدثني محمد بن أحمد البرقي الزاهد، حدثني أصحاب الشافعي: إن الشافعي كتب إلى محمد بن الحسن بهذين البيتين - يعني: حين حبس بالعراق:
لستُ أدري ما حيلتي غير أني أرتجي من جَميل جاهِك صُنْعَا
والفتى إن أراد نفعَ صديقٍ فهْو يدري في أمره كيف يَسْعَى
_________________
(١) في ا: «عمرو».
(٢) في ا: «. . . عينا من يراه. . .».
(٣) في طبقات الحنفية: «ولمن كان رآه قد رأى. . .».
(٤) المناقب للفخر ١١١، وتاريخ دمشق ١٠/ ١٨٧، وطبقات الحنفية ٢/ ٤٣ وتوالي التأسيس ٥٥.
[ ٢ / ٨٦ ]
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، سمعت أبا بكر: هبة الله بن الحسن، الأديب الفقيه، ببخاري، يقول: سمعت همام بن عبد ينشد هذه الأبيات، عن المزني والربيع، عن الشافعي:
لما عفوتُ ولم أحقد على أحدٍ أرحتُ نفسيَ من غمّ العداواتِ (١)
إني أُحَيِّي عدُوِّي عند رؤيته لأدفعَ الشرَّ عني بالتحيّاتِ
وأُحسن البِشْرَ للإنسانِ أبغضُه كأنه قد حشا قلبي محبّاتِ (٢)
ولست أسلم من خلٍّ يخالطني فكيف أسلم من أهل العداواتِ؟
[وقال في غيره (٣)]:
ولست أسلم ممن ليس يعرفُني فكيف أسلم من أهل العداواتِ؟
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر، أخبرني محمد بن عمرو البصري، حدثنا أبو العلاء: أحمد بن محمود الأهوازي، حدثنا يوسف القُمِّي، حدثنا المزني، قال: سمعت الشافعي يقول:
كنت باليمن فقرأت على باب صنعاء أو عدن [مكتوبا (٤)]:
احفظ لسانَك أيها الإنسانُ لا يَلْدَغنَّك إنه ثعبانُ
كم في المقابر مِن قتيلِ لسانِه قد كان هاب لقاءَهُ الأقرانُ
_________________
(١) في «الصداقة والصديق»: «وأنشد هلال بن العلاء الرقي».
(٢) في «الصداقة والصديق»: «وأظهر البشر. . . كأنه قد ملا قلبي. . .» وبعده: والناس داء وداء الناس قربهم وفي الجفاء لهم قطع الأخوات ولست أسلم ممن لست أعرفه . . . . . . . . . . . . . . . وأجزم الناس من يلقى أعاديه في جسم حقد وثوب من مودات
(٣) ما بين القوسين من ح.
(٤) من ح.
[ ٢ / ٨٧ ]
أخبرنا أبو عبد الله قال:
وقال الحسين بن محمد الماسرجسي، أخبرنا أبو الحسين: محمد بن جعفر الرازي، حدثنا محمد بن عبد الصمد الصّدفي (١)، قال: سمعت المزني يقول:
سمعت الشافعي يقول:
إذا لم تَصُنْ عِرضًا ولم تخْشَ خالقًا وتستحْيِ مخلوقا فما شئتَ فاصنع
أخبرني أبو عبد الله الحافظ، أخبرني محمد بن إبراهيم المؤذن، أنشدنا عبد الله بن محمد بن عدي، للفقيه الشافعي:
والمرء إن كان عاقلا ورعا يشغله عن عيوبهم ورعُه
كما العليلُ السقيم يشغله عن وجع الناس كلِّهم وجعُه (٢)
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أنشدني منصور بن عبد الله الهروي قال: أنشدنا إبراهيم بن المولد (٣)، للشافعي:
لا خير في حشو الكلا مِ إذا اهتديت إلى عيونهْ
والصمت أجمل بالفتى من منطق في غير حينهْ (٤)
وعلى الفتي بطباعه سمة تلوح على جبينهْ
من ذا الذي يخفى عليـ ك إذا نظرت إلى قرينهْ (٥)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني لؤلؤ بن عبد الله المقتدري، على باب
_________________
(١) في ح: «الصوفي».
(٢) البيتان في التوالي ص ٧٥.
(٣) في ح: «إبراهيم الموحد».
(٤) البيتان في الموشي ص ٨ منسوبين لأبي العتاهية وكذلك في لباب الآداب ٢٧٦، وهما في حماسة البحتري ٢٢٩ لصالح عبد القدوس. ونقل ابن حجر عن البيهقي الأبيات الثلاثة الأول في توالي التأسيس ٧٣.
(٥) البيتان في الموشي ص ١٤ بتقديم الثاني على الأول منسوبين لأبي العتاهية.
[ ٢ / ٨٨ ]
الخليفة قال: أنشدنا أبو القاسم: يوسف بن عبد الله المصري، عن بعض أصحاب الشافعي، للشافعي:
إني بليت بأربع يرمينني بالنيل عن قوس لهن صريرُ
إبليس والدنيا ونفسي والهوى أنَّى يَفِرُّ من الهوى نِحْرِيرُ
أنشدنا محمد بن الحسين السلمي، أنشدني محمد بن طاهر الوزيري، أنشدني المطرفي، للشافعي ﵀:
يا من تعزّزَ بالدنيا وزينتِها الدهرُ يأتي على المبْنِيِّ والباني (١)
ومن يكون عِزُّهُ الدنيا وزينتها فعزّه عن قليل زائلٌ فاني
واعلم بأن كنوزَ الأرض من ذهبٍ فاجعل كنوزَك من بِرٍّ وإيمان
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني نصر بن محمد العطار، أنشدني سعيد بن أحمد الهمذاني، عن أبي نصر: أحمد بن سهل، أنشدني صالح جزرة، للشافعي:
مَن طلب العلمَ للمعاد فاز بفضلٍ من الرشاد
فنار حسنا لطالبيه بفضل نيل من العباد
قرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي، عن الزبير بن عبد الواحد، حدثني يوسف بن الماجد، أخبرني المزني، قال: سمعت الشافعي يتمثل بهذا البيت. عندما غاب ابنه:
وما الدهر إلا هكذا فاصطبرله رزيّةُ مالٍ أو فراقُ حبيب
قال أبو الحسن: سقط على بعض الرواة «فاصطبرله» فأثبته فيه من عندي.
_________________
(١) في ا: «والدهر يأتي. . .».
