* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا أبو إسحاق: إبراهيم بن محمود، حدثنا محمد بن إدريس، وَرَّاق الحُمَيدي، قال: سمعت الحُمَيْدي، يقول:
قال محمد بن إدريس الشافعي، ﵁: كنت يتيما في حِجْرِ أمي، فدفعتني (١) إلى الكتاب، ولم يكن عندها تُعْطِي المعلمَ، وكان المعلمُ قد رضى مني أن أَخلُفَهُ إذا قام. فلما جَمَعْتُ القرآن دخلت المسجد، فكنت أجالس العلماء. وكنت أسمع الحديث والمسألة فأحفظها (٢). فلم يكن عند أمي ما تعطيني أشتري (٣) به القراطيس، فكنت أنظر إلى العظم فآخذه فأكتب فيه، فإذا امتلأ طَرحْتُه في جَرَّة، فاجتمع عندي حُبَّان (٤). وذكر باقي الحديث (٥).
_________________
(١) في ح: «فدعتني».
(٢) في ح: «وأحفظها ولم».
(٣) في ح: «فاشتري».
(٤) الحبان: تثنية حُبّ، وهو الجرة الضخمة، والجمع أحباب، وحِبَيبَة وحِباب. راجع اللسان ١/ ٢٨٧.
(٥) راجع حلية الأولياء ٩/ ٧٣، وآداب الشافعي وهاشمه ص ٢٣ - ٢٤.
[ ١ / ٩٢ ]
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو الوليد، حدثنا إبراهيم بن محمود، قال: سمعت الربيع يحدث (١): أن الشافعي، ﵁، قال:
لم يكن لي مال، فكنت أطلب الحديث في الحداثة، فكنت أذهب إلى الدِّيوان أَسْتَوْهِبُ الظُّهُورَ فأكتب فيها (٢).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني عبد الله بن محمد بن حيان، حدثنا أبو جعفر: محمد بن عبد الرحمن، قال: سمعت الحسن – يعني ابن الأشعث – يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، يقول:
سمعت الشافعي، ﵀، يقول:
كان حَظَارُنا (٣) يسمَى كرانيفَ (٤) النَّخَل. يعني أنا كنا نعطي معلمنا كَرَانِيفَ النخل.
أخبرنا أبو عبد الرحمن (٥) السلمي، حدثنا محمد بن علي بن طلحة المرْوَرُذي (٦) حدثنا أبو سعيد: أحمد بن علي الأصبهاني، حدثنا زكريا بنُ يَحْيى الساجي، قال: حدثني ابن بنت الشافعي، ﵀، قال:
_________________
(١) ليست في ا.
(٢) راجع حلية الأولياء ٩/ ٧٧، وتاريخ بغداد ٢/ ٥٩، وتوالي التأسيس ص ٥٠.
(٣) الحظار. حائط النخل.
(٤) الكرانيف. جمع كرناف أو كرنوفة، وهي أصل السعفة الغليظ الملتزق بجذع النخلة. وقيل. الكرانيف أصول السعف الغلاظ العارض التي إذا يبست صارت مثل الأكتاف راجع اللسان ١١/ ٢٠٧.
(٥) في ا: «أبو عبد الله».
(٦) في ا: «المروذي».
[ ١ / ٩٣ ]
مات أبو الشافعي عنه وهو صغير خارج عن مكة، وكان قليل ذات اليد، فخرج جدي إليه أبو أبي (١)، فحمله وحمل أمه إلى مكة من عسقلان. زاد فيه غيره (٢): قال أبو يحي، وقال أبو العلاء: حُدِّثت أنّه لما أُسْلِمَ الى الكتّاب جعل يتعلم، فإذا فرغ من درسه علَّم صبيان الكتاب (٣)، فنظر المعلم فإذا (٤) ما يكفيه من (٥) أمر الصبيان وينفعه أكثر من أجرته، فلم يأخذ من أمه أجرًا. فلم يزل على ذلك حتى حَذقَ.
وقرأت في كتاب أبي الحسن (٦): محمد بن الحسين بن إبراهيم الآبري العاصمي، سماعه (٧) من أبي إسحاق: ابراهيم بن محمد الرَّقِّي، يحكى عن زكريا ابن يحيى البصري، ويحيى بن زكريا بن حيويه (٨) النيسابوري، كلاهما عن الربيع بن سليمان، وأحدهما يزيد على الآخر. قال الربيع: سمعت الشافعي، يقول:
كنت وأنا في الكتاب أسمع المعلم يلقِّن الصبيَّ الآية فأحفظها أنا. ولقد كان الصبيان يكتبون إملاءهم (٩)، فإلى أن يَفْرغَ المعلم من الإملاء عليهم كنت قد حفظت جميع ما أملى. فقال لي ذات يوم: ما يحل لي أن آخذ منك شيئًا. قال:
_________________
(١) في هـ. «أبو أمي».
(٢) راجع توالي التأسيس ص ٥٠.
(٣) ليست في ا.
(٤) في ح وهـ: «وإذا».
(٥) ليست في ا.
(٦) في ا: «الحسين» وهو خطأ؛ راجع الأنساب للسمعاني ١/ ٦٣.
(٧) في ح: «بسماعة».
(٨) في ا: «حسربة» وهو خطأ.
(٩) في ا: «آيتهم» وفي ح. «أمليتهم».
[ ١ / ٩٤ ]
ثم لما أن (١) خرجت من الكتاب كنت ألتقط الخَزَفَ، والرُّقُوق (٢)، وَكَرَبَ (٣) النَّخْل، وأكْتَاف الجمال، أكتب فيها الحديث، وأجئ إلى الدَّواوين، وأَسْتَوْهِبُ (٤) منها الظُّهُورَ، فأكتب فيها، حتى كان (٥) لأُمي حُبّان (٦)، فملأتهما أكتافًا، وخَزَفًا، وكَرَبًا، مملوءةً حديثًا.
ثم ذكر خروجه إلى البادية، وتعلمه كلام هذيل. ثم ذكر ما قال له الزُّبَيْرِيّ في الاشتغال بالفقه، ثم ذكر خروجه إلى مالك، ثم خروجه إلى اليمن؛ على ما نذكره، إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) ليست في ا.
(٢) الرقوق. جمع رَقّ وهو جلد رقيق يكتب فيه. راجع اللسان ١١/ ٤١٤.
(٣) قال الأصمعي: أصول السعف الغلاظ: هي الكرانيف، والعريضة التي تيبس فتصير مثل الكنف: هي الكَرَبة، وفي المحكم: الكَرَب: أصول السعف الغلاظ العراض التي تيبس فتصير مثل الكنف، واحدتها كرَبة. راجع اللسان ٢/ ٢٠٨.
(٤) في ا: «فأستوهب».
(٥) في ح: «كانت».
(٦) في ح: «حباب».
[ ١ / ٩٥ ]
باب