* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد: محمد بن موسى بن الفضل؛ قالا: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال:
أخبرنا الشافعي، قال: مَنْ حلف بالله أو باسم من أسماء الله فحنَث، فعليه الكفارة. ومَن حلف بشيء غيرِ الله مثل أن يقول الرجل: والكعبةِ، وأبي، وكذا وكذا ما كان، فحنث فلا كفارة عليه. ومثل ذلك قوله: لَعمْري. لا كفارة عليه، وكلُّ يمين بغير الله فهي مكروهة منهيٌّ عنها من قِبَل قولِ رسول الله، ﷺ: «إن الله ﷿ ينهاكم أن تَحْلِفُوا بآبائكم، فَمَن كان حالفًا فَلْيحلِفْ بالله أو لِيَسْكت (١)».
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ: كتاب النذور والأيمان: باب جامع الأيمان ٢/ ٤٨٠ والبخاري في كتاب الأيمان والنذور: باب لا تحلفوا بآبائكم ١١/ ٤٦١ - ٤٦٢. ومسلم في كتاب الأيمان: باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى ٣/ ١٢٦٦. وأبو داود في السنن: كتاب الأيمان والنذور: باب كراهية الحلف بالآباء ٣/ ٣٠٣. والترمذي في جامعه: أبواب النذور والأيمان. باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله ٢/ ٢٨٩ كلهم من حديث عمر. وروى عن غير عمر بنحوه.
[ ١ / ٤٠٣ ]
فجعل اليمين باسم من أسماء الله كاليمين بالله، ثم قال: ومن حلف بشيء غير الله فلا كفارة عليه، فبيّن بذلك أنه لا يقال في أسماء الله وصفاته: إنها أغيار، وإنما يقال: أغيارٌ، لما يكون مخلوقًا.
قال الشافعي: في روايتنا عن أبي سعيد وحده:
فإن (١) قال: وحقِّ الله وعظمةِ الله وجلالِ الله وقدرةِ الله، يريد بهذا كله اليمين أو لا نِيّة له – فَهي يمين. وإن لم يرد به اليمين فليس بيمين؛ لأنه يحتمل أن يكون: وحق الله واجب على كل مسلم، وقدرة الله ماضية عليه لا أنه يَمين. وإنما يكون يَمينًا بأن لا ينوىَ شيئًا، أو بأن ينوى يمينًا.
فجعل الشافعي بعض هذه الألفاظ للذات، وبعضَها لصفة الذات، حتى جعل الحلف بها يمينًا عند إرادة اليمين بها وعند الإطلاق. وهو صحيح؛ لأن الحق هو المتحقق وجوده، والعظمة والجلال يَرْجع معناها إلى استحقاق الذات إعظامَه وإجلالَه، والقدرةُ من صفات الذات.
فإن أراد بالحق: الحقوق التي هي واجبةٌ لله على كل مسلم فهي أغْيار، وهي العبادات التي أمره بها، واجتناب الفَواحش التي نهى عنها، وهي مِن اكتساب العباد، وهي مخلوقة.
_________________
(١) في ا: «فإذا».
[ ١ / ٤٠٤ ]
وإن (١) أراد بالقدرة أيضًا ما (٢) قدّره على عباده بقدرته فذلك خلقُه وهو غيرٌ.
وإن (٣) أراد بالعظمة والجلال ما في ملكوت السموات والأرض مِن آياته فهو مخلوق، فالحِلفُ بذلك يكون حَلِفًا بغير الله، فلا يكون يمينًا.
أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السُّلَمي، قال: سمعت أبا الوليد: حسان بن محمد الفقيه يقول: سمعت مكي بن عبدان يقول: سمعت جعفر بن محمد ابن موسى يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
سمعت الشافعي يقول: مَنْ حلف باسم من أسماء الله فعليه الكفارة؛ لأن أسماءه غير مخلوقة. ومَن حلف بالبيت والكعبة فلا كفارة عليه.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرنا الحسن بن رشيق إجازة قال: حدثنا سعيد بن أحمد بن زكريا اللخمي قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال:
سمعت الشافعي، ﵀، يقول: إذا سمعتَ الرجل يقول: الاسم غير المسمى – فاشهد عليه بالزَّنْدقة.
أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: حدثنا الربيع، قال:
قال الشافعي: وإن قال: لعمر الله، فإن أراد اليمين فهي يمين، وإن لم
_________________
(١) في ح: «أو أراد».
(٢) ليست في ا.
(٣) في ح: «أو. . .».
