* * *
وله في «القديم» كتاب في قتال أهل البغي، وفي «الجديد» كتاب آخر في قتالهم، بناهُ على قتال عليّ، رضوان الله عليه، من قاتله من المسلمين وتبع سيرته في قتالهم بعد الاحتجاج في قتال الفئة (١) الباغية حتى تفيءَ إلى أمر الله تعالى بقول الله ﷿ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٢)﴾.
قال الشافعي (٣): فذكر الله تعالى اقتتال الطائفتين. والطائفتان المُمْتَنِعَتَان: الجماعتان، كل واحدة تمتنع أشدّ الامتناع أو أضعف، إذا لزمها اسم الامتناع. وسماهم الله ﷿ «المؤمنين» وأمر بالإصلاح بينهم.
ثم ساق الكلام إلى أن قال:
فلا تقاتلوا حتى تدعوا إلى الصلح؛ لأن على الإمام الدعاء كما أمر الله
_________________
(١) من ح.
(٢) سورة الحجرات: ٩.
(٣) الأم ٤/ ١٣٣.
[ ١ / ٤٤٥ ]
تعالى قبل القتال. وأمر الله تعالى بقتال الباغية، وهي مسماة باسم الإيمان حتى تَفِئَ إلى أمر الله، فإذا فاءت لم يكن لأحد قتالها.
ثم بسط الكلام في شرح ذلك.
واحتج في «باب السيرة في أهل البغي (١)» بحديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده: علي بن الحسين، قال:
دخلت على مروان بن الحكم، فقال: ما رأيت أحدًا أكرم غَلَبَةَ من أبيك: ما هو إلا أن ولَّيْنا يوم الجمل فنادى مناديه: لا يقتل مدبر، ولا يُذَفَّفُ على جريح.
وقال الشافعي: (٢) قال الدراوردي: حدثنا جعفر، عن أبيه: أن عليًا كان لا يأخذ سلَبًا، ولا يذفِّف على جريح، ولا يقتل مدبرًا.
وقال الشافعي عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي فاخته: أن عليًّا اتي بأسير يوم صفّين فقال: لا تقتلني صبرًا، فقال عليّ: لا أقتلك صبرًا؛ إني أخاف الله رب العالمين. فخلّى سبيله (٣).
قال الشافعي (٤): والحرب «يوم صفّين» قائمة، ومعاوية يقاتل جادًّا في أيامه كلها مُنْتَصِفًا أو مُسْتَعَلِيًا، وعليّ يقول لأسير من أصحاب معاوية:
_________________
(١) الأم ٤/ ١٣٥ – ١٣٦.
(٢) الأم ٤/ ١٣٦ وفيه بعد «سلبا»: «وأنه كان يباشِر القتال بنفسه».
(٣) الأم ٤/ ١٤٣.
(٤) الأم ٤/ ١٤٣.
[ ١ / ٤٤٦ ]
لا أقتلك صبرًا؛ إني أخاف الله رب العالمين.
وإنما أراد به بعض العراقيين حيث يزعم أن الأسير من أهل البغي يقتل إذا كانت له فئة يرجع إليها (١) يقاتل جادًّا في أيامه كلها منتصفًا أو مستعليًا – يعني يساويه مرة في الغلبة في الحرب ويعلوه أخرى، وعليّ يقول لأسير من أصحابه: لا أقتلك صبرًا؛ إني أخاف الله رب العالمين.
قال الشافعي في خلال كلامه:
وقلت له: علي بن أبي طالب ولِّي قتال المتأولين فلم يُقْصِصْ من دم ولا مال أصيب في التأويل.
وفي كل هذا دلالة على أن الشافعي ﵀ كان يعتقد في «عليّ» ﵁ أنه كان محقًّا في قتاله مَنْ خرج عليه، وأن «معاوية» ومن قاتله لم يخرجوا بالبغي من الإيمان؛ لأن الله تعالى سمى الطائفتين جميعًا: مؤمنين، والآية عامّة. وجرى علي، ﵁، في قتالهم مجرى قتال (٢) الإمام العادل من خرج من طاعته من المؤمنين، وسار بسيرته في قتالهم، وقصد به حملهم على الرجوع إلى الطاعة، كما قال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ (٣)﴾.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا الزبير بن عبد الواحد، قال: سمعت أبا العباس: أحمد بن يحيى بن زكريا يقول: سمعت الربيع يقول:
_________________
(١) راجع نص محاورة الشافعي في الأم ٤/ ١٤٣ وبعد هذا في ح: «فيقول الشافعي: لم يقتله علي ومعاوية، لذلك الأسير فئة يرجع إليها، يقاتل ».
(٢) في ح: «قتل».
(٣) سورة الحجرات: ٩.
[ ١ / ٤٤٧ ]
سمعت الشافعي يقول: الخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وعمر بن عبد العزيز، رضوان الله عليهم (١).
وإنما قال هذا لِما ظهر من عدله وحسن سيرته. ثم إنه كان يرى وجوب طاعة مَنْ غلب بالسيف من المسلمين في غير معصية الله.
أخبرنا أبو عبد الله، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا حرملة، قال:
سمعت الشافعي يقول: كان من غلب على الخلافة بالسيف حتى يسمى خليفة ويجمع الناس عليه – فهو خليفة.
