* * *
أخبرنا أبو سعد: أحمد المَالِينِي، قال: حدثنا أبو أحمد: عبد الله بن عدي، قال: سمعت أحمد بن علي المدائني، يقول: حدثنا يحيى (٢) بن عثمان، قال:
سمعت «حَرْمَلَة» يقول: قدم علينا «الشافعي» سنة تسع وتسعين ومائة، ومات سنة أربع ومائتين عندنا بمصر.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: قال: أنبأني أبو عمرو بن السَّمَّاك، شِفَاهًا (٣): أن أبا سعيد الجصَّاص حدثني، قال:
حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الزّجّاج - وكان يجالس الربيع بن سليمان -[عن الربيع بن سليمان (٤)] قال: رأيت (٥) «الشافعي» ﵀، بنصيبين، قبل أن يدخل مصر، فلم أره آكِلًا بنهارٍ، ولا نائمًا بليل، وكانت له جارية سوداء تخدمه، وكان يعمل الباب (٦) من العلم، ثم يقول: يا جارية قومي إلى القَدَّاح، فتقوم فَتُسْرِجُ له، فيكتب ما يحتاج أن يكتبه ويرسمه في موضعه، ثم يطفئ
_________________
(١) من ح.
(٢) في ح: «علي».
(٣) ليست في ح.
(٤) ما بين القوسين سقط من ا.
(٥) في ح، هـ «لزمت».
(٦) في هـ «الكتاب».
[ ١ / ٢٣٧ ]
السراج ويستلقي على ظهره، فيعمل الباب من العلم، ثم يقول: يا جارية قومي إلى القَدّاح، فتقوم وتسرج له، فيكتب الباب من العلم ويرسمه في موضعه، ثم يطفئ السراج، فكان على هذا منه (١). فقلت: يا أبا عبد الله، لو تركت السِّرَاج يَقِد؛ فإن هذه الجارية منك في جهد؟ قال: إنّ السراج يشغل قلبي.
قال: وقال لي يومًا: كيف تركت أهل مصر؟ فقلت: تركتهم على ضربين:
فرقة منهم قد مالت إلى قول «مالك» وأخذت به، واعتمدت عليه، وذبَّت عنه وناضلت عنه.
وفرقة [قد (٢)] مالت إلى قول «أبي حنيفة» فأخذت به، وناضلت عنه. فقال: أرجو أن أقدم (٣) مصر، إن شاء الله، وآتيهم بشيء أشغلهم به عن القولين جميعًا.
قال الربيع: ففعل ذلك - والله - حين دخل مصر.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا إبراهيم ابن محمود بن حمزة، قال:
سمعت الربيع بن سليمان، يقول: قدم الشافعي محمد بن إدريس المطلبي مصر (٤) سنة مائتين، وابتدأ في هذا الكتاب، ومات سنة أربع ومائتين، وسنه (٥) خمس أو أربع وخمسون.
_________________
(١) في هـ «سنة».
(٢) من ح.
(٣) في هـ «أعبر».
(٤) في ا «بمصر».
(٥) في ح، هـ «وله».
[ ١ / ٢٣٨ ]
أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسن السلمي قال: أنبأنا عبّاس بن محمد، حدثنا محمد بن الحسين بن سعيد الزّعْفَراني، حدثنا زكريا بن يحيى السّاجي، قال:
حدثني ياسين بن عبد الواحد (١) قال:
لما قدم علينا الشافعي مصر، أتاه جَدِّي، وأنا معه، فسأله أن ينزل عليه فأبى وقال: إني أريد أن أنزل على أخْوالِي (٢) الأَزْد. فنزل عليهم.
قال أحمد: وهذا الذي فعله الشافعي، ﵀، من النزول على أخواله، فإنه (٣) قصد به متابعة السُّنَّة فيما فعل النبي، ﷺ، حين قدم المدينة من النزول على أخواله.
وهو فيما أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، قال: حدثنا عبد الله ابن جعفر، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، وعبد الله بن رجاء، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء، ﵁، عن أبي بكر الصديق، ﵁، قال:
ومضى رسول الله، ﷺ، وأنا معه، حتى قدمنا المدينة لَيْلًا: فَتَنَازَعَهُ القومُ أيهم ينزل عليه، فقال رسول الله، ﷺ:
«إني أنزل الليلة على بني النَّجَّار، أخوال عبد المطلب، أكرمهم بذلك (٤)».
أخبرنا محمد بن الحسين السلمي، قال: أنبأنا محمد بن علي بن طلحة، قال:
_________________
(١) في ح، هـ: «عبد الأحد».
(٢) في ا: «إخواني».
(٣) ليست في ح.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الزهد: باب حديث الهجرة، ويقال له: حديث الرحل ٤/ ٢٣١٠ وأحمد في المسند ١/ ١٥٤ - ١٥٦ وهو الحديث الثالث فيه. ورواه المؤلف أيضًا في دلائل النبوة من هذا الطريق حـ ٣ لوحة ١١.
