* * *
قرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي، ﵀: عن الزبير بن عبد الواحد قال: حدثني محمد بن سعيد قال: حدثنا الفِرْيَابي - يعني أبا سعيد - قال:
قال الربيع بن سليمان: أقام الشافعي هاهنا أربع سنين، فأملى ألفًا وخمسمائة ورقة.
وخَرَّجَ «كتاب الأمّ» ألفي ورقة.
وكتاب «السنن»، وأشياء كثيرة، كلّها في أربع سنين.
وكان عليلًا شديد العلّة، فكان ربما يخرج الدم منه وهو راكب حتى تمتلئ سراويله ومركبه وخفّه (١).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أحمد بن محمد بن الحسين بن مهدي المُذَكِّر، بالنّوْقان، قال: حدثنا محمد - يعني أبا عبد الرحمن شكر - قال:
حدثنا الربيع بن سليمان قال: كنتُ القَيِّمَ بجميع مال الشافعي، ويدي فيه [حتى] (٢) لقى الله، وجعلني في حلّ من جميع ماله ثلاث مرات، وقال
_________________
(١) توالي التأسيس ٨٣.
(٢) الزيادة من ح.
[ ٢ / ٢٩١ ]
وهو مريض: يا بني، إن الغلمان جُفَاة: يأتي القومُ ليسلِّموا عليَّ فيقولون: ليس عليه إذْنٌ، ولا يعلمون علّتي، فإنْ خفَّ عليك أن تجلس في الغرفة التي على السّلّم، فإذا جاء القوم نزلتَ إليهم فأخبرتَهم بعلّتي. وكان يُثْقَبُ له الفِرَاش والسّدّة، والطّست تحتها. فكان إذا جاء القوم نزلتُ إليهم فأخبرتهم فيذهبون (١) متوجِّعين، فإذا صعدت إليه يقول: من جاء اليوم؟ فأقول: فلان وفلان. فيقول: جزاك الله عني خيراَ يا ربيع، ما صنعتُ بك شيئا، ولكن الله لئن عشت فعلت بك، ﵀.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثني أبو تراب النّوقاني قال: حدثنا محمد بن المنذر قال:
حدثنا محمد بن عبد الحكم قال: (٢) كان الشافعي قد مرض من هذا النَّاسُور مرضًا شديدًا حتى ساء خلُقه، فسمعته يقول: إني لآتي الخطأ وأنا أعرفه.
قلت: قد قيل: أراد به ترك (٣) الحمية وتناول ما لا يصلحه. وقيل: أراد به فيما كان يتحفظه قبل ذلك من مكارم الأخلاق.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن قال: حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد بن إدريس - قال: حدثنا أبي قال:
حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: ما رأيت أحدًا لقى من (٤) السقم ما لقى
_________________
(١) في ح: «فذهبوا».
(٢) توالي التأسيس ٨٣.
(٣) في ا: «في ترك».
(٤) في ا: «في السقم».
[ ٢ / ٢٩٢ ]
الشافعي، فدخلت عليه يوما فقال لي: يا أبا موسى، اقرأ عليَّ ما بعد (١) العشرين والمائة من آل عمران، وأَخِفَّ القراءة ولا تثقل. فقرأت علَيه، فلما أردت القيام قال: لا تغفل عني فإني مَكْرُوبٌ. قال يونس: عَنَى الشافعيُّ، ﵁، بقراءتي بعد العشرين [والمائة] (٢) ما لقى النبي (٣)، ﷺ، وأصحابه، أو نحوه (٤).
أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد قال: حدثني أحمد بن الحسين الصّوفي قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين العطار، بمصر، قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال (٥):
دخل المزني على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقال له: كيف أصبحت يا أستاذ؟
فقال: أصبحت من الدنيا راحلًا، ولإخواني مُفارقًا، ولكأس المنيّة شاربًا، وعلى الله واردًا، ولسوء أعمالي ملاقيًا.
قال: ثم رمى بطرفه نحو السماء واستَعْبر، ثم أنشأ يقول:
إليكَ إلهَ الخلْقِ أَرْفعُ رغبتي وإنْ كنتُ ياذَا المَنِّ والجودِ مُجْرِماَ (٦)
_________________
(١) في ح: «المائة والعشرين».
(٢) الزيادة من ح.
