* * *
سمعت أبا عبد الله الحافظ، يقول: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول:
قال الشافعي، ﵁: جئت مالك بن أنس وقد حفظت المُوَطَّأَ ظاهرًا، فقال لي: اطْلُب من يقرأ لك. فقلت: لا عليك أن تسمَعَ قِراءتي، فإن خَفَّت عليك قَرأتُ لنفسي. قال: فلما سمع قراءتي قرأت لنفسي (١).
وسمعت أبا عبد الرحمن السُّلَمي، يقول: سمعت محمد بن أحمد ابن حمدان (٢)، يقول: سمعت محمد بن إسحاق، يقول: سمعت محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم، يقول:
سمعت الشافعي، يقول: حفظت الموطَّأ قبل أن آتيَ مالكَ بن أنس، فلما
_________________
(١) راجع في هذا وفيما بعده حلية الأولياء ٩/ ٦٩، وتوالي التأسيس ص ٥١، وآداب الشافعي وهامشه ص ٢٧ - ٢٨.
(٢) في ح: «حمران».
[ ١ / ١٠٠ ]
أتيته قال لي: اطلب مَنْ يقرأ لك. فقلت: لا عليك أن تسمع قراءتي، فإن أعجبتك قراءتي، وإلا طَلَبْتُ مَنْ يَقْرأ لي. فقال لي: هات، فلما قرأت أعْجَبَتْه قراءتي، فقرأتُ عليه.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا بكر: محمد بن أحمد ابن بَالَوْيه، يقول: سمعت عبد الملك بن محمد الفقيه، يقول: حدثني علاّن ابن المغيرة.
وأخبرنا محمد بن الحسين السلمي، حدثنا أبو الحسن: أحمد بن محمد بن الحسن ابن قَحْطَبَة المَرْوَزِيّ، أنبأنا عبد الملك بن محمد بن عدي، قال: سمعت علي بن عبد الرحمن بن المغيرة: علان (١) المصري، قال: سمعت حرملة، يقول: سمعت الشافعي، يقول:
أتيت مالك بن أنس وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، وكان ابن عم لي والي المدينة، فكلَّم لي مالكا، فأتيته لأقرأ عليه، فقال: اطلب من يقرأ لك. فقلت أنا أقرأ. قال: فقرأت عليه، وكان ربما قال لي لشيء قد مر: أعد حديث كذا. فأعيد حفظًا، فكأنه أعجبه، ثم سألته عن مسألة، فأجابني، ثم أخرى، ثم أخرى، فقال: أنت يجب أن تكون قاضيًا.
أخبرنا أبو عبد الله بن أبي الحسن الصوفي، أخبرنا عبد الله بن على السَّرَّاج
_________________
(١) في ا: «ابن علان» وهو خطأ. فإن علي بن عبد الرحمن بن المغيرة هو المعروف بعلان، كما صرح به ابن حجر في توالي التأسيس، حيث أورد الخبر في ص ٥٠.
[ ١ / ١٠١ ]
الطوسي، قال: سمعت أبا نصر العَطَّار، يقول: قال لي الساجي، عن الربيع ابن سليمان، قال:
سمعت الشافعي، يقول: خرجت من مكة، فلزمت هُذَيْلا في البادية، أتعلم كلامها وآخذ بِلُغَتها (١)، وكانت أفصح العرب، فأقمت معهم مدة أرجل برحيلهم، وأنزل بنزولهم، فلما أن رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار، واذكر أيام الناس، فمر بي رجل من الزُّبيريّين (٢)، فقال لي: يا أبا عبد الله، عَزَّ عليَّ أن لا تكون (٣) في العلم والفقه، هذه الفصاحة والبلاغة. قلت: من بقى ممن يُقْصَدُ؟ فقال: مالك بن أنس، سيد المسلمين. قال: فوقع ذلك في قلبي، وعمدت إلى الموُطّأ فاسْتَعْرته من رجل بمكة وحفظته، ثم دخلت على والي مكة، فأخذت كتابه إلى والي المدينة، وإلى مالك بن أنس. فقدمت المدينة، فبلغت الكتاب، فلما قرأ والي المدينة الكتابَ، قال: يا بني (٤)، إن مشي من جَوْفِ المدينة إلى جوف مكة حافيًا راجلًا أهون عليَّ من المشي إلى باب مالك، فإني لست أرى الذلَّ حتى أقفَ على بابه. فقلت: إن رأى الأمير أن يوجه إليه ليحضر، فقال: هيهات، ليت أني إن ركبت أنا ومن معي وأصابنا ترابُ العقيق يَقْضِي حاجتنا. فواعدته العَصْر، وقصدنا، فتقدّم رجلٌ وقَرَعَ الباب، فخرجت إلينا جارية سوداء، فقال لها الأمير: قولي لمولاك إنَّنِي بالباب. فدخلت فأبطأت ثم خرجت، فقالت: إنّ مولاي يقول: إن كانت مسألة فارفعها إليّ في رقعة حتى يَخْرُجَ إليكَ الجوابُ، وإن كان للحديث فقد عرفت يوم المجلس (٥)
_________________
(١) في ا: «طبعها».