[ ١ / ٤٠٥ ]
يُرد اليمين فليست بيمين؛ لأنها تحتمل غير اليمين؛ لأن قوله: لعمري إنما هي لحقي. (١)
قال: وإذا قال: عليَّ عهدُ الله وميثاقه وكفالته ثم حنث - فليست بيمين إلا أن ينوي بها يمينًا. وكذلك ليست بيمين لو تكلم بها وهُوَ لا ينوي شيئًا من قِبَل أن لِله عليه عهدًا أن يؤدي فرائضه، وكذلك لله عليه ميثاق بذلك، وأمانة بذلك، وكذلك الذّمة، والكفالة. (١)
قلت: قوله: لعمر: الله يحتمل وحياة الله فيكون حَلِفًا بصفة الحياة، وهي من صفات الذات فتكون يمينًا، فإن لم يُرِد يمينا فتحتمل وحقّ الله على عباده، من العبادات واجتناب المحرمات؛ فتكون أغيارًا؛ فلا يكون يمينا. وقوله: على عهد الله، وميثاقه، وكفالته: يحتمل استحقاقَ الله ما تعبَّدَنا به، ويحتمل أمرَ الله الذي هو قولُه وكلامه، فيكون من صفات ذاته، فيكون يمينا. فإن لم يُرد يمينا فيحتمل ما ذكره الشافعي من الواجبات التي هي عليه (٢)؛ فتكون أغيارا، ولا تكون يمينا.
وفيما حكى المُزَنى عن الشافعي أنه قال: قوله ﷿: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ (٣)﴾ وعِلم الله كان، قبل اتباعهم وبعده، سواء.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني عبد الله بن محمد الفقيه، قال: أخبرنا أبو جعفر الأصبهاني، قال: أخبرنا أبو يحيى الساجي، إجازة، قال: سمعت
_________________
(١) الأم ٧/ ٥٦
(٢) في ا: «من التي عليه».
(٣) سورة البقرة: ١٤٣.
[ ١ / ٤٠٦ ]
أبا شعيب (١) المصري يقول:
سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: القرآن - كلام الله تعالى - غير مخلوق.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت عبد الله بن محمد بن علي بن زياد يقول: سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول:
سمعت الربيع يقول: لما كلّم الشافعي ﵀ حفص الفرد، فقال حفص: القرآن مخلوق. قال الشافعي: كفرتَ بالله العظيم.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم المؤذِّن، عن عبد الواحد بن محمد الأرغياني.
عن أبي محمد الزبيري، قال: قال رجل للشافعي: أخبرني عن القرآن، خالق هو؟
قال الشافعي: اللهم لا. قال: فمخلوق؟ قال الشافعي: اللهم لا. قال: فغير مخلوق؟ قال الشافعي: اللهم نعم. قال: فما الدليل على أنه غير مخلوق؟ فرفع الشافعي رأسه وقال: تقرّ بأن القرآن كلام الله؟ قال: نعم. قال الشافعي: سبقْت في هذه الكلمة؛ قال الله تعالى ذِكره: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ (٢)﴾ وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (٣)﴾.
_________________
(١) في ا: «شعيب». [أثبتت أولًا في المطبوع لفظة «أبا سعيد»، ثم صححت في فهرس التصويبات ٢/ ٤٦٨ إلى: «أبا شعيب المصري» كما في ا]
(٢) سورة التوبة: ٦.
(٣) سورة النساء: ١٦٤.
[ ١ / ٤٠٧ ]
قال الشافعي: فَتُقِرُّ بأن الله كان وكان كلامه، أو كان الله ولم يكن كلامه؟
فقال الرجل: بل كان الله، وكان كلامه.
قال: فتبسّم الشافعي وقال: يا كوفيون، إنكم لتأتوني بعظيم من القول. إذا كنتم تُقِرُّون بأن الله كان قبل القَبْل، وكان كلامه فمن أين لكم الكلام: إن الكلام الله، أو سوى الله، أو غير الله. أو دون الله؟ قال: فسكت الرجل وخرج.
أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: حدثنا الربيع، قال:
قال الشافعي - يعني في مسألة ذكرها فيمن حلف لا يكلِّم رجلا فأرسل إليه رسولا -: من قال: يخنّث ذهب إلى أن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ (١)﴾ وقال إن الله تعالى يقول للمؤمنين في المنافقين: ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ (٢)﴾ وإنما نبّأهم من أخبارهم بالوحي الذي ينزل به جبريل ﵇، على النبي ﷺ، ويخبرهم النبي، ﷺ، بوحي الله.
