* * *
أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السّلمي (١)، قال:
سمعت أبا الحسن علي بن عمر الحافظ، ببغداد، يقول:
ذكر الشيوخ الذين حدّث عنهم الإمام أبو عبد الله: محمد بن إدريس الشافعي، رحمة الله عليهم.
فمنهم من أهل مكة:
سفيان بن عُيَيْنَة بن عمران الهلالي.
وعبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مُلَيْكَة.
وعبد الله بن المؤمل المَخْزُومي المكي.
وعبد الرحمن بن الحسن بن القاسم الأزْرَقي الغَسّاني.
وإبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي مَحْذُورة.
وعثمان بن أبي الكِتَاب الخُزَاعي المكّي.
ومحمد بن علي بن شَافِع.
ومحمد بن أبي العباس بن عثمان بن شَافِع.
_________________
(١) في ح: «أبو عبد الرحمن السلمي».
[ ٢ / ٣١١ ]
وإسماعيل بن عبد الله بن قُسْطَنْطِين للمُقْرِئ.
ومسلم بن خالد الزّنْجِي.
وعبد الله بن الحارث بن عبد الملك المَخْزُومي.
وحَمَّاد بن طريف.
والفُضَيل بن عياض.
وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد.
وأبو صَفْوَان: عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم.
ومحمد بن عثمان بن صفوان الجُمَحِي.
وسعيد بن سالم القدّاح المكّي.
وداود بن عبد الرحمن (١) العطار.
ويحيى بن سليم الطائفي.
أهل المدينة:
مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبَحِي.
وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
وعبد العزيز بن محمد الدراوردي.
وأبو إسماعيل: حاتم بن إسماعيل المزني.
وأنس بن عِيَاض بن عبد الرحمن اللَّيْثِي.
_________________
(١) في ح: «عبد الله»
[ ٢ / ٣١٢ ]
ومحمد بن إسماعيل بن أبي فُدَيْك.
وعبد الله بن نافع الصّائغ.
وإبراهيم بن محمد بن أبي (١) يحيى الأسْلَمِي.
والقاسم بن عبد الله بن عمر العُمَرِي.
وعبد الرحمن بن زيد بن أَسْلم.
وعطّاف بن خالد المَخْزُومي.
ومحمد بن عبد الله بن دينار.
ومحمد بن عمرو بن واقِد الأَسْلمي.
وسليمان بن عمرو.
ومن سائر البلدان:
هشام بن يوسف الصنعاني.
ومُطَرِّف بن مازن الصَّنْعَاني.
وأبو حنيفة بن سِمَاك بن الفضل.
ومحمد بن خالد الجندي.
وأبو حفص: عمرو بن أبي سَلَمة.
وأيوب بن سَوِيد الرَّمْلي.
ويحيى بن حسان التّنّيسي.
وأبو أسامة: حماد بن أسامة الكوفي.
ومروان بن معاوية الفزاري.
_________________
(١) ليست في ح.
[ ٢ / ٣١٣ ]
وأبو معاوية الضّرير.
ووَكيع بن الجراح.
ومحمد بن الحسن الشَّيْبَاني الكوفي.
وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثّقَفي.
وإسماعيل بن إبراهيم بن عُليّة البصري.
ويوسف بن خالد التيمي (١) البصري.
وعمر بن جبير القاضي.
وأبو قطن: عمرو بن الهيثم بن قطن القطني (٢) البصري.
وسعيد بن مَسلمة (٣) بن هشام بن عبد الملك بن مروان.
وسعيد بن سلمة الكَلْبي - إن كان محفوظا.
قلت: هو سعيد بن سلمة (٤) بن أبي الحسام، فيما ذكره أبو الحسين بن المظفر الحافظ، عن الطحاوي، عن المزني، عن الشافعي، في حكاية ذكرها عنه جعفر بن محمد.
قال أبو الحسن الدارقطني: وأبو سعد: معاذ بن موسى الجعفري. خراساني.
وعبد الكريم بن محمد الجُرْجَاني.
قال أحمد: وقد روى الشافعي أيضًا عن علي بن ظبيان الجنبي.
_________________
(١) في ا: «السمني».
(٢) في ح: «القطني». [أثبتت أولًا في المطبوع لفظة «القطعي»، ثم صححت في فهرس التصويبات ٢/ ٤٧١ إلى: «القطني» كما في ح]
(٣) في ح: «سلمة».
(٤) في ح: «محفوظا ويحيى بن سعيد بن سلمة».
