* * *
أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي، قال: حدثنا عباس بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن سعيد الزعفراني، قال: حدثنا زكريا ابن يحيى الساجي، قال: حدثني ابن بنت الشافعي، قال: سمعت أبي وعمي يقولان:
كنا عند «ابن عُيَيْنَةَ» وكان إذا جاءه شيء من التفسير والفتيا يسأل عنه، التفت إلى الشافعي، فقال: سلوا هذا (١).
أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو الوليد: حسان ابن محمد، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: سمعت الربيع، يقول:
سمعت الحميدي، يقول عن «مسلم بن خالد الزنجي» أنه قال للشافعي: أفت يا أبا عبد الله، فقد - والله - آن لك أن تفتي، وهو ابن خمس عشرة سنة (٢).
أخبرنا محمد بن الحسين السلمي، قال: سمعت الحسين بن علي التميمي، يقول:
_________________
(١) معرفة السنن والآثار ١/ ١٢٣، وحلية الأولياء ٩/ ٩٢.
(٢) الجرح والتعديل ٣/ ٢/٢٠٢، وحلية الأولياء ٩/ ٩٣، ومناقب الشافعي للرازي ١٨.
[ ١ / ٣٣٨ ]
سمعت عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: أخبرني أبو عثمان الخوارزمي، نزيل مكة، فيما كتب إليّ، قال: سمعت محمد بن الفضل البزار، قال: سمعت أبي يقول (١):
حججت مع «أحمد بن حنبل» ونزلنا بمكان واحد – يعني مكة – وخرج أبو عبد الله – يعني أحمد – باكراَ، وخرجت أنا معه: فلما صلينا الصبح دُرْتُ المسجد، فجئت مجلس «سفيان بن عيينه» وكنت أدور مجلسًا مجلسًا طالبًا لأحمد ابن حنبل حتى وجدته عند شاب أعرابي، وعليه ثياب مصبوغة وعلى رأسه جُمَّةٌ، فزاحمت (٢) حتى قعدت عند أحمد بن حنبل، فقلت: يا أبا عبد الله، تركت ابن عيينة وعنده الزهري، وعمرو بن دينار، وزيادة بن علاقة، والتابعون – ما الله به عليم؟! فقال لي: اسكت؛ فإن فاتك (٣) حديث بعلو تجده بنزول، ولا يضرك في دينك، ولا في عقلك، ولا في فهمك. وإن فاتك عقل هذا الفتى أخاف ألا تجده إلى يوم القيامة. ما رأيت أحدًا أفقه في كتاب الله من هذا الفتى القرشي. قلت من هذا؟ قال: محمد بن إدريس.
أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، وأبو عثمان: سعيد بن محمد بن محمد ابن عبدان؛ قالا: سمعنا أبا العباس: محمد بن يعقوب، يقول:
سمعت «عبد الله بن أحمد بن حنبل» يقول: سئل أبي عن طلاق السكران
_________________
(١) آداب الشافعي ومناقبه ٥٨ – ٥٩، والجرح والتعديل ٣/ ٢/٢٠٣ – ٢٠٤، وحلية الأولياء ٩/ ٩٨ – ٩٩، ومناقب الشافعي للرازي ١٨ – ١٩.
(٢) في ا: «فزاحمته».
(٣) في ا: «فاتكم. . . بعلو فخذه بنزول».
[ ١ / ٣٣٩ ]
فقال: كنت أَجْتَرِئ قبل، فأما الآن فلا أجترئ؛ لأن الشافعي قال: ليس القلم بمرفوع (١) عن السكران.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا نصر: فتح السندي (٢) يقول: سمعت الحسن بن سفيان، يقول: سمعت حَرْمَلة بن يحيى، يقول:
سمعت الشافعي، يقول في رجل قال لامرأته وفي فيها تمرة: إن أكلتيها فأنت طالق، وإن طرحتيها فأنت طالق – قال: تأكل نصفها وتطرح نصفها (٣).
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: أنبأنا الربيع بن سليمان، قال:
قال الشافعي: خالفنا بعض الناس في المُخْتَلِعَة. فقال: إذا طُلّقتْ في العِدَّة لحقها الطلاق. وقال: فما حجتك في أن الطلاق لا يلزمها (٤)؟
قلت: حجتي فيه من القرآن، والأثر، والإجماع، على ما يدل أنّ (٥) الطلاق لا يلزمها.
قال: فأين الحجة من القرآن؟
_________________
(١) في ح: «مرفوعا» وانظر الأم ٥/ ٢٣٥.
(٢) في ح: «السدى».
(٣) حلية الأولياء ٩/ ١٤٣.
(٤) راجع الأم ٥/ ١٨١.
(٥) في ح: «على أن».
[ ١ / ٣٤٠ ]
قلت: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ • وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (١)﴾ وقال ﵎: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢)﴾ وقال: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ (٣)﴾ وقال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ (٤)﴾.
أرأيت إن قذفها أَيُلاَعِنُها؟ وآلي منها أيلزمه الإيلاء؟ أو ظاهر يلزمه الظهار؟ أو ماتت أيرثها؟ أو مات أترثه؟ قال: لا.
قلت: الآن أحكام الله هذه الخمسة تدل على أنها ليست بزوجة. قال: نعم.
قلت: وحكم الله، تعالى، أنه إنما تطلق الزوجة؛ لأن الله، جل ثناؤه، قال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ (٥)﴾ قال: نعم.
قلت: كتاب الله، جل ثناؤه، إذا كان كما زعمنا وزعمت - يدلّ على أنها ليست بزوجة، وهو خلاف قولك.
قال الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس،
_________________
(١) سورة النور ٦، ٧.
(٢) سورة البقرة ٢٢٦.
(٣) سورة النساء من الآية ١٢.
(٤) سورة النساء من الآية ١٢.
(٥) سورة الأحزاب ٤٩.
[ ١ / ٣٤١ ]
وابن الزبير: أنهما قالا في المختلعة يطلقها زوجها، قالا: لا يلزمها طلاق؛ لأنه (١) طلق ما لا يملك.
قال الشافعي: وأنت تزعم أنك لا تخالف واحدًا من أصحاب النبي، ﷺ، إلا إلى قول مثله. فخالفت ابن عباس وابن الزبير معًا، وآيات من كتاب الله، تعالى، ما أدرى لعل أحدًا لو قال مثل قولك هذا لقلت له: ما يحل لك أن تكلم في العلم وأنت تجهل أحكام الله، جل وعز.
ثم قلت فيها قولا لو تَخَاطَات فقلت (٢) كنت قد أحسنت الخطأ، وأنت تنسب نفسك إلى النظر.