ومن قال: لا يحنَث قال: إن كلام الآدميين لا يشبه كلامَ الله ﷿:
_________________
(١) سورة الشورى: ٥١.
(٢) سورة التوبة: ٩٤.
[ ١ / ٤٠٨ ]
كلامُ الآدميين بالمواجهة. ألا ترى أنه لو هَجَر رجل رجلا كانت الهجرة محرَّمةً عليه فوق ثلاث ليال، وكتب إليه أو أرسل إليه، وهو يقدر على كلامه - لم يخرجه هذا من هجرته التي يأثم بها (١)؟
فسمى الشافعي، ﵀، على القولين جميعًا، إخبارَ الله ﷿ بالوحي الذي نزل به جبريل ﵇ على النبي ﷺ، وأخبر به النبي، ﷺ بوحي من الله - تكليمَ الله عباده المؤمنين، فالمؤمن يسمع كلامَ الله ﷿ من صاحب الرسالة، ويحفظه ويتلوه ويكتبه، ويكون المسموع والمحفوظ والمتلو والمكتوب - كلامَ الله ﷿.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمي، قال: حدثنا الحسن بن رشيق المصري، إجازة، قال: حدثنا محمد بن سفيان بن سعيد الخياط، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الأصبهاني بمكة، قال: سمعت الجارودي يقول: ذكر الشافعي إبراهيم بن إسماعيل ابن علَية، فقال: أنا مُخالف له في كل شيء (٢)، وفي قوله: لا إله إلا الله، لست أقول كما يقول: أنا أقول: لا إله إلا الله الذي كلّم موسى مِن وراء حجاب، وذاك يقول: الذي خلق كلامًا أسمَعَه موسى من وراء حجاب.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أخبرنا الحسن بن رشيق، إجازة. وأخبرنا أبو عبد الرحمن، قال: أنبأنا علي بن عمر الحافظ، قال: حدثنا الحسن ابن رشيق، قال: حدثنا علي بن السّري بن الصقر (٣)، قال: حدثنا حبيش (٤)
_________________
(١) في ح: «به».
(٢) ليست في ا.
(٣) في ح: «المظفر».
(٤) في ح: «حلبس».
[ ١ / ٤٠٩ ]
ابن موسى، قال: حدثنا الحسن بن عثمان، قال: حدثنا إبراهيم بن الوليد، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال:
سمعت الشافعي يقول: رأيت سفيان بن عيينة - قائما على باب كُتَّاب - فقلت: يا أبا محمد، ما تعمل هاهنا؟ قال لي: إليك عنّي ويحَك، فإني أحب أن أسمع كلامَ ربّي مِن هذا الغلام.
قرأت في كتاب أبي الحسن: محمد بن الحُسَين العاصمي، قال: قرأت على محمد بن يحيى: خادم المُزَني بالفسطاط، أن أبا زيد: عبد الرحمن ابن محمد بن طريف حدّثه قال: حدثنا أبو حاتم يحيى بن زكريا الأموي، قال:
حدثنا محمد بن إدريس - يعني الشافعي، قال:
حدثني بعض أصحابنا قال: اختصم رجلان: مسلم ويهودي إلى عيسى بن أبان، وكان قاضي البصرة - وكان يرى رأيَ القوم - فصارت اليمين على المسلم، فقال له اليهودي: حَلِّفه، فقال: أحلف بالله الذي لا إله إلا هو. قال اليهودي للقاضي: إنك تزعم أن القرآن مخلوق، والله الذي لا إله إلا هو في القرآن، فحلِّفه لي بالخالق لا بالمخلوق. فتحير عيسى عند ذلك وقال: قُوما حتى انظر في أمركما.
ومما أنبأني أبو عبد الله الحافظ ﵀ في «كتاب المناسك للشافعي» قال: حدثنا أبو العباس - هو الأصم - قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال:
[ ١ / ٤١٠ ]
قال الشافعي ﵀: «أستحب القراءة في الطواف، والقراءة أفضل ما تكلّم به المرء».
قلت: فجعل الشافعي القراءةَ مِن كَسْب القارئ حين أضافها إلى تكلُّمه بها. وفيه ثم فيما مضى من قوله: القرآن كلام الله - دلالةٌ على أنه كان يُفَرّق بين القراءة والمقروء، فيجعل القراءة من كسب القارئ، ويعتقد في المقروء (١) أنه كلامُ الله، تعالى، غيرَ مخلوق.
_________________
(١) في ح: «المعنى».
[ ١ / ٤١١ ]
باب