* * *
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت محمد بن محمد بن حمدون يقول: سمعت إبراهيم بن جعفر يقول:
سمعت الربيع يقول: وجه الشافعي الحميدي إلى الحلقة فقال: الحلقة لأبي يعقوب البويطي، من شاء فليجلس ومن شاء فليذهب.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا أحمد: الحسين بن علي التميمي يقول: سمعت أبا بكر: محمد بن إسحاق يقول:
حدثني أبو جعفر السكري - صديق الربيع -[عن الربيع] (١) قال:
لما مرض الشافعي مرضه الذي توفى فيه، جاء محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ينازع البويطي في مجلس الشافعي فقال البويطي: أنا أحق بمجلسه منك. وقال ابن عبد الحكم: أنا أحق بمجلسه منك، فجاء الحميدي - وكان تلك الأيام بمصر - فقال:
_________________
(١) من ح. (م ٢٢ - مناقب جـ ٢)
[ ٢ / ٣٣٧ ]
قال الشافعي: [ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف بن يحيى] (١)، وليس أحد من اصحابي أعلم منه.
فقال له ابن عبد الحكم: كذبت
فقال له الحميدي: بل كذبت أنت، وكذب أبوك، وكذبت أمك (٢).
وغضب ابن عبد الحكم فترك مجلس الشافعي وتقدم مجلس الشافعي فجلس في الطاق الثالث، ترك طاقا بين مجلس الشافعي وبين مجلسه وجلس البويطي [في مجلس الشافعي (٣)] في الطاق الذي كان يجلس. قال أبو بكر: [محمد بن إسحاق: (٤)] وهو الطاق الذي (٥) كان الربيع يجلس فيه أيامنا، إلا أن الشافعي كان يجلس مستقبل القبلة، وكان الربيع يجلس مستدير القبلة، لا يجلس في مجلس الشافعي، ﵀.
وقرأت في كتاب زكريا بن يحيى الساجي: سمعت إبراهيم بن زياد يقول:
سمعت البويطي يقول: لما مات الشافعي اجتمعنا في موضعه جماعة من أصحابنا، فجعل أصحاب مالك يسعون علينا عند السلطان، حتى بقيت أنا ومولى الشافعي ثم نرجع بعد ذلك ونتألّف، ثم يسعون علينا عند السلطان حتى نتفرق، فلقد غرمت نحوا ألف دينار حتى رجع أصحابي وتألفنا.
قلت: وكانوا قد سعوا بالشافعي حين وضع كتاب الرد عليهم، واجتمعوا
_________________
(١) ما بين القوسين من ح.
(٢) طبقات الشافعية ٢/ ١٦٣.
(٣) من ح.
(٤) من ح.
(٥) من ح.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
إلى السلطان وقالوا له: اخرج هذا عنّا. فأجابهم السلطان إلى ذلك، فذهب الشافعي ومعه الهاشميون والقرشيون إلى السلطان، وكلّموه فأبى عليهم وقال: إن هؤلاء قد كرهوه وأخاف أن تفتن البلد عليّ، فأجّله ثلاثة أيام على أن يخرج من البلد، فلما كانت الليلة الثالثة مات الوالي فجأة وكفى أمره وأقام الشافعي. وهذا فيما قرأته في كتاب أبي يحيى الساجي، عن عبد الله بن أحمد، عن أبي عبيد الله ابن أخي عبد الله بن وهب: أنه ذكر هذه القصة.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا بكر: محمد بن إبراهيم بن حسنويه العبد (١) الصالح، وأبا الطيب الكرابيسي يقولان: سمعنا أبا بكر: محمد ابن إسحاق يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: ما رأيت البويطي بعد ما فطنت له إلا رأيت شفته تتحرك: إما بذكر وإما بقراءة قرآن.
وذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتابه فقال في كتابي عن الربيع قال: كان لأبي يعقوب البويطي من الشافعي منزلة، وكان الرجل ربما يسأله عن المسألة فيقول: سل أبا يعقوب فإذا أجابه أخبره فيقول: هو كما قال (٢). قال الربيع: ما رأيت أحدًا أنزع لحجة من كتاب الله تعالى من أبي يعقوب البويطي (٣).
قال: وربما جاء إلى الشافعي رسول صاحب الشرط، فيوجه الشافعي أبا يعقوب ويقول: هذا لساني (٤).
وقد حكينا عن الشافعي أنه قال لأبي يعقوب البويطي: أما أنت يا أبا يعقوب فستموت في حديديك. فكان كما تفرس: دعى إلى القول بخلق
_________________
(١) في ح: «حيويه العلا العبد»
(٢) آداب الشافعي ص ٢٧٥.
(٣) آداب الشافعي ص ٢٧٥.
(٤) آداب الشافعي في الموضع السابق.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
القرآن فامتنع منه، فقيد وحمل في أقياده إلى العراق، وحبس حتى توفى في أقياده محبوسا، رحمه الله تعالى.
قرأت في كتاب أبي الحسن: محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم، عن أبي بكر: عبد الرحمن بن أحمد الشافعي قال:
سمعت الربيع يقول: رأيت أبا يعقوب البويطي وفي رجله أربع حلق قيود، وفيها أربعون رطلَ حديد، وفي عنقه غلٌّ مشدود إلى يده وهو يقول: إنما خلق الله الخلق «بكن»، فإذا كان «كن» مخلوقا - فمخلوق خلَق مخلوقا (١).
قال: وكان في السجن إذا سمع المؤذن قام ولبس ثيابه وتقدم إلى باب السجن فيقال له: إلى أين؟ فيقول: أجيب داعي الله، فيقال له: ارجع عافاك الله، فيقول: اللهم إنك تعلم أني قد أحببت.
وقرأته في كتاب زكريا بن يحيى الساجي سماعه من الربيع قال:
كان أبو يعقوب إذا سمع المؤذن يوم الجمعة اغتسل ولبس (٢) ثيابه، ومشى حتى يبلغ باب الحبس فيقول له السجان: أين تريد؟ قال: أجيب داعي الله. قال: ارجع عافاك الله تعالى، فيقول أبو يعقوب: اللهم إنك تعلم أنا قد أجبنا داعيك فمنعونا.
وقرأت في كتاب العاصمي: عن الزبير بن عبد الواحد، عن علي بن محمد قال:
قال الربيع: وكتب إليّ البويطي من بعض الطريق: هذا آخر كتاب أكتبه
_________________
(١) في ا: «مخلوق».
(٢) في ا: «إذا سمع المؤذن قام ولبس ثيابه».
[ ٢ / ٣٤٠ ]
إليك؛ وذلك أني إذا دخلت (١) على أمير المؤمنين صدَقْتُه فلا أدري ما يكون منه.