قال: وما هذا القول؟
قلت: زعمت أنه إن قال للمختلعة (٣) أنت بَتَّة وبَرِيَّة وخَلِيّة ينوي الطلاق - لم يلزمها الطلاق. وهذا يلزم الزوجة. وأنه إن آلى منها، أو تظاهر، أو قذفها، لم يلزمها ما لزم الزوجة. وأنه إن قال: كل امرأة لي طالق لا ينويها ولا غيرها - طلق نساءه، ولم تطلق؛ لأنها ليست بامرأة له. ثم قلت: وإن قال لها: أنت طالق - طلقت. فكيف يطلق غير امرأته؟
وألزمهم في موضع آخر: أن الله تعالى، فرض العدة على الزوجة في الوفاة،
_________________
(١) في ا: «ولأنه».
(٢) في ح: «فقلته».
(٣) في ا: «المختلعة».
[ ١ / ٣٤٢ ]
فقال: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (١)﴾ والمُخْتَلِعَةُ لا تنتقل إلى عدة الوفاة. وبسط الكلام في المسألة.
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو؛ قالا: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: أنبأنا الربيع بن سليمان، قال:
قال الشافعي: قال «أبو حنيفة»: إذا كان العبد يقاتل مع مولاه جاز أمانه، وإذا كان لا يقاتل وإنما (٢) هو خادم فأمانه باطل.
وقال الأوزاعي: أمَانُه جائز، أجازه عمر بن الخطاب، ولم ينظر كان يقاتل أم لا؟
وقال أبو يوسف في العبد: القول ما قال أبو حنيفة، ليس لعبد (٣) أمان. وأخذ في الرد على الأوزاعي.
قال الشافعي: القول ما قال الأوزاعي، وهو معنى سنة رسول الله، ﷺ، والأثر عن عمر بن الخطاب، ﵁، وما قال أبو يوسف بإبطال أمان العبد ولا إجازته. يعني حين فرق بين العبد يقاتل ولا يقاتل، أرأيت حجته في أن رسول الله، ﷺ، قال: «المسلمون يَدٌ على مَنْ سِوَاهُم، تكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم
_________________
(١) سورة البقرة ٢٣٤.
(٢) في ح: «فإنما».
(٣) في ا: «بعبد».
[ ١ / ٣٤٣ ]
أدناءهم (١)» أليس العبد من المؤمنين ومن أدنى المؤمنين؟ أو رأيت عمر ابن الخطاب حين أَجاز أمان العبد ولم يسأل أيقاتل أو لا يقاتل (٢) أليس ذلك دليلا على أنه إنما أجازه على أنه من المؤمنين؟ أو رأيت حجته بأن دمه لا يكافئ دم الحر وهو يُقْتَل الحُرُّ به (٣) فكيف يزعم أنه لا يكافئ دمه؟ فإن كان إنما عني: إنما معنى الحديث أن مكافأة الدم بالدية، فالعبد الذي يقاتل عنده لا يبلغ هو بديته دية حر، وهو يجيز أمانه ولو كان ثمنه (٤) خمسين درهما، ويردّ أمان العبد يجعل في ديته دية حر إلا عشرة دراهم، ويجعله أكثر دية من المرأة. فإن كان الأمان (٥) يجوز على الحرية والإسلام فالعبد - يقاتل - خارج من الحرية، وإن كان يجيزه على الإسلام فالعبد - لا يقاتل - داخل في الإسلام. وإن كان يجيزه (٦) على القتال فهو يجيز أمان المرأة وهي لا تقاتل، وأمان الرجل المريض والحجبان وهو لا يقاتل. وإن كان يجيز الأمان على الديات انبغى (٧) أن لا يجيز أمان المرأة؛ لأن ديتها نصف دية الرجل، والعبد لا يقاتل قد (٨) يكون أكثر دية عنده وعندنا من الحرة أضعافًا.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ١١/ ٦١ (المعارف) من حديث عبد الله بن عمرو، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الديات: باب المسلمون نتكافأ دماؤهم ٢/ ٨٩٥ من أحاديث ابن عباس، ومعقل بن يسار، وعبد الله بن عمرو. وأخرجه أبو داود في كتاب الديات: باب أيقاد المسلم بالكافر؟ ٤/ ٢٥٢ من حديثي علي وعبد الله بن عمرو.
(٢) في ا: «يقاتل ولا يقاتل».
(٣) في ح: «يقبل الحرية».
(٤) في ا: «ثمن».
(٥) في ا: «للأمان».
(٦) سقطت من ا.
(٧) في ا: «أيبغي».
(٨) ليست في ا.
[ ١ / ٣٤٤ ]
فإن قال: هذا (١) للمرأة دية فكذلك ثمن العبد للعبد دية، وإن (٢) أراد مساواتها بثمن الحر والعبد يقاتل يسوى خمسين درهما عنده جائز الأمان، والعبد لا يقاتل ثمن عشرة آلاف درهم، فجعل ديته عشرة آلاف إلا عشرة وهو أقرب من دية الحر من المرأة.
* * *
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أنبأنا أبو العباس، قال: أنبأنا الربيع، قال:
أنبأنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، وعن محمد بن النعمان بن بشير، يحدثانه:
عن النعمان بن بشير، أن أباه أتى به إلى رسول الله، ﷺ، فقال: إني نَحَلْتُ ابني هذا غلامًا كان لي. فقال، ﷺ: أكل ولدك نحلت مثل هذا؟ فقال: لا، فقال رسول الله، ﷺ: فارجعه.
قال الشافعي: وقد سمعت في هذا الحديث أن رسول الله، ﷺ، قال: أليس يسرك أن يكونوا في البر إليك سواء؟ قال: بلى قال: فارجعه.
قال الشافعي: حديث النعمان حديث ثابت، وبه نأخذ، وفيه دلالة على أمور:
_________________
(١) في ا: «هذه»
(٢) في ا: «ولو»
[ ١ / ٣٤٥ ]
منها حسن الأدب في أن لا يفضِّل رجل أحدًا من ولده [على بعض (١)] في نُحْل (٢) فيعرض في قلب المفضل عليه شيء يمنعه من بره؛ لأن كثيرًا من قلوب الآدميين جُبِلَ على الاقتصار (٣) عن بعض البر إذا أُوثِرَ عليه.
ودلالة على أن نُحْلَ الوالد بعضَ ولده دون بعض جائز من قِبَلِ أنه لو كان لا يجوز كان (٤) أن يقال: إعطاؤك إياه وتركه سواء؛ لأنه غير جائز، وهو على أصل ملكك الأول أشبه من أن يقال: ارجعه. وقوله ﷺ: فارجعه دليل على أن للوالد رد ما أعطى الولد وأنه لا يَحْرَج بارتجاعه.
