* * *
أخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد الماليني قال: حدثنا أبو أحمد بن عدي الحافظ قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن حيوية قال: وجدت في كتاب لأبي سعيد الفريابي (١) رحمة الله عليه أن المزني قال:
قال الشافعي: قال رسول الله ﷺ: «حدثوا عن نبي إسرائيل ولا حرجَ وحدِّثوا عني ولا تكذِبُوا عليّ» (٢).
قال: معناه أن الحديث إذا حدثت به وأدّيته على ما سمعت حقًّا كان أو غير حق لم يكن عليك حرج، والحديث عن رسول الله ﷺ لا ينبغي أن يُحدث به إلا عن ثقة.
وقد قيل (٣): «من حدَّث حديثًا وهو يَرَى أنه كذبٌ فهو أحدُ الكاذِبَيْن» (٤).
_________________
(١) في ا: «الفريابي قال: قال «المزني».
(٢) أخرجه الشافعي في الرسالة ص ٣٩٧ من حديث أبي هريرة، والبغدادي في شرف أصحاب الحديث ل ٣١ - ب، والحميدي في مسنده ٣/ ٤٩١ - ٤٩٢ وأحمد في المسند ٢/ ٤٧٤، ٥٠٢. وأخرجه البيهقي في المعرفة من حديث أبي هريرة وغيره ١/ ٤٨ - ٤٩.
(٣) القائل: رسول الله ﷺ.
(٤) أخرجه الشافعي في الرسالة ص ٣٩٩، والبيهقي في المعرفة ١/ ٥٠، وفي المدخل إلى دلائل النبوة لوحة ٥ - ب، ومسلم في مقدمة صحيحه ١/ ٩ وابن ماجه في مقدمة السنن ١/ ١٤، ١٥ وأبو داود الطيالسي في مسنده ص ١٢١ وابن حبان في صحيحه ١/ ١٦٦.
[ ٢ / ٢٥ ]
قال: إذا حدثت بالحديث فيكون عندك كذبًا ثم تحدثه فأنت أحد الكاذبين في المأثم.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباسي: محمد بن يعقوب قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي بعد فصل ذكره:
وجماع هذا أنه لا يقبل إلا حديث ثابت كما لا يقبل من الشهود إلا من عرف عدله (١).
وإذا كان الحديث مجهولا أو مرغوبا عمن حمله كان كما لم يأت لأنه ليس بثابت.
وذكر بهذا الإسناد شرائط من يقبل خبره فقال:
ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا منها:
أن يكون من حدّث به ثقةً في دينه، معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلًا لما يحدث به، عالمًا بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدِّي الحديث بحروفه كما سمعه، ولا يحدِّث به على المعنى؛ لأنه إذا حدَّث به على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه - لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام. وإذا أدى بحروفه لم يبق وجه يخاف فيه إحالة الحديث.
حافظًا إن حدّث من حفظه. حافظًا لكتابه إن حدّث من كتابه. إذا شرك (٢) أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم. بريئًا من أن يكون مدلِّسًا،
_________________
(١) في ح: «عدالته».
(٢) في ح: «إذا ترك شرك» وهو خطأ.
[ ٢ / ٢٦ ]
يحدث عمن لقى ما لم يسمع منه أو يحدث عن النبي ﷺ بما يحدث الثقات خلافه.
ويكون هكذا مَنْ فوقه ممن حدثه ينتهي بالحديث موصولا إلى النبي ﷺ، أو إلى من انتهى به إليه دونه؛ لأن كل واحد منهم مُثْبِتٌ لِمَنْ حدَّثه ومثبتٌ على من (١) حدَّث عنه (٢).
قال في القديم في رواية الزعفراني عنه:
فإن جُهِل منهم واحد وقف عن روايته حتى يعرف بما وصفت فيقبل خبره أو بخلافه فيردَّ خبره، كما يقف الحاكم عمن شهد عنده حتى يتبيّن عدله فيقبل شهادته أو جرحه فيردَّ شهادته.
وقال في الجديد في روايتنا:
ومن كثر (٣) غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل كتاب صحيح - لم يقبل حديثه، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادات لم تقبل شهادته.
قال: وأقبل الحديث: حدثني فلان عن فلان، إذا لم يكن مدلِّسًا.
ومن عرفناه دلّس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته وليست تلك العورة بِكَذبٍ فيردّ بها حديثُه، ولا على النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نَقْبل من مدلِّسٍ حديثًا حتى يقول: حدثني أو سمعت.