[ ٢ / ٨٩ ]
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم المؤذن، سمعت محمد بن عيسى الزاهد يقول: فيما بلغنا: إن «عبد الرحمن بن مهدي» مات له ابن، فجزع عليه جزعًا شديدًا حتى امتنع من الطعام والشراب، فبلغ ذلك «محمد بن إدريس الشافعي» فكتب إليه:
أما بعد، فعّزَّ نفسك بما تعزي غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من فعل غيرك، واعلم أن أمضَّ المصائب فَقْدُ سرورٍ مع حرمانِ أجر، فكيف إذا اجتمعا على اكتساب وزر؟ وأقول:
إني معزِّيك لا أني على طمعٍ من الخلود ولكنْ سنّة الدين
فما المعزَّى بباق بعد صاحبه ولا المعزِّي ولو عاشا إلى حينِ (١)
قال: فكانوا يتهادونه بينهم بالبصرة.
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، سمعت الحسين بن أحمد بن موسى يقول: سمعت محمد بن يحيى الصُّولي يقول:
قال المبرد: رحم الله الشافعي، وإنه كان من أشعر الناس، وآدب الناس، وأعرفهم بالقراءات، ولقد أخبرني بعض أصحابي أنه مات لعبد الرحمن بن مهدي ولد فكتب إليه الشافعي:
يا أخي، عَزّ نفسك بما تعزِّي به غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من فعل (٢) غيرك، واعلم أنّ أمضّ المصائب فَقْدُ سرور، وحرمانُ أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وِزْر؟ فتناول حظّك يا أخي إذا قرب منك، قبل أن تطلبه، وقد نأى عنك. ألهمك الله عند المصائب صبرًا، وأجزل (٣) لنا ولك بالصبر أجرا. وكتب إليه:
_________________
(١) معجم الأدباء ١٧/ ٣٠٨، وتاريخ دمشق ١٠/ ٢٠٦ - ب.
(٢) ليست في ا.
(٣) في ا: (وأحرز».
[ ٢ / ٩٠ ]
إني مُعَزِّيك لا أنى على ثقةِ من الخلود ولكنْ سنّة الدينِ (١)
فما المعزَّى بباق بعد ميِّته ولا المعزِّي وإن عاشا إلى حينِ (٢)
أخبرنا محمد بن الحسين السلمي، سمعت عبد الرحمن بن محمد الهاشمي يقول: سمعت محمد بن الفضل العدني (٣) يقول: سمعت محمد بن خلف بن الْمَرْزُبان يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول:
سمعت «محمد بن سلام الجمحي» ينشد للشافعي:
مِحَنُ الزمانِ كثيرةٌ لا تنقضي وسُرورُه يَأتيك كالأعياد
مَلَكَ الأكابِرَ فاسترقّ رقابَهم وتراه رِقًّا في يد الأَوْغاد
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي فيما أسندوه عن محمد بن عبد الله عن عبد العزيز بن يحيى الكناني قال: أنشد الشافعي لسفيان بن عُيَيْنَة:
كم من قويّ قويٍّ في تقلُّبه مهذّب الرأي عَنْهُ الرزقُ مًنْحَرِفُ
ومن ضعيفٍ ضعيف العقل مختلط كأنّه من خليج البحرِ يغترفُ
هذا دليل على أن الإله له سرٌ خفيٌّ علينا ليس ينكشفُ (٤)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو بكر: محمد بن عثمان المقري، أنشدنا أبو روق الهِزَّاني بالبصرة، أنشدنا العباس بن الفرج الرِّيَاشي، قال: أنشدني الشافعي لنفسه (٥):
المرءُ يحظى ثم يعلو ذكره حتى يُزَيَّنَ بالذي لم يعملِ (٦)
_________________
(١) في تاريخ دمشق: « لا أني على طمع من الخلود ».
(٢) في تاريخ دمشق: « بباق بعد صاحبه. . . ولو عاشا. . .».
(٣) في ح: «العذري».
(٤) هذا البيت ليس في ا. والأبيات الثلاثة في ح والمناقب للرازي ١١٣.
(٥) ليست في ح.
(٦) البيتان في توالي التأسيس ص ٧٣ نقلا عن البيهقي.
[ ٢ / ٩١ ]
وترى الشقيَّ إذا تكامل غَيُّهُ يشقى ويُنْحَلُ بالذي لم يفعل
قال الرياشي: وكنت مع الأصمعي حيث قرأ على الشافعي شعر الشنفري بمكة. كذا قال أبو بكر المقري (١).
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنشدني محمد بن الحسن الرازي، أنشدنا ابن أبي حاتم للشافعي:
مَا هِمَّتي إلا مُطالبةُ العُلا خَلق الزمانُ وهمَّتي لم تَخلق
الجِدّ يدني كُلَّ أمرٍ شاسعٍ والجَدُّ يفتح كلَّ باب مغلقِ (٢)
وإذا سمعت بأن مَجْدُودًا حَوَى عودًا فأَثمر في يديه فَصَدِّق
وإذا سمعت بأن محرومًا أتى ماءً ليشربَه فغَاض فَحقِّقِ (٣)
ومن الدليل على القضاء وكونِه بؤسُ اللبيبِ وطِيْبُ عيشِ الأحْمَقِ (٤)
قلت: زاد في أوله غيره:
إنّ الذي رُزِقَ اليَسارَ فلم يُصِبْ حَمْدًا ولا أجرًا لَغَيْرُ مُوَفَّق
وأحقُّ خلقِ اللهِ بالهمِّ امرؤٌ ذو همَّةٍ يُبْلىَ بِعيشٍ ضيِّقِ (٥)
_________________
(١) في ح: «المزني» وهو خطأ.
(٢) في تاريخ دمشق: «فالجد يبني» والأبيات في العمدة ١/ ٤٠ ما عدا الأول والأخير.
(٣) في تاريخ دمشق: مجدودًا أتى ».
(٤) الأبيات في طبقات الشافعية ١/ ٣٠٤.
(٥) الأبيات في تاريخ دمشق ١٠/ ٢٠٧ - ب، والمناقب للرازي ١١٣، وبعده فيه: ولربما عرضت لنفسي فكرة فأود منها أنني لم أخلق لو كان بالحيل الغنى لوجدتني بأجل أسباب السماء معلق لكن من رزق الحجا حرم الغني ضدان مفترقان أي تفرق ومن الدليل. .. الخ. وانظرها في التوالي ٧٥، وطبقات الشافعية ١/ ٣٠٤.