وقد روى أن النبي، ﷺ، قال: «أشهد غيري (٥)». وهذا
_________________
(١) ما بين القوسين من ا.
(٢) النحل: العطية والهبة.
(٣) في ح: «الإقصار».
(٤) في ح: «وكان».
(٥) حديث النعمان بن بشير أخرجه مالك في الموطأ. كتاب الأقضية: باب ما لا يجوز من النحل ٢/ ٧٥١ - ٧٥٢ من وجه واحد، وأحمد في المسند ٤/ ٢٦٨، ٢٦٩، ٢٧٠، ٢٧١، ٢٧٣، ٢٧٥، ٢٧٦، ٢٧٨ من وجوه عدة والبخاري في كتاب الهبة: باب الهبة للولد وإذا أعطى بعض ولده شيئًا لم يجز حتى يعدل بينهم ويعطي الآخر مثله ولا يشهد عليه ٥/ ١٥٤ - ١٥٧ وباب الإشهاد في الهبة ٥/ ١٥٧. ومسلم في كتاب الهبات: باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة ٣/ ١٢٤١ - ١٢٤٤ من وجوه أيضًا. وأبو داود في كتاب البيوع والإجارات: باب في الرجل يفضل بعض ولده في النحل ٣/ ٣٩٥ - ٣٩٧ وذكر وجوهه. وابن ماجه في كتاب الهبات: باب الرجل ينحل ولده ٢/ ٧٩٥ من وجهين. والترمذي في الأحكام: باب ما جاء في النحل والتسوية بين الولد ٦/ ٢٥١ وفيه =
[ ١ / ٣٤٦ ]
يدل على أنه اختيار (١).
قال: وإذا كان هذا (٢) هكذا فسواء ادّان الولد أو تزوج رغبَةَ فيما أعطاه أبوه، أو لم يدَّنْ (٣) ولم يتزوج.
وله أن يرجع في هبته له متى شاء. وقد حمد الله، جل ثناؤه، على إعطاء المال والطعام في وجوه الخير، وأمر بها، فقال: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى
_________________
(١) = أكل ولدك قد نحلته مثل ما نحلت هذا؟ قال: لا. قال: فاردده. ثم عقب عليه أبو عيسى بقوله: هذا حديث حسن صحيح، وقد روى من غير وجه عن النعمان بن بشير. وفي هذه المصادر وردت الروايات التي أشار إليها الشافعي وغيرها.
(٢) كيف يكون هذا على الاختيار وقد عده ﷺ جورًا؛ فقوله ﷺ: أشهد على هذا غيري إنما سيق مساق التوبيخ على هذا الصنيع، وليس مرادًا به التجويز أو الإباحة. وإلا لما أمره برده، ولما قال: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. ثم إنه ﷺ أتبع قوله: أشهد على هذا غيري قوله: «أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى. قال: فلا إذًا». وفي بعض روايات الحديث. أفكلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟ قال: لا. قال: فليس يصلح إذًا وإني لا أشهد إلا على حق. وقد أورد ابن حجر في الفتح عن الطحاوي وابن القصار أن قوله ﷺ: «أشهد على هذا غيري» إذن بالاشهاد على ذلك، وإنما امتنع من ذلك لكونه الإمام .. الخ. ثم ذكر أن ذلك تعقب بأنه لا يلزم من كون الإمام ليس من شأنه أن يشهد أن يمتنع من تحمل الشهادة ولا من أدائها إذا تعينت عليه، وكون «أشهد» صيغة إذن ليس كذلك بل هو للتوبيخ، لما تدل عليه بقية ألفاظ الحديث. وبذلك صرح الجمهور في هذا الموضع. ثم أورد قول ابن حبان أن «أشهد» صيغة أمر والمراد به نفي الجواز الخ. راجع فتح الباري ٥/ ١٥٧ - ١٥٨.
(٣) سقطت من ا.
(٤) في ح: «يأذن».
[ ١ / ٣٤٧ ]
وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَاسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١)﴾ وقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٢)﴾ وقال: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ (٣)﴾ وقال: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ (٤)﴾ وقال: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (٥)﴾.
فإذا جاز هذا للأجنبي (٦) وذوي القرب فلا أقرب من الولد، وذلك أن الرجل إذا أعطى ماله ذا قرابته غير ولده أو أجنبيا - فقد منع (٧) ولده وقطع ملكه عن نفسه، فإذا كان محمودًا على هذا كان محمودًا على أن يعطيه بعض ولده دون بعض. ومَنْعُ بعضهم ما أخرج من ماله أقل من منعهم كلهم
قال: ويستحب أن يسوي بينهم؛ لئلا يقّصر أحد منهم عن بره، فإن القرابة ينفس (٨) بعضهم بعضًا مالا ينفسون العِدَا. وقد فضل «أبو بكر» عائشة بنُحْل وفضل «عمر» عاصم بن عمر بشيء أعطاه إياه. وفضل «عبد الرحمن بن عوف» ولد أم كلثوم.
* * *
أخبرنا أبو سعيد: محمد بن موسى، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: أنبأنا الربيع بن سليمان، قال:
_________________
(١) سورة البقرة ١٧٧
(٢) سورة الانسان ٨
(٣) سورة التوبة ١٢١
(٤) سورة البقرة ٢٧١
(٥) سورة آل عمران ٩٢
(٦) في ح: «للأجنبيين»
(٧) في ح: «منعه»
(٨) في ح: «تنفس»
[ ١ / ٣٤٨ ]
قال الشافعي (١): قصر رسول الله، ﷺ، في سفره إلى مكة (٢) وهي تسع أو عشر. فَدَلَّ قَصْرُه، ﵇، على أن يُقْصَرَ في مثل ما قصر فيه، ومِنْ أكثر منه. ولم يجز القياسُ على قصره إلا بواحد من اثنين: أن لا يقصر إلا في مثل ما قصر فيه، وفوقه.
فلما لم (٣) أعلم مخالفًا في أن يقصر في أقلّ مِنْ سفر رسول الله، ﷺ، الذي قصر فيه - لم يجز أن يقاس على هذا الوجه.
وكان الوجه (٤) الثاني: أن يكون إذا قصر في سفره ولم يحفظ (٥) عنه أن لا يقصر فيما دونه أن يقصر فيما يقع عليه اسم سفر، ولم يمنعنا أن (٦) نقصر فيما دون يومين، إلا أن عامة من حفظنا عنه لا يختلف في أن لا يقصر فيما دونهما.
قال الشافعي: فللمرء (٧) عندي أن يقصر فيما كان مسيرة ليلتين قاصدتين (٨) وروى الشافعي في ذلك عن ابن عباس وابن عمر، وهو مذكور في «كتاب المعرفة» وغيره (٩).