[ ٢ / ٣١٤ ]
وروى عن محمد بن خالد.
وعبد الله بن عمرو بن مسلم، في الجزية (١)
وعن محمد بن الحسن بن الماجشون، وجماعة من فقهاء أهل المدينة، فيما ذكره شيخنا أبو عبد الله الحافظ قصه في المواريث.
وروى عن عبد الله بن المبارك حديثًا في التعوذ من النحل.
وروى عن رجل يقال له: أبو عبد الله الخراساني.
وروى عن الثقة من أصحابه. يقال: هو أبو علي: الحسين بن علي الكَرَابِيسِي.
وقد يروى عن الشقة فيريد به أحمد بن حنبل.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسين (٢)، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: أخبرني عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي، وذكر الشافعي، فقال: ما استفاد منا أكثر مما استفدنا منه (٣).
قال عبد الله: كلّ شيء في كتاب الشافعي: حدثني الثقة عن هشيم وغيره - فهو أبي.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الرحمن السلمي؛ قالا: سمعنا أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول:
_________________
(١) ذكرها البيهقي في السنن الكبرى ٩/ ١٩٤ بسنده عن الشافعي قال: فسألت محمد ابن خالد، وعبد الله بن عمرو بن مسلم وعددًا من علماء أهل اليمن، فكلهم حكى لي عن عدد مضوا قبلهم - كلهم ثقة - أن صلح النبي ﷺ لهم كان لأهل ذمة اليمن على دينار كل سنة الخ.
(٢) في ا: «الحسن».
(٣) آداب الشافعي ٩٦.
[ ٢ / ٣١٥ ]
سمعت الربيع بن سليمان يقول: إذا قال الشافعي: أخبرني الثقة. يريد به يحيى بن حسّان.
وإذا قال: أخبرنا من لا أتّهم. يريد به إبراهيم بن أبي يحيى.
وإذا قال: بعض الناس. يريد به أهل العراق.
وإذا قال: بعض أصحابنا. يريد به أهل الحجاز.
قلت: وقد قال الشافعي: أخبرنا الثقة عن معمر، والمراد به: «إسماعيل بن عُلَيّة» لتسميته إياه في موضع آخر وقال: أخبرنا الثقة، عن الوليد بن كثير، والمراد به: أبو اسامة، أو (١) من رواه له عن أبي أسامة. فالحديث ينفرد به أبو أسامة، «(٢ عن الوليد ٢)».
وقال: أخبرنا الثقة، عن هشام بن عروة في حديث إفاضة أم سَلمَة ليلة المُزْدَلِفَة، والمراد به: أبو معاوية، أو من رواه له (٣) عنه. فالحديث ينفرد بوصله أبو معاوية.
وقال في هذا الحديث مرة أخرى: أخبرني من أثق به من المَشْرِقِيِّين (٤) عن هشام بن عروة. وأهل الحجاز يسمون العراقيين المشرقيين.
وقد قال في موضع آخر: أخبرنا الثقة. ولا يوقف على مراده به إلا بظن غير مقرون بعلم.
_________________
(١) في ا: «ومن رواه».
(٢) ما بين الرقمين ليس في ح.
(٣) من ح.
(٤) في ترتيب مسند الشافعي ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨: أخبرنا الشافعي، عن داود بن عبد الرحمن العطار، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: دار رسول الله ﷺ إلى أم سلمة يوم النحر، فأمرها أن تعجل بالإفاضة من جمع حتى تأتي مكة فتصلي بها الصبح، وكان يومها، فأحب أن توافيه» ثم قال الشافعي: أخبرنا من أثق به من المشرقيين، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن النبي ﷺ مثله.
[ ٢ / ٣١٦ ]
وقد تكلم شيخنا أبو عبد الله الحافظ، ﵀، في تخريجه على ما أَدَّى إليه اجتهاده. ولم تبِن لي حقيقة ذلك فتركت نقله.
وكان الشافعي، ﵀، يقول: لا تحدِّث عن حيّ؛ فإن الحي لا يؤمن عليه النسيان. فيحتمل أنه كان يحتاط لنفسه فلا يسمّى من يحدّث عنه وهو حي؛ لهذا المعنى أو غيره.
* * *
والذي لا بد من معرفته أن تعلم أنه لم يحدث عن ثقة عنده لم يوجد ذلك الحديث عند ثقة معروف باسمه وحاله، فالحجة قائمة برواية المعروف الثقة ولذلك كان لا يُطَالِبُ بتسميته الثقة عنده، ويكتفي بشهرته فيما بين أهل العلم بالحديث.