قال الربيع: وكان البويطي طويل الصلاة وكان يختم القرآن في كل يوم.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: قرأت بخط أبي عمرو المستملي في كتابه: حضرنا مجلس أبي عبد الله: محمد بن يحيى، فقرأ علينا كتاب أبي يعقوب البويطي إليه:
والذي أسألك أن تعرض حالي على إخواننا أهل الحديث بناحيتك لعل الله يخلصني بدعائهم؛ فإني في الحديد قد عجزت عن أداء الفرض في الطهارة والصلاة.
قال أبو عمرو: فضجَّ الناس بالبكاء والدعاء.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب - غير مرة - يقول: رأيت أبي في المنام فقال لي: يا بني، عليك بكتاب البويطي؛ فليس في الكتب أقل خطأ منه.
قلت: وحين تغيظ أبو عبد الله: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري مما جرى في مجلس الشافعي انتقل إلى مذهب أبيه - وهو مذهب مالك، وكان قبل قدوم الشافعي ينتحله - فاختلف إلى الشافعي وأخذ عنه، وكان أبوه يحثه عليه.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني عبد الله بن محمد بن حيان قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الأصبهاني قال: سمعت الحسين (٢) بن علي ابن الأشعث يقول:
_________________
(١) في ا: «إن دخلت».
(٢) في ا: «الحسن».
[ ٢ / ٣٤١ ]
سمعت «محمد بن عبد الله بن عبد الحكم» يقول: كنت أتردد إلى الشافعي فاجتمع قوم من أصحابنا إلى أبي فقالوا: يا أبا محمد، إن محمدًا انقطع إلى هذا الرجل ويتردد إليه فيرى الناس أن هذا رغبة عن مذهب أصحابه، فجعل أبي يلاطفهم فيقول: هو حدث، وهو يحب النظر في اختلاف أقاويل الناس ومعرفة ذلك، ويقول في السر:
يا بني، الزم هذا الرجل؛ فإنه عسى أن يخرج يوما من هذا البلد فتقول. قال (١) ابن القاسم فيقال لك: مَن ابن القاسم؟ وذكر قصة في تصديق قول أبي.
وفي كتاب العاصمي: عن محمد بن رمضان، عن ابن عبد الحكم. فذكر هذه القصة، وقال عن «ابن عبد الحكم» أيضا: قال لي (٢) أبي حين قدم الشافعي: يا بني، عليك بالشافعي؛ فإِنك لو جاوزت هذا البلد فتكلمت في مسألة فقلت فيها: قال أشهب قيل لك: ومن أشهب؟ فلزمت الشافعي، وما زال كلام الشيخ في قلبي حتى خرجت إلى العراق، فكلّمني القاضي بحضرة جلسائه في مسألة فقلت فيها: قال أشهب عن مالك، [فقال: ومَن أشهب (٣)؟] وأقبل على جلسائه فقال بعضهم كالمنكر: ما أعرف أشهب ولا أبْلَق.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا سعيد: عمرو بن محمد بن منصور العدل يقول: سمعت أبا بكر: محمد بن إسحاق يقول:
ما رأيت أفقه في المسائل من «محمد بن عبد الله بن عبد الحكم».
_________________
(١) من ح.
(٢) من ح.
(٣) ما بين القوسين من ح.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
وأخبرنا أبو عبد الله قال: سمعت أبا أحمد: الحسين بن علي يقول:
سمعت أبا بكر: محمد بن إسحاق يقول: «محمد بن عبد الله» أعلم من رأيت على أديم الأرض بمذهب مالك وأحفظهم له.
قلت: ومع انتقاله إلى مذهب مالك كان (١) يقول بفضل الشافعي، ﵀، كما سبق ذكرنا له ويقرأ عليه كتب الشافعي.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن قال:
أخبرني عبد الرحمن - يعني ابن محمد بن إدريس - قال:
سمعت: «محمد بن عبد الله بن عبد الحكم» يقول: ما من أحد ممن خالفنا - يعني خالف مالكا - أحب إليّ من الشافعي.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني عبد الله بن محمد بن حيان قال: أخبرني أبو جعفر: محمد بن عبد الرحمن قال: أخبرني الحسن بن علي بن الأشعث قال: أخبرني أبو الليث بن الأيلي قال:
سألْنا «محمد بن عبد الله بن عبد الحكم» أن نقرأ عليه كتب الشافعي فأجابنا إلى ذلك على أن تكون قراءتنا في منزله. قال: فجئنا فابتدأنا بالقراءة عليه، وكان رجل ممن يتفقه بقول المدنيين يقال له: محمد بن سعيد المقري له عنده مجلس. قال: فجاء فوجدنا ونحن نقرأ عليه فقال لنا: روحوا فإن لنا مجلسا، وأيّ شيء نصنع بهذه الكتب؟ قال: فقلت له أنا - ومحمد يَسْمع - ليس يمنعك أنت من هذه الكتب إلا أنك (٢) لا تحسن تقرؤها. فقال: أنا لا أحسن
_________________
(١) من ح.
(٢) في ا: «ومحمد نسمع ليس نمنعك أنت من هذه الكتب إلا أنك لا تحسن».
[ ٢ / ٣٤٣ ]
أن أقرأها؟ أنا أقرأ كتب عبد الملك بن (١) الماجشون، أفلا (٢) أحسن أن أقرأ كتب الشافعي؟! قال: وكان «محمد» متكئًا فجلس إنكارًا لقوله فقال: يا أبا عبد الله، والله ما عبد الملك بن (٣) الماجشون عند محمد بن إدريس الشافعي إلا بمنزلة الفطيم عند الكبير.
أخبرنا أبو عبد الله بن محمد قال: سمعت أبا الفضل بن أبي نصر يقول: قرأت على قبر «محمد بن عبد الحكم»: توفى محمد يوم الأربعاء النصف (٤) من ذي القعدة، سنة ثمان وستين ومائتين. ﵀.
* * *
قلت: وحين وقع للبويطي ما (٥) وقع كان القائم بالتدريس والتفقيه (٦) على مذهب الشافعي ﵀: «أبو إبراهيم: إسماعيل بن يحيى المزني» ﵀، صنف من كتب الشافعي، ومما أخذه عنه «المختصر الكبير» ثم صنّف «المختصر الصغير» الذي سار في بلاد المسلمين وانتفعوا به.
وفيما أنشدنا شيخنا أبو عبد الله قال: أنشدت لمنصور بن إسماعيل الفقيه:
لم تر عيناي وتسمع أذني أحسن نظما من كتاب المزني
وفيما أخبرنا أبو عبد الله قال:
_________________
(١) من ح.
(٢) في ا: «ولا».
(٣) من ح.
(٤) في ا: «المنتصف».
(٥) في ا: «البويطي فيما».
(٦) في ا: «للتفقه».
[ ٢ / ٣٤٤ ]
قال أبو الوليد فيما أخبرت عنه: بلغني عن «أبي العباس بن سريج» أنه قال: يخرج مختصر المزني من الدنيا عذراء لم تفتض.