_________________
(١) في ا: «لمن».
(٢) معرفة السنن والآثار ١/ ٤١ - ٤٢.
(٣) المعرفة ١ - ٤٢.
[ ٢ / ٢٧ ]
قال الشافعي: ولا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك بأن يحدِّث المحدِّث بما لا يجوز أن يكون مثله، أو يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه.
وقال بهذا الإسناد في الفرق بين الشهادة والخبر:
إني أقبل في الحديث الرجلَ الواحدَ والمرأة، ولا أقبل واحدًا منهما في الشهادات وحده. وأقبل الحديث: حدثني فلان عن فلان إذا لم يكن مدلِّسا، ولا أقبل في الشهادات إلا سمعت أو رأيت أو أشهدني.
وتختلف الأحاديث: فنأخذ ببعضها استدلالًا بكتاب الله أو سنة أو إجماع أو قياس. وهذا لا يؤخذ به في الشهادات.
ثم يكون بشر كلّهم تجوز شهادته، ولا أقبل حديثه من قبل ما يدخل في الحديث من كثرة الإحالة وإزالة بعض الألفاظ والمعاني. وبسط الكلام فيه إلى أن قال في شرح ذلك:
وتكون اللفظة تُتْرك من الحديث فتُحيل معناه، أو ينطق بها بغير لفظ المحدث والناطق بها غير عامد لإحالة الحديث فتحيل معناه. فإذا كان الذي يحمل الحديث يجهل هذا المعنى وكان غير عاقل للحديث فلم يقبل حديثه إذا كان ممن لا يؤدي الحديث بحروفه وكان يلتمس تأديته على معانيه وهو لا يعقل المعنى.
وقال في الفرق بينهما: حيث قبل خبر الواحد ولم تقبل شهادة الواحد وحده أن يكون العدل يكون جائزَ الشهادة في أمور مردودًا في أمور: إذا
[ ٢ / ٢٨ ]
شهد في موضع يَجُرُّ به إلى نفسه زيادة، أو يدفع بها عن نفسه غرمًا، أو إلى والده وولده، أو يدفع بها عنهما، ومواضع الظن سواها.
والشاهد إنما يشهد على واحد ليلزمه غرما أو عقوبة وللرجل ليُؤْخذ له غرم أو عقوبة وهو خلى مما لزم غيره.
وبسط الكلام فيه إلى أن قال:
والمحدِّث بما يحل ويحرم لا يجر إلى نفسه ولا إلى غيره ولا يدفع عنها ولا عن غيره شيئا مما يَتَموَّلُ الناسُ، ولا بما فيه عقوبة عليهم ولا [لهم، (١) و] هو ومن حدثه ذلك الحديث من المسلمين سواء.
وبسط الكلام فيه إلى أن قال:
ولأنهم - يعني (٢) المحدثين من أهل العلم - وُضِعُوا موضع الأمانة ونُصِبُوا أعلامًا للذين كانوا عالمين بما ألزمهم الله من الصدق في كل أمر، وإن الحديث في الحلال والحرام أعلى الأمور وأبعدها من أن يكون فيه موضع ظنة، وقد قدم إليهم في الحديث عن رسول الله، ﷺ، بشيء لم يتقدم إليهم في غيره: فوعد على الكذب عن رسول الله، ﷺ، النار. وذكر الأحاديث التي وردت في هذا الباب، وهي مذكورة في غير هذا الكتاب.
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي، عن الزبير بن عبد الواحد، عن القزويني - قاضي مصر - عن الربيع، قال:
سمعت الشافعي يقول:
_________________
(١) سقط من ح.
(٢) في ح: «بمعنى».
[ ٢ / ٢٩ ]
لا يجوز لأحد أن يختصر حديث رسول الله، ﷺ، فيأتي ببعض الحديث ويترك بعضه، يحدث بالحديث كما روى عنه بألفاظه؛ ليدرك كلٌّ مما سمع منها ما فهَّمَه الله ﵎.
أخبرنا أبو عبد الرحمن بن الحسين السُّلمي قال: حدثنا الحسين بن محمد الماسرجَسِي الحافظ قال: حدثنا محمد بن سفيان - بمصر - قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: قال الشافعي ﵀: الأصل قرآن أو سنة، فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل الحديث عن رسول الله، ﷺ، وصح الإسناد منه فهو سنة، والإجماع أكثر من الخبر الواحد المنفرد، والحديث على ظاهره، وإذا احتمل الحديث المعاني فما أشبه منها ظاهره أولاها به، وإذا تكافأت الأحاديث فأصحها إسنادًا أولاها، وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع ابن المسيب، ولا يقاس أصل على أصل، ولا يقال لأصل: لم ولا: كيف؟ وإنما يقال للفرع: لم، فإذا صح قياسه على الأصل صح وقامت الحجة به، فإذا روى الثقة حديثا ولم يروِه غيره لا يقال شاذا؛ إنما الشاذ أن يروى الثقات حديثا على نصٍّ - أو قال على نسق - ثم يرويه بعضهم مخالفًا لهم يقال: شذ عنهم (١).
