* * *
سمعت أبا عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي، يقول: سمعت أبا الوليد: حسان بن محمد، الفقيه، يقول: سمعت إبراهيم بن محمود، يقول:
سمعت الزعفراني، يقول: قدم الشافعي؛ ﵁، سنة خمس وتسعين إلى بغداد، وخرج بعد ذلك إلى مكة، ثم رجع فأَقام أشهرًا، ثم خرج إلى مصر، فمات بها سنة أربع ومائتين.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو الطيب: عبد الله بن محمد القاضي، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا أحمد بن روح، قال:
حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: قدم علينا الشافعي - يعني بغداد - سنة خمس وتسعين ومائة، فأَقام عندنا سنتين، ثم خرج إلى مكة، ثم قدم علينا سنة ثمان وتسعين، فأقام عندنا أشهرًا، ثم خرج. وكان يخضب بالحناء. وكان خفيف العارضين.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو الطيب عبد الله بن محمد، القاضي، قال: حدثنا أبو جعفر - يعني ابن عبد الرحمن الحافظ، قال: سمعت
[ ١ / ٢٢٠ ]
أبا العباس - يعني المَسْرُوقِي - يقول:
سمعت أبا ثور يقول (١: قدم علينا الشافعي، فذهبت إليه أنا وحسين الكَرَابِيسِي، فألقى عليه حسين: ما تقول ١) في رجل اشترى بيضًا فخرج في أحدها فروجة؟ فنظر إلينا فقال: لا تخلطوا السلام بغيره. قال أبو ثور: فأراد منا أن نعرف موضعه. فنظرنا من الغد إليه بحال هِبْنَاهُ منه.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسين (٢) قال: أخبرنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد الحنظلي - قال: أخبرني أبو عثمان الخوارزمي في كتابه، قال: حدثنا أبو عبد الله النَّسَوِيّ، عن أبي ثور، قال:
لما ورد الشافعي، ﵁، العراق، جاءني حسين الكرابيسي، وكان يختلف معي إلى أصحاب الرأي، فقال: قد ورد رجل من أصحاب الحديث يَتَفَقَّه، فقم بنا نسخر به. فقام وذهبنا حتى دخلنا عليه، فسأله الحسين عن مسألة، فلم يزل الشافعي يقول: قال الله ﷿، وقال رسول الله، ﷺ، حتى أظلم علينا البيت. فتركنا بدعتنا واتبعناه (٣).
أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله، قال: أخبرني محمد بن يوسف الدَّقيقي، قال: حدثنا علي بن الحسين بن عثمان الورّاق، قال: حدثنا محمد بن علي العمري، قال: حدثنا أبو بكر بن الجُنَيْد، قال:
سمعت «أبا ثور: إبراهيم بن خالد» يقول: لولا أن الله، ﷿، مَنَّ
_________________
(١) ما بين الرقمين ساقط من هـ.
(٢) في هـ: «أبي الحسن».
(٣) حلية الأولياء ٩/ ١٠٣.
[ ١ / ٢٢١ ]
عليّ بالشافعي للقيت الله وأنا ضال. قدم علينا، ﵁، وأنا أظن أن الله تعالى، لم يعبده أحد بغير مذهب الرأي. قيل لي: يا أبا ثور، قد قدم مدينة السلام (١) رجل قرشي من ولد عبد مناف، ينصر مذهب أهل المدينة، فقلت: ولأهل المدينة مذهب ينصر؟ قوموا بنا اذهبوا بنا إليه نسمع ما يقول. فقمت مع أصحابي، فنظرت إليه فإذا هو شاب (٢) وإذا له لسان لَدَّاغ، فسمعته يقول: قال الله، ﷿، في خبر خاص يريد به عامًا. وقال في خبر عام يريد به خاصًا. قلت: رحمك الله، وما الخاص الذي يريد به العام؟ وما العام الذي يريد به الخاص؟ [(٣ وكنا لا نعرف الخاص من العام، ولا العام من الخاص ٣)] فقال ببيانه (٤) قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ (٥)﴾ إنما أراد به أبا سفيان.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ (٦)﴾ فهذا خاص يريد به العام.
