* * *
قرأت في كتاب زكريا بن يحيى الساجي، حدثني إبراهيم بن زياد (٣)، قال: سمعت البويطي، يقول:
كان الشافعي يناظر محمد بن الحسن في اليمين مع الشاهد، فأقام عليه الشافعي الحجة في أنه خالف كتاب الله، ﷿، في سبعين موضعًا - يعني في زعمه - فرفع ذلك صاحب الخبر إلى هارون الرشيد. فقال هارون: أما علم محمد بن الحسن أن رسول الله، ﷺ، قال:
«إن عقل الرجل من قريش عقل رجلين؟».
وأرسل إليه بأنه قد رضي عنه. وسأله أن يوليه على القضاء. فقال الشافعي: لا حاجة لي فيه. فقال: سل حاجتك. قال: حاجتي أن أعطى من سهم ذي القربى بمصر، وأخرج إليها. ففعل ذلك، وكتب له إليها.
_________________
(١) في ح: «كبر».
(٢) في ا: «حده».
(٣) في ا: «ابن أبي الزناد»
[ ١ / ١٥٢ ]
قال زكريا: حدثني ابن بنت الشافعي، قال:
لما أدخل الشافعي على هارون الرشيد فسمع كلامه، قال: أكثر الله في أهلي مثلك. وهذه الحكاية الأخيرة فيما أخبرنا أصحابنا عن أبي نعيم الفقيه، قال: وذكر أحمد بن محمد ابن بنت الشافعي، أن الشافعي لما ادخل على الرشيد. فذكرها (١).
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت محمد بن أحمد بن عبد الأعلى المغربي، يقول: سمعت أحمد بن عبد الرحمن، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول:
ناظر الشافعي محمد بن الحسن، بالرقة، حين (٢) جيء به إلى هارون، فقطعه الشافعي. فقال هارون: أما علم محمد بن الحسن إذا ناظر رجلا من قريش أن يقطعه (٣)؟ سائلا ومجيبًا، والنبي، ﷺ، يقول:
قدموا قريشًا ولا تقدموها، وتعلموا منها ولا تعلموها، فإن علم العالم منهم يسع طباق الأرض (٤).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عثمان: سعيد بن محمد بن محمد بن عبدان، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو بكر القاضي، قالوا: سمعنا (٥) أبا العباس محمد بن
_________________
(١) في ا: «فذكرهما».
(٢) في ا: «حتى».
(٣) في ا: «يعطه».
(٤) تقدم الكلام عن الحديث. وانظر الخبر أيضًا في توالي التأسيس ص ٧٠.
(٥) في ح: «قال: سمعت».
[ ١ / ١٥٣ ]
يعقوب، يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، يقول:
سمعت الشافعي، يقول: بعث إلى السلطان بالعراق ينهاني عن الكلام في مسألتين: تحريم المسكر، والطلاق قبل النكاح.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني نصر بن محمد بن أحمد، قال: أخبرني محمد بن عمرو البصري، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم بن عاصم السجستاني، قال: أخبرني أبو بكر: محمد بن يحيى خادم المزني، قال: حدثنا أبو إبراهيم المزني، قال:
قال الشافعي: لما دخلت على هارون الرشيد، فقلت بعد المخاطبة: إني خلَّفت اليمن ضائعة تحتاج إلى حاكم. قال. فانظر رجلا ممن يَجْلس (١) إليك حتى تُولِّيه (٢) قضاها. فلما رجع الشافعي إلى مجلسه ورأى أحمد بن حنبل من أمثلهم أقبل عليه، فقال: إني كلمت (٣) أمير المؤمنين أن يُوَلّىَ قاضيًا باليمن، وإنه أمرني أن أختار رجلا ممن يختلف إليّ، وإني قد اخترتك، فتهيأ حتى أدخلك على أمير المؤمنين يولِّيك قضاء اليمن. فأقبل عليه أحمد بن حنبل، فقال: إنما جئت (٤) إليك أقتبس (٥) منك العلمَ، أتأمرني (٦) أن أَدْخُل لهم في القضاء؟! ووبَّخَه، فاستحيا الشافعي.
وقرأت (٧) هذه الحكاية في كتاب زكريا بن يحيى الساجي فيما بلغه (٨)،
_________________
(١) في ا: «جلس».
(٢) في ا: «توله».
(٣) في ا: «كلفت».
(٤) في ا: «جئنا».
(٥) في ا: «لنقتبس».
(٦) في ا: «تأمرني».
(٧) في ا: «وقلت».
(٨) في ا: «بلغ).
[ ١ / ١٥٤ ]
وزاد فيها، قال (١): وكتب الشافعي إلى المأمون يسأله قاضيًا بمكة، فقال له: اختر. فاختار لها (٢) يوسف بن يعقوب الشافعي ابن عمه، فوُلِّى مكة (٣).