قال الشافعي: فأما أنا فأحب أن لا أقصر في أقل من ثلاث احتياطًا على
_________________
(١) في الأم ١/ ١٦٢.
(٢) في ا: «في سفره وهي».
(٣) في ا: «ولم أعلم».
(٤) في ا: «بالوجه».
(٥) في ا: «ولم يخفض».
(٦) في الأم: «ولم يبلغنا أن يقصر».
(٧) في ا: «فلكم عندي».
(٨) يقال: بيننا وبين الماء ليلة قاصدة، أي هينة السير، لا تعب ولا بطء.
(٩) وهو في الأم ١/ ١٦٢، ٧/ ١٧٣، والسنن الكبرى ٣/ ١٢٦
[ ١ / ٣٤٩ ]
نفسي، وإن ترك القصر مباح (١).
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال:
أنبأنا الشافعي. يعني في حديث النبي، ﷺ: «لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الوَرِق بالوَرِق، ولا البُرّ بالبُرّ، ولا الشّعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح - إلا سَوَاءً بِسَواءِ: عينًا بعين يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد (٢)».
قال الشافعي: فلما حرم رسول الله، ﷺ، في هذه الأصناف (٣) المأكولة التي شح الناس عليها حتى باعوها كيلا لمعنيين (٤): أحدهما: أن يباع منها شيء بمثله، أحدهما نقد والآخر دين. والثاني: أن يزداد في واحد منهما شيء [على مثله (٥)] يدًا بيد - كان [ما كان (٦)] في معناهما (٧) محرَّمًا قياسًا
_________________
(١) في الأم «مباح لي».
(٢) أخرجه مسلم في كتاب المساقاة. باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا ٣/ ١٢١١ والبيهقي في السنن الكبرى كتاب البيوع: باب الأجناس التي ورد النص بجريان الربا فيها ٥/ ٢٧٧ - ٢٧٨، وفي باب جواز التفاضل في الجنسين ٥/ ٢٨٢، وفي باب التقابض في المجلس في الصرف وما في معناه ٥/ ٢٨٤. كلاهما من حديث عبادة بن الصامت، وهو في الأم ٣/ ١٢، وترتيب مسند الشافعي ٢/ ١٥٧ - ١٥٨.
(٣) في ا: «الأوصاف».
(٤) في ح: «بمعنيين».
(٥) ما بين القوسين سقط من ح.
(٦) ما بين القوسين سقط من ح وهـ.
(٧) في ا: «في معناها».
[ ١ / ٣٥٠ ]
عليها؛ وذلك (١) ما أكل مما بيع موزونا؛ لأني وجدتها مجتمعة المعاني في أنها (٢) مأكولة ومشروبة، والمشروب في معنى المأكول؛ لأنه كلّه للناس: إما قوت، وإما غذاء، وإما هما. ووجدت الناس شَحُّوا عليها حتى باعوها وزنًا (٣)، والوزن أقرب من الإحاطة من الكيل وفي معنى الكيل (٤).
قال: والذي منعنا من القياس الوزن بالوَزن من الذهب والورِق أن صحيح القياس إذا قست الشيء بالشيء أن تحكم له بحكمه، فلو قست يعني الطعام الموزون بالدنانير والدراهم كان حكمه حكمها، فلم يحلَّ أن يتبايع إلا يدًا بيد. كما لا تحل الدنانير بالدراهم إلا يدًا بيد، فلما أجاز المسلمون أن يشتري (٥) بالدنانير والدراهم نقدًا عسلا وسمنًا إلى أجل فإجَازة المسلمين دلتني على أنه غير قياس عليه، فالدنانير والدراهم محرمان في أنفسهما لا يقاس شيء عليهما.
وقال في الفرق بينهما وبين غيرهما أيضًا: إني لم أعلم مخالفًا من أهل العلم في أني لو عملت معدنا فأديت الحق فيما خرج منه ثم أقامت فضته أو ذهبه عندي دهري كان عليّ في كل سنة أداء زكاتها. ولو حصدت طعامًا من أرض (٦) فأخرجت
_________________
(١) في ا: «وكذلك»
(٢) في ح وهـ: «وأنها»
(٣) في ح وهـ وجدت الناس يبيحوا عليها ما في نحوها وزنًا».
(٤) في الرسالة ص ٥٢٤ بعد ذلك «وذلك مثل العسل والسمن والزيت والسكر وغيره مما يؤكل ويشرب ويباع موزونا. فإن قال قائل. أفيحتمل ما بيع موزونا أن يقاس على الوزن من الذهب والورق فيكون الوزن بالوزن أولى بأن يقاس عليه من الوزن بالكيل؟ قيل له إن شاء الله إن الذي منعنا مما وصفته من قياس الوزن بالوزن أن صحيح القياس إذا قست الشيء بالشيء أن تحكم له بحكمه، فلو قست العسل والسمن بالدنانير والدراهم. الخ
(٥) في ا: «إن أسلم».
(٦) في ا: «طعام أرضي».
[ ١ / ٣٥١ ]
عُشْرَهُ ثم أقام عندي دهرًا – لم يكن عليّ فيه زكاة. وفي أني لو استهلكت لرجل شيئًا قُوِّم عليَّ دنانير أو دراهم؛ لأنها الأثمان في كل مال المسلم (١) إلا الديات (٢).
وجرى في كلامه أنه حين قاس المأكول الموزون، على المأكول المكيل – حكم له حكمه حتى لا يجوز أن يشتري بمد حنطة نقدًا ثلاثة أرطال زيت إلى أجل (٣).
وقال في «كتاب البيوع»: المسموع من (٤) أبي سعيد بن عمرو، عن أبي العباس، عن الربيع، عن الشافعي:
وما (٥) بيع جزافًا أو عددًا فهو في الكيل والوزن من المأكول أو المشروب (٦) عندنا؛ لأنا وجدنا كثيرًا منها يوزن ببلد ولا يوزن بآخر. وبسط الكلام فيه (٧).
وناقضهم في «كتاب القديم» في رواية الزعفراني عنه، بالمعمول من النحاس والجديد وقد يقدرون على وزنه كيف لم يردوه إلى أصله فلا (٨) يجوز بشيء من صنفه إلا وزنًا بوزن كما لو عمل الذهب والورق فيه كثيره يكون وزنها أشد على من أراده من وزن إناء نحاس أو درع حديد أو سيف فلا يجوز إثنان منهما بواحد لأن أصلها الوزن فلا تخرج من أصلها بعمل الآدميين. وبسط الكلام فيه.
* * *
_________________
(١) ليست في ا
(٢) راجع الرسالة ص ٥٢٧، ٥٢٨
(٣) الرسالة ص ٥٢٦.