(٣) روى الواحدي في اسباب نزول القرآن ١١٥ - ١١٦ بسنده: «عن المسور بن مخرمة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف: أي خالي، أخبرني عن قصتكم يوم أحد. فقال: اقرأ العشرين ومائة من آل عمران تجد: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾» إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾
(٤) آداب الشافعي ومناقبه ٧٦ - ٧٧.
(٥) مناقب الشافعي للرازي ١١٢.
(٦) الأول والثالث في توالي التأسيس ٨٣.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
ولما قسَى قلْبي وضاقت مذاهبي جعلتُ الرّجا منّي لعفوك سُلَّما
تَعَاظَمَنِي ذنبي فلما قَرَنْتُه بعفوك ربّي كان عَفْوُكَ أَعْظَما
ومازلتَ ذا عفوٍ عن الذنب لم تزل تجودُ وتعفو مِنّةً وتكرُّما
ولولاك مَا يقوى بإبليسَ عابدٌ فكيف وقد أغوى صَفِيَّكَ آدَمَا (١)
فإن تعْفُ عنّي تعْفُ عن مُتَمَرِّدٍ ظلومٍ غشوم ما يُزَايل مَاثَمَا
وإن تنتقم منّي فلست بآيسٍ ولو أدخلت نفسي بجرمي جَهَنَّمَا
فَجُرْمِي عظيمٌ من قديم وحادث وعفْوُكَ ياذا العَفْوِ أعْلَى وأجْسَما
وأخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: أنبأنا أبو نصر: محمد بن محمد بن عيينة الشعراني (٢)، بمرو، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أوس قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن محمد الموصلي، بِتِرْمِذ في الجامع، قال: حدثنا مكي بن هارون الزِّنْجَاني، بِزِنْجَان، عن أبي عبد الله بن شاكر.
عن المزني قال: دخلت على محمد بن إدريس الشافعي، ﵁، عند وفاته فقلت له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟
قال: أصبحت من الدنيا راحلًا، وللإخوان مفارقا، وعلى الله وَارِدًا، وبكأس المنية شاربا، ولسوء أعمالي ملاقيا، فلا أدري نفسي إلى الجنة تصير فأهنّيها، أو إلى النار فأعزيها.
فقلت: يا أبا عبد الله، رحمك الله، عِظْنِي.
_________________
(١) في ح: «لم يقو».
(٢) في ح: «السعداني» وهو تصحيف
[ ٢ / ٢٩٤ ]
فقال لي: اتق الله، ومَثِّل الآخرة في قلبك، واجعل الموت نُصْبَ عَيْنَيْكَ، ولا تنس موقفك بين يدي الله ﷿، وكن من الله تعالى عَلى وَجَلٍ، واجتنب محارمَه، وأدِّ فرائضه، وكن مع الحقّ حيث كان، ولا تستصغرنّ نعم الله عليك وإن قَلَّت، وقَابِلْها بالشكر. وليكن صمتك تفكّرا، وكلامك ذكرا، ونظرك عبرة. اعف عمن ظلمك، وصل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، واصبر على النائبات، واستعذ بالله من النار بالتقوى
فقلت: ليكن الصدّق لِسَانَك، والوفاء عِمادَك، والرحمة ثمرتك، والشكر طهارتك، والحق تجارتك، والتودّد زينتك، والكتاب فطنتك، والطاعة معيشتك، والرضا أمانتك، والفهم بصيرتك، والرجاء اصطبارك، والخوف جِلْبَابك، والصدقة حِرْزك، والزكاة حصنك، والحياء أميرك، والحلم (١) وزيرك، والتوكلّ درعك، وتكون الدنيا سجنك، والفقر ضَجِيعك، والحقّ قائدك، والحجّ والجهاد بغيتك، والقرآن محدّثك، والله مؤنسك. فمن كانت هذه صفته كانت الجنة منزلته
أخبرنا محمد بن عبد الله الضَّبِّي قال: أخبرني نصر بن محمد العطار قال: حدثني عمر بن عبد الله البغدادي قال: حدثني بعض أصحابنا قال:
قال المزني: دخلت على الشافعي في بعض علله قلت له: كيف أصبحت؟
فقال: أصبحت بين أمر ونهي، أصبحت آكل رزقي وأنتظر أجلي.
_________________
(١) في ح: «والحكم».