قال أبو ثور: وأورد على مثل هذا. فقلت لأصحابي: إن نقض عليكم أحد أمرنا فهذا ينقضه بلسانه وبيانه. ثم قلت لأصحابي أرْبَعُوا حتى أسأله عن مسألة ما أتوهم أنه يجيبني عنها. قالوا: سله. قلت له: رحمك الله، مسألة واقعة. قال: هات. قلت: رجل اشترى من رجل بيضتين إحداهما بدانق، والأخرى
_________________
(١) في هـ: «مدينة الإسلام».
(٢) في ا: «فاذا هو سناط» وفي هـ «فاذا هو شابًا».
(٣) ما بين الرقمين ساقط من هـ.
(٤) في هـ: «بلسانه»
(٥) سورة آل عمران ١٧٣
(٦) سورة الطلاق: ١
[ ١ / ٢٢٢ ]
بنصف دانق. انكسرت إحداهما في يده فإذا هي فاسدة، لا بدرى التي انكسرت هي التي بدانق، أو التي بنصف دانق، ما الحكم فيه.
فقال له الشافعي: تأمره (١) أن يدعى. قال أبو ثور: فلما سمعت منه هذا قلت: لمن كان بجنبي من أصحابي: هذا رجل ينقض هذا الكتاب بعينه بلا شك. فقلت: رحمك الله، إنه لا يدري. قال: فدعه حتى يدري. نحن حكام أو معلِّمون؟!
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أخبرنا الحسن بن رشيق، إجازة، قال: أخبرنا زكريا بن يحيى. قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: سمعت «الحسين بن علي» يقول:
قدم علينا الشافعي، ﵁، ونحن ثيران، فما مرت علينا سنة إلا وكل واحد منا يحتاج إلى زاوية يُجَالَسُ فيها
وأخبرنا أبو عبد الرحمن، قال: أخبرنا الحسن، إجازة، قال: ذكر زكريا بن يحيى، قال:
قال أبو ثور: قلت للشافعي، رضي الله تعالى عنه: إني ناظرت رجلا من أصحاب «أبي فلان» فقطعته، فقال: وتفرح أن قطعت رجلا من أصحاب «أبي فلان» إنما تجتري (٢) على الجَرْحَي. كذا في كتابي.
_________________
(١) سقطت من هـ.
(٢) في هـ: «إنما نجير» وفي هـ «وإنما تجير».
[ ١ / ٢٢٣ ]
وقرأت في كتاب زكريا بن يحيى السّاجِي، قال: حدثنا أبو القاسم: عثمان ابن سعيد الأحول، قال: سمعت أبا ثور. فذكره.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، قال: أخبرنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد - قال: أخبرني أبو عثمان الخوارزمي، نزيل مكة، فيما كتب إليّ قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الدينوري، قال:
سمعت أحمد بن حنبل، ﵀، يقول: كانت أَقْفِيَتُنَا أصحابَ الحديث في أيدي أصحاب أبي حنيفة، ما تنزع، حتى رأينا الشافعي، وكان أفقه الناس في كتاب الله وسنة رسول الله، ﷺ، ما كان يكفيه (١).
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أخبرنا عبد الله بن سعيد بن عبد الرحمن السّبْتِي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي، قال: حدثنا محمد بن زفر (٢)، عن علي ابن حسان، عن الحُمَيْدِي، قال: أخبرني رجل من إخواننا، من أهل بغداد، قال:
قال أحمد بن حنبل: قدم علينا «نعيم بن حماد» فحضّنا على طلب المسند، فلما قدم «الشافعي» وضعنا على المَحَجَّة البيضاء (٣)
_________________
(١) في حلية الأولياء ٩/ ٩٨: «ما كان يكفيه قليل الطلب في الحديث».
(٢) سقطت من هـ.
(٣) حلية الأولياء ٩/ ١٠١.