(٤) في ح «عن».
(٥) في ا «فيما».
(٦) في ا «والمشروب».
(٧) راجع الأم ٣/ ١٣ – ١٤.
(٨) في ح «قلنا».
[ ١ / ٣٥٢ ]
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس، قال: أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال:
أخبرني الصعب بن جثامة أنه سمع النبي، ﷺ، يسأل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم. فقال النبي، ﷺ: هم منهم. وزاد عمرو بن دينار عن الزهري: هم من آبائهم (١).
وعن سفيان، عن الزهري، عن أبيّ (٢) ابن كعب بن مالك، عن عمه، أن النبي ﷺ، لما بَعث إلى ابن أبي الحقيق نهى عن قتل النساء والولدان.
قال: فكان سفيان يذهب إلى أن قول النبي، ﷺ: «هم منهم»
_________________
(١) أخرجه الشافعي في الأم ٤/ ١٥٦ بروايتيه. والرسالة ص ٢٩٧، وأحمد في المسند ٤/ ٣٨، ٧١، ٧٢، ٧٣ (حلبي) والبخاري في كتاب الجهاد: باب أهل الدار يبيتون فيصاب الولدان والذراري ٦/ ١٠٢، ومسلم في كتاب الجهاد والسير: باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد ٣/ ١٣٦٤ - ١٣٦٥. وابن ماجه في كتاب الجهاد: باب الغارة والبيات وقتل النساء والصبيان ٢/ ٩٤٧. والترمذي في السير: باب ما جاء في النهي عن قتل النساء والولدان ١/ ٢٩٨، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن حبان في صحيحه ١/ ٣٠٣ - ٣٠٤. وأبو داود في سننه في كتاب الجهاد: باب قتل النساء ٣/ ٧٣ - ٧٤ وعقب عليه بقول الزهري: ثم نهى رسول الله، ﷺ، بعد ذلك عن قتل النساء والولدان. وهو في السنن الكبرى ٩/ ٧٨. وترجمة الصعب بن جثامة في الإصابة ٣/ ٢٤٣ - ٢٤٤.
(٢) سقطت من ا. [م - ٢٣] مناقب
[ ١ / ٣٥٣ ]
إباحة لقتلهم، وأن حديث النبي، ﷺ، في ابن أبي الحقيق، ناسخ (١) له.
قال: وكان الزهري إذا حدث بحديث الصّعب بن جثامة، أتبعه حديث ابن كعب بن مالك.
قال الشافعي: وحديث الصّعب كان في عمرة النبي، ﷺ، فإن كان في عمرته الأولى فقد قتل ابن أبي الحقيق قبلها، وقيل في سنتها، وإن كان في عُمرته الآخرة فهي بعد ابن أبي الحقيق غير شك. والله أعلم (٢).
قال الشافعي: [ولم نعلمه (٣)] رخص في قتل النساء والولدان ثم نهى عنه، ومعنى نهيه عندنا - والله أعلم - عن قتل النساء والولدان: أن يقصد قصدهم بقتل، وهم يُعرفون متميزين عمن (٤) أمر بقتلهم منهم (٥).
ومعنى قوله: هم منهم، أنهم يجمعون خصلتين: أن ليس لهم حكم الإيمان الذي يمنع به الدّم، ولا حكم دار الإيمان الذي يمنع به الغارة على الدار. وإذ أباح (٦) رسول الله، ﷺ، البيات والغارة على الدار، وأغار على
_________________
(١) في السنن الكبرى ٩/ ٧٨ - ٧٩ أن سفيان بن عيينة كان إذا حدث بحديث الصعب قال: وأخبرني أبي بن كعب بن مالك عن عمه، أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى ابن أبي الحقيق نهى عن قتل النساء والصبيان. وانظر الرسالة ص ٢٩٨.
(٢) الرسالة ص ٢٩٩.
(٣) سقطت من ا.
(٤) في ا: «ممن».
(٥) الرسالة ص ٢٩٩ - ٣٠٠.
(٦) في ح: «وإذا».
[ ١ / ٣٥٤ ]
بني المصطلق غارّين - العلم يحيط أن البيات من الغارة إذا حل (١) بإحلال رسول الله، ﷺ، لم يُمنع أحد بيَّت أو أغار من أن يُصيب النساء والولدان؛ فَيَسْقط (٢) المأثم فيهم، والكفارة والعقل والقود عمن أصابهم؛ إذ أبيح له (٣) أن يُبَيِّت ويغير، وليست لهم حرمة الإسلام، ولا يكون له قتلهم عامدًا لهم متميزين عارفًا بهم (٤).
وإنما نهى عن قتل الولدان؛ لأنهم لم يبلغوا كفرا فيعملوا به، وعن قتل النساء؛ لأنه لا معنى فيهن لقتال، وإنهن والولدان يتخولون فيكونون قوة لأهل دين الله، ﷿.
واستشهد (٥) الشافعي بقول الله، ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ (٦)﴾ الآية. فأوجب الله، سبحانه، بقتل المؤمن خطأَ، الدِّيةَ وتحرير رقبة، وفي قتل ذي الميثاق، الدية وتحرير رقبة، إذا كانا ممنوعي الدم بالإيمان والعهد والدار معًا، وكان المؤمن في الدار الممنوعة، وهو ممنوع بالإيمان، فجعل فيه الكفارة بإتلافه، ولم يجعل فيه الدية وهو ممنوع الدم بالإيمان، فلما (٧) كان الولدان والنساء من المشركين لا ممنوعين بإيمان ولا دار، لم يكن فيهم عقل ولا قَوَد ولا مأثم، إن شاء الله تعالى، ولا كفارة.
_________________
(١) في ح: «إذا يحل».
(٢) في ا: «فسقط».
(٣) في ا، ح: لهم والتصويب من الرسالة.
(٤) الرسالة ص ٣٠٠.
(٥) الرسالة ص ٣٠١.
(٦) سورة النساء: ٩٢.
(٧) في ح: «ولما».
[ ١ / ٣٥٥ ]
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، قال: أخبرنا الربيع، قال:
قال الشافعي في ذكر مناهي رسول الله، ﷺ، وما استدل به على أنه أراد ببعض ما نَهى عنه في حالة دون حالة، كما ذكرنا مثاله فيما تقدم، ثم ذكر النهي (١) عن الجمع في النكاح بين المرأة وأختها، وبينها وبين عمتها وبين خالتها، وعن الجمع بين أكثر من أربع نسوة، وعن النكاح في الهدة، وعن نكاح الشغار والمتعة والمحرم، والنهي عن بيوع الغَرر، وبيع الرُّطَب بالتمر إلا في العرايا وغير ذلك، وذكر أنه يفسخ النكاح والبيع في جميع ذلك.