قال: وكان «أبو العباس بن سريج» إذا ذكر المختصر تمثل بهذا البيت عند ذكره:
لصيق فؤادي مذ ثلاثون حجة وصَيقل ذهني والمفرِّج عن همِّي
وأخبرنا أبو عبد الله قال: أخبرني نصر بن محمد بن أحمد قال: أنشدني منصور بن محمد قال: أنشدني أبو عمران: موسى بن محمد المعافري لأبي العباس ابن سريج في المزني - يعني (١) في كتاب المزني -:
حليف فؤادي مذ ثلاثون حجة وصَيْقَل ذهني والمفرِّج عن همِّي
جَمُوعٌ لأنواع العلوم بأَسْرِها بمختصر ليسَت تفارقه كمِّي (٢)
عزيزٌ على مثلي إضاعة علمه لما فيه من نسجٍ بديعٍ ومن نظم
أخبرنا محمد بن عبد الله قال: سمعت أبا سهل: محمد بن سليمان - إمام الشافعيين في عصره بلا مدافعة من موافق ومخالف منصف - يقول: قال لي أبو إسحاق المروزي في شيء جرى بيني وبينه: لم لا تنظر في المختصر؟ فقلت: ما جئتك من خراسان حتى فرغت من نظري في المختصر. فقال: انظروا، يقول مثل هذا وأبو العباس بن سريج يقول: ما نظرت فيه من مرة إلا واستفدت فائدة جديدة.
وأخبرنا محمد بن عبد الله قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر قال: سمعت
_________________
(١) في ح: «أعني».
(٢) في ح: «لحمي».
[ ٢ / ٣٤٥ ]
عبد الله بن عدي الحافظ يقول: سمعت يوسف بن عبد الأحد القمي يقول:
سمعت «المزني» يقول: لو أدركني الشافعي لسمع مني هذا المختصر.
أنشدنا الشيخ أبو الفضل: مسعود بن سعيد بن عبد العزيز السلمي (١)، وكتب بخطه، قال: أنشدنا عمي: الأستاذ الإمام: أبو عبد الرحمن: محمد (٢) بن عبد العزيز بن عبد الله السلمي:
إنّ كتاب المزني لَسَلْوَتِي مِن حَزَني
وعُدَّتي إن أحدٌ من العِدا بارزني
وحلّتي إنْ فَاخِرٌ مِنْ كسوتي أَعْوَزَني
وناصري إن جَدِلٌ بحجَّة أَعْجَزَني
آليت لا يعدله ملك الفتى ذِي يَزَن
ولا العراقيين ولا الشام وملك اليمن
يا قرّة العين ويا زينة كل الزِّيَن
ويا ملاذي إن دَهَتني فتنةٌ في الفِتن
أنت ضجيعي ليلتي وفي نهاري سكَني
وفي مسيري صاحبي وفي ضريحي كفَني
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرني عبد الله بن سعيد قال: حدثنا
_________________
(١) في ا: «النيلي» وكذا ما بعده.
(٢) من ح.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي قال: حدثنا أبو عبد الله الهروي قال:
سمعت «أبا زُرعة الدمشقي» وقلت له: ما أكثر حمل «المزني» على الشافعي. فقال: لا تقل هكذا ولكن قل: ما أكثر ظلمه للشافعي.
وقرأت هذه الحكاية في كتاب العاصمي، عن أبي عبد الله: محمد بن يوسف ابن النضر البصري (١) الهروي، عن أبي زُرعة: محمد بن عثمان بن زرعة القاضي الدمشقي هكذا. وما أحسن ما قال. وظلمه إياه في شيئين: أحدهما أنه بلغني أن «البويطي» سئل عن سماع «المزني» من الشافعي فقال:
كان صبيًّا ضعيفًا (٢)
قلت: فربما وجد في كتابه مسألة قد سقط منها بعض شرائطها وهي في رواية حرملة والربيع صحيحة فنقلها (٣) على ما في كتابه ثم أخد في الطعن عليه. وكان من سبيله أن ينظر في كتب أصحابه حتي يتبين له خطؤه في الكتابة أو خطأ من كتب كتابه فيستغنى عن الاعتراض.
والآخر: أنه وجد الشافعي ذكر مسألة في موضعين اختصرها في أحدهما (٤) وذكرها مستوفاة شرائطها في الموضع الآخر فنقلها المزني مختصرة، ثم اشتغل بالاعتراض عليه، ولو نقلها من الموضع الآخر مقيدة بشرائطها استغنى عن الاعتراض.
_________________
(١) من ح.
(٢) في ح: «صبيا صغيرا ضعيفا».
(٣) من ح.
(٤) في ا: «اختصرهما في أحديهما».
[ ٢ / ٣٤٧ ]
ومثال كل واحد من هذين النوعين (١) عندي فيما رددته من كلام الشافعي، ﵀، إلى ترتيب المختصر وإيراده هاهنا مما يطول به الكتاب.
وعمل شيئا آخر: وهو أن كل كتاب صنفه «الشافعي» ورتب له ترتيبا حسنا ترك «المزني» ترتيبه وقدم وأخر: كالجمعة والجنائز وغيرهما.
وقد يذكر الشافعي مسألة في موضعين بعبارتين، فيقل المزني تلك المسألة بعضها بعبارته في أحد الموضعين والثاني (٢) بعبارته في الموضع الآخر كيلا يهتدي إلى كيفية نقله. ولو نقلها على ترتيبه فيما رتبه، وعلى عبارته في أحد الموضعين كان أحسن وأبين.
فهذا وجه جواب أبي زرعة. والذي راعى المزني من حق الشافعي في جمع ما تفرق من كلامه واختصار ما بسط من قوله وتقريبه (٣) على من أراده، وتسهيله على من قصده من أهل الشرق والغرب - أكثر، وفائدته أعم وأظهر، فلا أعلم (٤) كتابا صنِّف في الإسلام أعظم نفعا وأعم بركة وأكثر ثمرة من كتابه، وكيف لا يكون كذلك واعتقاده في دين الله تعالى، ثم اجتهاده في عبادة الله تعالى، ثم (٥) في جمع هذا الكتاب، ثم اعتقاد الشافعي في تصنيفه للكتب (٦) على الجملة التي مضى ذكرها عن الشافعي، وسنذكرها عن المزني، رحمنا الله وإياهما، وجمع بيننا وبينهما في جنته بفضله ورحمته.
_________________
(١) في ا: «الوجهين».
(٢) في ح: «والباقي».
(٣) في ا: «فيقربه».
(٤) في ح: «تعلم».
(٥) من ح.
(٦) في ح: «في تصنيف».
[ ٢ / ٣٤٨ ]
قرأت في كتاب أبي منصور الحمشاذي، ﵀، سمعت الإمام أبا الوليد يقول: سمعت محمد بن إسحاق يقول:
سمعت «المزني» يقول: كنت في تأليف هذا الكتاب عشرين سنة، وألفته ثلاث (١) مرات، وغيرته، وكنت كلما أردت تأليفه أصوم قبله ثلاثة أيام وأصلي كذا كذا ركعة.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا محمد: أحمد بن عبد الله المزني يقول:
سمعت يوسف بن عبد الأحد القمي يقول: صحبت «المزني» ليلة شاتية وبعينه رمد، فكان يجدد الوضوء ثم يدعو، ثم ينعس فيقوم ثانيا، فيجدد الوضوء حتى فعل ذلك سبع عشرة مرة.
