* * *
وهذا الباب كبير (١). والشافعي، ﵀، أوّل من صنف في أصول الفقه. وقد نقلت إلى أول «كتاب المبسوط»، «وكتاب المعرفة» ثم إلى «كتاب المدخل إلى السنن» ما يُستدل به على معرفته بذلك. وإيرادُ جميعه ها هنا مما يطول به الكتاب، فاقتصرت على إيراد شيء منه يسير، وبالله التوفيق والتيسير.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني الحسين بن محمد بن يحيى الدارمي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد الرازي، قال: أخبرني أبو عثمان: نزيل مكة، قال: سمعت دبيس، يقول:
كنت مع أحمد بن حنبل في المسجد الجامع فمر حسين - يعني الكرابيسي - فقال: هذا - يعني الشافعي - رحمة من الله لأمة محمد، ﷺ، ومر حسين. ثم جئت إلى حسين، فقلت: ما تقول في الشافعي ﵀؟ قال: ما أقول في رجل ابتدأ في أفواه الناس الكتاب والسنة والاتفاق، وما كنا ندري ما الكتاب ولا السنة نحن والأولون حتى سمعنا من الشافعي الكتاب والسنة والإجماع.
_________________
(١) في ح: «وهذا باب كبير»
[ ١ / ٣٦٨ ]
قلت: ولهذا قال: لا يقال للأصل: لم وكيف؟ وبالله التوفيق.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال:
قال الشافعي: قال الله جل ثناؤه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١)﴾ وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٢)﴾ وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾.
قال الشافعي: فجماع (٤) ما أبان الله، ﷿، لخلقه في كتابه مما تعبدهم به لما مضى في حكمه، جلّ ثناؤه، من وجوه.
فمنها: ما أبانه لخلقه نصا، مثل جُمَل فرائضه في أن عليهم صلاة وزكاة وحجًا وصومًا، وأنه حرّم (٥) الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونص على الزنا والخمر وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وبيّن لهم كيف فَرْض (٦) الوضوء، مع غير ذلك مما بيّن نصّا.
ومنه (٧) ما أَحْكَم فرضه بكتابه، وبيّن كيف هو على لسان نبيه،
_________________
(١) سورة النحل ٨٩.
(٢) سورة إبراهيم ١.
(٣) سورة النحل ٤٤.
(٤) في ح: «فجميع» وما أثبتناه موافق لما في الرسالة ص ٢١.
(٥) في ا: «وتحريم» وما أثبتناه كما في الرسالة.
(٦) من الرسالة.
(٧) الرسالة ص ٢٢. [م – ٢٤] مناقب
[ ١ / ٣٦٩ ]
ﷺ، مثل عدد الصلاة والزكاة ووقتها، وغير ذلك من فرائضه التي أنزل في كتابه.
ومنه: ما سَنَّ (١) رسولُ الله، ﷺ، مما ليس لله فيه نص حكم.
وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله، ﷺ، والانتهاء إلى حكمه. قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ (٢)﴾ وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ (٣)﴾ وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (٤)﴾ فأعلمهم أن بيعتهم رسول الله، ﷺ بيعته، وكذلك أعلمهم أن طاعته طاعته، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥)﴾ مع سائر ما ورد في معنى هذه الآيات.
قال الشافعي (٦): فَمَن قَبِل عن رسول الله ﷺ فبفرض الله قَبِل.
ثم قال: ومنه ما فرض على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض الله عليهم؛ فإنه يقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٧)﴾.
_________________
(١) في ح: «بيّن».
(٢) سورة النساء ٥٩.
(٣) سورة النساء ٨٠.
(٤) سورة الفتح ١٠.
(٥) سورة النساء ٦٥.
(٦) الرسالة ص ٢٢ – ٢٣
(٧) سورة محمد ٣١.
[ ١ / ٣٧٠ ]
وقال: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ (١)﴾ وقال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (٢)﴾
قال الشافعي (٣): فليس لأحد أبدًا أن يقول في شيء حل ولا حرم إلا من جهة العلم. وجهة العلم الخبر: في الكتاب، والسنة، أو الإجماع، أو القياس.
والقياس: ما طلب بالدلائل على موافقة الخبر المتقدم من الكتاب أو السنة، لأنهما علم الحق المفترض طلبه.
