* * *
أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
سمعت «الحُمَيْدي» يقول: قدم الشافعي، ﵁، من «صنعاء» إلى «مكة» بعشرة آلاف دينار في منديل، فضرب خباءه في موضع خارجا من مكة، فكان الناس يأتونه فما برح حتى ذهبت كلها (١).
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا محمد: عبد الله بن محمد ابن علي يقول: سمعت أبا نعيم الفقيه يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الحميدي يقول. فذكره بمثله.
وبهذا الإسناد قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: أخذ رجل بركاب الشافعي فقال الشافعي: يا ربيع، أعطه الأربعة دنانير واعتذر لي منه (٢).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثني أبو بكر: محمد بن أحمد بن بالويه الجلاب قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا الربيع. فذكره بمثله إلا أنه قال: واعذرني.
_________________
(١) حلية الأولياء ٩/ ١٣٠، والمناقب للرازي ١٢٨.
(٢) في ا: «أربعة. . . واعذرني. . .» والخبر في الحلية ٩/ ١٣٠.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني نصر بن محمد قال: حدثنا أبو علي: الحسن بن حبيب بن عبد الملك، بدمشق، قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
كان الشافعي راكبَ حمارٍ فمر على سوق الحذَّائين، فسقط سوطه من يده، فوثب غلام من الحذائين، فأخذ السوط ومسحه بكُمِّه وناوله إياه، فقال الشافعي لغلامه: ادفع تلك الدنانير التي معك إلى هذا الفتى. قال الربيع: فلست أدري كانت تسعة دنانير أو سبعة (١).
أخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت قَعْنَب بن أحمد بن عمرو (٢) بن محمد بن مُجَاشِع يقول: سمعت محمد بن أحمد بن وَرْدَان يقول:
سمعت الربيع بن سليمان يقول: كنا مع الشافعي، ﵁، وقد خرج من مسجد مصر فانقطع شِسْع نعله، فأصلح له رجل شِسْعَه (٣) ودفعه إليه فقال: يا ربيع، معك من نفقتنا شيء؟ قلت: نعم. قال: كم؟ قلت: سبعة دنانير. قال: ادفعها إليه.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أنبأنا علي بن محمد بن عمر قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عمرو بن سواد السرحِي قال: كان الشافعي، ﵀، أسخى الناس على الدينار والدرهم والطعام. فقال لي (٤) الشافعي: أفلست من دهري ثلاث إفلاسات؛ فكنت أبيع قليلي
_________________
(١) المناقب للرازي ١٢٨ وفيه: «سوق الحدادين».
(٢) في ا: «عمر».
(٣) في ا: شسعا.
(٤) من ح.
[ ٢ / ٢٢١ ]
وكثيري حتى حليّ ابنتي وزوجتي، ولم أرهن قط (١).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أحمد بن أبي الحسن قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد ح وأخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري قال:
كان الشافعي أسخى الناس بما يجد، وكان يمرّ بنا، فإن وجدني وإلا قال: قولوا لمحمد إذا جاء يأتي المنزل؛ فإني لست أتغدى حتى يجيء. فربما جئته فإذا قعدت معه على الغداء قال: يا جارية، اضربي لنا فالوذج. فلا تزال المائدة بين يديه حتى تفرغ منه ويتغدى (٢).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو الوليد الفقيه قال: سمعت أبا العباس بن سريج يحكى عن أبي بكر بن الجنيد عن أبي ثور قال:
كان الشافعي من أجود الناس وأسخاهم كفا: كان يشتري الجارية الصَنَاع (٣) التي تطبخ وتعمل الحلوى، ويشترط عليها أن لا يقربها؛ لأنه كان عليلا لم يمكنه أن يقرب النساء في وقته ذلك؛ لباصور كان به، وكان يقول لنا: تشهَّوْا ما أحببتم؛ فقد اشتريت جارية تحسن أن تعمل ما تريدون. قال: فيقول لها بعض أصحابنا: اعملي اليوم كذا وكذا. فكنا نحن الذين نأمرها، وهو مسرور بذلك (٤).
أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد قال: أخبرنا أبو الوليد الفقيه قال: حدثنا إبراهيم بن محمود قال: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول:
_________________
(١) الحلية ٩/ ١٣٢ وآداب الشافعي ومناقبه ١٢٦.
(٢) الحلية ٩/ ١٣٢ وآداب الشافعي ومناقبه ١٢٤.