وروينا فيما تقدم في قصة مناظرة الشافعي مع محمد بن الحسن: أنْ المأمون بعث إلى الشافعي بخمسمائة دينار، وقال: أحبُّ أن تَجْعل انقطاعك إليّ.
وقرأت في كتاب زكريا بن يحيى (٤) الساجي: حدثني جعفر بن أحمد بن عبد الله، عن الوليد (٥) بن أبي الجارود، قال:
وجَّه المأمون بعد ذلك بحَمْل الشافعي؛ ليصيره على قضاء القضاة (٦)، فوجّه إليه (٧) بالكتاب - والشافعيُّ عليل، شديد العلة - فقال الشافعي: ويحكم؛ جاء الكتاب؟!
قال: فجاء الكتاب وقد مات الشافعي، ﵀!
وفي حكاية بعض أصحابنا عن الأستاذ أبي القاسم بن حبيب المفسر: أنه سمع أبا العباس بن عبد الله بن محمد - ببُو شَنْجَ - يقول: سمعت أبا نُعيم: عبد الملك ابن محمد، يقول: سمعت الربيع، يقول:
_________________
(١) ليست في ح.
(٢) في ا: «فاختار أبا يوسف».
(٣) في ح: «بمكة».
(٤) في ا: «يحيى بن زكريا الساجي».
(٥) في ا: «أبي الوليد» وهو خطأ.
(٦) في ا: «القضاء».
(٧) ليست في ح.
[ ١ / ١٥٥ ]
قدِم رسول الخليفة على الشافعي، يدعوه للقضاء (١)، فقال الشافعي: اللهم إن كان هذا خيرًا لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري فأمضه، وإن لم يكن خيرًا لي فاقبضني إليك. قال: فتُوفِّى بعد هذه الدعوة بثلاثة أيام، وَرَسول الخليفة على بابه!
وقد أجاز لي الأستاذ أبو القاسم بن حبيب، ﵀، رواية أخباره عنه.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمي، قال: حدثنا عبد الله بن إبراهيم ابن جعفر، المعروف بالزينبي - ببغداد (٢) - قال: حدثنا محمدُ بن سهل ابن الحسن البزّار (٣)، قال: حدثنا وبرة (٤) بن محمد الغساني، قال:
حدثنا معمر بن شيب، قال: سمعت المأمون يقول لمحمد بن إدريس الشافعي: يا محمد، لأي علة خلق الله الذُّبابَ؟ قال: فأطرق، ثم قال: مَذَلةً للملوك يا أمير المؤمنين. قال: فضحك المأمون، وقال: يا محمد، رأيت الذباب يسقط (٥) على خدي؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ولقد (٦) سألتني وما عندي جواب، وأخذني من ذلك الزمَع (٧)، فلما رأيت الذباب (٨) قد
_________________
(١) في ح: «إلى القضاء».
(٢) ليست في ا.
(٣) في ا: «البزاز».
(٤) في ا: «وزيرة» وهو خطأ.
(٥) في ح: «سقط».
(٦) في ا: «فلقد».
(٧) الزمع رعدة: تعتري الإنسان إذا هم بأمر.
(٨) في ا: «الذباب». [أثبتت أولًا في المطبوع لفظة «الذبابة»، ثم صححت في فهرس التصويبات ٢/ ٤٦٦ إلى: «الذباب» كما في ا]
[ ١ / ١٥٦ ]
سقط (١) منك بموضع لا يناله من معه عشرة آلاف سيف وعشرة آلاف رُمْح فانفتح لي فيها الجواب! فقال: لله درك يا محمد!!
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم المؤذِّن. قال: سمعت أبا محمد بن عدي الفقيه، يقول:
رَوَيْنا أن الرشيد لما نَدَب الناسَ الى البيعة للأمين والمأمون، صَعِد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، فكان أول من صعد اليه في ذلك اليوم محمد بن ادريس الشافعي، فوضع يده على رأس الأمين والمأمون، ثم قال:
لا قَصَّرا عنها ولاَ بَلَغَتْهُمَا حتى يطول بها لديك طُوَالُها
ثم بكى وأبكى الناس. قال: فساد الشافعي الناس في ذلك اليوم.
وقد روينا من وجه آخر، وفيه: أن ذلك كان بمكة [فقال الناس (٢)]: مَنْ هذا الشاب الذي جمع التهنئة والتعزية في بيت واحد؟ فقيل: هذا فتى [من (٣)] قريش (٤)، يقال له: محمد بن إدريس الشافعي.
_________________
(١) في ا: «سقط». [أثبتت أولًا في المطبوع لفظة «سقطت»، ثم صححت في فهرس التصويبات ٢/ ٤٦٦ إلى: «سقط» كما في ا]
(٢) ما بين القوسين من ح.
(٣) ليست في ا.
(٤) في ا: «هذا الفتى فتى قريش».
[ ١ / ١٥٧ ]
باب