[ ٢ / ٩٢ ]
قال: «والجدُّ يدني كل أمر شاسع» وزاد أيضًا:
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت عبد الواحد بن عبد الله البغدادي
يقول: سمعت يوسف بن عبد الأحد القُمِّي يقول: سمعت الربيع بن سليمان
يقول: كنت مع الشافعي في بعض أسفاره فسمعته ينشد:
يقولون: لا تنظر وتلك بليَّةٌ ألاَ كُلُّ ذي عينين لا بد ناظرُ
وليس اكتحال العين بالعين ريبةً إذا عفّ فيما بين ذاك الضمائرُ (١)
أخبرنا أبو بكر: محمد بن إبراهيم بن أحمد الفارسي، أخبرنا أبو الحسن: محمد بن إسماعيل العلوي، سمعت محمد بن نوح العسكري يقول: سمعت محمد ابن عبد الله يقول:
لقيت الشافعي فتنفس وأنشأ يقول.
وأنشدنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنشدني ناصر بن محمد، أنشدني عبد الله بن محمد بن سعيد الأندلسي، سمعت البويطي يقول: أنشدني الشافعي، ﵀، لنفسه:
مَرِضَ الحبيبُ فعُدْتُه فمرضتُ من حذري عليهِ
فأتى الحبيب يعودني فبرأْتُ من نظري إليهِ
لفظهما واحد.
_________________
(١) أوردهما ابن قيم الجوزية في روضة المحبين ص ١١٢ نقلا عن الحاكم في مناقب الشافعي على أنهما من شعر الشافعي، وهما لجميل بن معمر كما في ذيل الأمالي ص ١٠٣.
[ ٢ / ٩٣ ]
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو بكر بن عثمان البغدادي، حدثنا أبو رَوْق الهِزَّاني، حدثنا الرياشي: أنّ رجلا كتب رقعة يستفتي بها الشافعي:
ماذا تقول هداك الله في رَجل أمسى يحبّ عجوزًا بنت تسعين؟
فأحابه الشافعي ﵁:
نبكي عليه فقد حقّ البكاء له حبّ العجوز بترك الخُرّدِ العِيْنِ
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو سهل: محمد بن أحمد الفرائِضي، حدثني أبو يعلى العلوي، سمعت عبد الله بن محمد بن مسلم الإسفراييني يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
كنت يوما عند الشافعي فجاءه أعرابي بيده رقعة، فتخطى رقاب الناس وناوله الرقعة، فنظر فيها الشافعي ﵁، فدعا بالدواة ووقع فيها بخطه. فتبعت الأعرابي وسألته النظر فيها فإذا فيها:
سَلِ المفتَى المكيَّ هل في تزاورٍ وضَمّةِ مُشْتَاقِ الفؤادِ جُنَاحُ
وإذا (١) فيها جواب الشافعي:
أقول معاذ الله أن يذهب التقَى تلاصُقُ أكبادٍ بِهِنَّ جِرَاحُ (٢)
_________________
(١) في ا: «فإذا فيها».
(٢) الكامل للمبرد ١/ ٢٤٩، وتزيين الأسواق ص ٧، وطبقات الشافعية ١/ ٣٠٣، والمختار من شعر بشار ص ٤٨ وفيه أن السائل للشافعي امرأة، ويقول مؤلفه أبو الطاهر: إسماعيل بن أحمد التجيبي: «وأنا أرتاب بهذه الحكاية عن الشافعي، على كثرة إسنادها إليه، وتعليقها به. على أنه قد وجه لها وجيه فقيل: المعنى: معاذ الله أن يفعل هذا تقي فيذهب تقاه فعله إياه، كقولك: معاذ الله أن تفعل فيسقط جاهك شرب وما أشبهه: أي معاذ الله أن تفعل فيسقط جاهك. وفي هذا بعض الغموض فتنبه له. اهـ. وفي روضة المحبين ص ١١٢ حكاية عن السمعاني: أن السؤال كان للشافعي، وقال: وذكر الخرائطي هذا السؤال والجواب عن عطاء بن أبي رباح، وأوله: سألت عطاء المكي. . .».
[ ٢ / ٩٤ ]
ورواه أبو زرارة الحرّاني، عن الربيع، وزاد فيها (١): قال الربيع: فأنكرت على الشافعي أن يفتي لحدث بمثل هذا، فقال لي: يا أبا محمد، هذا رجل هاشمي قد عرس في هذا الشهر - يعني شهر رمضان - وهو حدث السن، فسأل: عليه جناح أن يقبل أو يضم من غير وطء؟ فأفتيته بهذا. قال الربيع: فتَبعت الشاب فسألته عن حاله، فذكر لي أنه مثلما قال الشافعي. قال: فما رأيت فراسة أحسن منها.
وهذا فيما ذكره أبو نعيم الأصبهاني، عن الحسن بن سعيد بن جعفر، عن أبي زرارة.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، سمعت يحيى بن هارون (٢) الأيلي، الصوفي، يقول: سمعت ابن درستويه يقول:
بلغني عن حرملة أنه قال: رفع رجل رقعة إلى الشافعي مكتوبا فيها:
رجل مات وخلّى رجلا (٣) ابن عم ابن أخي عم أبيه
قال: فأجاب الشافعي في أسفل الرقعة:
صار مال المتوفى كاملا باحتمال القول لا مِرْيَةَ فيهِ
للذي خَبَّرْتَ عنه أنه ابن عم ابن أخي عم أبيهِ (٤)
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر، حدثنا علي بن الحسن بن حبيب الدمشقي، سمعت الفاقوسي - وكان من أهل القرآن والعلم - يقول (٥): سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول:
_________________
(١) في ا: «فيه».
(٢) في ا: «يحيى بن أحمد بن علي الإيلي».
(٣) في ح، ا: «وخلى» و«رجلا» في المناقب، وهي ساقطة من الأصلين. [أثبتت أولًا في المطبوع لفظة «مات وخلّف»، ثم صححت في فهرس التصويبات ٢/ ٤٧٠ إلى: «مات وخلّى»]
(٤) الأبيات والقصة في المناقب ١١٦ - ١١٧ وفيها: «للذي أخبرت»، وفي ا: «الذي أخبرت».
(٥) ليست في ا.