ثم ذكر نهي رسول الله، ﷺ، أن يشتمل الرجل الصَّمّاء (٢) وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد مفضيًا بفرجه إلى السماء، وأنه أمر غلاما أن يأكل مما بين يديه، ونهى أن يأكل من أعلى الصحفة، ونهى عن أن يقرن الرجل، إذا أكل، بين التمرتين، أو يكشف الثمرة عما في جوفها، وأن يغرس على ظهر الطريق.
قال الشافعي (٣): فلما كان الثوب مباحًا للابسه، والعام مباحًا لآكله حتى يأتي عليه كله إن شاء الله، والأرض مباحة له إذا كانت لله لا لآدمي، وكان الناس فيها شرعا، فهو منهي فيها عن شيء أن يفعله، وقد أمر فيها بأن يفعل شيئا غير الذي نهي عنه، والنهي يدل على أنه إنما نهى عن اشتمال الصماء والاحتباء مفضيا بفرجه غير مستتر: - أن في ذلك كشف عورته، قيل له: استرها بثوبك، فلم يكن
_________________
(١) الرسالة ص ٣٤٦
(٢) الرسالة ص ٣٤٩.
(٣) الرسالة ص ٣٥١.
[ ١ / ٣٥٦ ]
نهيه عن كشف عورته نهيه عن لبس ثوبه، فيحرم عليه لبسه، بل أمره بلبسه (١) كما يستر عورته (٢)، ولم يكن أمره أن يأكل من بين يديه، ولا يأكل من رأس الطعام إذا كان مباحًا له أن يأكل ما بين يديه وجميع الطعام، إلا أدبًا في الأكل من بين يديه؛ لأنه أجمل عند المؤاكلة (٣)، وأبعد له من قبح الطعمة والنهمة (٤) وأمره أن لا يأكل من رأس الطعام؛ لأن البركة تنزل منه على النظر له في أن يبارك بركة دائمة (٥) بدوام نزولها، وهو يبيح له إذا أكل ما حول رأس الطعام أن يأكل رأسه، وإذا أباح (٦) له الممر على ظهر الطريق فالممر عليه إذا كان مباحا؛ لأنه لا مالك له يمنع الممر عليه فيحرم منعه (٧). فإنما نهاه لمعنى ثبت نظرًا له فإنه؛ قال: فإنها مأوى الهوامّ، وطرق الحيات، على النظر له لا على أن التَّعْريسَ مُحَرَّم، وقد ينهى عنه إذا كان الطريق متضايقا مسلوكا؛ لأن إذا عرس عليه في ذلك الوقت منع غيره حقه في الممر.
قال الشافعي: ومن فعل ما نهى عنه وهو عالم بنهيه، فهو عاص بفعله فليستغفر الله ولا يعود.
فإن قال قائل (٨): فهذا عاص والذي ذكرت في الكتاب قبله في النكاح والبيوع عاص، فكيف فرقت بين حالهما؟ فقلت: أما في المعصية فلم أفرق بينهما؛ لأني قد جعلتهما عاصيين، وبعض المعاصي أعظم من بعض.
_________________
(١) في ح: «أن يلبسه».
(٢) الرسالة ص ٣٥٢.
(٣) في ا: «أجمل به عند مؤاكله».
(٤) في ح: «والنهم».
(٥) في ا «على أن النظر له أن يبارك له بركة دائمة».
(٦) الرسالة ص ٣٥٢.
(٧) في ا: «بمنعه».
(٨) الرسالة ص ٣٥٣.
[ ١ / ٣٥٧ ]
فإن قال قائل (١): فكيف لم يحرم على هذا لبسه وأكله وممره على الأرض بمعصيته؟
قيل له: هذا أمر بأمر في مباح حلال له، فأحللت له ما حل له وحرمت عليه ما حرم، ومعصيته في الشيء المباح له لا تحرمه عليه بكل حال، ولكن يحرم عليه أن يفعل فيه المعصية، وجعل نظير ذلك الرجل يطأ امرأته أو جاريته حائضتين أو صائمتين، لم يحل له ذلك الوطء في حاله تلك، ولم تحرم واحدة منهما عليه في تلك الحال إذا كان أصلها مباحا حلالا.
قال: وأصل (٢) مال الرجل محرم على غيره إلا بما أبيح له مما يحل (٣) وفروج النساء محرمات إلا بما أبيحت به (٤) من النكاح والملك، فإذا عقد عقدة البيع أو النكاح منهيا عنهما (٥) على محرم لا يحل إلا بما أحل به (٦)، لم يحل المحرم بمحرم (٧)، وكان على أصل تحريمه حتى يؤتى بالوجه الذي أحله الله به في كتابه، أو على لسان رسول الله، ﷺ، أو إجماع المسلمين، أو ما هو في مثل معناه.
* * *
حدثنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال:
أخبرنا الربيع، قال: حدثنا الشافعي (٨)، قال: لا تجوز إمامة المرأة الرجال
_________________
(١) الرسالة ص ٣٥٤.
(٢) الرسالة ص ٣٥٥.
(٣) في ح: «أبيح له من مأكل».
(٤) في ح: «له».
(٥) في ح: «عنها».
(٦) في ح: «له».
(٧) في ح: «لمحرم».
(٨) راجع الأم ١/ ١٤٥.
[ ١ / ٣٥٨ ]
لما قصر بهن فيه عن الرجال؛ فإن الله، جل ثناؤه، يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ (١)﴾ وقال: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ (٢)﴾ فلما كانت الصلاة مما يقوم به (٣) الإمام على المأموم، لم يجز أن تكون المرأة التي عليها القيِّمُ قيِّمة على قيِّمها.
ولما كانت الإمامة درجة فضل؛ لم يجز أن يكون لها درجة الفضل على من جعل الله له عليها درجة.
ولما كان من سنة النبي ﷺ ثم الإسلام أن (٤) تكون متأخرة خلف الرجال؛ لم يجز أن تكون متقدمة بين أيديهم.
فإن قال قائل: فالعبد (٥) مفضول؟ قيل (٦): وكذلك الحر يكون مفضولا، ثم يتقدم من هو أفضل منه فيجوز. وقد يكون العبد خيرا من الحر، وقد تأتي عليه حال يعتق فيها فيصير حرا، وهو في كل حال من الرجال. والمرأة لا تصير بكل (٧) حال من أن تكون امرأة عليها قيِّم من الرجال في عامة أمرها
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني الحسين بن محمد الدارمي، قال: أخبرنا عبد الرحمن – يعني محمد – قال: أخبرني عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتابه، قال: سمعت أبي، يقول:
_________________
(١) سورة النساء ٣٤.