وموافقته تكون من وجهين:
أحدهما: أن يكون الله أو رسوله حرّم الشيء منصوصًا أو أحله لمعنى، فإذا وجدنا ما في مثل ذلك المعنى فيما لم ينص فيه بعينه كتاب ولا سنة أحللناه أو حرمناه؛ لأنه في معنى الحلال أو الحرام.
ونجد الشيء يشبه الشيء منه والشيء من غيره، ولا نجد شيئًا أقرب به شبهًا من أحدهما فنُلحقه بأولى الأشياء شبهًا به. وذكر مثال ذلك من جزاء الصيد وغيره.
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا الربيع، قال:
_________________
(١) سورة آل عمران ١٥٤.
(٢) الأعراف ١٢٩.
(٣) الرسالة ص ٣٩، ٤٠.
[ ١ / ٣٧١ ]
قال الشافعي: قال الله، ﵎: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (١)﴾ الآية.
وقال لنبيه ﷺ في أهل الكتاب: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٢)﴾ وقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ (٣)﴾ وقال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (٤)﴾.
قال الشافعي (٥): فأعلم الله نبيه، ﷺ، أنّ فرضًا عليه وعلى مَنْ قِبَله والناس إذا حكموا أن يحكموا بالعدل، «والعدل» اتباع حكمه المنزَّل؛ قال الله، جل ثناؤه، لنبيه ﷺ حين أمره بالحكم بين أهل الكتاب: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
ووضع الله جل ثناؤه نبيَّه، ﷺ، مِنْ دينِه مَوْضِعَ الإبانة عن كتاب الله معنى ما أراد، وفرض طاعته، فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ (٦)﴾ وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٧)﴾ وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ
_________________
(١) سورة ص ٢٦.
(٢) سورة المائدة ٤٢.
(٣) سورة المائدة: ٤٩
(٤) سورة النساء ٥٨
(٥) الرسالة ص ٧٣
(٦) سورة النساء ٨٠
(٧) سورة النساء: ٦٥
[ ١ / ٣٧٢ ]
عَذَابٌ أَلِيمٌ (١)﴾.
قال الشافعي (٢): فعِلْمُ الحق كتابُ الله تعالى، ثم سنةُ نبيه، ﷺ، فليس لمفتي ولا لحاكم أن يفتي ولا يحكم حتى يكون عالمًا بهما، ولا أن يخالفهما، ولا واحدًا منهما بحال. فإذا خالفهما فهو عاص لله به، وحكمه مردود.
فإذا لم يوجد المنصوص (٣) فالاجتهاد بأن يُطْلَبا: كما يطلب الاجتهاد بأن يتوجه إلى البيت. وليس لأحد أن يقول مستحسنًا على غير الاجتهاد (٤). كما ليس لأحد إذا غاب البيت عنه أن يصلّي حيث أحبّ، ولكنه يجتهد في التوجه إلى البيت.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا الربيع، قال:
قال الشافعي (٥): «والاجتهاد» لا يكون إلا على مطلوب، والمطلوب لا يكون أبدًا إلا على عين قائمة تطلب بدلالة يقصد بها إليها أو بينة (٦) على عين
_________________
(١) سورة النور ٦٣.
(٢) راجع كتاب أبطال الاستحسان ٧/ ٢٧٠ - ٢٧١ من الأم وفيه: وليس يؤمر أحد أن يحكم بحق إلا وقد علم الحق، ولا يكون الحق معلوما إلا عن الله نصًا، أو دلالة من الله، فقد جعل الله الحق في كتابه، ثم سنة نبيه ﷺ.
(٣) في ح: «لم يوجدا منصوصين».
(٤) في ح: «على غير اجتهاد».
(٥) الرسالة ص ٥٠٣ - ٥٠٤.
(٦) في ا: «ولشبيه».
[ ١ / ٣٧٣ ]
قائمة. وهذا يبين أَن حَرَامًا على أحدٍ أن يقول بالاستحسان إذا خالف الاستحسان الخبر، والخبر من الكتاب والسنة عين يتأخى (١) معناه المجتهد ليصيبه كما البيت يتأخَّاه من غاب عنه ليصيبه أو (٢) قصده بالقياس.