[ ٢ / ٩٥ ]
سمعت الشافعي يقول: كان لي صديق يقال له: حُصَين، وكان يبرّني ويصلني، فولاه أمير المؤمنين السِّيبين (١) قال: فكتبتُ إليه:
خُذْها إليكَ فإن وُدَّك طالقٌ منّي وليس طلاق ذات البينِ
فإن ارعويتَ فإنها تطليقةٌ ويدوم ودُّك لي على ثِنْتَينِ
وإن التويتَ شفعتها بمثالها وتكون تطليقين في حيضين
فإذا الثلاث أتتكَ مني طائِعا لم تغن عنك ولاية السِّيبينِ
لم أرض أن أهجُو حصينا وحده حتى أُسَوِّد وجهَ كلِّ حصينِ (٢)
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا عبد الله بن سعيد بن عبد الرحمن البستي، بهمذان، حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف الهيتي (٣)، حدثنا أبو الحسين: محمد بن محمد بن عبد الله بن جعفر، حدثنا الحسن بن حبيب عن محمد ابن عبد الحكم المصري قال: وحدثني محمد بن إدريس قال: كان لي صديق يسمى حصين، وكان يبرّني ويودّني، فولى قضاء السِّيبين، فجفاني ونسيني، فكتبت إليه بأبيات من الشعر، فذكرهن. قال: فلما قرأها رجع إلى مودتي واعتذر، غير أنه قال:
فإنِ الثلاث أتتك مني بتة لم تغن عنك ولاية السِّيبين (٤)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر، حدثنا يحيى ابن محمد بن إبراهيم الخطيب، حدثنا أبو بكر: محمد بن إبراهيم المقري قال:
_________________
(١) السيب - بكسر أوله وسكون ثانيه - كورة من سواد الكوفة، وهما سيبان: الأعلى والأسفل، كما في معجم البلدان ٥/ ١٩٠.
(٢) المناقب للرازي ١١٧.
(٣) في ح: «حدثنا محمد بن يوسف الهيتي».
(٤) في ا: « أتتك مني بيّفا».
[ ٢ / ٩٦ ]
سمعت محمد بن أبي عدي، قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي، ﵁ يقول:
اعرف الحق لذي الحق إذا حقّ له الحق
لا خير فيمن ينكر الحق لذي الحق إذا حق له الحق
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو علي: محمد بن علي الإسفراييني ببخاري، قال: أملى علينا أبو سعيد: أحمد بن سعيد بن عتيب الصّوري - بِصُور - حدثنا الربيع بن سليمان، سمعت الشافعي يقول:
ومنزلةُ السّفيهِ مِن الفقيهِ كمنزلةِ الفقيهِ من السفيهِ
فهذا زاهدٌ في علم هذا وهذا فيه أزهد منه فيهِ
إذا غلب الشقاء على السّفيهِ تنطَّع في مخالفة الفقيهِ (١)
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد (٢) بن إدريس - حدثنا أبي، حدثنا حرملة ابن يحيى، سمعت الشافعي، ﵁ يقول:
ولا تظهرنّ الرأي من لا يريدهُ فلا أنت محمودٌ ولا الرأيُ نافعهْ (٣)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، سمعت أبا الحسن: علي بن بندار الصرفي يقول: سمعت الشافعي يقول:
جنونك مجنون فلست بواجدٍ طبيبًا يداوي من جنون جنون (٤)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأني أبو جعفر: محمد بن صالح بن هانئ
_________________
(١) الأبيات في توالي التأسيس ص ٧٥، وطبقات الشافعية ١/ ٢٩٨.
(٢) في ح: «عمر».
(٣) آداب الشافعي ٢٧٦.
(٤) طبقات الشافعية ١/ ٣٠٧. (م ٧ - مناقب جـ ٢)
[ ٢ / ٩٧ ]
ابن محمد بن سهل (١) الطوسي، حدثه قال: أنشدنا يونس بن عبد الأعلى، وقال لي: اكتبه فإن ابن خزيمة لم يكتبه عني قال: أنشدنا الشافعي:
قليل المال لا ولد يموت ولا همٌّ يبادر ما يفوتُ
خفيف الظهر ليس له عيال خليٌّ من حُرِمت ومن دُهيتُ (٢)
قضى وطر الصّبا وأفاد علمًا فهمَّته التعبدُ والسكوتُ
قال أبو تراب: محمد بن سهل: سألني أبو بكر: محمد بن إسحاق عن هذه الأبيات.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، أخبرنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد - قال:
قال الربيع والمزني: كُلّم الشافعي في بعض ما يراد به - يعني فأبى، وأنشأ يقول:
ولقد بلوتك وابتليت خليقتي ولقد كفاك معلمي تعليمي (٣)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني نصر بن محمد، أخبرني علي بن محمد ابن أحمد الفقيه، قال: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن محمود قال: سألت يونس ابن عبد الأعلى عن حديث فقال:
خذي العفوَ مني تستديمي مودتي ولا تنطقي في سَورتي حين أغضبُ
فإني وجدت الحب في القلب والأذى إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهبُ (٤)
_________________
(١) في ح: «نهيك».
(٢) في هامش ح: «خلى من خرجت ومن ذهبت».
(٣) آداب الشافعي ٢٧٣.
(٤) البيتان في مناقب الرازي ص ١١٧، والثاني في ديوان المعاني ٢/ ١٧١.
[ ٢ / ٩٨ ]
ثم قال يونس: كان الشافعي معجبا بهذه الأبيات (١).
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرني الربيع البلخي قال: حدثني أحمد بن علي الرستمي، حدثني أبو النضر بن سالم، حدثني أبي قال: بينا (٢) الشافعي في مجلسه، ببغداد، في مسجد المنصور إذ سقطت بين يديه رقعة فيها مكتوب:
عفا الله عن عبدٍ أعان بدعوةٍ خليلين كانا دائبين على الودِّ (٣)
إلى أن وشا واشٍ بقول نميمة إلى ذاك من هذا فحالا عن العهدِ
قال: فمد الشافعي يده ودعا وانصرف بلا مناظرة ولا مذاكرة.
وقرأت في كتاب أبي نعيم الأصبهاني، أخبرنا محمد بن عمر بن غالب، حدثنا محمد بن الربيع بن سليمان - بمكة - حدثنا أبي قال:
قال لي يعقوب البويطي: قلت للشافعي: قد قلت في الزهد فهل لك في الغزل شيء (٤)؟ قال: فأنشد:
يا كاحلَ العينِ بعد النومِ بالسهرِ ما كان كحلك بالمنعوت للبصرِ
لو أنَّ عيني إليك الدهر ناظرة جاءت وفاتي ولم أشبع من النظرِ
سقيا لدهر مضى ما كان أطيبه! لولا التفرُّق والتنغيص بالسفرِ (٥)
إن الرسولَ الذي يأتي بلا عِدَةٍ مثلُ السحاب الذي يأتي بلا مطرِ (٦)
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، سمعت أبا منصور بن أبي محمد الفقيه
_________________
(١) البيتان في عيون الأخبار ٣/ ١١ منسوبين لشريح.