(٣) في ا، ح: «الصناعة».
(٤) الحلية ٩/ ١٣٣.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
كان الشافعي، ﵀، من أسخى الناس. قال: وكنت آكل مع الشافعي تمرًا مُلَوَّزًا من هذه الجِرَار، فجاء رجل فقعد وأكل، وكان يجلس إليه، فلما فرغ من الأكل قال الرجل للشافعي: ما تقول في أكل الفجاءة؟ قال: فلوى الشافعي عنقه إليّ وقال: هلا كان سؤاله قبل أن يأكل؟
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن حيان قال: حدثنا أبو جعفر - يعني محمد بن عبد الرحمن - قال: حدثنا الحسن - يعني ابن الأشعث - قال: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: جاءنا الشافعي إلى منزلنا قال: فقال لي: اركب دابتي هذه قال: فركبتها قال: فقال لي: أقبل بها وأدبر، ففعلت فقال: إني أراك بها لَبِقًا فخذها فهي لك. قال: وكان من أسخى الناس. ثم ذكر قصة التمر (١).
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن قال: حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد - قال:
حدثنا الربيع بن سليمان قال: تزوجت، فسألني الشافعي: كم أصدقتها؟ قلت: ثلاثين (٢) دينارا. فقال: كم أعطيتها؟ فقلت: ستة دنانير. فصعد داره وأرسل إلي صرة فيها أربعة وعشرون دينارا (٣).
أخبرنا محمد بن الحسين قال: سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول: سمعت أحمد بن علي بن سعيد البزاز يقول: سمعت إبراهيم بن خالد: أبا ثور يقول: أراد الشافعي الخروج إلى مكة.
ح. وأخبرنا محمد بن عبد الله قال: أخبرنا أبو الوليد: حسان بن محمد
_________________
(١) المناقب للرازي ١٢٨.
(٢) في ح: «ثلاثون».
(٣) الحلية ٩/ ١٣٢ وآداب الشافعي ومناقبه ١٢٥.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
الفقيه قال: حدثنا إبراهيم بن محمود، حدثني أبو سليمان (١)، حدثني أبو ثور قال:
أراد الشافعي الرجوع إلى مكة ومعه مال قال: فقلت له: - وكان قلَّما يُمسك شيئا؛ من سماحته - ينبغي أن تشتري بهذا المال ضَيعة تكون لك ولولدك من بعدك. قال: فخرج ثم قدم علينا، فسأَلته عن ذلك المال فقال: ما وجدت بمكة ضيعة يمكنني أن أشتريها لمعرفتي بأصلها؛ أكثرها قد (٢) وُقفت، ولكن قد بنيت بمنى مَضْربًا يكون لأصحابنا إذا حجّوا ينزلون فيه (٣).
[(٤ لفظ حديث أبي عبد الله، وليس في رواية السلمي: وقد وُقفت ٤)].
أخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: سمعت عبد الواحد بن بكر الورثاني (٥) قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي قال: سمعت محمد ابن أحمد بن بنت الشافعي يقول: سمعت عمي يقول: باع الشافعي ضيعة له بمائة ألف فقسمها بمكة فبينا هو كذلك إذ أقبل أعرابي من بني عذرة فسلم عليه فقال له: يا فتى، بيني وبينك حرمة متأكدة. فقال له الشافعي: وما ذاك؟ قال: رأيتك مع أبيك ولك ذؤابة تشتري أضحية يوم النحر. فالتفت إليّ البائع فقال (٦): خاب الفتى. قال: فقال الشافعي: هذه حرمة متأكدة، وقال له: ادخل، وخذ النطع وما عليه. فدخل، فأخذ النطع وما عليه.
_________________
(١) في ح: «ابن سليمان».
(٢) في ا: «فقد».
(٣) الحلية ٩/ ١٢٧.
(٤) ما بين الرقمين في هـ، ولا في ح.
(٥) في ح: «الورباني» والورثاني بفتح الواو نسبة إلى ورثان من قرى شيراز، ينسب إليها أبو الفرج: عبد الواحد بن بكر الورثاني الصوفي. رحل في طلب الحديث وسمعه، وروى عن أبي بكر الإسماعيلي. وتوفى بالحجاز سنة ٣٧٢ كما في اللباب ٣/ ٢٦٧.
(٦) في ح: «فقلت».