(٢) سورة البقرة ٢٢٨.
(٣) في ح: «بها».
(٤) في ا: «ثم».
(٥) في ا: «للعبد».
(٦) في ا: «فقيل».
(٧) في ا: «في كل».
[ ١ / ٣٥٩ ]
الشافعي أَدْخَلَ عليهم – يعني أصحاب أبي حنيفة – إذا بدأ المتوضئ بعضو دون عضو، فقال: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ (١)﴾ فقالوا – يعني أصحاب أبي حنيفة – إذا بدأ بالمروة قبل الصفا يعيد ذلك الشوط (٢).
وقرأت في «كتاب عبد الرحمن بن أبي حاتم» عن أبيه، قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى، يقول:
قال لي الشافعي (٣) في حلف الرجل بطلاق المرأة قبل أن ينكحها: لا شيء عليه. قال: لأني رأيت الله ذكر الطلاق بعد النكاح، وقرأ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ (٤)﴾.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا بكر: محمد بن عبد الله بن شاذان الرازي، يقول: سمعت أبا الفضل بن مهاجر يقول:
سمعت المزني، يقول: سمعت الشافعي، يقول وسئل من العدل؟ قال: ما أحد يطيع الله حتى لا يعصيه، وما أحد يعصي الله حتى لا يطيعه، ولكن إذا كان أكثر عمله الطاعة (٥) ولا يقدم على كبيرة، فهو عدل (٦).
قال: سمعت أبا عمرو بن مطر، يقول: سمعت موسى بن عبد المؤمن، يقول: سمعت ابن عبد الحكم يقول: سمعت الشافعي، يقول مثله.
* * *
_________________
(١) سورة البقرة ١٥٨.
(٢) آداب الشافعي ص ١١٢ – ١١٣.
(٣) آداب الشافعي ٢٩٥.
(٤) سورة الأحزاب ٤٩.
(٥) في ا: «إلى طاعة».
(٦) الرسالة ص ٤٩٣، وجماع العلم ص ٤٠.
[ ١ / ٣٦٠ ]
ورواه البويطي عن الشافعي، وزاد فيه (١) عند قوله: حتى لم يخلطها بمعصية إلا يحيى بن زكريا.
أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أبو العباس: عبد الله بن محمد ابن عمرو المقرئ قال: سمعت البويطي يقول: قال الشافعي، ﵁، فذكر معناه.
وذكره الشافعي في «كتاب الشهادات» رواية الربيع أتم منه (٢)، فقال: ليس من الناس أحد نعلمه إلا أن يكون قليلا يَمْحَضُ الطاعةَ والمروءة حتى لا يخلطها بمعصية، وترك (٣) المروءة ولا يمحض المعصية، وترك (٤) المروءة حتى لا يخلطها (٥) بشيء من الطاعة والمروءة، فإن كان الأغلب على الرجل الأظهر من أمره الطاعة والمروءة – قبلت شهادته. وإذا كان الأغلب الظهر من أمره المعصية وخلاف المروءة – ردّت شهادته، وكل من كان مقيما على معصية فيها حد [وأخذ (٦)] فلا تجوز (٧) شهادته، وكل من كان منكشف الحال في الكذب مُظهرَه غير مستتر به – لم تجز شهادته، وكذلك كل من جرّب بشهادة زور (٨) وهذا فيما أنبأني أبو عبد الله الحافظ، إجازة، قال: حدثنا أبو العباس – هو الأصم – قال: أخبرنا الربيع عن الشافعي فذكره.
* * *
_________________
(١) ليست في ا.
(٢) الأم ٧/ ٤٨.
(٣) في الأم: «ولا ترك»
(٤) في: الأم «ويترك»
(٥) في الأم: «يخلطه»
(٦) من الأم.
(٧) في الأم: «فلا نجيز»
(٨) في ح: «جرت عادته شهادة زور»
[ ١ / ٣٦١ ]
أخبرنا محمد بن الحسن السلمي، قال: سمعت أحمد بن الحسن الأصبهاني، يقول: سمعت عبد الله بن محمد بن بشر الحافظ، يقول: سمعت عبد الله (١) بن محمد ابن هارون، يقول:
سمعت محمد بن إدريس الشافعي، يقول بمكة: سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله وسنة نبيه، ﷺ، فقال له رجل: أصلحك الله، ما تقول في المحرم قتل زُنْبورا؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ (٢)﴾ حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعى بن حراش، عن حذيفة، قال: قال رسول الله، ﷺ: اقتدوا باللذَينِ من بَعْدِي: أبي بكر وعمر (٣).
وحدثنا سفيان، عن مسعر، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عمر، أنه أمر بقتل الزنبور.
ورأيته في «كتاب أبي نعيم الأصبهاني» بإسناد له عن أبي بكر بن محمد ابن يزيد بن حكيم المستملى، عن الشافعي. غير أنه جعل السؤال عن أكل فرخ الزنبور، وقال في الإسناد: حدثنا سفيان، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن مولى لربعى، عن ربعى، عن حذيفة، وقال في إسناد حديث عمر: حدثونا عن إسرائيل، قال المستملى: حدثنا أبو أحمد، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى،
_________________
(١) في ح: «عبيد الله»
(٢) سورة الحشر ٧
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٣٨٥ (حلبي) وابن ماجة في مقدمة السنن ١/ ٣٧، والترمذي في المناقب ٢/ ٢٩٠ وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن، والذهبي في سير أعلام النبلاء ١/ ٢٩٦، ٣٤٢، ٣٤٤، والرازي في المناقب ص ١٢٦.
[ ١ / ٣٦٢ ]
عن سويد بن غفلة، أن عمر بن الخطاب أمر بقتل الزنبور (١).
قال الشافعي: وفي المعقول أن ما أُمِرَ بقتله فحرام أكله.
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا محمد: أحمد بن عبد الله المزني، يقول: حدثنا محمد بن سهل بن الحسن البغدادي، قال: حدثنا وبرة (٢) بن محمد الغساني، قال: سمعت معمر بن شبيب، يقول:
سمعت المأمون، يقو لمحمد بن إدريس الشافعي: يا محمد، لأي علة خلق الله الذباب؟ قال: فأطرق، ثم قال له: مذلة للملوك يا أمير المؤمنين. قال: فضحك المأمون وقال: يا محمد، رأيت الذبابة قد سقطت على خدّي؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، ولقد سألتني وما عندي جواب، فأخذني من ذلك الزَّمَعُ، فلما رأيتُ الذبابة (٣) قد سقطت بموضع لا يناله أحدٌ؛ انفتح فيه الجواب. فقال: لله دَرّك يا محمد.