(٢) في ا: «كان».
(٣) في ا: «دائمين».
(٤) ليست في ا.
(٥) في ا: «لأيام مضت ما كان أطيبها» وعلى قوله: «أيام» علامة التضبيب.
(٦) الأبيات في طبقات الشافعية ١/ ٣٠٥.
[ ٢ / ٩٩ ]
يقول: سمعت بعض فقهائنا يقول: بلغني أن الشافعي سئل: أيجوز أن يتزوج الرجل على بيت شعر؟ قال: إذا كان البيت مثل هذا فنعم:
يريد المرء أن يعطى مناه ويأبى الله إلا ما أرادا
وقال غيره: أن يلقى مناه.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني عبد الواحد بن محمد المذكر قال: أنشدني الشافعي ﵁:
إذا كنت لا تدري ولا أنت بالذي يُسائل من يدري فكيف إذًا تدري
فلو كنت تدري أو تدرّيت لم تكن تخالف من يدري على علم ما يدري (١)
وأخبرنا أبو عبد الله: أخبرني نصر بن محمد، حدثني محمد بن يعقوب ابن يوسف بن الحجاج الأديب قال: وجدت في كتابي عن الشافعي أنه قال: العلم حر وطالب العلم عبد، فأنْ خدم العلمَ ملك العلم وإن تجبّر عليه فالعلم أشد تجبُّرًا من أن يخضع لمن لا يخضع له وقال:
ما تمَّ حلم ولا علم بلا أدبٍ ولا تجاهل في قوم حليمانِ
وما التجاهل إلا ثوب ذي دنس وليس يلبسه إلا سفيهانِ (٢)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو محمد بن يوسف الأصبهاني، قالوا: سمعنا أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع ابن سليمان يقول:
كتب إليّ أبو يعقوب البويطي من الحبس: أن اصبر نفسك للغرباء،
_________________
(١) المناقب للرازي ١١١.
(٢) المناقب للرازي ١١٨.
[ ٢ / ١٠٠ ]
وأحسن خلقك لأهل حَلْقَتك؛ فإني لم أزل أسمع الشافعي يكثر أن يتمثل بهذا البيت:
أهين لهم نفسي لكي يكرمونها ولن تكرم النفس التي لا تهينها (١)
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، سمعت محمد بن عبد الله الشيباني يقول: سمعت موسى بن محمد بن هاشم يقول: سمعت المزني يقول:
سمعت الشافعي يقول: سئل بعض السلف: ما بلغ من اشتغالك بالعلم؟ فقال: هو سلوتي إذا اهتممت، ولذّتي إذا سلوت (٢).
قال: وأنشدني الشافعي، ﵁، لنفسه (٣):
وما أنا بالغيران من دون أهله وإذا أنا لم أضحى غيورا على علمي
طبيب فؤادي مذ ثلاثون حجَّةً وصيقل ذهني والمفرج عن هَمِّي
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني أبو تراب المذكر، حدثنا محمد ابن المنذر، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال:
سمعت الشافعي يقول: إذا قال الرجل لامرأته: اشربي أو كلي أو ذوقي وقال: أردت الطلاق فهو طلاق، والعرب تقول: اشرب الشيء: تريد به المكروه؛ ألا تسمع قول الشاعر:
اشرب بكأس كنت تسقي بها أمرّ في فيك من العلقَم
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا المؤمل ابن الحسن بن عيسى، سمعت الزعفراني يقول:
_________________
(١) البيت لأعرابي حجب عن باب السلطان كما في البيان والتبيين ٢/ ١٨٩. وأمالى المرتضى ١/ ٢٠٥، والصناعتين ص ٢٤٠، وإعجاز القرآن للبافلاني ص ١٢٤.
(٢) بعد هذا في ح: «لا أضجر».
(٣) ليست في ح.
[ ٢ / ١٠١ ]
سمعت الشافعي يقول: كانت أمي تطعمني الزيت وأنا صبي فقلت: يا أماه قد أحرق الزيت كبدي فقالت: كُلْه يا بني فإنه مبارك فقلت:
تأدَّمُنى بالزيت قالت: مباركٌ وقد أحرق الأكبادَ هذا المباركُ
أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، أخبرنا أبو صالح بن الجوهري، ببغداد، حدثنا أبو بكر: أحمد بن محمد الواسطي (١) قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت أبا عثمان: محمد بن محمد بن إدريس الشافعي يقول - يعني سمع أباه ينشد (*):
على كل حال أنت بالفضل أجدر (٢) وما الفضل إلا للّذي يتفضل
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا عبد الله بن سعيد بن عبد الرحمن البستي (٣)، حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن محمد بن عبد الله ابن جعفر الرازي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن صالح - بدمشق - حدثنا أبو معاوية: عبيد الله بن محمد بن عبد الحكم الدمشقي، حدثنا الربيع ابن سليمان قال:
قال رجل للشافعي: مات فلان، فقال: وهب الله لك الحسنات [ومحا عنك السيئات (٤)] فقد دللتنا على مكرمة، وحططت عنا ثقل الاعتذار، انهضوا بنا إلى فلان حتى نعزيه، فقيل له: إن الموضع بعيد، فأنشأ يقول:
لئن مدت دار المعزَّى ونابَه من الدهر يوم والخطوب تنوبُ (٥)
_________________
(١) في ا: «ابن الواسطي». (*) هذا نص ح. وفي ا: «الشافعي يقول ينشد يعني سمع أباه ينشد». [فهرس التصويبات ٢/ ٤٧٠]
(٢) في ا: «آخذ».
(٣) في ح: «لسبتي».
(٤) ما بين القوسين ليس في ا.
(٥) في ح: «يوما».