[ ٢ / ٢٢٤ ]
ورواه أبو الحسن العاصمي، عن محمد بن عبد الله الرازي، عن إسحاق بن محمد الأنصاري، عن أحمد بن محمد الشافعي، عن عمه
ويحتمل أن تكون الحكاية عند هذا الرازي من الوجهين جميعا.
أخبرنا محمد بن الحسين بن محمد بن موسى قال: أخبرنا محمد بن علي بن طلحة قال: حدثنا أحمد بن علي الأصبهاني قال: حدثنا زكريا الساجي قال: حدثني عبد الله بن أحمد المروزي قال:
سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي وجاءه سائل فقال: إني رجل من أمري كيت وكيت فأمر لي بشيء، وما كان يملك يومئذ إلا دينارًا، فأعطاه إياه فقال له بعض جلسائه: هذا لو أعطيته درهما أو درهمين كان كثيرا، فقال: إني أستحي أن يطلب رجل مني شيئًا ومعي مقدرة فلا أعطيه.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني نصر بن محمد العدل قال: وجدت في كتابي عن إبراهيم بن محمد قال: كنت في مجلس أحمد بن يوسف التغلبي، صاحب أبي عبيد: القاسم بن سلام، فجرى ذكر الشافعي وأخلاقه وفقهه وسماحته فقالوا: ما شبهناه إلا بأبيات. أنشدها (١) حفص بن عمر الأزدي المقري لبعض الأعراب:
إن زرت ساحته ترجو سماحته بلّتك راحته بالجود والديم
أخلاقُه كرم وقوله نعم يقولها بفم بَحْبَحْت فاحِتَكمِ (٢)
ما ضرّ زائرَه يرجو أناملَه إن كان ذا رحمٍ أو غير ذي رحم
_________________
(١) في ا: «بأثبات. أنشدنا »
(٢) بحبحت: تمكنت (م ١٥ مناقب جـ ٢)
[ ٢ / ٢٢٥ ]
[الجود غرّتُه والمجد غايته يقولها بفم قد لج في نعمِ] (١)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد، حدثنا محمد بن روح، حدثنا الزبير بن سليمان القرشي، عن الشافعي قال:
خرج «هَرْثَمَة» فأقرأني سلام أمير المؤمنين: هارون. قال (٢): وقد أمر لك بخمسة آلاف دينار. قال: فَحُمل إليه المال، فدعا بحجَّام فأخذ من شعره فأعطاه خمسين دينارا. ثم أخذ رقاعا وصر من تلك (٣) الدنانير صُرَرًا ففرقها في القرشيين الذين هم بالحضرة من أهل مكة حتى ما رجع إلى بيته إلا بأقل من مائة دينار (٤).
وقرأت في كتاب أبي الحسن: محمد بن الحسين العاصمي، ﵀، المجموع لمناقب الشافعي، ﵁: سمعت أبا بكر: أحمد بن الحسن الفقيه الشافعي يحكي عن أبي القاسم الطالبي، عن الشافعي، ﵀، أنه أدخل إلى الرشيد (٥) فقال له: يا أخا شافع، شَقَقْتَ العصا، وخرجت مع العلوية علينا؟
قال: يا أمير المؤمنين، أأدع ابن عمي من يقول إني ابن عمه، وأصير إلى قوم يقولون إني عبدهم. قال: فأطلق عنه ووصله بثمانين ألف درهم (٦) قال: فخرج فرأى حجَّاما فطمَّ شعره فوصله بثمانين دينار فعاتبه على ذلك الرشيد، فأنشأ يقول:
_________________
(١) هذا البيت ليس في ح، ولا في هـ.
(٢) ليست في ا.
(٣) في ح: «وصرر تلك».
(٤) الحلية ٩/ ١٣١.
(٥) في ح: «دخل علي الرشيد».
(٦) من ح.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
موللو تنازعني كفى إلى خُلُق يرزى لقلت لها أَلْقيهِ أَوْ بِينِي
خِيْمِي كريمٌ ونفسي لا تحدّثُني أنّ الإله بلا رزْقِ يُخَلِّيني
هذا وما زال مالي من أذى طمعٍ ومن ملامة أهل اللَّوم يُغريني
بل بما اشتريت بمالي قط محمدةً إلا تيقَّنْت أنِّي غيرُ مغْبون
ولا دُعِيتُ إلى مجدٍ ومكْرُمةٍ إلا أجبتُ: أَلَا مَنْ ينَادِيني (١)؟!
