* * *
أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله [الحافظ قال] (١): أنبأني أبو القاسم ابن عبيد القاضي، شفَاهًا، أنّ زكريا بن يحيى السَّاجِي حدّثهم. ح.
وأخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي، أنبأنا محمد بن علي ابن طلحة المروروذي، حدثنا أبو سعيد: أحمد بن علي الأصبهاني، حدثنا زكريا ابن يحيى، حدثني أبو داود: سليمان بن الأشعث السِّجِسْتَانِي، حدثنا قُتيبة ابن سعيد.
حدثني الحُمَيْدي قال:
خرجت أنا والشافعي من مكة فلقينا رجلا بالأبطح، فقلت للشافعي: ما صَنْعةُ الرجل؟ فقال: نجار أو خياط. فسألته فقال: كنت نجارًا وأنا اليوم خياط (٢).
وقرأت هذه الحكاية في كتاب زكريا بن يحيى السَّاجِي بإسناده هذا. قال (٣): وقلت للشافعي: ازكن الرجل، فقال: خياط أو نجار. يعني فسألته فقال: كنت نجارًا وأنا اليوم خياط.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو نصر: أحمد بن سهل الفقيه، ببخاري، من أصل كتابه، حدثنا أبو عمرو: قيس بن أنيف البخاري، حدثنا أبو رجاء: قتيبة بن سعيد، قال:
_________________
(١) الزيادة من ح.
(٢) مناقب الشافعي للرازي ١٢٠.
(٣) في ح: «فقلت».
[ ٢ / ١٣٠ ]
رأيت محمد بن الحسن والشافعي قاعدين بفناء الكعبة، فمرّ رجلٌ، فقال أحدهما لصاحبه: تعالى حتى نزكن على هذا المارّ: أيّ حرفة معه؟ فقال أحدهما: هذا خياط. وقال الآخر: هذا نجار. فبعثا إليه فسألاه فقال: كنت خياطًا واليوم أَنْجُر.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو تراب الطّوسي قال: سمعت محمد ابن المنذر يقول:
سمعت الربيع بن سليمان [يقول]: سمعت الشافعي، وقدم عليه رجل من أهل صنعاء، فلما رآه قال له: أنت من أهل صنعاء؟ قال: نعم. قال: فحدّادٌ أنت؟ قال: نعم.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو محمد: جعفر بن محمد بن الحارث [قال]: سمعت أبا بكر (١) النيسابوري يقول:
سمعت الربيع بن سليمان يقول: كنا عند الشافعي إذ مرّ به رجل فقال الشافعي: لا يخلو هذا الرجل من أين يكون حائكا أو نجارًا. قال: فدعوناه فقلنا: ما صنعتك؟ فقال: نجار. فقلنا: وغير ذلك، فقال: عندي غلمان يعملون. يعني في الحياكة.
أخبرنا محمد بن عبد الله، أخبرنا أبو الوليد الفقيه، سمعت محمد بن إسحاق يحكي عن الربيع قال: مَرّ أخي في صحن الجامع فدعاني الشافعي فقال: يا ربيع، انظر إلى الذي يمشي، هذا أخوك؟ قلت: نعم أصلحك الله. قال: اذهب. ولم يكن رآه قبل ذلك.
_________________
(١) في ح: «أبا زكريا».
[ ٢ / ١٣١ ]
وقرأت في كتاب زكريا بن يحيى السّاجِي، عن ابن (١) مسكين المصري، عن الربيع بن سليمان قال:
كان لي أخ يقال له: وكيع، وكنت يومًا عند الشافعي فرآه من بعيد فقال: يا ربيع، هذا أخوك؟ قلت: نعم. قال: ممن أنت؟ قلت: من مُرّاد، قال: اتّق لا تكن تبغض علي بن أبي طالب فقلت: لا والله أحبه، قال: هو خير لك. فأثْبَتني في المؤذنين وكلَّم الأمير فأجرى عليّ كل شهر دينارًا.
أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد بن إدريس - قال: حدثنا أبي قال:
حدثنا حرملة بن يحيى قال: سمعت الشافعي، ﵀، يقول: احذر الأعور والأحْوَل والأعرج والأحْدَب والأشْقَر والكَوْسَجَ (٢)، وكلّ من به عاهة في بدنه، وكلّ ناقص الخلق فاحذره؛ فإنه صاحب التواء، ومعاملته عسرة (٣). قال مرة أخرى: فإنهم أصحاب خِبّ (٤).
وبهذا الإسناد قال:
حضرت الشافعي، واشترى له طِيْبٌ، فأتى به فوقع فيه كلام بين يديه فقال:
_________________
(١) في ا: «عن أبي».
(٢) الكوسج: الذي لا شعر على عارضيه.