[ ٢ / ١٠٢ ]
لَمَشْيي على بعد على علة الوجا أدِبّ ومن يقضي الحقوق دَبُوبُ (١)
ألَذُّ وأحلى من مقال وخلفه يقال إذا ما قمت أنت كذوبُ
وهل أحد يصغي إلى عذرِ كاذبٍ إذا قال لم تأْبَ المقالَ قلوبُ (٢)
وأخبرنا محمد بن الحسين السلمي، سمعت محمد بن طاهر الوزيري يقول: سمعت المطرفي (٣) الهروي يقول: بلغني عن الربيع بن سليمان أنه قال:
جاء رجل إلى محمد بن إدريس الشافعي، ﵁، فقال له: إن فلانا صديقك لعليل (٤)، فقال له الشافعي: لقد اتخذت عندي يدا، وأحسنت إليّ حيث أيقظتني لمكرمة (٥)، ودللتني على إفضال، ودفعت عني اعتذارًا يشوبه بعض الكذب، ثم قال: يا غلام، نعلي؛ فالمشي على الحفا، على علة الوجا، في حرّ الرمضا إلى ذي طوى - أيسر من اعتذار إلى صديقك ربما لا يعذرك فيه، وربما يشوبه شيء من الكذب وإن قلّ، ثم أنشأ يقول:
ح. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر قال: أنشدني أبو عبد الله: محمد بن الحسن الفارسي: أنشدني أبو العباس: محمد ابن نصر الفقيه، أنشدني بعض أصحابنا للشافعي، ﵁، في قضاء الحق في السرعة والإبطاء:
أرى (٦) راحةً في الحق عند قضائه ويثقل يوما إن تركت على عمدِ
وفي رواية السلمي:
«أرى (٦) راحة للحق عند قضائه».
_________________
(١) في ا: «تمشي». والوجا: وجع في لقدم.
(٢) في ح: «يصفو له عذر كاذب». والأبيات في تاريخ دمشق ١٠/ ٢٠٧ - ب. وكتب هنا في هامش «ح»: بلغ مقابلة في المجلس السابع عشر.
(٣) في ح: «الطبري».
(٤) في ا: «إن صديقك عليل».
(٥) في ا: «للمكرمة».
(٦) في ا: «أرى». [أثبتت أولًا في المطبوع لفظة «رأى»، ثم صححت في فهرس التصويبات ٢/ ٤٧٠ إلى: «أرى»]
[ ٢ / ١٠٣ ]
وحسبك عارًا أن تقُل عذر كاذب وقولك لم أعلم وذاك من الجهدِ
[وفي رواية أبي عبد الله:
«وحسبك خِطْئًا أن تدع عذر كاذب»] (١).
ومن يَقْضِ حق الناس ثم ابن عمه وصاحبه الأدنى على القرب والبعدِ
وفي رواية السلمي:
«ومن يقض حق الجار ثم ابن عمه».
يَعِشْ سيدًا يستعذب الناس ذِكرهُ وإن نابه خطب أتَوه على قصدِ
أخبرنا محمد بن الحسين السلمي، سمعت منصور بن عبد الله الهروي يقول: سمعت إبراهيم بن محمد الرقّي (٢) يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول:
كنت يوما عند الشافعي، فتذاكروا ما قيل في حسن القِرى، ومحبة الضيافة والأضياف، فذكروا أبياتا للشعراء فقال الشافعي: وأين أنتم عن قول بعضهم:
ويدل ضيفي في الظلام على القِرى إشراقُ ناري أو نباحُ كلابي
حتى إذا واجَهْنَه فلقينه حَيّيْنَه ببصابِصِ الأذنابِ
وتكاد من عرفان ما قد عُلِّمَتْ من ذاك أن تفصحن بالتَّرحابِ
وقول بعض الأعراب من الهذليين حيث يقول:
وإذا تأمل شخصَ ضيفٍ مقبلٍ متسربلٍ سربال ليلٍ أغبرِ
أوْما إلى الكوماء هذا طارقي نحرتني الأعداء إن لم تنحري (٣)
_________________
(١) ما بين القوسين ليس في ا.
(٢) في ح: «المزني».
(٣) البيتان من غير نسبة في أمالى القالي ١/ ٤٣ ونسبهما البكري إلى ابن المولى، وانظر تخريج الميمني لهما في السمط ١/ ٢٧٨.
[ ٢ / ١٠٤ ]
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، حدثنا الشافعي، حدثني بعض أهل العلم أن أبا بكر الصديق، ﵁، قال: ما وجدت لي ولهذا الحي من الأنصار مثلا إلا ما قال الطفيل الغنوي:
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا تلاقي الذي يلقون منا لَنلَّت
هم خلطونا بالنفوس وألجثوا إلى حجراتٍ أدْفأت وأظلَّت
جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت بنا نعلنا في الواطئين فزلَّتِ (١)
قرأت بخط رفيقنا أبي عبد الله الكرماني، فيما سمع أبا عبد الله الشيرازي: أن أبا العباس الضرير أنشده قال: أنشدني عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: أنشدني المزني قال: سمعت الشافعي، ﵁، ينشد:
إذا هبَّت رياحُك فاغتنمها فإن لكل عاصفةِ سكونُ
ولا تغفل عن الإحسانِ فيها فما تدري السكون متى يكونُ
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، سمعت منصور بن عبد الله بن الفضل الأصبهاني يقول: سمعت أبا الحسن الدمياطي يقول:
قال حرملة: كثيرا ما سمعت الشافعي، ﵁، يتمثل بهذين البيتين:
لعمرك ما الرزيَّة هدمُ دارٍ ولا شاة تموت ولا بعيرُ
ولكن الرزية فقْدُ قِرْمٍ يموت بموته بشرٌ كثيرُ (٢)
_________________
(١) الأبيات في مجموعة المعاني ٩٨ وفيها: « جعفرا حسين أشرفت» وفي آداب الشافعي ٢٧٧، والأغاني ١٥/ ٣٦٨ ط. دار الكتب، ومجالس ثعلب ٤٦١، وحلية الأولياء ١٥٣، والانتفاء لابن عبد البر ٨٧.
(٢) المناقب للرازي ١١٨، وأمالى القالي ١/ ٢٧٢.