[ ١ / ٢٢٤ ]
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: وفيما كتب إليّ أبو سعيد الأعرابي، يذكر أنه سمع «الحسن بن محمد الزعفراني» يقول:
كان أصحاب الحديث رقودًا حتى أيقظهم الشافعي، ﵁.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، فيما بلغه عن محمد بن عبد الله، قال:
قال «إبراهيم الحَرْبِي» رحمه الله تعالى: قدم الشافعي بغداد، وفي المسجد الجامع الغربي عشرون حلقة لأصحاب الرأي، فلما كان في الجمعة الثانية لم يثبت منها إلا ثلاث حلق أو أربع حلق (١).
أخبرنا محمد بن الحسين السلمي، قال: أخبرنا محمد بن علي بن طلحة المروروذي (٢)، قال: حدثنا أحمد بن علي الأصبهاني، قال: حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، قال.
سمعت «الزعفراني» يقول: قدم الشافعي، ﵁، فاجتمعنا، فقال: التمسوا من يقرأ لكم، فلم يختر غيري. وما كان في وجهي شعرة، وإني لأتعجب من انطلاق لساني وجَسَارَتي بين يديه. فقرأت الكتب كلّها إلا كتابين قرأهما هو: «المناسك» و«الصلاة». ولقد كتبناها وإنّا نحسب أنا في العبث وما يحصل في أيدينا منها شيء. ولا نصدِّق بأنه يكون آخر أمرها إلى (٣) هذا؛ لأنه قد كان غلب علينا قول الكوفيين.
_________________
(١) راجع قول أبي الفضل الزجاج في ذلك، في تاريخ بغداد ٢/ ٦٨
(٢) في هـ: «الروزوذي».
(٣) في هـ: «إلا هذا». [م - ١٥] مناقب
[ ١ / ٢٢٥ ]
قال: وسمعت الزعفراني، يقول:
إني لأقرأ كتب الشافعي وتُقْرَأُ عليّ منذ خمسين سنة.
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي، عن الزبير بن عبد الواحد، عن أبي عثمان: سعيد بن عبد الله البغدادي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قال أبي:
لما قدم الشافعي علينا أخذت بيد «إسحاق بن راهويه»، فصرنا إلى «الزَّعْفَرَانِي» فقلنا: قد قدم هذا الرجل، ونحتاج أن نسمع منه هذه الكتب، وأنت أفصح بها منا، فتقرأها لنا عليه. قال: فقرأتها، وكانت للزعفراني «قراءةً» ولنا «عَرْضًا».
وبلغني عن أبي حامد المروروذي: أن «أبا علي الزعفراني» كان من أهل (١) اللغة.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أخبرنا الحسن بن رشيق، إجازة، قال: ذكر زكريا بن يحيى الساجي، قال:
قال «حسين بن علي»: ما رأيت مجلسًا قط أنبل من مجلس الشافعي، كان يحضره أهل الحديث، وأهل الفقه، وأهل (٢) الشعر. وكان يأتيه كبراء أهل الفقه والشعر (٣) فكلٌّ يتعلّم منه ويستفيد.
أخبرنا محمد بن الحسين، قال: أخبرنا الحسن بن رشيق، إجازة، قال:
_________________
(١) سقطت من هـ.
(٢) آخر الزيادة من ح.
(٣) في ح «وأهل الشعر».
[ ١ / ٢٢٦ ]
حدثنا محمد بن إبراهيم الأَنْمَاطِي، قال:
حدثنا «الحسن بن محمد الزَّعْفَرَانِي»، قال:
ما ذهبت إلى الشافعي إلا وجدت «أحمد بن حنبل» في مجلسه. وكان أحمد ألزم للشافعي منا.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: حدثنا محمد بن علي بن طلحة، قال: حدثنا أحمد بن علي الأصبهاني، قال: حدثنا زكريا السَّاجي، قال: حدثني محمد بن إسماعيل، قال:
سمعت الحسين بن علي، يقول: رأيت «أحمد بن حنبل» مُغَطَّى الرأس عند الشافعي. زاد فيه غيره: قال (١): وكذلك كان أحمد بن حنبل يدور على الفقهاء مُغَطَّى الرأس.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن إدريس، قال: حدثنا إبراهيم ابن يوسف، قال:
سمعت الحسن بن محمد (٢) بن الصبّاح، يقول: قال لي «أحمد بن حنبل»: إذا رأيت الشافعي قد خلا فأَعْلِمْني. فكان يجيئُه ارتفاعَ النهار فيبقى معه.