وأخبرنا أبو عبد الله قال: سمعت أبا محمد المزني يقول: وقد كان «أبو إبراهيم المزني» فاق أقرانه في الزهد والورع. سمعت «القمي» يقول: كان «أبو إبراهيم» لا يتوضأ من جباب أحمد بن طولون.
وكان يجدد الوضوء فيخرج من الجامع ويذهب إلى النيل - ومن الجامع إلى النيل مسافة - فيجدد وضوءه ثم يرجع.
وكان إذا استقبله «ابن عبد الحكم» ومعه جماعة من القضاة والقلانس على رءوسهم - يقف ثم يقول: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ (٢) ثم يرفع رأسه ويقول: بلى ربنا نصبر، بلى ربنا نصبر.
وأخبرنا أبو عبد الله قال: وقال أبو محمد المزني فيما بلغني عنه، عن يوسف
_________________
(١) في ا: «ثمان».
(٢) سورة الفرقان: ٢٠.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
ابن عبد الأحد القمي (١) قال: إن «أبا إبراهيم المزني» عَبَدَ الله كذا وكذا سنة عبادة منتظر قال:
وكان «المزني» يصلي بحضرة أصحابه وهم يتناظرون، فإذا أشكل عليهم مسألة انتظروا سلامه، فإذا سلّم سألوه فقالوا: يا أبا إبراهيم، إن اشتغالك بتعليمنا أفضل لك من الصلاة يعنون (٢) النافلة. قال: وكيف قالوا؟ لأنّ تعليمك العلم يَعدُوك وصلاتك لا تعدوك. فترك الصلاة وأقبل على تعليمهم.
قال يوسف: وكان «أبو إبراهيم المزني» يشرب في الشتاء والصيف من كوزِ صُفْرٍ فقيل له في ذلك فقال: بلغني أنهم يستعملون السّرقين في هذه الكيزان والنار لا تطهره (٣).
وقرأت في كتاب الحمشاذي: وقيل إن «المزني» كان يصلي بمصر الصلوات جماعة، فربما يخرج للطهارة ويتباعد إلى النيل، فإذا رجع وجدهم قد فرغوا من الصلاة فيعيد تلك الصلاة خمسا وعشرين مرة.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت محمد بن علي الكتابي (٤) يقول: سمعت عمرو بن عثمان المكي يقول:
ما رأيت أحدًا من المتعبدين في كثرة من لقيت منهم بمكة ممن هو مقيم ومن قدم علينا في المواسم، ولا فيمن لقيت بالشام وسواحلها ورباطاتها والإسكندرية - أشد اجتهادًا من «المزني» ولا أدوم على العبادة منه، ولا رأيت
_________________
(١) من ح.
(٢) في ح: «يعني».
(٣) طبقات الشافعية ٢/ ٩٤.
(٤) في ح: «الكناني».
[ ٢ / ٣٥٠ ]
أحدًا أشد تعظيما للعلم وأهله منه، وكان من أشد الناس تضييقا على نفسه في الورع وأوسعه في ذلك على الناس. وكان يقول: أنا خُلُقٌ من أخلاق الشافعي (١). رحمهم الله تعالى.
أخبرنا محمد بن عبد الله قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر قال: سمعت عبد الرحمن بن غلام، الدقاق (٢) بمصر، يقول:
سمعت أبا سعيد بن السّكَري يقول: رأيت «المزني» وما رأيت أعبد لله منه، ولا أتقن للفقه (٣) منه.
أخبرنا محمد بن عبد الله قال: أخبرني نصر (٤) بن محمد قال: سمعت قسم (٥) عبد الرحمن بن أحمد بن حفص يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول:
سمعت ابن بحر (٦) يقول: سمعت «المزني» يقول: خرجت إلى الرامير فمررت بقوم يشربون النبيذ على شاطئ النهر والملاهي تخرج إليهم (٧) من باب دار بحذائهم فهممت أن أعظمهم وأنكر عليهم، ثم خفت أن أضرّ بالمركب فمضيت، فلما قفلنا راجعين رأيت باب الدار مسودا فذكرت قول الشاعر:
قد شاب رأسي ورأس الحرص لم يَشِبِ إنّ الحريص على الدنيا لفي تَعَبِ
_________________
(١) طبقاات الشافعية ٢/ ٩٤.
(٢) في ا: «عبد الرحمن غلام الزقاق».
(٣) في ا: «ألبق في الفقه».
(٤) من ح.
(٥) كذا في الأصول.
(٦) في ا: «أبحر».
(٧) من ح.
[ ٢ / ٣٥١ ]
بالله ربِّك كم بيتٍ مررت به وكان يعمر باللذات والطربِ؟
دارت عُقَاب المنايا في جوانبه فصار من بعده للويل والحربِ
قال: فقلت أُنشدك ما هو أحسن من هذا؟ فقال: هات يا بن بحر، فقلت:
نُراعُ إذا الجنائز قابلتنا ونغفل حين تبدو ذاهباتِ (١)
كَرَوعة ثَلَّةٍ لِمُغار سَبْعِ فلما مرَّ عادت رائعاتِ
فلو أنا نُعانُ بفضل حزمٍ لَخِفنا الموتَ أيامَ الحياةِ
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني الزبير بن عبد الواحد الحافظ قال:
سمعت يوسف بن عبد الأحد يقول: سمعت «المزني» يقول: سبحان المحبِّ لمن أطاعه المنتقم ممن عصاه.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت جعفر بن محمد بن الحارث المراغي (٢)، وأخبرنا محمد بن عبد الله قال: سمعت أبا محمد: جعفر بن محمد بن الحارث يقول:
سمعت أبا زكريا: يحيى بن زكريا بن حيوية يقول: سمعت «المزني» يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق.
_________________
(١) الأول والثاني لعروة بن أذينة الكناني كما في البيان والتبيين ٣/ ٢٠١، والحيوان ٦/ ٥٠٧، وأمالى المرتضى ١/ ٤١٥ وفيها: تروعنا الجنائز مقبلات ونلهو حين تخفى ذاهبات كروعة ثلة لمضار ذئب فلما غاب عادت رائعات والثالثة: القطعة من الضأن. وهما في عيون الأخبار ٣/ ٦٢ غير منسوبين
(٢) ليست في ا.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
أخبرنا محمد بن عبد الله قال: أخبرنا أبو الوليد: حسان بن محمد الفقيه قال: سمعت أبا عمران بن الأشيب يقول:
سمعت أحمد بن أصرم يقول: سمعت «المزني» يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، وما دِنْت بغير هذا قطّ، ولكن الشافعي كان ينهانا عن الكلام.
