* * *
أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا الشافعي - يعني في «كتاب صلاة الجمعة» - قال:
قال الله ﷿: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ (١)﴾ فأعلم الله خلقه أنّ المشيئة له دون خلقه، وأنّ مشيئتهم لا تكون إلا أن يشاء الله، والمشيئة إرادة الله ﷿.
أخبرنا يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، قال: حدثنا الزبير ابن عبد الواحد، قال: حدثني حمزة بن علي العطار، قال: حدثنا الربيع، قال:
سئل الشافعي عن القدر، فقال:
وما (*) شئتَ كان وإن لم أشأ وما شئتُ إن لم تشأْ لم يكن
_________________
(١) سورة الإنسان: ٣٠. (*) أثبتت أولًا في المطبوع لفظة «ما» دون الواو، ثم صححت في فهرس التصويبات ٢/ ٤٦٨ إلى: «وما» كما في معرفة السنن والآثار ١/ ١١٣.
[ ١ / ٤١٢ ]
خلقتَ العباد على ما علمتَ ففي العلم يَمْضي (١) الفتى والمُسِن
على ذا مَنَنْتَ وهذا خذلْتَ وهذا أعنتَ وذا لم تُعن
فمنهم شقيٌّ ومنهم سعيدٌ ومنهم قَبيحٌ ومنهم حَسَن
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: حدثنا محمد بن علي بن طلحة، قال: حدثنا أحمد بن علي الأصبِهاني قال: حدثنا الساجي قال: حدثنا أحمد بن عبد الله، عن الربيع بن سليمان، عن الشافعي: أنه كان يكره الصلاة خلف القَدَري.
وقرأت في كتاب زكريا بن يحيى الساجي أن جعفر بن أحمد حدّثه، قال: سمعت المزني يقول:
سمعت الشافعي يقول:
القدرية: الذين قال رسول الله ﷺ: «هم مجوسُ هذه الأمة (٢)» الذين يقولون: إن الله لا يَعلم المعاصيَ حتى تكون. كذا وجدتُه في كتابه.
_________________
(١) في ح: «يجري».
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٨/ ٤ - ٦ من حديث ابن عمر بلفظ: «لكل أمة مجوس، ومجوس أمتي الذين يقولون: لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم». لكن إسناده ضعيف لانقطاعه. وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٨٥، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم ابن عمر. وأقره الذهبي على هذا. وأخرجه أبو داود في كتاب السنة: باب القدر ٤/ ٣٠٧ وذكر صاحب عون المعبود في تعليقه على الحديث ٤/ ٣٥٧، ٣٥٨ - قول المنذري: هذا منقطع؛ أبو حازم - لم يسمع من ابن عمر. وقد روى هذا الحديث من طريق ابن عمر، ليس منها شيء =
[ ١ / ٤١٣ ]
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي سماعه من أبي بكر: محمد بن يحيى ابن آدم خادم المزني، قال: سمعت المزني يقول:
قال لي الشافعي: تدري مَن القدري؟ القدري (١) الذي يقول: إن الله ﷿ لم يخلق الشر حتى عُمِل به.
وفي هذا دليل على أنه كان يرى الشر خلقًا من خلق الله ﷿ وكسبًا من كسب مَنْ عمل به. وكان يرى الاستطاعة مع العمل؛ فقد قال في أول «كتاب الرسالة»: «الحمد لله الذي لا يُؤدَّى شكرُ نعمة [(٢ من نعمِه إلا بنعمة منه توجب على مؤدِّي ماضي ٢)] نعمه بأدائها نِعمةً حادثة يَجِبُ عليه شكرُه بها».
وقال بعد ذلك: «وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه».
وهو فيما أخبرنا (٣) أبو عبد الله عن أبي العباس، عن الربيع عن الشافعي.
وإنما أراد بالنعمة الحادثة: توفيق الله ﷿ عبده لشكره (٤) على ماضي.
_________________
(١) = يثبت. وقال السيوطي في مرقاة الصعود: هذا أحد الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني لى المصابيح، وزعم أنه موضوع. ثم أورد قول ابن حجر (في رد قول من زعم أنه موضوع، وفي رد القول الانقطاع) بأن أبا حازم كان معاصرًا لابن عمر ولا يلزم من عدم سماعه من ابن عمر أن لا يكون الحديث صحيحا؛ فإن «مسلمًا» كان يكتفي في الاتصال بالمعاصرة وعلى هذا فيكون الحديث على شرط «مسلم».
(٢) ليست في ا.
(٣) ما بين الرقمين ليس في ح.
(٤) في ا: «أخبرناه».
(٥) في ا: «بتوفيق الله. . . لشكره. . .». [أثبتت أولًا في المطبوع لفظة «ليشكره»، ثم صححت في فهرس التصويبات ٢/ ٤٦٨ إلى: «لشكره» كما في ا]
[ ١ / ٤١٤ ]
نعمه، وأراد بهداه الذي لا يضل مَنْ أنعم به عليه: تخصيصَه مَن أسعده بإعانته على اكتساب الخير.
وقال في كتاب آخر:
«فهدى بكتابه ثم على لسان نبيه ﷺ، مَن أنعم عليه. يعني مَن أنعم عليه بالسعادة والتوفيق للطاعة دون من حرمها، فبيّن بهذا أن الدعوة عامة، والهداية - التي هي التوفيق للطاعة والعصمة عن المعصية - خاصة، كما قال الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١)﴾.