* * *
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو بكر بن عثمان البغدادي، قال: سمعت من يحكي عن محمد بن إسحاق عن المزني، قال:
سئِل الشافعي عن نعامة ابتلعت جوهرة لرجل آخر؟ فقال: لست آمره بشيء، ولكن إن كان صاحب الجوهرة كيِّسًا غدا على النعامة
_________________
(١) مناقب الرازي ص ١٢٦.
(٢) في ا: «وريزة» وهو تحريف.
(٣) حياة الحيوان الكبرى ١/ ٤٤٠.
[ ١ / ٣٦٣ ]
فذبحها واستخرج جوهرته ثم ضمن لصاحب النعامة ما بين قيمتها حية ومذبوحة (١).
* * *
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: حدثنا علي بن عمر الحافظ، قال: حدثني أبو إسحاق: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الرّعيني المعدل بمصر، قال: حدثنا أبو الحسن: أحمد بن محمد بن الحارث بن القباب، قال:
حدثنا إسحاق بن صُغَير العطار، قال: سألت أبا عبد الله الشافعي، قلت له: ما تقول في رجل احتلب عنزا (٢) من الظباء وهو مُحْرِم؟ قال: فقال: تقوّم العنز باللبن، وتقوّم بلا لبن، فينظر نقص ما بينهما فليتصدق به. فقلت له: من أين وما الحجة على مخالفنا؟ فقال: أصاب إنسان (٣) ملكا ضائعًا، قال إسحاق: معناه مثلك يناظرني؟
* * *
أخبرنا محمد بن الحسين السلمي، قال: أخبرنا علي بن عمر الحافظ ببغداد، قال: حدثنا الحسن بن رشيق، قال: حدثنا عبد الله بن الحسين المصعبي، قال: حدثنا عمارة بن وثيمة، قال:
حدثنا داود بن أبي صالح، قال: قلت للشافعي: يا أبا عبد الله، أنت تقول:
_________________
(١) نقلها الدميري في حياة الحيوان ٢/ ٤٢٢ عن كتاب مناقب الشافعي للحاكم.
(٢) العنز: أنثى الظباء.
(٣) في ا: «شيبان».
[ ١ / ٣٦٤ ]
لا تجوز الصلاة وفي ثوب المصلي من شعره شيء، وهذا ما لا ينضبط ولا يقدر على التحرز منه، نشدتك بالله إلا ما نظرت في هذا قبل أن تموت، فقال: أشهد على أني رجعت عن هذا قبل أن أموت.
وقد نقلت سائر أقواله فيه في «المبسوط (١)».
وقرأت في كتاب الشيخ أبي بكر بن زكريا الساجي (٢) سمعت أبا الوليد: حسان بن محمد، يقول: سمعت أبا العباس بن سُريج القاضي، يقول: سمعت إبراهيم البلدي، يقول:
سمعت المزني، يقول: رجع الشافعي عن قوله بنجاسة شعر بني آدم.
قال: وسمعت أبا الوليد، يقول:
سمعت أبا العباس بن سُريج يقول: لا أعلم للشافعي في ذلك نصًا ولا رجوعًا إلا أنه قال في المرأة: إذا وصلت شعرها بشعر إنسان، قد قيل: تعيد الصلاة وقيل: لا تعيد.
قلت: كذا (٣) قاله القاضي أبو العباس بن سُريج، ﵀، في هذه الحكاية عنه.
وقد أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال:
قال الشافعي (٤)، ﵀: لا يصلي الرجل والمرأة واصلين شعورهما بشعر
_________________
(١) في ح: «إلى المبسوط»
(٢) في ا: «الشيباني»
(٣) ليست في ح.
(٤) الأم ١/ ٤٦
[ ١ / ٣٦٥ ]
ما لا يؤكل لحمه، ولا بشعر ما يؤكل لحمه، إلا أن يؤخذ منه (١) شعره وهو حي، فيكون في معنى المذكي، كاللبن، ويؤخذ [بعد (٢)] ما يذكّي ما يؤكل لحمه، فيقع الذكاة (٣) على [كل (٤)] حي [منه (٥)] وميت.
قال: وإن سقط من شعورهما شيء فوصلاه بشعر إنسان أو بشعورهما – لم يصليا فيه، فإن فعلا فقد قيل: يعيدان.
ولا يجوز أن يستمتع من الآدميين بما يستمتع به من البهائم بحال؛ لأنها مخالفة شعور ما يؤكل لحمه ذكيا وحيا (٦).
فقول الشافعي: فقد قيل: يعيدان، يتضمن قوله: وقيل: لا يعيد. غير أنه لم ينقل فيما نقل لينا من كتاب. والله أعلم.
أخبرنا أبو زكريا: يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، قال: حدثنا أبو عبد الله الزبير بن عبد الواحد، قال: حدثني أبو عبد الله: محمد بن أحمد بن أخي عيسى عن زغبَة (٧).
قال: حدثنا الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: إذا ضاقت الأشياء اتسعت وإذا اتسعت ضاقت.
_________________
(١) في ح: «من»
(٢) من الأم.
(٣) في ا: «الدبورة»
(٤) من الأم.
(٥) من الأم.
(٦) الأم ١/ ٤٦ وفيه «ذكيا أو حيا».
(٧) في ح: «بن حماد زغبة»
[ ١ / ٣٦٦ ]
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: أنبأنا الربيع بن سليمان، قال:
قال الشافعي: لا يكون لك أن تقول إلا عن أصل، أو قياس على أصل. والأصل: كتاب أو سنة، أو قول بعض أصحاب رسول الله، ﷺ، أو إجماع الناس (١).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثني أبو بكر: محمد بن علي الفقيه للقفال، قال: حدثنا عمر بن محمد بن يحيى، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال:
قال لي محمد بن إدريس الشافعي: لا يقال للأصل: لم ولا كيف.
وقد ذكر الشافعي، ﵀، في مسألة المنيّ فصلا، بين فيه المعنى فيما أمر به تعبدا، فقال (٢): ولو كان كثرة الماء إنما يجب لقِذَر ما يخرج، كان هذان – يعني الخلا والبول – اقذر، وأولى أن يكون على صاحبهما الغسل مرات، وكان مخرجهما أولى بالغسل من الوجه الذي لم يخرجا منه، ولكن إنما أمر الله تعالى بالوضوء لمعنى تعبدا ابتلى الله به طاعة العباد؛ لينظر من يطيعه منهم، ومن يعصيه، لا على قذر، ولا على نظافة ما يخرج.
وهذا فيما أخبرناه أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس، قال: أخبرنا الربيع، قال: حدثنا الشافعي ﵀: فذكره.
_________________
(١) في ح: «المسلمين».
(٢) الأم ١/ ٤٨.
[ ١ / ٣٦٧ ]
باب