هكذا رواه أبو موسى: يونس بن عبد الأعلى، عن الشافعي في المنقطع. وشرط الشافعي في المنقطع في «كتاب الرسالة» ما نقلناه في «كتاب المدخل» و«كتاب المعرفة (٢)» وغيرهما وهو: أن لا يقبل المراسيل من بعد كبار التابعين. قال الشافعي: لأمور:
_________________
(١) آداب الشافعي ص ٢٣١ - ٢٣٤.
(٢) معرفة السنن والآثار ١/ ٧٩ - ٨٤.
[ ٢ / ٣٠ ]
أحدها: أنهم أشدُّ تحرُّزًا فيمن يرْوُون عنه.
والآخر: أنهم تؤخذ عليهم الدلائل فيما أرسلوا بضعف مخرجه.
والآخر: كثرة الإحالة في الأخبار، فإذا كثرت الإحالة كان أمكن لسهوهم وضعف (١) من يقبل عنه، فأما كبار التابعين الذين أرسلوا الحديث فشركهم الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله ﷺ.
قال الشافعي: فإن انفرد - يعني الواحد منهم - بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده قُبل ما ينفرد به من ذلك، ويعتبر عليه بأن ينظر: هل يوافقه مُرْسَلُ غيره ممن قَبِل العلم من غير رجاله الذين قبل عنهم، فإن وجد ذلك كانت دلالة تقوى له مُرْسَله، وإن لم يوجد ذلك نظر إلى بعض ما يروى عن أصحاب النبي، ﷺ قولا له فإن وجد يوافق ما روى عن رسول الله ﷺ كانت هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح إن شاء الله، وكذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روى عن النبي ﷺ بمن يعتبر عليه بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولا، ولا مرغوبا عن الرواية عنه فيستدل بذلك على صحته فيما روى عنه، ويكون إذا شرك أحدا من الحفاظ في حديث لم يخالفه.
وبسط الكلام فيه وهو فيما أخبرناه أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس قال: حدثنا الربيع قال: حدثنا الشافعي. فذكره.
_________________
(١) في ح: «للوهم والضعف».
[ ٢ / ٣١ ]
قلت: فالشافعي ﵀، يقبل مراسيل كبار التابعين إذا انضم إليها ما يؤكدها، وقد ذكرنا في «كتاب المدخل» من أمثلتها بعضها، وإذا لم ينضم إليها ما يؤكدها [لم يقبله] سواء كان مرسل ابن المسيَّب أو غيره.
وقد ذكرنا في غير هذا الموضع مراسيل لابن المسيب لم يقل بها الشافعي حين لم ينضم إليها ما يؤكدها، ومراسيل لغيره قد قال بها حين انضم إليها ما يؤكدها، وزيادة ابن المسيب على غيره في هذا: أنه أصح التابعين إرسالا فيما زعم الحفاظ والله أعلم
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس قال: حدثنا الربيع قال:
حدثنا الشافعي قال: حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد قال: سألت ابنًا لعبد الله بن عمر عن مسألة فلم يقل فيها شيئا فقيل له: إنا لنعظم أن يكون مثلك ابن إمامَيْ هُدًى (١) تُسأل عن أمر ليس عندك فيه علم؟ فقال: أعظمُ والله من ذلك عند الله، وعند مَن عرف الله، وعند مَنْ عقل عن الله أن أقول ما ليس لي به علم أو أخبر عن غير ثقة (٢).
وبإسناده قال: حدثنا الشافعي قال: أخبرني عمي: محمد بن علي بن شافع عن هشام، عن عروة، عن أبيه قال: إني لأسمع الحديث أستحسنه فما يمنعني
_________________
(١) في مقدمة صحيح مسلم. يعني عمر وابن عمر.
(٢) مقدمة صحيح مسلم ١/ ١٦، والكفاية ٣٣، والأم ٦/ ٩١، والمعرفة ١/ ٥٢.