لبَّيك يا كرمي لبيكَ ثانيةً لبيكَ ثالثةً من حيثُ تَدْعوني
وقرأت في موضع آخر البيت الأول
والله لو كرهَت كَفِّي مُسَاعدتي لقُلْتُ لِلْكَفِّ بِينى إذْ كَرِهْتِيني (٢)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في «التاريخ» قال: سمعت محمد بن عبد الأعلى يقول: سمعت أحمد بن عبد الرحمن الرَّقِّي يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: سمعت الشافعي يقول:
ح. وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت محمد بن أحمد بن عبد الأعلى المقري يقول: سمعت أحمد بن أحمد بن عبد الرحمن يقول: سمعت المزني يقول:
سمعت الشافعي يقول: السخاء والكرم يغطي عيوب الدنيا والآخرة بعد أن لا تلحقه بدعة (٣).
وقرأته في كتاب زكريا بن يحيى الساجي عن محمد بن إسماعيل قال:
_________________
(١) في ح: «إلى من ذا يناجيني».
(٢) في ح: «إن كرهتيني».
(٣) الحلية ٩/ ١٣٤.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
سمعت الحسين بن علي يقول: سمعت الشافعي يقول: فذكره غير أنه قال: غطى عيوب الدنيا والآخرة.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو تراب الطوسي قال: حدثنا محمد بن المنذر الهروي قال: سمعت الربيع يقول:
سمعت الشافعي يقول: السخاء في اليمن.
ورواه أيضا ابن عبد الحكم عن الشافعي، ﵁.
وأخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: أخبرنا الحسن بن رشيق - إجازة - قال: حدثنا محمد بن يحيى الفارسي قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: قال لنا الشافعي: نزلنا بامرأة من اليمن فجعلت تخرج إلينا الشيء بعد الشيء «وقلَّله» (١) فقلنا لها: إن معنا أشياء. قالت: فما تريدون بهذا؟ أتنزلون عندنا وتأكلون طعامكم؟ والله لا كان هذا، والله لئن فعلتم هذا لترون متاعكم مطرحا في الصحراء.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا سعيد: أحمد بن محمد ابن رميح الحافظ يقول: سمعت أبا بكر: محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول:
ح. وأخبرنا محمد بن الحسين الصوفي قال: سمعت جدي إسماعيل بن نجيد (٢) يقول: سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سمعت وفاء بن سهل الكندي يقول:
سمعت الشافعي يقول: أمْلَقْتُ بمكة حتى لم يبق لي شيء، فقلت: إلى من
_________________
(١) ليست في ح.
(٢) في ح: «محمد».
[ ٢ / ٢٢٨ ]
أصير؟ ففكّرت فيمن يقوم بي من قريش وغيرهم، ثم قلت: ما أجد لي خيرا من أن أصير إلى اليمن. قال: فتجهزت وخرجت إليها، فأتيت صنعاء فسألت عن رجل من أهل اليمن ممن يُؤْثَر، فوصف لي رجل وسمى لي موضعه، فخرجت نحوه حتى أتيت منزله، فإذا برجل قاعد وإذا بجماعة وإذا له دار ضيافة، فعدل بي إلى دار الضيافة فدخلت مع الضيفان، ثم أنه أقبل إلينا، فأرسل إليّ رسولا فسألني من أنا فأخبرته بنسبي، فحوّلني من ذلك الموضع إلى موضع وراءه فأقمت ثلاثة أيام لا يسألني عن شيء أكثر من أن يجيء (١) فيسلم، ثم ينصرف. قال: فلما كان اليوم الرابع سألني: أضيف أنا أم زائر؟ فقلت (٢): زائر. فحوَّلني من ذلك المكان إلى مجلس وغيره، فكان يأتيني في كل وقت، ويؤانسنى وأؤانسه، فلما طال مكثي عنده أتاني، فقال لي: لعلك تريد الرجوع فقلت إلى أهلك؟: أي والله، لقد اشتقت إلى منزلي، فلم أعلم حتى أتاني بدنانير كثيرة وطرائف، وخرجت وخرج معي حتى جاز موضعا من مواضعهم فودّعني ثم رجع إلى منزله، فأقبلت إلى منزلي بما أجازني، وأعطاني، فأقمت دهرا أتمناه أن يوافيني بمكة فكنت أسأل عنه كل حين من يقدَمُ من تلك الناحية، حتى قدم رجل من مِخْلافِه (٣) فسألته عنه، فأخبرني بقدومه، فأتيته وسلمت عليه، ثم إني صرت إلى منزلي فأمرتهم فأصلحوا لي المنزل وما يحتاج إليه وبحرت (٤) بيتا واسطوانة، ثم أتيته فسألته أن يصير إلى منزلي، فكأنه تلكَّأَ، فلم أزل به (٥) حتى صار معي إلى المنزل، فلما صرنا إلى المنزل جلس في الاسطوانة ولم يدخل البيت، فلم
_________________
(١) في ا: «مما يجيء».