قال «المزني»: وقال ابن هرم: قال الشافعي: في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (١) دليل على أن أولياء الله يرونه يوم القيامة (٢).
قرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي: عن أبي بكر: عبد الرحمن بن أحمد ابن العباس الفقيه فيما قرئ عليه بمصر، قال: سمعت يحيى بن زكربا النيسابوري يقول:
سمعت أبا سعيد الفريابي يقول: سألت المزني في مرضه الذي توفى فيه عن الإيمان؟ فذكر فيه قصة، وفي آخرها: قال المزني: لا خلاف بين الناس أن النبي، ﷺ، طاف بالبيت فقال: «إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك» [ووفاءَ بعهدك] (٣). هذا دليل على أن جميع الأعمال من الإيمان.
وفيما روى عبد العزيز بن أبي الرجاء، عن المزني: أنّ الشافعي قال في الذبيحة: «ولا أكره الصلاة على رسول الله، ﷺ؛ لأنها إيمان بالله».
_________________
(١) سورة المطففين: ١٥.
(٢) راجع طبقات الشافعية ٢/ ٨١.
(٣) من ح. (م ٢٣ - مناقب جـ ٢)
[ ٢ / ٣٥٣ ]
قال المزني: ففي هذا دليل واضح أنه كان يقول: الإيمان قول وعمل، جعل الصلاة على رسول الله، ﷺ، من الإيمان.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني سعيد بن أحمد بن عبد الرحيم، إجازة، أنّ أبا يعقوب: يوسف بن أحمد بن يوسف المكيّ - من الرُّحَيل (١) - أخبرهم قال: سمعت جدّي عبد الله بن الحسين يقول: سمعت عبد العزيز بن أبي رجاء يقول: سمعت المزني يقول. فذكره بإسناده هذا قال:
سألت الشافعي عن قول النبي، ﷺ: ستة لعنهم الله. فذكر منهم: «المكذب بقدر الله» فقلت له: يا أبا عبد الله، مَن القدرية (٢)؟
فقال: هم الذين زعموا أنّ الله لا يعلم المعاصي حتى تكون.
قلت: وقد سمعت كثيرًا من «علماء المعتزلة» زعم أن منهم (٣) من أنكر علمه بها كما أنكر خلقه لها وقال لي في السر: لا يستقيم هذا المذهب إلا بأن ينكرهما جميعا، إلا أن مشايخنا لا يبوحون بذلك.
ونعوذ بالله من مذهب يقيم صاحبه على مثل هذا القول.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا عبد الله: محمد بن يعقوب
_________________
(١) في ا: «أن الدحيل» وهو تحريف. والرحَيل، بضم الراء مصغرا: موضع بين مكة والبصرة. راجع معجم ما استعجم ٢/ ٦٤٥.
(٢) نص الحديث: «ستة لعنتهم لعنهم الله وكل نبي كان: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمتسلط بالجبروت ليعز بذلك من أذل الله، ويذل من أعز الله، والمستحل لحرم الله، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والتارك لسنتي». وهو من رواية عائشة كما في الترمذي: ٢/ ٢٢ - ٢٣ والمستدرك للحاكم ١/ ٣٦ و٤/ ٩٠ وأخرجه السيوطي في مفتاح الجنة ص ٨ عن الطبراني أيضا.
(٣) في ا: «أن فيهم».
[ ٢ / ٣٥٤ ]
الحافظ يقول: سمعت محمد بن إسحاق يقول:
سمعت المزني وذكر عنده حديث النبي، ﷺ: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» (١) فقال المزني: لم يشك النبي ولا إبراهيم ﵉ في أن الله قادر على أن يحيى الموتى، وإنما شكا أن يجيبهما إلى ما سألا.
وأخبرنا أبو عبد الله قال: سمعت أبا بكر: محمد بن جعفر المزكي يقول: سمعت الحسن بن محمد بن إبراهيم الجنابذي يقول: سمعت الحسن بن أحمد بن عبد الواحد يقول: سمعت الحسن بن أحمد بن عبد الواحد يقول: سمعت المزني يقول، وقال له رجل: يا أبا إبراهيم، إن فلانا يبغضك. قال: ليس في قربه أُنْسٌ ولا في بُعده وَحشة.
وأخبرنا محمد بن عبد الله قال: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: سمعت محمد بن داود الخصيب يقول: سمعت «المزني» يقول:
لا مروءة لمن لا جهل له، ولا جهل لمن لا مروءة له، وأنشدنا:
لا خيرَ في حلمٍ إذا لم يكن له بَوَادِرُ تَحْمِي صَفْوَهُ أنْ يُكدَّرا
ولا خيرَ في جهلٍ إذا لم يكن له حليمٌ إذا ما أوْرَدَ الأمر أَصْدَرا (٢)
أخبرنا أبو إسحاق: إبراهيم بن محمد الفقيه قال: حدثنا أبو النضر السواني (٣) قال: أخبرنا الطَّحَاوي قال: حدثنا «المزني» قال: أخبرني أبو بكر الحميدي، عن سفيان، عن خلف بن حوشب، قال:
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان: باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة ١/ ١٣٣ وفي كتاب الفضائل: باب فضائل إبراهيم ﵇ ٤/ ١٨٣٩ وأخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن: باب الصبر على البلاء ٢/ ١٣٣٥.
(٢) البيتان للنابغة الجعدي كما في ديوانه ص ٦٩، وجمهرة أشعار العرب ١٤٨.
(٣) في ا: «الإسفراييني».
[ ٢ / ٣٥٥ ]
قال عيسى بن مريم، ﵇، للحواريين: كما ترك الملوك الحكمة فاتركوهم والدنيا.
وكان خلف يقول: ينبغي للناس أن يتعلموا هذه الأبيات في الفتنة:
الحربُ أوَّلَ ما تكون فُتَيَّةٌ تسعى بزينتها لكلِّ جهولِ (١)
حتى إذا اشتعلت وشبَّ ضرامها ولَّت عجوزًا غيرَ ذاتِ حليلِ
شَمْطَاءَ جَزَّتْ رأسَها وتنكَّرت مكروهةً للشَّمِّ والتَّقْبِيلِ
أخبرنا محمد بن عبد الله، ومحمد بن الحسين السلمي قالا: سمعنا أبا محمد: جعفر بن محمد المراغي يقول: سمعت أبا زكريا النيسابوري يقول: سمعت محمد ابن عبد الله بن عبد الحكم يقول:
قال الشافعي للمزني وأقبل يوما: هذا لو ناظر الشيطان لقطعه (٢)!
أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد قال: سمعت أبا بكر: محمد بن جعفر المزكي يقول:
سمعت أبا بكر: محمد بن إسحاق يقول: سألت «المزني»: من أفقه أصحاب مالك؟ فقال: «أشهب بن عبد العزيز» أفقه الرجلين، و«عبد الرحمن ابن القاسم» أتبع الرجلين لصاحبه، و«ابن وهب» أعلم الثلاثة بقول المدنيين.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر قال: سمعت علي بن أحمد بن حسن يقول: سمعت أبا الحديد الصوفي بمصر يقول: [سمعت
_________________
(١) الأبيات لعمرو بن معد يكرب كما في اللسان ٩/ ٤١٦ وفيه: «تسعى ببزتها» وانظر الشعر والشعراء ١/ ٣٣٣.