[ ٢ / ١٠٥ ]
أنشدنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي قال: أنشدني علي بن محمد ابن جعفر البخاري الأديب، للشافعي ﵁:
ومتعَب العيش مرتاح إلى بلد والموت يطلبه في ذلك البلد
وضاحك المنايا فوق هامته لو كان يعلم وجدًا فاض من كمد
آماله فوق ظهر النجم سابحةُ والموت منتظر منه على الرصدِ (١)
من كان لم يعط علما في بقاء غد ماذا تفكُّره في رزق بعد غدِ؟ (٢)
أخبرنا محمد بن الحسين السلمي، أخبرنا علي بن جندل القزويني، على باب الأصم، حدثنا أبو محمد: عبد الله بن عبد الرحمن الهمذاني - بجرجان - قال: وجدت في بعض كتب أصحابنا سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي ينشد:
صُن النفسَ واحملها على ما يزينها تعششْ سالما والقول فيك جميلُ
ولا تُوْلِيَنَّ الناسَ إلا تجملا نيابك دهر أو جفاك خليلُ
وإن ضاق رزقُ اليوم فاصبر إلى غدٍ عسى نكبات الدهر عنك تحولُ
فيغْنَى غَنِيّ النفس إن قلَّ ماله ويغني فقير النفس وهو ذليلَ
ولا خير في ودّ امرئ متلون إذا الريح مالت مال حيث تميلُ
وما أكثر الإخوان حين تعدَّهُمْ ولكنهم في النائِبات قليلُ (٣)
_________________
(١) في ا: شامخة. وفي ا، ح: «والموت تحت إطليه على الرصد».
(٢) المناقب للرازي ١١٨.
(٣) المناقب للرازي ١١٨.
[ ٢ / ١٠٦ ]
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو علي: محمد بن علي بن الحسين قال: حدثنا الحسن بن عبد الله الأذني بأَذنة (١)، حدثنا عبد العزيز بن قرة، سمعت أحمد بن حنبل يقول: لقيت الشافعي فقلت:
يا أبا عبد الله، أين تريد؟ فأنشأ يقول:
أرى النفس مني قد تتوق إلى مصرٍ ومن دونها أرض المفازة والقفرِ
فو الله ما أدري أللخفضِ والغنى أساق إليها أم أساق إلى قبري؟ (٢)
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، سمعت أبا طاهر بن محمد البزاز يقول:
سمعت أبا بكر: محمد بن محمد بن أبي الفضل العسكري يقول:
سمعت أبي يقول: سمعت ابن أبي هاشم الفرضي (٣) يقول:
كتب محمد بن إدريس على حائط يوما:
أرى نفسي تتوق إلى مصر ومن دونها أرض المفاوز والقفرِ
فو الله ما أدري أللخفضِ والغنى أساق إليها أم اساق إلى قبري؟
فكتب بعض المجتازين بها تحته:
رحم الله من دعا لأناسٍ نزلوا هاهنا يريدون مصرا
فرقت بينهم صروف الليالي فتناءَوا عن الأحبة قسرا
وقرأت في كتاب أبي نعيم الأصبهاني [من] (٤) روايته عن محمد بن
_________________
(١) في ح: «الأدمى بأدم».
(٢) المناقب للرازي ١١٨ - ١١٩، وتاريخ دمشق ١٠/ ٢٠٩ - ب.
(٣) في ح: «العربي».
(٤) من ح.
[ ٢ / ١٠٧ ]
إبراهيم عن إبراهيم بن علي بن عبد الرحمن يحكى عن الربيع، سمعت الشافعي يقول في قصة ذكرها:
لقد أصبحت نفسي تتوق إلى مصرٍ ومن دونها أرض المهامِهِ والقفرِ
فو الله ما أَدري أللفوزِ والغِنى أساق إليها أم أساق إلى قبري (١)؟
فو الله ما كان إلا بعد قليل حتى سيق إليهما جميعًا (٢).
وأخبرني به الثقة من أصحابنا عن أبي نعيم، بالإجازة، أنشدنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنشدني أبو بكر: محمد بن عبد الأعلى الفقيه، أنشدني أبو الطيب المعروفي للشافعي، ﵁ وأرضاه:
الهم فضل والقضاء غالب وكائنٌ ما خطّ في اللوحِ
انتظر الرَّوحَ وأسبابه آيَس ما كنتَ من الرَّوْحِ
أخبرنا أبو عبد الله: الحسين بن محمد بن الحسين بن عبد الله بن فنجويه الدينوري، بالدامغان، حدثنا عبيد الله بن محمد بن شيبة، حدثنا محمد بن إبراهيم الأصبهاني، حدثنا عمر بن عبد العزيز الحدادي (٣)، أخبرني محمد بن سهل، حدثني الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي: ﵁، ينشد:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن قل عليّ رقيبُ
ولا تحسبنَّ الله يغفل ساعة ولا أن ما تُخفي عليه يغيبُ
غفلنا لعَمْر الله حتى تداركت علينا ذنوب بعدهن ذنوبُ
_________________
(١) طبقات الشافعية ١/ ٣٠٥، ومناقب الشافعي للرازي ١١٨ - ١١٩.
(٢) تاريخ دمشق. الموضع السابق، وتاريخ بغداد ٢/ ٧٠، وانظر توالي التأسيس ٧٥، ٨٢ - ٨٣.
(٣) في ح: «الجرادي».
[ ٢ / ١٠٨ ]
فياليت أن الله يغفر ما مضى ويأذن في توباتنا فنتوبُ (١)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني محمد بن يوسف الدقيقي قال:
وجدت في كتاب الشافعي (٢) ﵀:
فيا عجبي كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحدُ؟!
ولله في كل تحريكة وتسكينة أبدا شاهد
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد (٣)
وهذه الأبيات كأنه أنشدها لغيره (٤).
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قَال:
سمعت أحمد بن محمد مقسم يقول: أخبرني بعض أصحابنا قال: أخبرني المزني قال: دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه، فأنشدني لنفسه:
ما شئتَ - كان وإن لم أَشأ وما شئتُ إن لم تشأ لم يكنْ
خلقت العباد على ما علمت ففي العلم يجري الفتى والمسِنْ
فمنهم شقي ومنهم سعيد ومنهم قبيح ومنهم حسنْ
على ذا مننت وهذا خذلت وهذا أعنت وذا لم تُعِنْ (٥)
_________________
(١) المناقب للرازي ١١١ - ١١٢، وتاريخ دمشق ٢٠٦ - ب.
(٢) في ا: «الشافعي».
(٣) في ا: «الواحد».
(٤) الأبيات لأبي العتاهية كما في الأغاني ٤/ ٣٥ ط. دار الكتب، وديوانه ص ١٠٤.
(٥) الأبيات في تاريخ دمشق ١٠/ ١٩١ - ا، وطبقات الشافعية ١/ ٢٩٥، وتوالي التأسيس ٧٥ باختلاف الترتيب وسبقت ص ٤١٢، ٤١٣.