[ ٢ / ٢٩٥ ]
فقلت: ألا أُدْخِلُ عليك طبيبًا؟ فقال: افعل. فأدخلت عليه طبيبا نصرانيا، فجسّ يده فحسّ الشافعي بالعلّة في يد الطبيب، فجعل الشافعي يقول:
جاء الطبيب يجسّني فجسسته فإذا الطبيب لِمَا بِهِ من حالي
وغَدَا يعالجني بطول سقامه ومن العجائب أعمش كَحَّالي
قال المزني: فما مضت الأيام والليالي حتى مات المُتَطَبِّبُ، فقيل للشافعي: قد مات المتطبب، فجعل يقول:
إنّ الطبيب بطبِّه ودوائِه لا يستطيع دفاع مقدور القضا (١)
ما للطبيب يموت بالداء الذي قد كان يبرئ مثله فيما مضى
هَلَكَ المدَاوِي والمُدَاوَى والذي جَلَبَ الدواء وباعَه ومن اشترى
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني الحسين (٢) بن محمد الدارمي قال: أنبأنا عبد الرحمن بن محمد قال:
قال الربيع بن سليمان لما كان مع المغرب ليلة مات الشافعي قال له ابن عمه ابن (٣) يعقوب: ننزل نصلّي؟ قال: تجلسون تنتظرون خروج نفسي؟ فنزلنا ثم صعدنا فقلنا: صلّينا أصلحك الله. قال: نعم فاستسقى - وكان شتاء - فقال له ابن عمه: أمزجه بالماء المُسَخَّن؟ فقال له الشافعي ﵀: لا، بل بِرُبِّ السَّفَرْجَل. وتوفي مع العشاء (٤) الآخرة، رحمة الله عليه.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الرحمن السّلمي؛ قالا: سمعنا محمد بن يعقوب يقول:
_________________
(١) في ا: «مقدور أني».
(٢) في ح: «الحسن».
(٣) في ح: «ابن عمه يعقوب».
(٤) في ا: «عشاء» والخبر في حلية الأولياء ٩/ ٦٨ وآداب الشافعي ومناقبه ٧٩ - ٨٠.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
سئل بحر بن نصر الخولاني، وأنا أسمع، عن موت الشافعي فقال: مات سنة أربع ومائتين.
أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله، وأبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين؛ قالا: سمعنا أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول:
سمعت الربيع بن سليمان المُرَادِي يقول: دخلت على الشافعي وهو مريض، فسألني عن أصحابنا فقلت: إنهم يتكلمون، فقال لي الشافعي:
ما ناظرت أحدًا قطّ على الغَلَبَة، وبِوُدِّي أنّ جميع الخلق تعلّموا هذا الكتاب [- يعني كتابه - على أن لا ينسب إليّ منه شيء. قال هذا الكلام] (١) يوم الأحد، ومات هو (٢) يوم الخميس، وانصرفنا من جنازته ليلة الجمعة، ورأينا هلال شعبان سنة أربع ومائتين.
كذا في هذه الرواية.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو تراب المذكِّر قال: حدثنا محمد بن المنذر قال:
سمعت الربيع بن سليمان يقول: توفى الشافعي، ﵀ ورضي الله عنه، ليلة الجمعة [بعد المغرب وأنا عنده، ودفن يوم الجمعة] (٣) بعد العصر آخر يوم من رجب، وانصرفنا من جنازته، ورأينا هلال شعبان سنة أربع ومائتين.
وكذلك رواه يحيى بن زكريا عن الربيع.
_________________
(١) الزيادة من ح.
(٢) ليست في ح.
(٣) الزيادة من ح.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
وأخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد بن الخليل الصوفي قال: أنبأنا أبو أحمد: عبد الله بن عدي بن الحافظ قال: سمعت علي بن محمد بن سليمان يقول:
سألت الربيع عن موت الشافعي فقال لي: (١) مات سنة أربع ومائتين في آخر يوم من رجب يوم الجمعة، وهم ابن نَيِّف وخمسين سنة.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول:
سمعت الربيع بن سليمان يقول: مات الشافعي، ﵀، في آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين، وهو ابن نَيِّف وخمسين سنة.
وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا بكر: محمد بن جعفر المُزَكِّي يقول: سمعت أبا بكر: محمد بن إسحاق يقول:
سمعت الربيع يقول: مات الشافعي سنة أربع ومائتين، وهو ابن أربع وخمسين سنة.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني عبد الله بن محمد بن حيان، حدثنا محمد - يعني ابن عبد الرحمن بن زياد - قال: حدثنا أحمد بن روح قال: حدثنا الزعفراني قال:
أخبرني أبو الوليد أبي الجارود قال: كان سِنُّ أبي وسنّ الشافعي واحدًا، فنظرنا في سنه فإذا هو يوم مات ابن اثنتين وخمسين سنة.
وقرأت في كتاب زكريا بن يحيى السّاجِي، عن الحسن بن محمد الزعفراني هكذا.
_________________
(١) في ح: «فقال لي: مات يوم الجمعة آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين. وهو »
[ ٢ / ٢٩٨ ]
وقرأت فيه أيضا عن الزعفراني قال: قال لي أبو عثمان بن الشافعي: مات أبي وهو ابن ثمان وخمسين سنة.
قلت: وقد ذكرنا فيما تقدم عن ابن عبد الحكم عن الشافعي أنه قال: ولدت سنة خمسين [ومائة] (١). ولا خلاف في وفاته سنة أربع ومائتين فيكون سنه أربعا وخمسين. والله أعلم.
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي: عن الزبير بن عبد الواحد، عن علي بن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم [وسئل] (٢) عن القراءة عند رأس الميت؟ فقال:
كان أصحابنا مجتمعين عند رأس الشافعي، ورجل يقرأ سورة يس فلم ينكر ذلك عليه أحد منهم، وحضروا غسله، فما زالوا وقوفًا على أرجلهم حتى فرغوا من غسله، ثم حضروا كفنه حتى فرغ منه.
أخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد المَالِينِي قال: أنبأنا أبو أحمد: (٣) عبد الله ابن عدي الحافظ قال:
قرأت على قبر محمد بن إدريس الشافعي، بمصر، على لوحين من حجارة، أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الفضل بن أبي نصر يقول:
قرأت على قبر الشافعي، بمصر، في مقابر بني عبد الحكم.
_________________
(١) الزيادة من ح.
(٢) الزيادة من ح.
(٣) في ح: «بن عبد الله».
[ ٢ / ٢٩٩ ]
وقرأت في كتاب أبي الحسن: محمد بن الحسين العاصمي قال (١): خرجت إلى زيارة قبر أبي عبد الله: محمد بن إدريس الشافعي، بمصر إلى مقبرتها، وتسمى «المقطم» في مقبرة القرشيين بين قبور بني عبد الله بن عبد الحكم. قال: و«المقطم» اسم جبل مطل على المقبرة. قال: فرأيت قبره مُسَنَّمًا مرتفعا من الأرض مقدار شبرين أو أكثر قليلا، وعليه لوحان منصوبان من رخام: واحد عند رأسه، والآخر عند رجليه، فأما اللوح الذي عند رجليه فمكتوب فيه نسبته إلى إبراهيم خليل الرحمن، صلوات الله عليه وآله، وأما الذي عند رأسه فمكتوب فيه حَفْراَ (٢) في الحجر:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما شهد به محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان ابن شافع: أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، ويشهد أن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الموت حق، وأن الله يبعث من في القبور. على ذلك حيي وعليه مات وعليه يبعث حيًّا إن شاء الله تعالى. اللهم اغفر له ذنبه، ونورّ له (٣) قبره، واحشره مع نبيه محمد ﷺ، واجعله من رفقائه. توفى محمد بن إدريس، ﵀، في رجب من سنة أربع ومائتين.
هذا لفظ حكاية العاصمي وبمعناه في حكاية أبي الفضل، غير أنه قال في آخره: آمين رب العالمين. ولم يذكر قوله: إن شاء الله تعالى.
وفي حكاية ابن عدي:
_________________
(١) في ا: «قوله».
(٢) في ح: «نقرا».
(٣) في ح: «ونور له في قبره».
[ ٢ / ٣٠٠ ]
هذا قبر محمد بن إدريس، وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة حق. لم يذكر ما بينهما وزاد: وأن صلاته ونسكه ومَحْيَاهُ ومماته لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمر، وهو من المسلمين، عليه حيى، وعليه مات، وعليه يبعث حيا إن شاء الله. توفى أبو عبد الله ليوم بقى من رجب سنة أربع ومائتين.
وكأنهم حفظوا ما رأوا عليه مكتوبا، ثم علقوه بعده فزلّ بعض ألفاظه عن الحفظ. والله أعلم.