[ ٢ / ٣٢ ]
من ذكره إلا كراهيةُ أن يسمعه سامعٌ فيقتدي به. أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدثه عمن أثق به، وأسمعه (١) من الرجل أثق به قد حدثه عمن لا أثق به.
قال الشافعي: وقال سعد بن إبراهيم: لا يحدث عن النبي ﷺ إلا الثقات (٢).
أخبرنا أبو الحسين: علي بن محمد بن عبد الله بن بشران قال: حدثنا أبو جعفر: محمد بن عمرو الرزاز قال: حدثنا محمد بن إسماعيل السُّلمي قال: سمعت الحميدي يقول: سمعت ابن عيينة يقول: سمعت مِسْعر بن كدام يقول: سمعت سعد بن إبراهيم يقول: لا يحدِّثُ عن النبي ﷺ إلا الثقات.
* * *
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو الوليد: حسان بن محمد الفقيه قال: حدثنا إبراهيم بن محمود قال: سمعت الربيع يقول:
سمعت الشافعي وسأله رجل عن شيء من أمر نوح فقال الشافعي: ليتنا نجد بيننا وبين نبينا ﷺ أي شيء يصح فكيف بيننا وبين نوح؟!
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الحسن: محمد بن عبد الله الجوهري يقول: سمعت أبا بكر: محمد بن إسحاق يقول: سمعت أبا عبد الله: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري يقول:
_________________
(١) في ح: «إسمعه» وهو خطأ. والخبر في المعرفة ١/ ٥٢، والأم ٦/ ٩١، والكفاية ص ٣٢.
(٢) أخرجه الشافعي في الأم ٦/ ٩١، ومسلم في مقدمة الصحيح ١/ ١٥، والخطيب في الكفاية ص ٣٢، والبيهقي في معرفة السنن والآثار ١/ ٥٢، وعلي بن الجعد في مسنده لوحة ١٨٩. (م - ٣ مناقب جـ ٢)
[ ٢ / ٣٣ ]
كان الشافعي ﵀ إذا سئل عمّن لا يعرفه: أثقة هو؟ فيقول: والله لا أشهد أنه مسلم.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلمي قال: حدثنا محمد بن العباس الضَّبِّي قال: أنبأنا عيسى بن عبد الله.
ح. وأخبرنا أبو عبد الرحمن قال: حدثنا أبو محمد بن أبي حامد قال: حدثنا عيسى بن عبد الله العُثماني قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
سمعت الشافعي يقول: قال سفيان بن عيينة: حدث الزهري يوما بحديث فقلت: هاته بلا إسناد فقال لي الزهري: أترقى السطح بلا سلم؟ وفي روايته عن الضبي: أترقى السطح بلا سُلَّم؟
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا سهل محمد: بن سليمان الفقيه إمام الشافعيين في عصره يقول: [سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول (١):]
سمعت الشافعي يقول: إذا قرأت على المحدث فقل: أخبرنا، وإذا قرأ عليك المحدث فقل: حدثنا (٢).
وكذلك حكاه زكريا الساجي وغيره، عن الربيع، عن الشافعي، قال: زكريا: سمعت الحسن بن محمد الزعفراني يقول:
كان الشافعي إذا حدثنا عن مالك يقول: حدثنا، وربما (٣) يقول: أنبأنا، كأنه واحد.
_________________
(١) ما بين القوسين سقط من ا.
(٢) آداب الشافعي ٩٩، والكفاية ٣٠٣، والمعرفة ١/ ٨٧.
(٣) في ا: «وإنما».
[ ٢ / ٣٤ ]
قلت: الذي رجع إليه الشافعي في الجديد قول أحمد بن حنبل وأكثر أهل الحديث.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني الحسين بن محمد الدارمي (١) قال: أخبرنا عبد الرحمن - يعني محمد بن إدريس - قال: أخبرني أبي قال:
سمعت الربيع بن سليمان يقول: همّ الشافعي بالخروج - يعني من مصر - وكان قد بقي عليّ من كتاب البيوع شيء، فقلت للشافعي: أجزه لي فقال: ما قرئ عليّ فكما قرئ عليّ فأعدت عليه بعد ذلك، فأعاد مثل ما قال أولًا وما زادني على ذلك، ثم منَّ الله علينا به فأقام عندنا بعد ذلك مدة، فسمعنا بعد ذلك وتوفى عندنا. يعني أنه كره الإجازة (٢).