(٢) في ح: «فأخبرته أني زائر».
(٣) في اللسان ١٠/ ٤٣٢: قال ابن بري: المخالف لأهل اليمن كالأجناد لأهل الشام، والكور لأهل العراق، والرساتيق لأهل الجبال، والطاسيج لأهل الأهواز.
(٤) في ا: «يحدث» وبجر البيت: وسعه.
(٥) من ح.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
أزل به، وأطلب إليه حتى دخل المنزل، وأُتينا بطعام (١) فأكل وأكلنا معه، وكنا قد هيأنا طعاما كثيرا، فلما أكل وفرغ وتوضْأ التفت إليّ وقال لي: كأنك إنما أردت أن ترينا متاعك وطعامك وأثوابك يابن أخي، لو صيرت هذا في أعناق الرجال لكان أعظم لقدرك، وأسنى لذكرك.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرنا الحسن بن رشيق، إجازة، قال: حدثنا علي بن عيسى المدائني قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول: إني علي عيد وليس عندي نفقة، فقال لي أهلي: عودت قوما أن تصلهم فلو استسلفت شيئا؟ فاستسلفت سبعين دينارا، فتركت عشرين دينارًا للنفقة، وفرَّقت الباقي، فبينا أنا على ذلك إذ أتاني رجل من قريش يشتكي إليّ الحاجة، فأخبرته خبري. فقلت له: خذ ما تحب. فقال: ما حاجتي (٢) إلا أكثر من هذه الدنانير. فقلت له: خذها، وبتُّ، وما معي دينار ولا درهم، فبينا أنا في منزلي إذ أتاني رسول البَرْمَكِي: جعفر بن يحيى، فقال: أجب. فأجبته فقال: ما شأنك في هذه الليلة؟ يهتف لي هاتف يقول: الشافعي، الشافعي، كلما دخلت في النوم. أخبرني بأمرك، فأخبرته فأعطاني خمسمائة دينار وقال: أزيدك؟ فأعطاني خمسمائة أخرى فلم يزل يزيدني حتى أعطاني ألفي دينار (٣).
ورواه أيضا زكريا الساجي عن ابن بنت الشافعي عن الأخضر بن عبد الله الصُّدَائي عن الربيع بن سليمان إلا أنه قال: قال رسول الفضل بن يحيى أو البرمكي: جعفر بن يحيى.
أخبرنا أبو عبد الرحمن بن أبي الحسن قال: أخبرنا الحسن بن رشيق،
_________________
(١) في ح: «بطعامنا».
(٢) في ا: «ما يقنعني إلا أكثر ».
(٣) مناقب الشافعي للرازي ص ١٢٨ - ١٢٩.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
إجازة، قال: حدثنا أحمد بن سلامة الطحاوي ومحمد بن الربيع قالا: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال:
سمعت الشافعي، ﵁، يقول: مرَّ رجل من النجار بالزُّهْري وهو في قريته، والرجل يريد الحج، فابتاع الزهري منه بزًّا بأربعمائة دينار إلى أن يرجع من حجَّه، فما برح الرجل حتى فرَّقه عن آخره، فرأى الزهري الكراهة في وجه الرجل لذلك، فلما فرغ الرجل (١) من حجه مرّ بالزهري يتقاضاه، فأمر له الزهري (٢) بثلاثين دينارًا ينفقها في سفره، ودفع إليه الدنانير، ثم قال له الزهري: كأني رأيتك (٣) قد ساء ظنك يومئذ. قال الرجل: أجل! قال الزهري: والله لم أفعل ذلك إلا للتجارة: أُعْطِي القليل فأُعْطَى الكثير.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو الحسن: علي بن محمد بن علي بن الحسين الهروي - قدم علينا حاجًّا - قال: سمعت أبا عبد الله: محمد بن عبد الله بن محمد ابن مخلد يقول: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال:
حدثني محمد بن إدريس الشافعي أن رجاء بن حَيْوَة عاتب «ابن شهاب» في الإسراف وكان يدَّان فقال: لا آمن (٤) أن يحبس هؤلاء القوم أيديهم عنك فتكون قد حملت على أمانتك قال: فوعده أن يقصر. فمرّ به بعد ذلك وقد وضع الطعام، ونصب موائد العسل، فوقف به رجاء وقال: يا أبا بكر، هذا الذي افترقنا عليه؟ فقال له ابن شهاب: اترك (٥)؛ فإن السّخِيّ لا تؤدّبُه التجارب.