قرأت في كتاب أبي الحسن: محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم: عن الزبير بن عبد الواحد قال: حدثني أبو عبد الله: محمد بن سعيد البسيري قال: سمعت أبا زكريا - يعني الأعرج - يقول:
سمعت الربيع يقول: رأيت في المنام أنّ آدم مات، ﷺ، ويريدون أن يخرجوا بجنازته فلما أصبحت سألت بعض أهل العلم عن ذلك فقال: هذا موت أعلم أهل الأرض: إن الله ﷿ علَّم آدم الأسماء كلّها. فما كان إلا يسيرا حتى مات الشافعي، ﵀.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو أحمد بن أبي الحسن قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن إدريس قال: حدثنا الربيع بن سليمان المصري قال:
حدثني أبو الليث الخَفَّاف - وكان مُعَدِّلا [عند القضاة] (١) - قال: أخبرني العزيزي، وكان متعبدا، قال: رأيت ليلة مات الشافعي في المنام كأنّه يقال: مات النبي، ﷺ، في هذه الليلة وكأني رأيته يغسَّل في مجلس عبد الرحمن الزّهري في المسجد الجامع،
_________________
(١) الزيادة من ح وآداب الشافعي ومناقبه ٧٣.
[ ٢ / ٣٠١ ]
وكأنّه يقال لي: يخرج به بعد العصر فأصبحت فقيل لي: مات الشافعي، وقيل لي: نخرج به بعد الجمعة. فقلت: الذي رأيته في المنام. قيل لي: نخرج به بعد العصر. وكأني رأيت في المنام (١) حين أخرج به كان معه سرير امرأة رثّة السرير. فأرسل أمير مصر أن لا يُخرج به إلا بعد العصر، فحبس إلى بعد العصر.
قال العزيزي (٢): فشهدت جنازته، فلما صرت إلى الموضع الواسع رأيت سريرًا مثل سرير تلك المرأة رثة السرير مع سريره.
ورواه أيضا أبو الحسن العاصمي، عن الزبير بن عبد الواحد، عن محمد ابن سعيد بن عبد الله، عن أبي علي: الحسين بن حريث القصري، عن أبي عبد الرحمن العزيزي هذا، قال:
رأيت ليلة مات الشافعي: أني بنعش وعليه قطيفة، وعليه رجل في أكفانه حتى وضع عند المقصورة، فسمعت قائلا يقول: الليلة مات، النبي، ﷺ، فلما أصبحنا أتى بالشافعي على مثل ذلك النعش، في مثل تلك القطيفة، وفي مثل ذلك الكفن.
أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السّلمي قال: سمعت أبا العباس: الوليد بن محمد الواعظ الرازي يقول: سمعت ابن أبي حاتم يقول: سمعت محمد بن مسلم بن وارة يقول: لما مات أبو زرعة الرازي رأيته في المنام فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: قال لي الجبار [سبحانه] (٣): ألحقوه بأبي عبد الله، وأبي عبد الله، وأبي عبد الله.
_________________
(١) في ح: «في النوم حين خرج به».
(٢) ليست في ح.
(٣) الزيادة من ح.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
الأول: مالك والثاني: الشافعي. والثالث: أحمد بن حنبل. قدس الله أرواحهم.
وحكاه أيضا إسحاق بن محمد بن يزيد بن كيسان، عن محمد بن مسلم ابن وارة.
وأخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: سمعت عبد الله بن الحسين الورّاق يقول: سمعت معبد (١) بن جمعة يقول: سمعت أبا زرعة المكي يقول:
سمعت عثمان بن خرزاد، الأنطاكي يقول: رأيت فيما يرى النائم كأن القيامة قد قامت، وكأن الله قد برز لِفَصْل القضاء، وكأن الخلائق قد حشروا، وكأن مناديا ينادي من بُطْنَان العَرْش: ألا أدخلوا أبا عبد الله، وأبا عبد الله، وأبا عبد الله، وأبا عبد الله الجنة. فقلت لملك إلى جنبي: من هؤلاء؟ قال: أما أولهم فمالك بن أنس، وأما ثانيهم فسفيان الثوري، وثالثهم: الشافعي، ورابعهم: أحمد بن حنبل. ﵃ أجمعين.
ورواه أيضا محمد بن أحمد بن زكريا، عن معبد بن جمعة.