[ ١ / ٢٣٩ ]
حدثنا أحمد بن علي الأصبهاني، قال: حدثنا زكريا السّاجي، قال:
سمعت هارون بن سعيد الأَيْلي، يقول: ما رأيت مثل الشافعي: قدم علينا مصر، فقالوا: قدم رجل من قريش، فجئْناه وهو يصلّي، فما رأيتُ أحسن صلاة منه، ولا أحسن وجها منه، فلما قضى صلاته تكلّم، فما رأينا أحسن كلامًا منه، فافْتَتَنَّا به.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن حيان، قال: أنبأنا محمد بن عبد الرحمن بن زياد، قال:
حدثنا أحمد بن طاهر، قال: حدثنا جدي، قال: كان الشافعي يجلس إلى هذه الإِسْطِوَانَة في المسجد - وأرانا الشيخ الإسطوانة - فُتُلْقَى له طُنفُسة فيجلس عليها، وينْحنِي لوجهه؛ لأنه كام مِسْقامًا، فيصنف. وصنّف هذه الكتب في أربع سنين.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، قال: حدثنا عبد الرحمن - يعني [ابن (١)] محمد بن إدريس - قال: حدثنا بَحْر بن نصر الخَولاَنِي، بمصر، قال:
قدم الشافعي من الحجاز فبقى بمصر أربع سنين، ووضع هذه الكتب في أربع سنين، ثم مات. وكان أقدم معه من الحجاز «كتبَ ابن عيينة»، وخرج إلى يحيى بن حسّان فكتب عنه، وأخذ كتابًا من [كتب (٢)] أَشْهَب بن عبد العزيز فيه آثار وكلام من كلام أشهب. وكان يضع الكتب
_________________
(١) سقطت من ا
(٢) من ح. وفي الأصل: كتب.
[ ١ / ٢٤٠ ]
بين يديه ويصنف الكتب، فإذا ارتفع له كتاب جاءه صديق له يقال له «ابن هرم (١)» فيكتب ويقرأ عليه البويطي، وجميع من يحضر يسمع في كتاب ابن هرم ثم ينسخونه [بعد (٢)]، وكان الربيع على حوائج الناس فربما غاب في حاجة فيعلِّم له (٣)، فإذا رجع قرأ الربيع عليه ما فاته (٤).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا عبد الله بن محمد الفقيه، قال: حدثنا أبو جعفر: محمد بن عبد الرحمن الحافظ، قال: حدثنا خَيْثَمَة بن أبي خَيْثَمَة بن عمرو بن خالد، بمصر، قال:
سمعت أبي قال: قال أبي: عمرو بن خالد (٥): جاءني الشافعي وأخذ مني كتاب موسى بن أعين: «كتاب اختلاف الأوزاعي وأبي حنيفة».
قال أحمد: هذا «كتاب في السِّيَر»، صنفه أبو حنيفة فرد عليه الأوزاعي ما خالفه فيه، ثم رد أبو يوسف على الأوزاعي ردَّه على أبي حنيفة، فأخذه الشافعي وردَّ على أبي يوسف ردَّه على الأوزاعي، ونصر الأوزاعي. وهو (٦) الكتاب الذي يعرف بِسِيَر الأوزاعي.
رواه الربيع بن سليمان المرادي عن الشافعي. وفيه من أحكام
_________________
(١) هو إبراهيم بن محمد بن هرم، قال ابن حجر في توالي التأسيس ص ٧٩: إنه روى عن الشافعي ومات قبله، وترجم له السبكي في طبقات الشافعية ٢/ ٨١ وذكر العبادي في طبقاته ص ٢٨ - ٢٩ أن المزني روى عنه عن الشافعي في تفسير قوله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ولكن ورد اسمه فيها محرفا: عبد الله بن هرم.
(٢) ليست في ا.
(٣) في ح: «لهم».
(٤) آداب الشافعي وهامشه ص ٧٠ - ٧١.
(٥) في ح: «سمعت أبي يقول: إن ابن عمرو بن خالد».
(٦) في ح: «هذا». [م - ١٦] مناقب
[ ١ / ٢٤١ ]
السِّير (١) شيء كثير.
وأما «كتاب أَشْهَب» فإنما أخذه ليعرف [منه (٢)] ما شذّ عنه من أقاويل مالك بن أنس وأصحابه؛ فيمكنه الردّ عليهم فيما خالفهم فيه.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أنبأنا الحسين بن أحمد الهَرَوِي (٣) قال: حدثنا محمد بن بشر العلوي، قال:
حدثنا الربيع بن سليمان، قال: كان الشافعي جزَّأ الليل ثلاثة أجزاء: الأول يَكْتب، والثاني يُصَلِّي، والثالث ينام.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو الوليد: حسّان بن محمد، الفقيه، قال: حدثنا إبراهيم بن محمود، قال:
سمعت الربيع يقول: ألّف الشافعي هذا الكتاب - يعني «المَبْسُوط» - حِفْظًا لم يكن معه كتب. قال إبراهيم: فأخبرت يونس (٤) بن عبد الأعلى بهذا، قال: قد قيل هذا.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو تراب (٥) المُذَكِّر، قال: حدثنا محمد بن المُنْذِر، قال:
حدثنا الربيع، قال: بِتُّ عند الشافعي ما لا أُحْصِي، فكان إذا انصرف اتَّشَحَ برداء، ووضعت له منارة قصيرة، واتكأ على وسادة
_________________
(١) في ح، هـ «السنة».