_________________
(١) من ح.
(٢) من ح.
(٣) في ح: «قد رأيتك قد ..».
(٤) في ا: «لا أمر».
(٥) في ا: «انزل».
[ ٢ / ٢٣١ ]
قال أبو عبد الله: محمد بن العباس: أنشدني الحسين بن أبي عبد الله الكاتب في هذا المعنى:
له سَحَائِبُ جودٍ في أنامله أمطارها الفضة البيضاء والذهبُ
يقول في العسر: إنْ أيْسَرْتُ ثانيةً أقصرت عن بعض ما أُعْطِي وما أهبُ
حتى إذا عاد أيامُ اليسار له رأيت أمواله في الناس تُنْتَهَبُ
لفظ حكاية الهروي.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني عبد الرحمن بن الحسن العاصمي - شفاها - أن زكريا بن يحيى حدثهم قال: حدثنا محمد بن إسماعيل قال: سمعت الحسين بن علي يقول:
قال الشافعي، ﵁:
لا أزال أحب «حماد بن أبي سليمان» (١) لشيء بلغني عنه: بلغني أنه كان راكبا على حمار، فحرّكه الحمار فانقطع زره، فمر على خياط فأراد أن ينزل عليه ليسَوِّي (٢) زره [فقال - يعني الخياط -: والله لا نزلت فقام الخياط إليه ليسوي زره] (٣) فأدخل يده في جيبه فأخرج إليه صُرَّةً فيها دنانير فناولها الخياط، ثم اعتذر إليه من قلتها.
_________________
(١) هو فقيه الكوفة أبو إسماعيل: حماد بن أبي سليمان الأشعري، مولاهم صاحب إبراهيم النخعي، وشيخ أبي حنيفة. روى عن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وطائفة، وكان جوادا سريا محتشما يفطر كل ليلة من رمضان. خمسمائة إنسان. وقال شعبة: كان صدوق اللسان. كما في الشذرات ١/ ١٥٧.
(٢) في ا: «فيسوى».
(٣) ما بين القوسين سقط من ا.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرنا الحسن بن رشيق - إجازة - قال: حدثنا سعيد بن أحمد القضاعي قال: سمعت إسماعيل بن يحيى المزني يقول:
سمعت الشافعي يقول: دخل رجل على أبي جعفر المنصور فقال له: يا أمير المؤمنين، تفضل عليّ تفضلا قرشيا ولا تصنعنّ صُنْعًا حجازيًّا (١).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر: أحمد بن الحسن القاضي، وغيرهما، قالوا: سمعنا أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت أبا عبد الله: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول:
سمعت الشافعي يقول: وقف أعرابي على عبد الملك بن مروان، فسلم عليه ثم قال: أي يرحمك الله، إنه قد مرت بنا سنون ثلاث: أما إحداها فأهلكت المواشي. وأما الثانية فَاَنْضَت اللحم. وأما الثالثة فخلصت إلى العظم. وعندك مال: فإن يكن لله فأعط عباد الله. وإن يكن لك فتصدق علينا، إنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ. قال: فأعطاه عشرة آلاف درهم وقال: لو أن الناس يحسنون يسألون هكذا ما حرمنا أحدا (٢).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر: أحمد بن الحسن القاضي، وأبو عبد الرحمن السلمي، قالوا: سمعنا أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
سمعت الشافعي يقول: وقف أعرابي على قوم فقال: أي يرحمكم الله، إني رجل من أبناء السبيل [وأَنْضَاء طريق وفُلَّال سنة] (٣) فرحم الله أمرأً
_________________
(١) في ح: «صناعا» وفي ا: فلا تضيفن صاعا».