سمعت شيخنا وأستاذنا أبا عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ، ﵀، يقول: رأيت أبا الحسن أحمد بن محمد بن عَبْدُوس الطَرَائفي المحدّث في المنام صبيحة يوم الثلاثاء العاشر من ربيع الآخر سنة خمسين وثلثمائة، وعليه أثواب بيض، وهو أبيض الرأس واللحية، يحدّث وبين يديه جماعة يكتبون عنه. فذكر قصة. قال: ثم قلت له: هاهنا مجالس في الحديث؟ قال: نعم. قلت: أرأيت أبا عبد الله الشافعي؟ فقال: نعم نحن لا ننزف عنده مجمع القول (٢). قلت:
_________________
(١) في ح: «سعيد» وهو تصحيف.
(٢) في ا: «القوم».
[ ٢ / ٣٠٣ ]
فمالك بن أنس؟ قال: فوقهم (١) [بدرجات]. قلت: فأبو عبد الله: أحمد ابن حنبل؟ فقال: أقربهم إلى الله وسيلة. قلت: فأبو بكرنا - يعني أبا بكر ابن إسحاق الضّبعي - فضحك ثم قال: حسن ظنِّه بالله نجّاه. وذكر الحكاية.
أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر المعدل قال: حدثني محمد بن حَمْدَان الطَّرَائِفي: أبو عبد الله الدِّينوري قال: سمعت أبا الحسن الشافعي يقول: رأيت النبي، ﷺ، في المنام فقلت: يا رسول الله، بم جُزِيَ الشافعيُّ عندك حيث يقول في كتاب الرسالة: «وصلى الله على محمد، كلّما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون» (٢) قال: فقال: جُزِيَ عنّي أنه لا يوقف للحساب.
وأخبرنا أبو عبد الله قال: أنبأنا أبو الطّيّب: عبد الله بن محمد القاضي، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا أحمد بن جعفر الكِرْمَاني، قال: حدثنا محمد بن يحيى البَاهِلِيّ، قال: سمعت عبد الله بن محمد بن يعقوب الهاشمي - وكان صدوق اللسان - يقول: رأيت النبي، ﷺ، في المنام فقال: الشافعي المُطَّلبي في الجنة، أو من أهل الجنة.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: استعار مني عبد الله بن صالح «كتاب اختلاف الحديث» للشافعي، فأعرته الجزء الأول، ثم غبت مدة ورجعت (٣) وقد توفى عبد الله بن صالح فرأيته فيما يرى النائم وعليه أثواب بيض، فقال لي: استعرتُ منك «كتاب اختلاف
_________________
(١) في ح: «فوقه» والزيادة من ح.
(٢) الرسالة ١٦.
(٣) في ح: «فرجعت».
[ ٢ / ٣٠٤ ]
الحديث» للشافعي، ﵁ وأرضاه، فقلت له: قد أعرتك الجزء الأول فلم ترد علي. ثم قلت له في المنام: ما تصنع بكتاب الشافعي وليس هو على مذهبكم ولا أنتم على مذهبه؟ فأشار بإصبعه السَّبَّابة نحو السماء وقال: ليس ثَمَّ أكبر منه.
أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد قال: حدثني أبو عبد الله: الحسين بن جعفر الورّاق، ببغداد، قال:
رأيت (١) بمصر على حجر عند رأس قبر الشافعي، ﵀، محفورًا فيه هذين البيتين. وحدثونا أنه قول رجل من أهل العراق من أجِلَّة الفقهاء، نذر بالعراق أن يخرج إلى مصر ويختم عند قبر الشافعي أربعين ختمة ثم يرجع. فخرج إلى مصر مُنَاقَلَةً، وختم على قبر الشافعي أربعين ختمة، وحفر هذين البيتين في الحجر المنصوب على قبره:
قد وَفْينا بنذرنا يا ابن إدريـ ـس وزرناك من بلاد العراقِ
وقرأنا عليك ما قد حفظنا من كلام المُهَيْمِنِ الخلَّاقِ
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أنبأنا أبو الوليد: حسان بن محمد الفقيه، قال: سمعت أبا عمران الأشيب يحكي عن ابن أخْزَم عن المزني قال: ناحت الجِنُّ ليلة مات الشافعي، ﵁ وأرضاه.
_________________
(١) في ح: «قرأت». (م ٢٠ - مناقب الشافعي
[ ٢ / ٣٠٥ ]
باب