(٢) في ح: «الزبيريين». [أثبتت أولًا في المطبوع لفظة «الزُّهْرِيين»، ثم صححت في فهرس التصويبات ٢/ ٤٦٦ إلى: «الزبيريين» كما في ح]
(٣) في ا، ح «أن لا يكون هذا في العلم».
(٤) في ح: «يا فتى».
(٥) في ا: «الخميس».
[ ١ / ١٠٢ ]
فانصرف. فقال لها: قولي له: إن معي كتاب والي مكة في مُهمًّ. فدخلت، ثم خرجت وفي يدها كرسي، فوضعته، فإذا بمالكٍ رجل شيخ طُوَالٌ، قد خرج وعليه المهابة وهو مُتَطَيْلِسٌ. فدفع إليه الوالي الكتاب، فبلغ إلى قوله: إنّ هذا رجل شريفٌ مِنْ أمْرِه وحاله، فتحدِّثه وتفعل وتصنع. فرمى بالكتاب من يده، وقال: يا سبحان الله، قد صار عِلْمُ رسول الله، ﷺ، يؤخذ بالوسائل! قال: فرأيت الوالي - وهو يَهَابُه أن يُكلمَه - فَتَقَدَّمت إليه، فقلت: أصلحك الله، إني رجل مُطَّلِبيّ، من حالي وقِصَّتي. فلما أن سَمِعَ كلامي نظر إليَّ ساعة، وكانت لمالك فِراسة، فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: محمد. قال: يا محمد، اتَّقِ الله، واجْتَنِبِ المعاصي؛ فإنه سيكون لك شأن من الشَّان. فقلت: نعم وكرامة. فقال: إذَا كان غدٌ تَجِيء ويجيءُ من يقرأ لك الموطأ. فقلت: إني أقرأ ظاهرًا. قال: فغدوت إليه وابتدأت، فَكُلَّمَا تهيبت مالكا وأردتُ أن أقطع، أعْجَبَه حُسْنُ قراءتي وإعْرَابِي، يقول: يا فَتى زِدْ. حتى قرأته عليه في أيام يسيرة. ثم أقمت بالمدينة إلى أن تَوفَى مالِكُ بن أنس، ﵁ (١). ثم ذكر خُروجَه إلى اليمن.
وقرأت في كتاب أبي الحسن: محمد بن الحُسَين العاصمي بسَمَاعِهِ من أبي إسحاق: إبراهيم بن مُحَمّد بن المولد الرَّقِّي، يحكى عن زكريا بن يَحْيى
_________________
(١) راجع القصة في المناقب للفخر ص ٩ - ١٠، وهي مختصرة في الحلية ٩/ ٦٩ وتوالي التأسيس ص ٥١، وآداب الشافعي وهامشه ص ٢٧ - ٢٨.
[ ١ / ١٠٣ ]
البصري، يَحْيى بن زكريا حيَّويه النَّيْسَابُوري – كلاهما عن الربيع بن سليمان – هذه الحكاية.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم المؤذّن، قال: سمعت أبا حاتم: الحسن بن أحمد الفقيه، يقول:
قال مالك بن أنس للشافعي، ﵄: إن الله، ﷿، قد أَلْقَى على قلبك نورًا فلا تطفئه بالمعصية.
[ ١ / ١٠٤ ]