* * *
قرأت في كتاب أبي نعيم الأَصبِهاني سماعَه من محمد بن إبراهيم بن أحمد، قال: حدثنا زاهر بن محمد بن الفيض: أبو الصقر الحِمْيري (١) الشّيزري، بها، إملاءً، من أصله، قال: حدثنا منصور بن عبد العزيز الثعلبي - بمصر - قال: حدثنا محمد ابن إسماعيل بن الحبَّال الحِمْيَري، عن أبيه، قال:
كان محمد بن إدريس الشافعي رجلا شريفًا. فذكر الحكاية في ابتداء تعلّمه، ورحلته إلى مالك بن أنس، ثم خروجه إلى اليمن، ثم حمله إلى العراق، ثم رجوعه، ثم حمله إلى العراق مرة أخرى، مقيدًا، واجتماعه مع محمد بن الحسن، وبِشر المريسي، في مجلس هارون الرشيد.
قال: فقال له بشر: أخبرني ما الدليل على أن الله تعالى واحد؟
فقال الشافعي: يا بشر، ما تردك من لسان الخواص فأكلمك على لسانهم، إلا أنه لا بدّ لي من أن أجيبك على مقدارك من حيث أنت الدليل عليه به، ومنه وإليه، واختلاف الأصوات من المصوّت إذا كان المحرّك واحدًا: دليل على أنه واحد، وعدم الضد في الكلام (٢) على الدوام: دليل على أن الله واحد،
_________________
(١) في ح، هـ: «أبو الصقر بن محمد الشيرزي».
(٢) في ا: «الكمال».
[ ١ / ٣٩٩ ]
وأربع نيرات (١) مختلفات، في جسد واحد، متفقات الدوام (٢) على تركيبه (٣) في استقامة الشكل: دليل على أن الله واحد. وأربع طبائع مختلفات في الخافقين، أضداد غير أشكال، مؤلفات على إصلاح الأحوال: دليلٌ على أن الله واحد: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ كل ذلك: دليل على أن الله واحد لا شريك له.
فقال له بشر: وما الدليل على أن محمدًا رسول الله؟
قَال: القرآن المنزل، وإجماع المسلمين عليه، والآيات التي لا تليق بأحد غيره – يعني المعجزات التي ظهرت عليه دون غيره – وتقرير المعلوم (٥) في كون الإيمان بدليل واضح: دليل على أنه رسول الله، ﷺ، لا بعده مُرْسَلٌ نُقِرُّ له.
_________________
(١) وتفسيره: أن في للبدن نيرانًا أربعة: «أحدها»: نار الشهوة، وهي الحرارة التي تثور في بدن الإنسان عند قضاء شهوة الجماع. «وثانيها»: حرارة الغضب، وهي الحرارة التي تثور عند استيلاء الغضب. «وثالثها»: الحرارة القائمة بأعضاء الغذاء، وهي الحرارة المؤثرة في هضم الأغذية. «ورابعها»: الحرارة الغويزية المتولدة في قلب الحيوان، وهي الحرارة التي بها يتم أمر الحياة، فهذه الأنواع الأربعة من الحرارة نيران مختلفة بالماهية، ثم إنها اجتمعت في بدن الإنسان، وبقى كل واحد منها على صفتها المخصوصة، وطبيعتها المخصوصة، وهي كامنة في بدن الإنسان، لا تظهر إلا عند وقت الحاجة إليها، ثم إنها، مع اختلافها وتباينها، متوافقة متعاونة، على تحصيل مصلحة الإنسان، وموجبة لاستقامة ذلك الجسد.
(٢) ليست في ح ولا في هـ.
(٣) في ح: «رتبته».
(٤) سورة البقرة: ١٦٤.
(٥) في ح: «تقدير المعلوم» وفي هـ: «وتقرير العلوم».
[ ١ / ٤٠٠ ]
وذِكر باقي الحكاية وفيها: فقال له بشر: ادعيت الإجماع، فهل تعرف شيئًا أجمع الناس عليه؟
قال: نعم أجمعوا على أن هذا الحاضر أمير المؤمنين، فمن خالفه قتل. فضحك الرشيد وأمر بأخذ القيد عن رجله وخلع عليه وأمر له بخمسين ألف درهم (١). وقد أخبرني به الثقة من أصحابنا أن أبا نعيم أنبأه إجازة. فذكره.
* * *
وقال الشافعي في تحميد ربه ﷿: قال الله ﵎: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (٢)﴾.
قال الشافعي: والحمد لله الذي لا يؤدَّى شكرُ نعمة من نعمه إلا بنعمة منه توجب على مُؤَدِّى ماضي (٣) نِعَمِه بأدائها: نِعْمةً حادثةً يجب عليه شكرُه بها (٤)، ولا يبلغ الواصفون كُنْهَ عظمته الذي هو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه به (٥) خلقه
وأحمد حمدًا كما ينبغي لِكَرم وجهه وعِزِّ جلاله. ولأستعينه استعانةَ مَنْ لا حول له ولا قوة إلا به. وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه. وأستغفره لما أزلفت وأخرت استغفارَ من يُقرُّ بعبوديته، ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو.
_________________
(١) راجع القصة في الحلية ٩/ ٨٠ – ٨٤.
(٢) سورة الأنعام: ١.
(٣) في ا: «ما مضى». وما أثبتناه موافق لما في الرسالة ص ٨.
(٤) من الرسالة.
(٥) سقطت من ا. [م – ٢٦] مناقب
[ ١ / ٤٠١ ]
وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله. ثم ساق الكلام إلى آخره (١).
وهو فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب قال: أخبرنا الربيعُ بن سليمان، قال: أخبرنا الشافعي. فذكره.
وقال في كتاب «الرسالة القديمة»:
وأنا أسأل اللهَ المبتدئَ لنا بنعمه قبل استحقاقها، المُديمَها (٢) علينا بإفضاله مع تقصيرِنَا، الْجَاعِلَنا في خير أمة أُخْرجت للناس: أمة خيرِ خَلْقه: محمدٍ عبده ورسوله ﷺ – أن يأخذ بأسماعنا وقلوبنا وألسنتنا إلى طاعته، وأن يَمْلِك لنا أنفُسَنا وألسنتنا وجميعَ جوارحنا عما يُخالف طاعته وأن لا يكلنا إلى أنفسنا؛ فإنه إن وَكَلَنا إليها وكَلَنا إلى غير كافٍ، وأن يُحْضِرنا العصمةَ والتوفيق، ويُنْطق ألسنتنا بالحق الذي لا تَخْلِطُه الشُّبَه ولا تَمِيلُ به الأهْواء ولا تَخُونه (٣) الغَفَلات.
وله دعوات حسان قد نَقلْت أكثرَها إلى كتاب الصلاة والحج من كتاب «المعرفة». وبالله التوفيق والعصمة.
_________________
(١) الرسالة ص ٨ وما بعدها.
(٢) في ا: «المديمة».
(٣) في ا: «تحويه».
[ ١ / ٤٠٢ ]
باب