(٣) عقب عليه الرازي في مناقب الشافعي ص ١٢٠ بقوله: «واعلم أن هذا الذي ذكره أمر عظيم في علم الفراسة؛ وذلك لأن حاصل هذا العلم يرجع إلى الاستدلال بالخلق الظاهر على الخلق الباطن. ووجه الاستدلال به: لأن الأحوال الدينية تابعة لكيفية المزاج. والأخلاق الباطنة والصور الظاهرة كلاهما معلولان علة واحدة وهي المزاج. فنقصان الظاهر يدل على نقصان المزاج، ونقصان المزاج يوجب نقصان الباطن. فظهر أن الذي قال الشافعي أصل؟؟؟ في هذا العلم».
(٤) آداب الشافعي ومناقبه ١٣٢.
[ ٢ / ١٣٢ ]
ممن اشترى هذا الطيب ما صفته؟ قال: أشقر. قال: اردده؛ فما جاءني خير قط من أَشْقَر (١).
قلت: بلغني عن أبي محمد: عبد الرحمن بن أبي حاتم أنه قال عَقَيبه (٢): إنما يعني: إذا كان وِلاَدُهُمْ بهذه الحالة. فأما من حدث فيه شيء من هذه العلل، وكان في الأصل صحيح التركيب - لم يضر (٣).
وأخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي، أنبأنا محمد بن علي ابن طلحة المروروذي، حدثنا أبو سعيد: أحمد بن علي الأصبهاني، حدثنا زكريا بن يحيى السَّاجي، حدثنا أبو داود - هو السّجستاني - قال:
سمعت الربيع يقول: وجّه الشافعي رجلا ليشتري له طِيْبًا، فلما جاءه قال: اشتريته من أَشْقَرِ كَوْسَج؟ فقال: نعم. قال: عُدْ فَرُدَّهُ عليه.
أخبرنا أبو عبد الله، أنبأني أبو عمر بن السماك، شِفَاهًا: أَنَّ أبا عبد الله: محمد بن حمدان بن سفيان حدّثه:
سمعت الربيع بن سليمان يقول: اشتهى الشافعي يومًا عنبًا أبيض، فأمرني فاشتريت له منه بدرهم، فلما رآه استجاده فقال لي: يا أبا محمد، ممّن اشتريت هذا؟ فسمَّيتُ له البائع، فَنَحَّى الطبقَ من بين يديه وقال لي: اردده عليه، واشترِ لي من غيره.
_________________
(١) مناقب الشافعي للرازي ١٢١ وآداب الشافعي ١٣١.
(٢) الذي في آداب الشافعي ١٣٢ أنه قاله عقب قوله: «فإنهم أصحاب خب، وفي الأصول: «ألا يعني».
(٣) في آداب الشافعي: «لم تضر مخالطته».
[ ٢ / ١٣٣ ]
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني أبو جعفر: محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا أحمد بن سلمة بن عبد الله، قال: قال أبو بكر بن إدريس، وَرَّاق الحُمَيْدي: سمعت الحميدي يقول:
قال محمد بن إدريس الشافعي: خرجت إلى اليمن في طلب كتب الفراسة حتى كتبتها وجمعتها، ثم لما كان انصرافي مررت في طريقي برجل وهو محتبي بفناء داره، أزرق العين، ناتئ الجبهة، سِنَاطٌ (١) فقلت له (٢): هل من منزل؟ قال: نعم - قال الشافعي: وهذا النعت أخبث ما يكون في الفراسة - فأنزلني فرأيت أكرم رجل: بعث إلي بعشاء وطِيْب وعلَفٍ لدابتي وفراش ولحاف، وجعلت أتقلّب الليل أجمع، ما أصنع بهذه الكتب؟ فلما أصبحت قلت للغلام: أَسْرِجْ فأسْرَجَ، فركبت ومررت عليه وقلت له: إذا قدمت مكة ومررت بِذِي طُوًى فسل عن منزل محمد بن إدريس الشافعي. فقال لي الرجل: أَمَوْلًى لأبيكَ أنا؟ قلت: لا. قال: فهل كان لك نعمة عندي؟ قلت: لا. قال: فأين ما تكلّفتُ لك البارِحَةَ؟ قلت: وما هو؟ قال: اشتريتُ لك طعامًا بدرهمين وأَدَمًا بكذا، وعطرًا بثلاثة دراهم، وعلفًا لدابتك بدرهمين، وكراء الفِرَاش واللحاف درهمان. قال: قلت: يا غلام، أعطه، فهل بقي من شيء؟ قال: كراء المنزل؛ فإني وسعت عليك وضيقت على نفسي. (٣ فَغَبَطْتُ نفسي ٣) بتلك الكتب. فقلت له بعد ذلك: هل بقى من شيء؟ قال: امض أخزاك الله تعالى، فما رأيت قط شرًّا منك.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، سمعت منصور بن عبد الله الهروي يقول: سمعت المغازلي بحلب يقول:
_________________
(١) السناط: الذي لا لحية له، أو الذي لا شعر في وجهه ألبتة.
(٢) في ا: «فقال: هل».