(٢) طبقات الشافعية ٢/ ٩٣.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
أبي يقول: (١)]
سمعت أبا إبراهيم المزني يقول أحمد بن حنبل: أبو بكر يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلى يوم صفين.
ورأيت على ظهر جزء من أجزائي عن أبي عبد الله: محمد بن عبد الله بن عبيد الله العمري قال:
سمعت أحمد بن صالح - وهو المصري - يقول: لو أن رجلا حلف أنّه لم يرَ كالمزني آخر - كان صادقا، فقال له أبو أفلح المصري: نكتب عنه؟ قال: إن حدثكم (٢). «مرتين».
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر قال: سمعت أبا الطيب: علي بن محمد بن أبي سليمان المصري يقول: دخلت على المزني ورأيته. ومات سنة أربع وستين ومائتين. ويقال: كان ابن سبع وثمانين. وصلى عليه العباس بن أحمد بن طولون.
أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد قال: سمعت أبا محمد: أحمد بن عبد الله المزني يقول: سمعت أبا بكر: محمد بن زياد (٣) المصري يقول: رجع خالي من جنازة «المزني» فقال: يا بني، رأيت اليوم عجبا، رأيت طيرا أبيض جاءت فرفرفت على جنازة المزني فجعلت تلقي نفسها عليها وتتمسح به، فقال الربيع بن سليمان: لا تنفروها فإناما رأيناها (٤) إلا في جنازة ذي النون المصري، فإنها فعلت به مثلما فعلت بالمزني، ﵀.
* * *
_________________
(١) ما بين القوسين من ح.
(٢) في الأصول: «أحدثكم».
(٣) في ا: «ريان».
(٤) في ا: «رأيتها».
[ ٢ / ٣٥٧ ]
قلت: وأما أبو علي: الحسن بن محمد الصباح الزعفراني، فإنه يشارك الشافعي في كثير من شيوخه مثل سفيان بن عيينة، وإسماعيل بن عُلَيّة، وعبد الوهاب بن عبد المجيد، وغيرهم. وحين قدم الشافعي العراق لزم الشافعي، واختاره أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وغيرهما لقراءة الكتب على الشافعي؛ فإنه كان بصيرًا باللغة. ثم صار هو الراوي للكتب القديمة، وإليه يُرحل في سماعها.
قرأت في كتاب زكريا بن يحيى الساجي: سمعت «الحسن بن محمد» في سنة ست وخمسين ومائتين يقول: إني لأقرأ كتب الشافعي وتقرأ عليّ منذ خمسين سنة.
قال: وقال الحسن: وما (١) أتيت الشافعي مجلسا قط إلا وجدت أحمد بن حنبل قد سبقني إليه.
قال: وقال الحسن: كان أبو ثور يحضر معنا عند الشافعي، وقد سمعنا منه الكتب.
قال زكريا فسألته عن الحسين بن علي الكرابيسي فقال: لم أره في القَدْمة الأولى، ولكنه لما قدم الشافعي قَدْمته الثانية لزمه حسين وسأله أن يعرض عليه الكتب، فأجاز له كتبي وسأله عن بعضها.
* * *
وأما أبو محمد: الربيع بن سليمان بن كامل - واسم كامل عبد الرحمن - المرادي، المؤذن، خادم الشافعي.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: كناه ونسبه لنا أبو العباس: محمد
_________________
(١) في ا: «ما».
[ ٢ / ٣٥٨ ]
ابن يعقوب. والربيع هو الراوي للكتب الجديدة على الصدق والإتقان.
وربما فاتته صفحات من كتاب فيقول فيها: قال الشافعي، أو يرويها البويطي عن الشافعي.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرنا محمد بن علي بن طلحة المروروذي قال: حدثنا أبو سعيد: أحمد بن علي الأصبهاني قال: حدثنا زكريا بن يحيى الساجي قال: سمعت عبد الرحمن بن الجارود - يعني أبا بشر - يقول:
سمعت «البويطي» يقول: «الربيع» في الشافعي أثبتُ منّي.
قلت: وصارت الرواحل تشد إليه من أقطار الأرض في سماع كتب الشافعي، ﵀.
قرأت في كتاب زكريا بن يحيى الساجي:
سمعت «الربيع بن سليمان» سنة خمس ومائتين يقول: إني لأقرأ كتب الشافعي على الناس وأنا ابن خمس وثلاثين سنة ما كان في رأسي ولحيتي شعرة بيضاء.
قال زكريا: وأنا أقول: إني قرأتها سنة إحدى وخمسين وما في رأسي ولحيتي شعرة بيضاء وهي السنة التي قدمت من مصر.
قال زكريا: حدثني أبو بكر بن صدقة قال:
سمعت الزعفراني يقول لداود - يعني الأصبهاني: إني لأقرأ كتب الشافعي وتقرأ علي منذ خمسين سنة، ما رأيت أقرأ لها من الفتى البصري الساجي. فقال
[ ٢ / ٣٥٩ ]
داود: (١) هذا بالبصرة يحدِّث بها عن «الربيع» عن الشافعي، وله مجلس كمالك فما ينكر.
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي: أخبرني أبو عبد الله: محمد بن يوسف بن النضر - بالشام - قال: سمعت أبا الطاهر بن الربيع بن سليمان، أو غيره، يقول:
حج الربيع بن سليمان في سنة أربعين ومائتين، والتقى مع أبي علي: الحسن ابن محمد الزعفراني بمكة، فسلَّم أحدهما على الآخر، فقال له الربيع: يا أبا علي، أنت بالمشرق وأنا بالمغرب فَبُثُّ هذا العلم - يعني علم الشافعي.
وكان الشافعي يحب «الربيع» ويقرّبه، ويقوم الربيع بخدمته.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول:
سمعت «الربيع بن سليمان» يقول: قال لي الشافعي: لو أستطيع أن أطعمك العلم لأطعمتكه (٢).
أخبرنا محمد بن عبد الله قال: حدثنا أبو الوليد الفقيه قال: سمعت جعفر ابن محمد السّاماني يقول:
سمعت «الربيع بن سليمان» يقول: سمعت الشافعي يقول لي: ما أَحبَّك إليَّ (٣)!
قال: وسمعت جعفر بن أحمد، وإبراهيم بن محود يحكيان عن يونس بن عبد الأعلى قال:
_________________
(١) في ا: «ابن داود».
(٢) طبقات الشافعية ٢/ ١٣٤.