وقرأت في كتاب أبي منصور الحمشاذي فيما سمع - يعني: أبا الحسن محمد ابن إسحاق يقول: سمعت أبا موسى - يعني عمران بن موسى للُجَاشعي - يقول: قال أبو نعيم: حدثنا الربيع قال:
قال الشافعي: إن مشيئة العِباد هي إلى الله تعالى ولا يشاءون إلا أن يشاء الله ربُّ العالمين؛ فإنّ الناس لم يخلقوا أعمالهم، وهي خلق من خلق (٢) الله تعالى أفعالَ العباد، وإن القدر خيرَه وشرَّه من الله ﷿، وإن عذاب القبر حق، ومساءلة أهل القبور حق، والبعث حق (٣)، والحساب حق (٤)، والجنة والنار، وغير ذلك مما جاءت به السنن فظهرت على ألسنة العلماء وأتباعهم من بلاد المسلمين - حق.
_________________
(١) سورة يونس: ٢٥
(٢) ليست في ا.
(٣) ليست في ا.
(٤) ليست في ا.
[ ١ / ٤١٥ ]
قلت: وفي دعاء الشافعي ﵀ في الصلاة على الجنازة دلالة على مذهبه في فتنة القبر وعذابه؛ فإنه قال «في كتاب الجنائز» في دعائه للميت: وقِهِ عذابَ القبر وكلّ هول دون القيامة.
وقال في موضع آخر: وقه فتنة القبر وعذابه [(١ وأفسح له في قبره ١)].
قرأت في كتاب أبي نعيم الأصبهاني، وأخبرني به الثقة عنه، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن أحمد، قال: حدثنا أبو علي: محمد بن هارون بن شعيب الأنصاري، بدمشق، قال: حدثنا: محمد بن هارون بن حسان، قال: حدثنا أحمد ابن يحيى بن الوزير، قال: حدثنا أبو عبد الله: محمد بن إدريس الشافعي عن يحيى بن سليم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي ابن أبي طالب: أنه خطب الناس يومًا، فقال في خطبته:
وأعجب ما في الإنسان قلبه: فيه مواد من الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن أسعد بالرضا نَسِي التحفُّظ، وإن ناله الخوف شَغَله الحزن، وإن أصابته مصيبة قَصَمه الجزع، وإن أفاد مالًا أطغاه الغِنى، وإن عضّته فاقة شغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف. فكل نقص (٢) به مُضِرّ، وكل إفراط له مُفسد.
قال: فقام إليه رجل ممن كان شهد معه الجمل، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر؟ فقال: بحر عميق فلا تلجه. فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر؟
_________________
(١) ما بين الرقمين ليس في ا.
(٢) في ح: «تقصير».
[ ١ / ٤١٦ ]
فقال: بيت مظلم فلا تدخله. قال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر؟ قال: سرُّ الله لا تبحث عنه. قال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر؟ قال: أما إذا أبيت فإنه أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض، فقال: يا أمير المؤمنين إن فلانًا يقول بالاستطاعة وهو حاضرك فقال: عليّ به فأقاموه فلما رآه سلّ من سيفه قدر أربع أصابع فقال: الاستطاعة تملكها مع الله أو من دون الله؟ وإياك أن تقول أحدهما فترتد فأضرب عنقك. قال: فما أقول يا أمير المؤمنين؟ قال: قل أملكها بالله الذي إن شاء مَلَّكَنِيها.
وفي إسناد هذا إلى ابن الوزير نظر. والله أعلم.
وللشافعي ﵀ كلام كثير في مجاري كلامه يوافق ما أمر به أمير المؤمنين علي ﵁ فيما رُوي عنه في آخر هذا الحديث. من ذلك أني قرأت في «كتاب السنن» الذي رواه عنه حرملة بن يحيى وغيره في مسألة الأذان:
قال الشافعي: وقول المؤذن: حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح دعاءٌ منه إلى الصلاة ثم دعاء منه يعُلمه فيه أن دعاءه إلى الصلاة دعاء إلى الفلاح، وينبغي لمن دعا إلى الفلاح بالصلاة، وعلِم أنه لا يأتي الفلاح بطاعة الله في الصلاة ولا غيرها إلا بعون الله أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأنه لا حول له يصل إلى طاعة الله إلا بالله ﷿.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر قال: أنشدني محمد بن حاضر، قال: أنشدني أبو علي الهمداني (١)
_________________
(١) في ح: «الهواري». [م - ٢٧] مناقب
[ ١ / ٤١٧ ]
قال: أنشدنا أبو يعلى الموصلي قال: أنشدونا للشافعي:
قدر الله واقع حين يقضى (١) ورودُهُ
قد مضى فيك حكمه وانقضى ما يريدُهُ
فأرِدْ ما يكونَ إن لم يكن ما تريدُهُ
* * *
ونقل إلينا من كلامه في الرد على القدرية فصول قد كتبناها في «جزء» من آخر هذا الكتاب.
_________________
(١) في ح: «فيقضى».
[ ١ / ٤١٨ ]
باب