[ ٢ / ١٠٩ ]
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، سمعت أبا عمرو: إسماعيل بن نجيد (١) بن أحمد بن يوسف السلمي ينشد للشافعي، ﵁:
كساني ربي إذا عريت عمامة جديدا وكان الله يختارها ليا
وقيدني ربي بقْيدٍ مُداخَلٍ فأعيت يميني حلَّهُ وشماليا
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، سمعت علي بن الحسن بن محمد الأنصاري الشاعر يقول: سمعت بعض أصحابنا يحكي عن المزني أنه قال:
مرض الشافعي، ﵁، فدخلنا عليه نعوده فقال له بعض من حضر: ألا نأتيك بطبيب؟ قال: بلى [قال:] (٢) فأتيناه بطبيب، فأخذ يجس الشافعي فوجد الشافعي العلة في جسم الطبيب (٣) والطبيب لا يعلم، فأطرق الشافعي وأنشد:
جاء الطبيب يجسُّني فجسسته فإذا الطبيب لما به من حالي (٤)
وغدا يعالجني بطول سقامه ومن العجائب أعمشٌ كحَّالي
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو منصور بن أبي محمد الأديب، سمعت أبا الفضل: جعفر (٥) بن محمد الشاعر الأديب، أخبرنا أبو بكر: محمد بن محمد البصري، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، سمعت الربيع بن سليمان يقول: جاء رجل إلى الشافعي فسأله عن مسألة فوجده لا شيء عنده فأنشأ يقول: فذكر هذين البيتين، غير أنه قال في البيت الأول: «فإذا الطبيب كما يجس كحالي» (٦)
_________________
(١) في ح: «محمد».
(٢) من ح.
(٣) في ا: «المتطبب».
(٤) في ح: «كما به من حال».
(٥) في ح: «حفص».
(٦) في ا: «لما يجس بحال».
[ ٢ / ١١٠ ]
سمعت أبا الوليد: حسان بن محمد يقول: سمعت جعفر بن أحمد الساماني يقول:
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، سمعت المزني يقول: دخلت على الشافعي، وهو عليل فقلت: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلا، وللإخوان مفارقا، ولسوء أفعالي ملاقيا، وعلى الله وارادا، وبكأس المنية شاربا، ولا والله ما أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أو إلى النار فأعزيها؟ ثم أنشأ يقول:
فلما قسى قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سلّما (١)
تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما
وأيقنت أن العفو منك سجية تجود وتعفو منَّة وتكرُّما (٢)
فلولاك لا يغوى بإبليس عالم فكيف وقد أغوى صفيَّك آدما (٣)
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، سمعت أبا الوليد الفقيه يقول:
سمعت جعفر بن أحمد الساماني يحكي عن المزني، وأخبرنا أبو عبد الرحمن قال: وسمعت أبا العباس: محمد بن الحسن يقول: سمعت عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري يقول: سمعت المزني يقول:
دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقلت له: يا أبا عبد الله، كيف أصبحت؟ فذكر الحديث غير أنه قدم قوله: «وبكأس المنية شاربًا» على قوله: «وعلى الله واردا، ولسوء فعالي ملاقيًا» وقال في البيت الأول:
_________________
(١) في تاريخ دمشق: «من نحو عفوك» وفيه وفي المناقب قبل هذا: إليك إله الخلق أرفع رغبتي وإن كنتُ ياذا الجود والمن مجرما
(٢) في تاريخ دمشق: ومازلت ذا عفو على الذنب لم تزل تجود. . .» وانظر التوالي ص ٨٣.
(٣) في تاريخ دمشق: «بإبليس عابد». والأبيات في المناقب للرازي ١١٢، وفي تاريخ دمشق ١٠/ ٢١٠ - ا، وطبقات الشافعية ١/ ٢٩٦.
[ ٢ / ١١١ ]
فلما قسا قلبي وضاقت مسالكي جعلت رجائي نحو عفوك سلّما
وقال في البيت الثالث:
ومازلتَ ذا عفوٍ عن الذنب لم تزلْ تجود وتعفو منَّةً وتكرُّما
[وقال في البيت الرابع:
ولولاك لم يغوى بإبليس عابد فكيف وقد أغوى صفيَّك آدما] (١)
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا الحسن بن رشيق، إجازة، حدثنا علي بن يعقوب، حدثنا الحسن بن الحنظلي، حدثني أحمد بن محمد الأموي، عن محمد بن إدريس الشافعي قال: دخلنا على الحسن بن هانئ: أبي نواس، وهو يجود بنفسه فقلنا له: ما أعددت لهذا اليوم؟ فأنشأ يقول: فذكر الأبيات الثلاثة الأواخر على لفظ حديثنا عن السلمي قبله، ولم يذكر البيت الأول.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عبد الله: أحمد بن محمد المذكر بالنوقان، حدثنا محمد بن المنذر الهروي، حدثني بعض أصحابنا، عن الربيع عن سليمان قال:
سمعت الشافعي يقول، دخلنا على أبي نواس وهو يجود بنفسه فقلنا له: ما أعددت لهذا اليوم؟ فأنشأ يقول. فذكر الأبيات الثلاثة. وفي هذين الإسنادين ضعف.
وقد روى في هذه زيادات أبيات نذكرها عند ذكر مرض الشافعي، ﵀، إن شاء الله.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أخبرنا علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الحافظ - ببغداد - حدثني إبراهيم بن محمد المعدل، حدثنا عبد الوهاب بن سعد، حدثنا
_________________
(١) ما بين القوسين سقط من ح.
[ ٢ / ١١٢ ]
علي بن الحسن بن خلف، حدثنا أبو نصر: أحمد بن علي، حدثنا علي بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن سعيد بن أبي مريم قال:
سمعت الشافعي يقول: ليس لقريش كلها شعر جديد - أو قال جيد - وأشعرها ابن هرمة (١)، ثم مروان بن أبي حفصة.
وقد مضى عن الشافعي أنه قال: لا يكاد يجود شعر القرشي؛ وذلك أن الله جل ذكره، قال لنبيه ﷺ: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ (٢) ولا يكاد يجود خط القرشي؛ وذلك أن النبي ﷺ كان أمِّيًّا
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أنبأني عمرو بن السماك: أن أبا محمد بن الشافعي أخبرهم في كتابه قال: سمعت أبي يقول: سمعت الشافعي يقول. فذكره (٣)
_________________
(١) في ح: «محزمة».
(٢) سورة يس: ٦٩.
(٣) في هامش ح كتب هنا: بلغ مقابلة في المجلس الثامن عشر. (م - ٨ مناقب جـ ٢)
[ ٢ / ١١٣ ]
باب