(٣) طبقات الشافعية ٢/ ١٣٤.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
قال الشافعي: ما خدمني أحد خدمة «الربيع» (١)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو تراب المذكر قال: حدثنا محمد بن المنذر قال:
سمعت الربيع يقول: قال الشافعي يوما: أنا والله ضعيف. قال: فقلت: قوَّى الله ضعفك. فقال: يا بني، إن قوى الضعف على القوى مني قتلني (٢). فقلت: والله ما أردت إلا خيرا. قال: أجل، والله يا بني، لو شتمتني صراحا لعلمت أنك لم ترد إلا خيرا.
وقرأت في كتاب زكريا الساجي حدثني أبو بكر بن سعدان قال:
سمعت الربيع بن سليمان يقول: قال لي (٣) الشافعي: أجب يا ربيع في المسائل؛ فإنه لا يُصيبُ أحدٌ حتى يخطئ.
أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد قال: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول:
قيل للربيع بن سليمان وأنا أسمع: أليس تقول: القرآن كلام الله غير مخلوق؟ قال: نعم، سبحان الله، ومن يشك في هذا؟
وقيل له: أليس تقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص؟ قال: نعم، سبحان الله، ومن يَشكّ في هذا؟.
قال: وسأله أبي: أليس تقول: إن الخير والشر من الله؟ قال: نعم.
قال: وسمعت الربيع يقول: خير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ:
_________________
(١) طبقات الشافعية ٢/ ١٣٤.
(٢) في طبقات الشافعية ٢/ ١٣٥: «لو قوى ضعفي قتلني».
(٣) من ح.
[ ٢ / ٣٦١ ]
أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، رضوان الله عليهم أجمعين.
أخبرنا محمد بن عبد الله ومحمد بن موسى قالا: سمعنا أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
صبر جميل ما اسرع الفرَجا مَن صَدَق الله في الأمور نجا
من خشِيَ الله لم ينله أذى ومن رجا الله كان حيث رجا (١)
أخبرنا محمد بن عبد الله قال: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: توفى الربيع بن سليمان في شوال سنة سبعين ومائتين.
وقال أبو العباس: وسمعت منه الكتب سنة خمس (أو ست) (٢) وستين ومائتين.
* * *
ومن الأشعار التي قيلت في الشافعي، ﵀: أنشدنا أبو عبد الله: محمد ابن عبد الله الحافظ قال: أنشدني بعض أئمة الحديث لأبي عبد الله البوشنجي في الشافعي، ﵀:
ومن شعب الإيمان حب ابن شافعٍ وفرضٌ أكيدٌ حبّه لا تطوُّعُ
وإن حياتي شافعي فإن أمت فتوصيتي بعدي بأن تتشفعوا
* * *
وأنشدنا أبو عبد الله قال: أنشدني أبو منصور: محمد بن عبد الله الفقيه لبعض أئمة الشافعيين في ذكر الشافعي ومناقبه:
ألا أيها الساري وراحل ليلة ومعمل أنضاء النواجي الطلائح
_________________
(١) طبقات الشافعية ٢/ ١٣٥.
(٢) من ح.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
وطالب أحكام الكتاب وعلمه وحكم رسول الله أفضل فاتح
عرفت صنوف العلم في كل مذهب وما قاله المفتون في المتنازح
من الفقه والسهل القريب فنظموا من القول صفوه بتهذيب مانح (١)
فلم أرَ مثل الشافعي وقوله لباغي صنوف العلم جمّ المفاتح
أدل على حق وإزهاق باطل ونبذ مقال الزيغ أسوا المطارح (٢)
وأشفى وأكفى في بيان وحجة وأهدى إلى نهج من السُّبْل لائح (٣)
وأقوم منه مصدرا ومَواردا وألحق فرعا بالأصول اللوائح (٤)
فدونك قولَ الشافعي وعلمَه فأسر إليه بين غاد ورائح
* * *
أنشدنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: قرأت في كتاب أبي عبد الله: محمد ابن محمد بن عبيد الله المذكر (٥) الجرجاني لعلي بن محمد بن النضر الجرشي في فضل الشافعي، ﵀:
تيمَّمْت حوض الشافعي محمد فصادفته ملآن يطفح مفعما
وذقت حياض العلم حين اقتربتها فيممت أهناهن فيمن تيمَّما (٦)
وصادفت مُرَّا حوض قوم فعفته وحق لعمري أن يعاف يوخما (٧)
_________________
(١) في ح: «نافح).
(٢) في ح: « وأزهق باطل».
(٣) في ح: « من بيان».
(٤) في ا: «وللحق ».
(٥) في ح: «المزكي».
(٦) في ا: «أياهن».
(٧) في ا: «تعاف ويوجما».
[ ٢ / ٣٦٣ ]
به جدد الرحمن أحكام أحمد وقد كانت الأحكام في الدين طُسَّما (١)
* * *
أنشدنا أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم بن عبدان الرماني قال:
أنشدنا أبو الفتح: علي بن محمد الكاتب البستي لنفسه:
الشافعي أجَلُّ الناس منزلة وأعظم الناس في دين الهدى أثرا
العدل سيرته والصدق شيمته والسحر منظومُه والدّرّ إن نثرا
فقل لمن باعه وابتاع حاسده أراك بعت بخوص النخلة الكَثَرا
وأنشدنا الإمام شيخ الإسلام أبو عثمان، ﵀، قال: أنشدنا أبو الفتح. فذكر هذه الأبيات، غير أنه أتى في البيت الثالث بلفظ آخر والمعنى واحد.
* * *
أنشدنا أبو عبد الله الحافظ قال: أنشدني بعض إخواني لبعض أئمتنا في نسب الشافعي، ﵀:
محمد هاشميّ الأصل نَبْعته (٢) من دوحة قصرت عن فروعها الشجرُ
لها يمين بذي البطحاء مفرسها حيث الحجيج توفى نحوها زُمَرُ (٣)
في بلدة حول بيت الله سَاكَنها إلى الرسول كرامٌ أنْجمٌ زُهُرُ
غصن تشعب من أفنان أيكنهم فليس في عودهم وصْم ولا خَوَرُ
_________________
(١) في اللسان ١٥/ ٣٥٥: طسم الشيءُ والطريقُ، وطمس: درس.
(٢) في ا: «مبعثه».
(٣) في ح: «العالمين بذي البطحاء » وفي ا: « مغربها».