ثم ساق الكلام إلى أن قال (٣):
وإذا (٤) كان هذا هكذا. كان على العالِم أن لا يقول إلا من جهة العلم. وجهة العلم: الخبر اللازم والقياس بالدلائل على الصّواب؛ حتى يكون صاحب العلم أبدًا متّبعا خبرًا، وطالب الخبر بالقياس كما يكون متبع البيت بالعيان، وطالبا قصده بالاستدلال بالإعلام مجتهدًا.
ولو قال (٥) بلا خبر لازم ولا قياس كان أقرب من الإثم (٦) من الذي قال وهو غير عالم، ولكان القول بغير أهل العلم جائزًا. ولم يجعل الله لأحد بعد رسول الله، ﷺ، أن يقول إلا من جهة العلم: عِلْمِ ما (٧) مضى قبله، وجهة العلم بعد الكتاب والسنة والإجماع والآثار: ما وصفت من القياس عليها فلا يقيس إلا من جمع (٨) الآلة التي له القياس بها، وهي العلم بأحكام كتاب الله: فرضه وأدبه، وناسخه ومنسوخه، وخاصِّهِ وعامه وإرشاده. ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسنن رسول الله، ﷺ، فإذا لم يجد سنة
_________________
(١) يتحرى ويقصد. قال في النهاية ١/ ٢٠ في حديث عمر: يتأخى متأخ رسول الله ﷺ أي يتحرى ويقصد، ويقال فيه بالواو أيضا، وهو الأكثر.
(٢) في ا: «لو».
(٣) الرسالة ٥٠٧.
(٤) في ا: «فإذا».
(٥) الرسالة ٥٠٨.
(٦) وفي ا: «الأئمة» وهو تحريف.
(٧) في ا: «علم على ما» وهو خطأ.
(٨) في ح: «أجمع».
[ ١ / ٣٧٤ ]
فبإجماع المسلمين، فإن لم يكن إجماع فبالقياس (١).
ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالما بما مضى قبله من السنن (٢) وأقاويل السلف وإجماع الناس واختلافهم ولسان العرب، ولا يكون له أن يقيس حتى يكون صحيح العقل وحتى يفرق بين المشتبه، ولا يعجل بالقول به دون التثبت، ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه؛ لأنه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة ويزداد به تثبتا (٣) فيما اعتقد من الصَّواب. وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده والإنصاف من نفسه؛ حتى يعرف من أين قال ما يقول وترك ما يترك [ولا يكون بما قال، أعنى منه، بما خالفه حتى يعرف فضل ما يصير إليه على ما يترك] (٤) إن شاء الله تعالى.
وذكر فيما (٥) يمتنع القياس عليه أن يكون أحلّ الله لهم شيئا جملة، وحرم منه شيئا بعينه، فيحلون الحلال بالجملة ويحرمون الشيء بعينه، ولا يقيسون على الأول الحرام؛ لأن الأكثر منه حلال، والقياس على الأكثر أولى. وكذلك إن حرم جملة وأحل بعضها، وكذلك إن فرض شيئا وخص النبي، ﷺ، بالتخفيف في بعضه.
وذكر في سبب ما يحسبه الإنسان مختلفا من الكتاب والسنة وليس بمختلف - ما أخبرنا أبو عبد الله، قال: حدثنا أبو العباس، قال: أنبأنا الربيع، قال:
_________________
(١) الرسالة ص ٥٠٩ - ٥١٠ وفي ح «فالقياس».
(٢) في ا: «السنين»
(٣) في ح: «تبينا»
(٤) الرسالة ٥١٠ - ٥١١ وما بين القوسين سقط من ا.
(٥) في ا: «فيها».
[ ١ / ٣٧٥ ]
قال الشافعي: وإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها [وكان مما تعرف من معانيها (١)] اتساع لسانها، وأن فطرتها أن تخاطب بالشيء منه عامًّا ظاهرًا يراد به العام الظاهر، ويستغنى بأول هذا منه (٢) عن آخره، وعامًّا ظاهرًا يراد به العام ويدخله الخاص، فيُستدل (٣) على هذا ببعض ما خوطب به (٤)، وعامًا ظاهرًا يراد به الخاص، وظاهرًا يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره، وكل هذا موجود في علمه في القرآن (٥) في أول الكلام أو وسطه أو آخره.
وتبتدئ الشيء من كلامها يُبِينُ أولُ لفظها فيه عن آخره ويَبتدئ بالشيء من كلامها يُبِينُ آخر لفظها فيه عن أوله.