(٣) ما بين الرقمين ساقط من ح.
[ ٢ / ١٣٤ ]
سمعت المزني يقول: كنت مع الشافعي، ﵀، في المسجد الحرام إذ دخل رجل يدور بين الدّوّام، فقال الشافعي للربيع: قم فقل له: ذهب عنك عبد أسود مصاب بإحدى عينيه؟ قال الربيع: فقمت إليه فقلت له ما قال الشافعي فقال: هذا عبدي. فقلت له: تعال إلى الشافعي، فتقدم إلى الشافعي فقال: هذا عبدي. فقال له: مُرَّ فإنّه في الحَبش. فمرّ الرجل فوجده في الحَبَش. فقال المزني: فقلنا له: أخبرنا فقد حَيّرْتَنا. قال: نعم، رأيت رجلا دخل من باب المسجد يدور بين النّوّام فقلت: هاربًا يطلبه، ورأيته يجيء إلى النّوّام السّودان فقلت: عبد أسود، ورأيته يجيء إلى ما يلي العين اليسرى فقلت: مصاب بإحدى عينيه. فقلنا: فالحبش، كيف علمته؟ فقال: تأولتُ حديث رسول الله ﷺ: «لا خير في الحبش: إذا جاعوا سرقوا، وإذا شبعوا شربوا وزَنَوْا (١)» فتأولت أنه فعل إحداها، فكان كذلك.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو منصور: محمد بن عبد الله الفقيه، سمعت أبا الحسن: أحمد بن أبي الحسين السليطي المزَكِّي يقول:
كان الشافعي يفتي في الجامع ببغداد فجاء «عمرو بن بَحر الجاحظ» فسأله فقال: يا أبا عبد الله، ما نقول في رجل خصى ديكا؟ فقال الشافعي: أرأيته؟ وأراك أبا عثمان. فَعَلِمَه بمسألته. وما كان يعرفه بعينه.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر.
_________________
(١) أخرجه الطبراني والبزار من حديث ابن عباس من طريق فيه عوسجة المكي، مولى ابن عباس. وقد اختلف في توثيقه. والجمهور على تضعيفه كما في تهذيب التهذيب ٨/ ١٦٥ والكبير ٤/ ١/٧٦ والثقات لابن حبان: كتاب التابعين ل ٨٦ - اوميزان الاعتدال ثانيهما أبو نعيم في الحلية من حديث أبي رافع، مرفوعا: «شر الرقيق الزنج: إذا شبعوا زنوا، وإذا جاعوا سرقوا» كما في تنزيه الشريعة ٣١ - ٣٣. وانظر الفوائد المجموعة ٤١٥.
[ ٢ / ١٣٥ ]
وأخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي، أخبرني نصر بن أحمد ابن محمد، حدثني محمد بن عمرو البصري، حدثنا محمد بن الحسين ابن إبراهيم قال:
قال الربيع: دخلنا على الشافعي عند وفاته أنا والبويطي والمزني ومحمد ابن عبد الله بن عبد الحكم. قال: فنظر إلينا الشافعي ساعة فأطال ثم التفت إلينا فقال: أمّا أنت يا أبا يعقوب فتموت في حديدك.
وأما أنت يا مزني فستكون لك بمصر هَنَاتٌ وهَنَات، ولتدركن زمانًا تكون أقيس أهل ذلك الزمان.
وأما أنت يا محمد فسترجع إلى مذهبك أبيك.
وأما أنت يا ربيع فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب. قم يا أبا يعقوب فتسلم الحلقة. قال الربيع: فكان كما قال.
وقرأته في كتاب أبي الحسن: محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم هذا: حدثني إبراهيم بن محمد بن المولد الرقّى، بالرقّة، حدثنا عبد الواحد بن معبد، عن الربيع بن سليمان. فذكره.
قال أبو الحسن: قوله لابن عبد الحكم: «أما أنت فسترجع إلى مذهب أبيك» يعني به مذهب مالك، ﵀.
أخبرنا محمد بن عبد الله، أنبأني أبو عمرو بن السمّاك، شِفَاهًا، أنّ محمد بن حمدان الطرائفي، حدّثه قال:
قال الربيع: ما رأيت أفطن من الشافعي: لقد سمى رجالا ممن يصحبه
[ ٢ / ١٣٦ ]
فوصف كلَّ واحد منهم بصفة ما أخطأ فيها: فذكر المزني والبويطي وفلانا وفلانا، فقال: ليفعل فلان كذا، وفلان كذا، وليصحبن فلان السلطان وليقلدن القضاء. وقال لهم يوما وقد اجتمعوا: ما فيكم أنفع لي من هذا - وأومأ إليَّ - لأنه أسلمكم ناحية، وذكر صفات غير هذه. قال: فلما مات الشافعي، ﵀، صار كلّ واحد منهم إلى ما ذكر فيه، ما أخطأ في شيء من ذلك.
[ ٢ / ١٣٧ ]
باب