قال حرملة: يعني إذا كان من قريش يُغْزَى معه وتُصلَّى خلفه الجمعة. ومن لم يفعل فهو صاحب بدعة.
وقد روينا في «كتاب فضائل الصحابة» توبة من قاتل عليًّا من أصحاب النبي، ﷺ، يوم الجمل، وروينا اعتراف معاوية بذنوبه في قصة المِسْوَر بن مَخْرَمّةَ، وأنه يرجو النجاة بكلمة الشهادة، وما يقيمه من الحدود، وقتال المشركين مع صحبة رسول الله، ﷺ. والله أعلم.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو الوليد الفقيه، قال: حدثنا أبو بكر بن عبيدة الوبري (٢)، عن يونس بن عبد الأعلى، قال:
_________________
(١) تاريخ دمشق ١٠/ ١٩١ – ا.
(٢) في ا: «الدبري» وهو تصحيف، وهو أحمد بن محمد بن عبيدة بن زياد بن عبد الخالق الثعالبي الوبري. كما في الأنساب ٥٧٨.
[ ١ / ٤٤٨ ]
سمعت الشافعي يقول: سئل عمرُ بن عبد العزيز عن أهل صفّين؟ فقال: تلك دماء طهَّر الله منها يدي فلا أحِبُّ أن أخْضِب لساني بها.
قلت: وهذا رأي حسن جميل من عمر بن عبد العزيز، ﵁، في السكوت عما لا يعنيه إذا لم يحتج إلى القول فيه.
فأما إذا احتاج إلى تعلّم السيرة في قتال الفئة الباغية، فلا بد له من متابعة علي بن أبي طالب في سيرته في قتالهم.
ثم ولا بد من أن يعتقد كونه محقًّا في قتالهم. وإذا كان هو محقًّا في قتالهم كان خصمه مخطئًا في قتاله والخروج عليه، غير أنه لم يخرج ببغيه عن الإسلام، كما حكينا عن الشافعي، رحمة الله عليه، في متابعته عليًّا في سيرته في قتالهم، وتسمية الطائفتين جميعًا مسلمتين.
وفي قتال علي ومعاوية وخروج مارقة من بينهما، وهم أهل البهروان – ورد الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري أن النبي، ﷺ، قال:
«تكون أمتي فرقتين فتخرج من بينهما خارجة مارقة يلى قتلها أولاهما بالحق (١)».
وفي رواية أخرى: «تقتلها أولى الطائفتين بالحق».
_________________
(١) حديث أبي سعيد في مسند أحمد ٣/ ٦٤، ٦٥، ٨٢، ٩٧ (ط الحلبي). [م – ٢٩] مناقب
[ ١ / ٤٤٩ ]
فجعل النبي، ﷺ، الفرقتين جميعًا من أمته، وجعل الذي قتلها أولاهما بالحق، فوليها علي.
وروينا عن أبي بَكْرَةَ عن النبي، ﷺ: أنه سماها مسلمين في قصة الحسن بن علي (١) ﵃.
وروينا عن (٢) على أنه سئل عن أهل الجمل؟ فقال: إخواننا بَغَوْا علينا فقاتلناهم، وقد فاءوا وقد قبلنا منهم.
وكان عبد الله بن عمر إذا ذكر أهل صفّين قال: قوم أصابتهم فتنة، يغفر الله لنا ولهم.
فنقول ما قال سلفنا، ﵃، في كل واحدة من الطائفتين عند الحاجة إليه. ونسكت عما [سكتوا عنه] عند الاستغناء به عنه. وبالله التوفيق.
ومما (٣) حكى عن أبي داود السجستاني أن «أحمد بن حنبل» أُخبِر أن
_________________
(١) يشير إلى ما رواه في كتاب الاعتقاد ص ١٩٨ بسنده عن الحميدي، عن سفيان. عن إسرائيل، عن أبي موسى قال: سمعت الحسن قال: سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله، ﷺ، على المنبر، والحسن بن علي معه إلى جنبه، وهو يلتفت إلى الناس مرة وإليه مرة، ويقول: إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين من المسلمين. قال سفيان: قوله: «فئتين من المسلمين» يعجبنا جدًا وعقب عليه البيهقي بقوله: «وإنما أعجبهم؛ لأن النبي، ﷺ، سماهما جميعًا مسلمين».
(٢) في ا: «عنه».
(٣) في ا: «وفيما».
[ ١ / ٤٥٠ ]
«يحيى بن معين» ينسب «الشافعي» إلى التشيع، فقال له أحمد: تقول هذا لإمام من أئمة المسلمين؟
فقال يحيى: إني نظرت في «كتابه (١) في قتال أهل البغي» فإذا قد احتج من أوله إلى آخره بعلي بن أبي طالب.
فقال أحمد بن حنبل: عجبًا لك! فبمن كان يحتج الشافعي في قتال أهل البغي، وأول من ابتلي من هذه الأمة بقتال أهل البغي علي بن أبي طالب؟ وهو الذي سنَّ (٢) قتالهم وأحكامهم. ليس عن النبي، ﷺ، ولا عن الخلفاء وغيره – فيه سنة، فبمن كان يَسْتَنُّ؟ فخجل يحيى من ذلك (٣).
_________________
(١) في ا: «في كتاب قتال».
(٢) في ا: «بين».
(٣) مناقب الشافعي للرازي ٥٢.
[ ١ / ٤٥١ ]
باب (١)