(٢) المناقب للرازي ١٢٩، والعقد الفريد لابن عبد ربه ٣/ ٤٣١ وفيه أن الأعرابي دخل على هشام بن عبد الملك :
(٣) في ح: «والضار» وفي الحلية: «وآيضا من سفر» والتصويب من العقد الفريد ٣/ ٤٢٨.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
أَعْطَى من سَعَةٍ، وواسى من كَفَاف. قال: فأعطاه رجل دينارًا فقال: آجرك الله من غير أن يبْتليك.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو الوليد: حسان بن محمد الفقيه قال: سمعت محمد بن المسيّب الأَرْغيَاني يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
دفع إليَّ الشافعي دراهم لأشتري له (١) حَمَلًا، وأمرني أن أشوي ذلك قال: فنسيت واشتريت سمكتين وشويتهما، فأتيته بهما فنظر فقال: يا أبا محمد، كُلْهُماَ فقد اشتهيتَهما (٢).
ورواه أبو بشر الدُّولاَبِي، عن الربيع قال: فقلت: هكذا قضى فقال: يا ربيع، اليوم تأكل شهوتك، وغدا [تأكل شهوتنا] (٣).
أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله قال: أخبرني عبد الله بن محمد الحَيّاني قال: حدثنا محمد - يعني ابن عبد الرحمن الأصبهاني - قال: حدثنا إبراهيم بن مَتّوية قال: حدثنا أبو عبد الله،: أو عبيد الله: أحمد بن عبد الرحمن قال:
خرج للشافعي يوما غلام أسود ومعه ساجة قد حملها للبيع فَبَصُر بِهِ، فأمر به، فدعى، فقال: إلى أين؟ ما هذا الذي معك؟ قال: فما تريد؟ فكرر عليه فقال: يا مولاي، لم تفتي الناس بشيء لا تأخذ به؟ أليس تزعم أن البينة على المدعي، واليمين
_________________
(١) من ح.
(٢) الحلية ٩/ ١٣٠.
(٣) ما بين القوسين من الحلية ٩/ ١٣٢ - ١٣٣.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
على من أنكر؟ أعني المدعى عليه - فإن كان لك في الخشبة دعوى فثبِّت. فضحك الشافعي وقال: اذهب كيف شئت (١).
أخبرنا أبو عبد الله قال: سمعت أبا عبد الله: محمد بن العباس يقول: سمعت أبا عبد الله: محمد بن حمدان الطَّرَائفي يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
سمعت الشافعي يقول: إذا أخطأتك الصنيعة إلى من يتقي الله تعالى فاصطنعها إلى من يتقي العار.
قرأت في كتاب العاصمي عن الزبير بن عبد الواحد، عن القزويني، عن الربيع قال:
كان الشافعي، ﵁، إذا سأله إنسان أن يصله بشيء يَحْمَارُّ وَجْهُهُ حياءً من السائل، ويبادر بإعطائه ما سأله. ولقد سأله إنسان يوما وهو راكب شيئا فتغيَّر لونه وقال: أين تكون حتى أبعث إليك بحاجتك؟ فلما رجع إلى منزله بعث إليه بما سأله.
قال الربيع: قد سمعنا بالأسخياء. قد كان عندنا قوم من الأسخياء بمصر، وأهل الفضل رأيناهم ما رأينا مثل الشافعي، ولا سمعنا أحدًا في زمانه كان مثلَه [(٢ قال الربيع: وكان الشافعي يقول: أهل اليمن فيهم السخاء ٢)].
قال الربيع: قال الحميدي: فأين سخاء أهل اليمن من سخاء الشافعي ﵁؟ أولئك سخاؤهم من فَضْلٍ معهم والشافعي يسخو (٣) بكلِّ ماله.
_________________
(١) راجع الحلية ٩/ ١٣٣.
(٢) ما بين الرقمين سقط من ا.
(٣) من ح.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وقرأت في كتاب زكريا بن يحيى السّاجِي، عن إبراهيم بن زياد، عن البويطي قال:
قدم علينا الشافعي مصر، وكانت «زبيدة» ترسل إليه برزم الوشى والثياب فيقسمها الشافعي بين الناس (١).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
رأيت الشافعي يوم أضحى واقفا على درجة له (٢) يأمر الذَّابِحَ بذبح أضحيته ويسمي الله ويكبّر (٣).
_________________
(١) الحلية ٩/ ١٤٢.
(٢) في ح: «درجة بابه».
(٣) في ح: بلغ مقابلة في الثالث والعشرين.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
باب