(٢) من ح.
(٣) في ح «القروي».
(٤) سقطت من ح
(٥) في ح «أبو ثور».
[ ١ / ٢٤٢ ]
وتحته مُضَرَّبَتَان، ويأخذ القلم فلا يزال يكتب.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني الحسين بن محمد الدارمي، قال: حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد - قال:
حدثنا أبو بشر بن أحمد (١) بن حماد، قال: حدثنا أبو بكر بن إدريس، قال:
سمعت الحميدي يقول: خرجت مع الشافعي إلى مصر، فكان هو ساكنًا في العلو ونحن في الأوساط، فربما خرجت في بعض الليل فأرى المصباح، فأصيح بالغلام، فيسمع صوتي، فيقول: بِحَقِّي عليك أرْقَ، فأَرْقَى فإذا قرطاس وجُزء، فأقول: مه يا أبا عبد الله، فيقول: تفكرت في معنى حديث، أو في مسألة، فخفت أن يَذْهَبَ عَلَيًّ (٢)، فأمرت بالمصباح، فكتبته (٣).
وقرأت في كتاب زكريا السّاجي، عن أحمد بن محمد بن أبي العباس، عن محمد بن عبد الملك المصري، قال:
دخل رجل على الشافعي قبل طلوع الفجر، فوجده ينظر في المصحف، فقاله له: في هذا الوقت يا أبا عبد الله؟ قال: إني لعلى هذا منذ صلّيت
_________________
(١) في ح؛ «حدثنا يونس بن أحمد» وهو خطأ. أما أبو بشر: فهو محمد بن أحمد بن حماد، الأنصاري الرازي الراق، المعروف بالدولابي. صاحب كتاب الكنى والأسماء. ولد سنة ٢٢٤ وتوفى سنة ٣١٠ هـ. وترجمته في تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٥٩ - ٧٦٠
(٢) في حـ: «تذهب عني» وفي هـ: «يذهب عني»،
(٣) آداب الشافعي ومناقبه ٤٤ - ٤٥ وعنه في حلية الأولياء ٩/ ٩٦.
[ ١ / ٢٤٣ ]
العَتَمَةَ (١) أنظر في «أحكام القرآن».
وقرأت في كتاب العاصمي، عن الزبير بن عبد الواحد، عن محمد بن عبد الله القزويني، قاضي مصر، قال:
سمعت الربيع يقول: لما أراد الشافعي أن يصنف «أحكام القرآن» قرأ القرآن مائة مرة. قال القزويني: أظنه غيرَ دَرْسه الذي كان يدرسه.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو بكر: أحمد بن العباس ابن الإمام المقري (٢)، قال: سمعت أبا بكر بن زياد، الفقيه النيسابوري، يقول عن المزني حكاية أو سماعًا، قال:
كان الشافعي إذا دخل شهر رمضان يقوم الليل يصلي، فإذا مرت به آية تصلح لباب من أبواب الفقه يرجع ويسلم، ويُسْرِجُ السّراج ويثبتها، ثم يطفئ السراج، ويعود إلى الصلاة، ثم يفعل ذلك في الليل (٣) مرارًا كثيرة.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا الزبير بن عبد الواحد الحافظ، بأَسَدَابَاد، قال: حدثني إسماعيل بن داود البزاز، بمصر، قال:
سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، يقول: الشافعي (٤) علّم أهل مصر بالاحتجاج.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أنبأني أبو عمرو: عثمان بن أحمد بن السَّمَّاك شِفَاهًا، أنّ أبا محمد (٥) الشافعي أخبرهم في كتابه، قال: سمعت
_________________
(١) العتمة: صلاة العشاء.
(٢) في ح: المغربي.
(٣) في ح: «في الليلة».
(٤) في ا: يقول «حدثني الشافعي»
(٥) [«ابن»] سقطت من ح. [أثبتت أولًا في المطبوع لفظة «أبا محمد بن الشافعي»، ثم صححت في فهرس التصويبات ٢/ ٤٦٧]
[ ١ / ٢٤٤ ]
أبي: محمد بن عبد الله بن محمد بن العباس بن عثمان بن شافع، يقول:
سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: لا يَنْبُلُ قرشي بمكة ولا يظهر ذكره حتى يخرج منها؛ وذلك أن النبي، ﷺ، لم يظهر أمره حتى خرج من مكة.
ولا يكاد يجود شعر القرشي؛ وذلك أن الله، جل ذكره، قال لنبيه، ﷺ: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ (١)﴾.
ولا يكاد يجود خط القرشي؛ وذلك أن النبي، ﷺ، كان أميًا (٢).
_________________
(١) سورة يس: ٦٩
(٢) في ا: بعد هذا: آخر الجزء الرابع من أصل المصنف.
[ ١ / ٢٤٥ ]
باب