قلت: وقد كرهها أيضا مالك بن أنس وجماعة من الحفاظ، ورخص فيها جماعة منهم، ومن رخص فيها ميزها من السماع وبيّنها للفرق بينهما، وترجيح (٣) السماع عليها لما يخشى فيما أجيز له ووصل إليه كتابه من الإحالة والتحريف.
وبالله التوفيق.
أخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: أخبرنا يونس (٤) بن عمر الزاهد قال: قرئ على أبي الحسن المصري وأنا أسمع: حدثكم عمر بن عبد العزيز بن مقلاض قال: سمعت أبي يقول:
سمعت الشافعي يقول: قال شعبة بن الحجاج: التدليس أخو الكذب.
_________________
(١) في ح: «الحسن بن محمد الرازي».
(٢) معرفة السنن والآثار ١/ ٨٧، والكفاية ٣١٧، وآداب الشافعي ٩٨.
(٣) في ا: «فترجيح».
(٤) في ا: «يوسف».
[ ٢ / ٣٥ ]
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو أحمد بن الحسن قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، ابن أخي عبد الله بن وهب قال:
سمعت الشافعي يقول: إذا رأيت الكتاب فيه إلحاق وإصلاح فاشهد له بالصحة.
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا الحسن القصار الفقيه يقول: سمعت ابن أبي حاتم يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
قرأت «كتاب الرسالة المصرية» على الشافعي نيفا وثلاثين مرة فما من مرة إلا كان يصححه. ثم قال الشافعي في آخره: أبى الله (١) أن يكون كتاب صحيح غير كتابه.
قال الشافعي: يدل على ذلك قول الله ﵎: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٢)﴾.
قلت: ومما يذكر في إتقان الشافعي ﵀ روايةَ الحديث أنه كان سمع من مالك بن أنس الكثير، ثم روى حديثا لم يسمعه منه عن الثقة عنده، عن عبد الله بن الحارث عن مالك. وكان قد سمعه من عبد الله بن الحارث فشك فيه فتركه، ورواه عن الثقة عبد الله بن الحارث، ورواه أيضًا عن مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جريج، عن سفيان الثوري، عن مالك، عن رجل، عن عبد الله بن نافع، عن مالك، مع سماعه الكثير من عبد الله بن نافع.
_________________
(١) في ا: «والله».
(٢) سورة النساء: ٨٢.
[ ٢ / ٣٦ ]
وكان قد سمع الحديث الكثير من «عبد العزيز بن محمد الدراوَرْدي، وروى ما لم يسمعه منه عن عمرو بن سلمة وغيره عن عبد العزيز. وله من هذا الجنس روايات كثيرة.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي قال:
كتب الشافعي حديث ابن عجلان، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه، عن النبي ﷺ: «أنه رأى رجلا يصلي في ناحية المسجد فقال له: ارجع فصلّ فإنك لم تصلّ (١)» كتب الشافعي هذا الحديث عن حسين الألثغ عن يحيى بن سعيد. قال: [أَبو محمد - يعني (٢)] ابن أبي حاتم -: ولعل يحيى بن سعيد كان حيا في ذلك الوقت.
قلت: وهذا لأن هذا الحديث كان عند الشافعي عن إبراهيم بن محمد، وكان إبراهيم قد خلَط في إسناده، فأحبَّ أن يسمعه من طريق صحيح فسمعه ممن هو أصغر سنا منه لحاجته إليه، ولم يستنكف من ذلك لتقواه الله تعالى (٣)، ولأن قصده من العلم كان الإرشاد والنصيحة، لا الشرف (٤) به وبالعالي من الإسناد. وبالله التوفيق.
وقوله في بعض رواياته: «أخبرنا الثقة» لا لأنه كان يأنف من ذكر اسمه،
_________________
(١) راجع الحديث من رواية أبي هريرة في صحيح مسلم ١/ ٢٩٨، والسنن الكبرى ٢/ ٣٧.
(٢) ما بين القوسين ليس في ح.
(٣) في ا: «لقوله تعالى».
(٤) في ا: «التسوق» وهو تحريف.
[ ٢ / ٣٧ ]
ولكن لمعنى آخر ذكرناه في رواية محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن الشافعي، في شيء حكاه ابن عبد الحكم عن الشافعي، فلم يذكره الشافعي، فجعل ابن عبد الحكم يذكره حتى ذكره، فقال: يا محمد، لا تحدث عن حيّ؛ فإن الحي لا يُؤمن عليه النسيان.
فكأنه، ﵀، حين وضع الكتاب الذي روى فيه عن الثقة عنده لم تبلغه وفاة (١) المروي عنه فاستعمل ما قاله لابن عبد الحكم. والله أعلم.