وكانوا في القديم يأخذون الحديث أكثره حفظًا ثم يُعلِّقونه (١).
وحين صنّف الشافعي الكتب الجديدة بمصر لم يكن معه أكثر كتبه، كذلك حين صنّف الكتب القديمة بالعراق، لم يكن معه أكثر كتبه، فربما كان يشك فيمن حدّثه، ولا يشك في ثقته، فيقول: أخبرنا الثقة.
ومثال ذلك أنه قال في «كتاب قسم الصدقات»: أخبرنا وكيع بن الجراح [(٢ عن زكريا بن إسحاق. فذكر حديث معاذ بن جبل. وقال في «كتاب فرض الزكاة»: أخبرنا وكيع بن الجرّاح ٢)]. أو ثقة غيره، أو هما عن زكريا ابن إسحاق. فحين صنّف «كتاب قسم الصدقات» لم يشك فرواه عن وكيع وحين صنف «كتاب فرض الزكاة» شك فيه فأخرجه مخرج الشك.
_________________
(١) في ا: «يتلقونه».
(٢) ما بين الرقمين سقط من ا.
[ ٢ / ٣١٧ ]
وقال في موضع آخر: أخبرنا الثقة. يريد به وكيعًا، أو ثقة غيره أو هما. والحديث مشهور عن وكيع وعن (١) غيره، عن زكريا بن إسحاق، فلا يضره شكه فيمن حدثه. والله اعلم.
* * *
قال أحمد: وللشافعي فيما صنع من ذلك سَلفُ صدْق وخلَف حق: هذا نجم العلماء «مالك بن أنس» ﵀، روى في «الموطأ» في كتاب الزكاة: عن الثقة عنده، عن سليمان بن يَسَار، وعن بسر بن سعيد: أن رسول الله، ﷺ، قال: «فيما سقت السماء والعيون والبعل (٢) العشر، وفيما سقى بالنضْح نصف العشر» (٣).
وقال في كتاب البيوع: بلغني عن عمرو بن شعيب. وفي رواية أبي مصعب: عن مالك، عن الثقة [عنده] (٤) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي، ﷺ، في النهي عن بيع العربان (٥).
ومن نظر في كتاب «الموطأ» وكتاب «ابن عيينة» وغيره من العلماء أبصر من
_________________
(١) ليست في ا.
(٢) في ح: «والسبل».
(٣) الموطأ ١/ ٢٧٠ والسنن الكبرى ٤/ ١٣٠ عن الشافعي في كتاب القديم عن مالك، وذكر البيهقي عقب هذا أن الشافعي قال في الجديد يوصل هذا الحديث عن سليمان بن يسار وبسر بن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ موصولا.
(٤) من الموطأ.
(٥) العربان: هو أن يشتري السلعة ويدفع إلى صاحبها شيئا على أنه إن أمضى البيع حسب من الثمن، وإن لم يمض البيع كان لصاحب السلعة ولم يرتجعه المشتري. وهو عربان وعربون. راجع النهاية ٣/ ٧٨. والحديث أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٦٠٩، وأحمد في المسند ١١/ ١٣ - ١٥، وابن عبد البر في التقصي ص ٢٤٢، وأبو داود في السنن: كتاب البيوع: باب العربان ٣/ ٣٨٤ وابن ماجه في السنن: كتاب التجارات: باب العربان ٢/ ٧٣٨.
[ ٢ / ٣١٨ ]
أمثال هذا ما يدلُه على أنّ الشافعيّ، ﵀، في كتابه عمن روى دون تسميته في بعض ما رواه - متبعٌ غير مبتدع.
وهذان صاحبا الصحيح: محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجّاج رحمهما الله، صنّفا (١) أمثال ذلك مع اشتهارها بترك الاحتجاج بالمَرَاسيل.
قال البخاري في مواضع من كتابه: «وقال الليث، وقال الأوزاعي، وقال فلان» لعالم سمَّاه دون ذِكْرِ مَن سمعه عنه ممن رواه عنه. وروى في موضع (٢) من كتابه: «عن محمد» غير منسوب. وعن يزيد (٣) غير منسوب. وعن عبد الله غير منسوب. وعن عبد الرحمن غير منسوب. [وعن أحمد غير منسوب، وعن إسحاق غير منسوب. وعن الحسن غير منسوب] (٤) وعن يعقوب غير منسوب (٥).
وقال مسلم بن الحجاج في كتاب الطهارة: «وقال الليث بن سعد: حدثني جعفر بن ربيعة، عن الأعْرج، عن عُمَير (٦)» فذكر حديث أبي الجَهْم في التيمم (٧).