وتكلم بالشيء تعرفه بالمعنى دون الإيضاح باللفظ كما تعرف الإشارة، ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها، لانفراد أهل علمها به دون أهل جهالتها، وتُسمّى الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، وتُسمِّي بالاسم الواحد المعاني الكثيرة (٦).
ثم ذكر الشافعي، ﵀، مثالَ كلِّ نوع مما أشار إليه من الكتاب.
وذكر فيما نُسِخ من الكتاب: أنّ الله تعالى فرض فرائض أثْبَتَها، وأخرى نسخها، رحمة لخلقه بالتخفيف عنهم، وبالتوسعة عليهم زيادة فيما ابتدأهم به من
_________________
(١) ما بين القوسين سقط من ا
(٢) في ا: «فيه»
(٣) في ا: «فيستدل»
(٤) في ا: «فيه»
(٥) في ا: «موجود عليه في أول الكلام».
(٦) الرسالة ص ٥٢
[ ١ / ٣٧٦ ]
نعمة، وأثابهم على الانتهاء إلى ما أَثْبَت عليهم (١) جنتَه والنجاةَ من عذابه، فعمتهم رحمته فيما اُثبت ونسخ. فله الحمد على نعمه (٢).
ثم ذكر فصلا في نسخ الكتاب بالكتاب دون السنة، ونسخ السنة بالسنة دون الكتاب، وأن كلَّ واحد منهما كان حقًّا في وقته.
وأنه إنما يعرف الناسخ والمنسوخ (٣) بالآخِر من الأمرين.
وأنَّ أكثر الناسخ في كتاب الله إنما عرف بدلالة سنة رسول الله، ﷺ.
ثم ذكر مثال ذلك، وذكر مثال الفرائض المنصوصة التي سنَّ رسول الله، ﷺ، معها، ومثال الفرائض الجُمْل التي أبان رسول الله، ﷺ، عن الله ﷾ كيف هي ومواقيتها، ومثال العام من أمر الله تعالى الذي أراد به العامّ، والعامّ الذي أراد به الخاصّ.
ثم ذكر سنته فيما ليس فيه نصّ كتاب.
* * *
قال الشافعي بعد فصل طويل في وجوه السنن (٤):
وسنَّتُه، ﷺ، لا تَعْدوا واحدًا من الوجوه التي ذهب إليها أهل العلم أنها تُبَيِّن عن كتاب الله، ﷿، إما برسالة من الله، أو إلهام له
_________________
(١) في ا: «وأبادهم. . . ما أثيب عليهم»
(٢) الرسالة ص ١٠٦
(٣) سقطت من ا
(٤) راجع الأم ٥/ ١١٣ – ١١٤.
[ ١ / ٣٧٧ ]
وإلهام الأنبياء، صلوات الله عليهم، وحي، وإما بأمر جعله الله إليه (١) لموضعه الذي وضعه به من دينه.
* * *
وذكر الشافعي، ﵀، فصلا في «علل الأحاديث التي توهم الاختلاف» وهو فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا الربيع، قال:
قال الشافعي (٢): وكلُّ ما سنَّ رسولُ الله، ﷺ، مع كتاب الله من سنة فهي موافقة كتاب الله في النص بمثله، وفي الجملة بالتبيين عن الله. والتبيين يكون أكثر تفسيرًا من الجملة. وما سنَّ مما ليس فيه نصّ كتاب، فَبِفَرْضِ الله طاعتَه عامَّة في أمره، تَبِعْناه.
وأما «الناسخ والمنسوخ من حديثه» فهو كما نسخ الله الحكم من كتابه بالحكم غيره من كتابه.
وكذلك سنة رسول الله، ﷺ، تنسخ سنته.
وأما (٣) المختلفة التي لا دلالة على أنها ناسخ ولا أنها منسوخ، فكل أمره مُوتَفِقٌ صحيح لا اختلاف فيه. ورسولُ الله، ﷺ، عربيُّ اللسان والدار، فقد يقولُ القولَ عامًّا يريد به العام، وعامًّا يريد به الخاصّ، كما وصفتُ في كتاب الله، جل وعز.