قال أبو محمد: للأُنس بينهما (٣).
وبلغني عن أبي حامد المروروذي من أصحابنا أنه ذكر بإسناد له: أن الشافعي لما قدم بغداد نزل درب الزّعفراني على الحسن بن محمد بن الصباح
_________________
(١) ليست في هـ.
(٢) ليست في هـ.
(٣) آداب الشافعي ٨٠ - ٨١
[ ١ / ٢٢٧ ]
الزعفراني، وكان فتى أديبًا متصلا بالسلطان. وكان درب الزعفراني له، ودروب كثيرة. وكان الشافعي (١) يُعَرِّفه عورات مذهب الكوفيين، حتى استجاب له، وسمع منه كتبه، وصار داعية للشافعي، رحمة الله عليه.
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمي، قال: أخبرنا عبد الله السبتي، قال: حدثنا أحمد بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الرازي، بدمشق، قال: حدثنا علي بن محمد بن أبي حسّان الزيادي، قال: حدثنا أبي، قال:
لما قدم [علينا (٢)] الشافعي العراق قال: على من أَنْزِل؟ قيل له: انزل على أبي حسّان الزِّيَادِي. قال: فنزل على أبي (٣)، فأقام عنده سنة في أَنْعَمِ حال، فلما كان بعد سنة استأذنه في الخروج إلى المدينة. فوجه أبي: أبو حسان إلى ستة من إخوانه: ست رِقَاع، فما رجعت (٤) له رقعة (٥) مع خادم لنا يقال له مارد صقلبي (٦) - إلا ومع كل رقعة ألف دينار، فتركها بين يدي الشافعي. قال: فبكى أبي. فقال له الشافعي: فما (٧) يبكيك يا أبا حسان، أصلحك الله؟ فقال: ما كنت أقدر أن أكتب إلى أخ من إخواني في أخ مثلك ينزل عليّ في شرفك ومَنْصِبِكَ فيوجِّه إليّ بألف دينار. ثم قال: لا يزال الناس في تناقص من إخوانِهم (٨) وأفعالهم. ثم قال: إذا شئت يا أبا عبد الله. قال: فأخذ الدنانير وخرج من عنده إلى المدينة.
_________________
(١) آداب الشافعي ومناقبه ٨٠ - ٨١
(٢) من ح.
(٣) في هـ: «فنزل عليه».
(٤) في ا: «وقعت».
(٥) سقطت من هـ.
(٦) في هـ: «صقلي» وليست في ا.
(٧) في هـ: «ما يبكيك».
(٨) في ا: «من أحوالهم».
[ ١ / ٢٢٨ ]
وفيما روى حمزة بن يوسف الجُرْجَاني، عن أبيه، عن أبي نعيم، عن محمد ابن عبد الله بن سليمان بن أبي بكر، عن الربيع بن سليمان:
عن الشافعي، قال: لما قدمتُ بغداد نزلت على «بشر المريسي» فأنزلني في العلو وهو في السفل إكرامًا منه لي، فكنت (١) عنده مدّة، فقالت أمه لي (٢) ذات يوم: إيش تصنع عند هذا (٣) الزّنديق؟ فخرجتُ من عنده وتركتُه.
وكانت له قَدَمَات، ولا أدري في أي قَدْمَةٍ كان نزوله على هذا، وعلى أبي حسّان، وعلى الزّعفراني.
_________________
(١) في ا: «فمكثت».
(٢) ليست في ا.
(٣) ليست في هـ.
[ ١ / ٢٢٩ ]
باب