وقال في كتاب الصلاة (٨): «حدثْتُ عن يحيى بن حسان ويونس بن محمد، قالا: حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن عُمارة بن القَعْقاع، عن أبي زُرْعة، عن
_________________
(١) في ح: «صنعا».
(٢) في ح: «مواضع».
(٣) في ح: «زيد».
(٤) ما بين القوسين من ح.
(٥) راجع هدى الساري ص ٢٣٦.
(٦) في ا: «عمر» وهو خطأ.
(٧) يعني بذلك ما رواه مسلم في صحيحه كتاب الحيض: باب التيمم ١/ ٢٨١ قال: وروى الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار - مولى ميمونة - زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي الجهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري. فقال أبو الجهم: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد رسول الله ﷺ عليه، حتى أقبل على الجدار فمسح يديه ثم رد السلام.
(٨) في ا: «الطهارة».
[ ٢ / ٣١٩ ]
أبي هريرة» في نهوض النبي، ﷺ، من الركعة الثانية (١).
وقال في كتاب المُزَارَعَة: «حدثني غير واحد من أصحابنا قالوا: حدثنا إسماعيل بن أبي أُوَيْس قال: حدثني أخي، عن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الرجال، عن عَمْرة، عن عائشة: سمع رسول الله، ﷺ، صوت خُصُومٍ بالباب (٢).
وقال في البيوع: «حدثني أصحابنا، عن عوف بن عون، عن خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى، عن محمد بن عمرو، عن سعيد بن المسيّب، عن معمر. في الاحْتِكَار (٣).
وقال في الفضائل: حُدِّثْتُ (٤) عن أبي أسامة. وممن روى ذلك عنه إبراهيم ابن سعيد الجوهري، عن بريد بن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي، ﷺ: أنّ الله إذا أراد رحمة أمّة من عباده قبض نبيها قبْلَها. الحديث (٥).
_________________
(١) صحيح مسلم: ١/ ٤١٩ باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة.
(٢) مسلم في كتاب المساقاة: باب استحباب الوضع من الدين ٣/ ١١٩١ - ١١٩٢ من حديث عائشة قالت: سمع رسول الله ﷺ صوت خصوم بالباب عالية أصواتها، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء وهو يقول: والله لا أفعل. فخرج رسول الله ﷺ عليهما فقال: أين المتألى على الله لا يفعل المعروف؟ قال: أنا يا رسول الله! فله أي ذلك أحب».
(٣) حديث معمر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ قال: «لا يحتكر إلا خاطئ» أخرجه مسلم في كتاب المساقاة: باب تحريم الاحتكار في الأقوات ٣/ ١٢٣٧ - ١٢٣٨ من طرق.
(٤) في ا: «حديث» وهو تصحيف.
(٥) تمامه: فجعله لها فرطا وسلفا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره». مسلم في كتاب الفضائل: باب إذا أراد الله تعالى رحمة أمة قبض نبيها قبلها ٤/ ١٧٩١ - ١٧٩٢.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
وإنما صنعا ذلك - والله أعلم - لعلمهما باشتهار الحديث برواية ثقة أو ثقات سوى من كتبا عنه بسبب من الأسباب: إما لأنه لم يكن من شرطهما، أو كان حيًّا في وقت روايتهما عنه؛ فلم يسمياه أو لم ينسباه، أو لغير ذلك من المعاني. واعتمدا على اشتهار الحديث برواية غير مَنْ كَتَبا عنه. كذلك الشافعي، ﵀، هكذا صنع. والله أعلم.
ولهذا المعنى توسّع من توسّع في السماع عن بعض محدِّثي زماننا هذا، الذين لا يحفظون حديثهم، ولا يحسنون قراءته من كتبهم، ولا يعرفون ما يقرأ عليهم، بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم. وهو أنّ الأحاديث التي قد صحَّت أو وقعت (١) بين الصحة والسقم - وقد دُوِّنت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة أهل اعلم بالحديث، ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم، وإن جاز أن تذهب على بعضهم؛ لضمان صاحب الشريعة حِفْظَها، فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم، لم يقبل منه، ومن جاء بحديث هو معروف عندهم، فالذي يرويه اليوم لا ينفرد بروايته، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره، والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مُسَلْسَلًا بحدّثنا أو بأخبرنا. وتبقى هذه الكرامة التي اختصت (٢) بها هذه الأمة إلى يوم القيامة شَرَفًا لنبينا المصطفى، ﷺ، كثيرًا.