ومما يعد [في إتقانه: أنه كان يجد (٢)] الحديث في كتابه في موضعين: أحدهما موصولا والآخر منقطعًا فيرويه منقطعا.
ومما يعد في إتقانه: أنه كان يروي له بعض شيوخه حديثًا مرفوعًا فيجده في رواية الحفاظ موقوفًا فيقفه ويبيِّنه.
وكذلك يروي له بعض شيوخه حديثا متصلا فيجده في رواية الحفاظ منقطعا فيرسله ويبينه.
ومما يعد في احتياطه لنفسه ونظره في كتبه لدينه أنه كان لا يرى الاحتجاج برواية المجهولين ولا بما كان ضعيفا عنده بانقطاع أو ضعف راوٍ، وإن رواه في جملة ما روى من الأحاديث بيَّن ضعف، وأخبر أن اعتماده فيما اختار على غيره. ومثال ذلك فيما أخبرنا أبو سعيد: محمد بن موسى قال: حدثنا أبو العباس الأصم قال: حدثنا الربيع قال:
قال الشافعي ﵀ في أثرين ذكرهما في مسألة من «كتاب الحدود»:
_________________
(١) في ا: «وقاله».
(٢) ما بين القوسين سقط من ا.
[ ٢ / ٣٨ ]
وهاتان الروايتان وإن لم تُخالفهما (١) غير معروفتين عندنا، ونحن نرجو أن لا يكون ممن تدعوه الحجة على من خالفه إلى قبول خبر من لا يَثبت خبره بمعرفته عنده. وله من أمثال هذا كلام كثير نقله إلى «كتاب المعرفة».
ومما يعد في إتقانه واحتياطه: أنه كان يروي حديثا بإسناد صحيح وآخر بإسناد أضعف منه فيميز بينهما فيما يدبر من الكلام بالعبارة.
ومثال ذلك أنه روى حديث مالك وسفيان عن أبي الزبير عن جابر أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى في الأرنب بعَناق (٢)، وحديثه عن سعيد عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الضحاك عن ابن عباس في معناه. ثم قال فيما يريد من الكلام: وقلنا قول عمر بن الخطاب وما روى عن ابن عباس أن فيها عَناقا دون المسِنَّة، وذكر حجته. فميز بينها في اللفظ؛ لأن الرواية فيه عن عمر رضي الله تعالى عنه موصولة صحيحة من ابن عباس فقال: وما روى ابن عباس لم يقل قول ابن عباس.
_________________
(١) في ح: «يخالفانا».
(٢) في الأم ٢/ ١٦٤ - ١٦٥: أخبرنا مالك وسفيان، عن أبي الزبير، عن جابر أن عمر ابن الخطاب قضى في الأرنب بعناق. أخبرنا سعيد بن سالم، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس: أنه قال: في الأرنب شاة. أخبرنا سعيد، عن ابن جريج أن مجاهدا قال: في الأرنب شاة. قال الشافعي: الصغيرة والكبيرة من الغنم يقع عليها اسم شاة، فان كان عطاء ومجاهد أرادا صغيرة فكذلك نقول، ولو كانا أرادا مسنة خالفناهما، وقلنا قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وما روى عن ابن عباس من أن فيها عناقا دون المسنة، وكان أشبه بمعنى كتاب الله تعالى، وقد روى عن عطاء ما يشبه قولهما: أخبرنا سعيد بن سالم، عن الربيع بن صبيح، عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: في الأرنب عناق أو حمل.
[ ٢ / ٣٩ ]
وله من أمثال ذلك كلام كثير يطول ذكره. والله يوفقنا لما وفقه له بفضله ورحمته.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا عبد الله: الحسين بن الحسن الفقيه ببخاري يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام فقال لي: هذه الأحاديث التي في كتب الشافعي ﵀ وهو يرويها عني يجب أن تأخذها لفظا بعد لفظ.
وقد حدثني رفيقنا أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم بن عبدان الكرماني بهذه الرؤيا أشبع من هذا قال: سمعت أبا عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام ببخاري كأنه في صحراء على ربوة من الأرض، وبين يديه الأئمة الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ﵃ أجمعين، وكلّ واحد منهم على يسار صاحبه دونه، وأنا دونهم، فقال لي رسول الله ﷺ: هذه الأحاديث التي في كتاب الشافعي وهو يرويها عني يجب أن تأخذها لفظا بعد لفظ.
[ ٢ / ٤٠ ]
باب