[ ٢ / ٣٦٤ ]
مفضلون بإنذار وتذكرةٍ لما استخصتهم الآيات والنذرُ (١)
وذكرهم شرف بالذكر متصل بفضلهم نطق القرآن والسور
والله في سهم ذي القربى تَخيّرهم فهم بذلك أنجابٌ وهم طُهُر
مطهرون هُداةٌ سادة نُجُبُ تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا
فكان منهم إذا عُدّت مَنَاسِبُهُ والأصل إن طاب طاب الفرع والثمر
فخرًا له إذ رسول الله جوهرة وجوهر الرسْل قِدْمًا ليس يَنْستر
* * *
حدثنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو جعفر: محمد بن إبراهيم الفقيه الجرجاني - وكان من العلماء المبرزين - على باب أبي العباس الأصم، وأملاه علينا في سنة سبع (٢) وثلاثين وثلثمائة قال:
أنشدنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد لنفسه في مدح الشافعي، ﵁ وأرضاه:
بمُلْتفَتَيْه للمشيب طوالع ذوائد عن ورد النَّصَابي روادعُ
يُصرِّفْنَه طوع العنان وربما دعاه الصّبا فاقتاده وهو طائع
ومن لم يزعْه لُبّه وحياؤه فليس له من شيب فَوْديه وازع
هل النافر المدعوّ للحظ راجع أو النصح مقبول أو الوعظ نافع؟
أن الهَمِكُ المهموم بالجمع عالم بأن الذي يُوعَى من المال ضائع (٣)؟
_________________
(١) في ا: «مفضلون بابدان. . .».
(٢) في ح: «تسع».
(٣) الهمك: المنهمك في الأمر الجاد فيه.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
وإن قصاراه على فرط ظنه فرق الذي أضحى له وهو جامع
ويخمل ذكر المرء ذي المال بعده ولكن جمع العلم للمرء رافع
ألم تر آثار ابن إدريس بعده دَلائِلُها في المشكلات لوامع؟!
معالم يفنى الدهر وهي خوالد وتنْخفض الأعلام وهي روافع
مناهج فيها للهدى متصرَّفٌ موارد فيها للرشاد شرائع
ظواهرها حكم ومستنبطاتها لما حكم التفريق فيه جوامع
لرأي ابن إدريس ابن عم محمد ضياءٌ إذا ما أظلم الخطبُ صادع
إذا المعضلات المشكلات تشابهت سما منه نور في دجاهن ساطع
أبى الله إلا رفعه وعلوه وليس لما يُعليه ذُو العرش واضع
توخّى الهدى واستنفذتْهُ يد التقى من الزيغ إنّ الزيغ للمرء صارع
ولاذ بآثار النبي فحكمه كَحُكْم رسول الله في الناس شائع
وعوَّل في أحكامه وقضائه على ما قضى التنزيل والحق ناصع
بطئ عند الرأي المخوف التباسه إليه غذا لم يُخش لَبْسٌ مُسارع
وأنشا له منشيه من خير معدن خلائقَ هن الزهرات البوارع (١)
تسربل بالتقوى وأُيّد ناشئا وخُضّ بُلبّ الكَهْل مُذْ هُو يافع
وهذّب حتى لم تُشِر بفضيلة إذا التُمِسَت إلا إليه الأصابعُ
فمن يكُ علم الشافعي إمامَه فمرتعه في ساحة العلم واسع
سلام على قبر تضمن جسمه وجادت عليه المدجنات الهوامع
_________________
(١) في تاريخ بغداد: «الباهرات البوارع»
[ ٢ / ٣٦٦ ]
لئن فجعتني الحادثات بشخصه وهن بما حكمن فينا فواجع
فأحكامه فينا بدور زواهر وآثاره فينا نجوم طوالع (١)
* * *
أنشدنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أنشدنا عبد الله بن موسى البغدادي قال: أنشدني «منصور بن إسماعيل الفقيه» (٢) لنفسه في الشافعي، رحمة الله عليه:
إني أُمِرت بنصح المسلمين فمِن نُصْحي لهم واتباعي ما أمرت به
أمري لهم باتباع الشافعيِّ فقد أتاهمُ ببيانُ غير مشتبه
إياه فاتبعوا تتلون متبعا كفاكُمُ طلبا ما كان من طلبه
مثل الرسالة لم يأتِ بها أحد إن الرسالة يا هذا لمن عجبه
فذكر أبياتا ثم قال:
أكرم به رجلا ما مثله رجل مشارك لرسول الله في نسبه
أضحى بمصر دفينا في مقطَّمها نعم المقطَّم والمدفون في تربه
صلى علبه إله الخلق كلهم والأكرمون ومن صلى النبيُّ به
* * *
_________________
(١) بعد هذا في هامش ا: «آخر الجزء السابع عشر من أصله». وراجع في الأبيات المذكورة تاريخ بغداد ٢/ ٧٠ - ٧١، وديوان ابن دريد الأزدي ص ٧٧ - ٧٨، وتوالي التأسيس ٨٥.
(٢) أديب شاعر ضرير، فقيه شافعي، له في الفقه مصنفات، توفى سنة ٣٠٦، وترجمته في طبقات العبادي ٦٤، وطبقات الشيرازي ٨٨، والمغرب في حلى المغرب لابن سعيد: القسم الخاص بمصر ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣، ومعجم الأدباء ١٩/ ١٨٥ - ١٨٩، وطبقات الشافعية ٣/ ٤٧٨، وشذرات الذهب ٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠، والمنتظم ٦/ ١٩٢، والبداية والنهاية ١١/ ١٣٠.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
قلت: وللعلماء والعقلاء والشعراء من أهل السنة والجماعة في مرثية الشافعي ومناقبه أبيات كثيرة، وأقاويل منثورة، لم يحتمل هذا الكتاب أكثر مما أوردته مخافة التطويل. وفيما ذكرته كفاية لمن رزق التوفيق.
* * *
والله نسأل وإليه نرغب في الحاقنا بمن مضى من أسلافنا من أئمة المسلمين، والجمع بيننا وبينهم في الجنة في ظل طوبى، ومستراح العابدين، بفضله ورحمته، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة على رسوله محمد وآله أجمعين. وحسبنا الله ونعم الوكيل. (١) آخر المناقب.
وقد جَمَعتُ أقاويلَ الشافعي، ﵀، في «أحكام القرآن وتفسيره» في جزءين (٢).
وبينت «خطأ من أخطأ على الشافعي في الحديث» في جزءين
وذكرت الجواب عن قول من انتقد على الشافعي، ﵀.
وله حكايات لم يتفق إخراجها في «كتاب المناقب» وأخرجتها في جزء. والله يغفر لنا وله بفضله وجُوده (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد النبي، وعلى آله وسلم.
* * *
_________________
(١) هذا آخر نسخة هـ.
(٢) في ح: في جزء من أجزاء، وفي ا: في جزءين أجزاء.
(٣) في هامش ح: بلغ مقابلة في المجلس التاسع والعشرين في شعبان عام ثلاثة وسبعين وثمانمائة بالمسجد الحرام على غير أصل. وفي خاتمة ح ما يلي: تم الكتاب بعون الله الملك الوهاب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أبادا إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين، وذلك عصر. الجمعة الثالث من شهر ربيع الآخر، أحد شهور سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة على يد العبد الفقي الحقير المعترف بكثرة الخطايا وشدة التقصير، الراجي عفو الله القوي: معمر بن يحيى بن أبي الخير بن عبد القوي المكي المالكي، لطف الله به وبالمسلمين. غفر الإله ذنوب هذا الساطر وذنوب قارئه معا والناظر
[ ٢ / ٣٦٨ ]