* * *
والذي ينبغي ذكره ها هنا: أن الحديث في الابتداء كانوا يأخذونه من لفظ المحدِّث حفظًا، ثم كتبه بعضهم احتياطًا، ثم قام بجمعه، ومعرفة رواته، والتمييز بين صحيحه وسقيمه - جماعةٌ لم يخفّ عليهم إتقان المتقنين من رواته
_________________
(١) في ح: «وقفت».
(٢) في ا: «خصت». (م ٢١ - مناقب جـ ٢)
[ ٢ / ٣٢١ ]
ولا خطأ من أخطأ منهم في روايته، حتى لو زِيْدَ في حديث حرفٌ أو نقص منه شيء، أو غُير منه لفظ يغير المعنى - وقفوا عليه وتَبَيَّنُوه (١)، ودوَّنوه في تواريخهم؛ حتى تَرك أوائِلُ هذه الأمة أَواخرَها - بحمد الله - على الوَاضِحَة. فمن سلك في كلّ نوع من أنواع العلوم سبيلَهم، واقتدى بهم - صار على بَيِّنه من دينه. نسأل الله التوفيق والعصمة بفضله ومنّه.
* * *
واحتج بعض العراقيين على الشافعي بأن «مذهب أبي حنيفة» مبني على قول عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، ﵄، فأخرج من كتب أهل الحديث من أقاويلهما ما يخالفه أبو حنيفة من غير سماع منه لبعض ما أخرجه. وكذلك في «كتاب السِّيَر» الذي رواه أبو عبد الرحمن البغدادي عنه، احتاج إلى أحاديث لم تكن في مسموعاته، أو وجدها في مسموع غيره أتمَّ مَتْنًا، أو بإسناد أقوى (٢) مما كان عنده - فأوردها مستشهدًا بها من غير سماع منه لما ذكره، ولا ذكر أخبرنا ولا حدثنا ولا أنبأنا ولا سمعت، في شيء من ذلك إلا أن يروِي خلال ذلك عن شيخ له ما سمعه منه، فحينئذ يذكر فيه سماعه. وربما يجمع في حديث سمعه من شيخ له بينه وبين شيخ لم يسمع منه، ولا يذكر فيه سماعه ألبتة لا من شيخه ولا من غيره. فنظر الشيخ «أبو الحسن: علي بن عمر الدارقطني الحافظ» ﵀ في بعض هذه الكتب فتوهّم أن بعض أولئك الشيوخ من شيوخ الشافعي الذين سمع منهم فعدَّهم - في روايتنا عن شيخنا أبي عبد الرحمن السلمي عنه - في جملة شيوخ الشافعي، ﵀.
وليس الأمر على ما توهَّم.
وقد يقول في تلك الكتب: الأعمش عن إبراهيم، وإسماعيل عن الشعبي
_________________
(١) في ح: «وبينوه».
(٢) في ا: «قوى».
[ ٢ / ٣٢٢ ]
وسعيد بن أبي معشر، وشعبة عن الأعمش وغيره، وسفيان - يعني الثوري - عن أبي إسحاق وغيره، وحماد بن سلمة عن سماك وغيره، والليث بن سعد عن عقيل.
ومعلوم أنه لم يسمع من واحد منهم، وإنما هو «بلاغ» بلغه عنهم، فكذلك روايته في هذا الكتاب عن يحيى بن سعيد القطّان، وعبد الرحمن ابن مهدي، ومحمد بن عبيد، وعباد بن العوّام، ومحمد بن يزيد، ويزيد ابن هارون، وعبد الله بن إدريس، وهشيم بن بشير، وإسحاق بن يوسف الأزرق وغيرهم - «بلاغ» بلغه عنهم لا سماع. فإن ذكر فيه حديثا (١) عن شيخ له قد سمعه منه قال: أخبرنا مالك، أو أخبرنا سفيان، أو أخبرنا ابن علية أو أخبرنا سعيد بن سالم، أو أخبرنا الزنجي بن خالد، أو غيرهم.
وإن ذكر فيه حديثا عن شيخ له لم يسمعه منه، أو سمعه منه بلفظ آخر لم يذكر فيه سماعه.
وكلّ ذلك إتقان منه، واحتياط لدينه فيما رواه أو حكاه. والله يغفر لنا وله برحمته.
_________________
(١) في ا: «ذكره فيه حدثنا».
[ ٢ / ٣٢٣ ]
باب (١)