ويُسْأل عن الشيء فيجيب على قَدْرِ المسألة، ويُؤَدِّي المجيبُ عنه الخبرَ
_________________
(١) في ح: «يجعله الله للنبي»
(٢) الرسالة ص ٢١٢
(٣) الرسالة ص ٢١٣
[ ١ / ٣٧٨ ]
مُتقَصَّى، والخبرَ مختصرًا، فيأتي ببعض معانيه دون بعض.
ويُحدِّثُ عنه الرجلَ الحديثَ قد أَدْرَكَ جوابَه ولم يدرك المسألةَ، فيدله على حقيقة الجواب بمعرفته السبب الذي يخرج عليه الجواب.
ويسنُّ في الشيء سنّةً وفيما يخالفه أخرى، فلا يخلِّص بعض السامعين بين اختلاف الحالتين اللتين سَنَّ فيهما.
ويَسُنُّ (١) سنة في بعض معنى (٢) فيحفظُها حَافِظٌ. ويسنُّ في معنى يخالفه في مَعْنَى ويجامِعُه في معنَى سُنَّةً غيرها، لاختلاف الحالتين (٣) فيحفظُ غيرُه تلك السنَّة، فإذا أَدَّى كلٌّ مَا حَفِظ رآه بعضُ السامعين اختلافًا، وليس منه شيء بمختلف.
ويُسنّ بلفظٍ مَخْرجه عامّ جملة بتحريم شيء أو تحليله. ويسنُّ في غيره خلاف الجملة، فيستدل على أنه لم يرد بما حرّم ما أَحَلّ، ولا بما أحلّ ما حرّم.
ولكُلِّ هذا نظيرٌ فيما كتبناه من جُمَل أحكام الله، ﷿.
قال: وكلّ ما كان كما وصفتُ أُمْضِيَ على ما سنَّه عليه وفرّق بيْن ما (٤) فُرّق بينه منه، ولم يُقَل ما فَرْقُ بيْن كذا وكذا؛ لأن قول (٥) ما فَرْق بين كذا وكذا فيما فرّق بيْنه رسول الله، ﷺ، لا يعدو أن يكون جهلا ممن قاله، أو ارتيابًا شرًا من الجهل. وليس فيه إلا طاعةُ
_________________
(١) الرسالة ص ٢١٤، وفي ح: «وليس بسنة».
(٢) في ح: «معناها».
(٣) بعد هذا في ا: «فيها».
(٤) في ا: «وفرق ما بين».
(٥) في ا: «قوله».
[ ١ / ٣٧٩ ]
الله باتباعه (١).
وما لم يوجد فيه إلا الاختلاف فَنَصيرُ إلى الأثْبَت من الحديثين.
وقال في موضع آخر: فلا نذهب إلى واحد منهما دون غيره إلا بسبب يدل على أن الذي ذهبنا إليه أقوى. وذلك أن يكون أحدهما أثبت من الآخر، أو يكون أشبه بكتاب الله، أو سنة رسول الله، ﷺ، فيما سوى ما اختَلف فيه الحديثان من سنته، أو أولى بما يعرف أهل العلم، أو أصحَّ في القياس، أَو الذي عليه الأكثر من أصحاب رسول الله، ﷺ (٢).
قال: ولم تجد عنه، ﷺ، حديثين مختلفين إلا ولهما مَخْرَجٌ، أو على أحدهما دلالة بأَحد ما وصفتُ (٣).
وقد ذكر الشافعي مثال كل نوع من الأنواعِ التي أشار إليها، فاقتصرت هاهنا على إيراد هذه الجملة، فقال في أقاويل أصحاب رسول الله، ﷺ:
إذا (٤) تفرقوا فيها: نصير إلى ما وافق الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو كان أصح في القياس.
ورجح في القديم، وفي كتاب اختلافه ومالك، قول الأئمة من الصحابة على قول غيرهم.
_________________
(١) الرسالة ٢١٦
(٢) الرسالة ص ٢١٦
(٣) الرسالة ص ٢١٦
(٤) الرسالة ٥٩٧
[ ١ / ٣٨٠ ]
ورجح في القديم أقوال غيرهم من الصحابة بالكثرة، فإن تكافئوا فبأَحسنها مخرجًا.
قال الشافعي (١): والأمر في الكتاب والسنة وكلام الناس يحتمل معاني:
أحدها: أن يكون الله، ﷿، حرم شيئًا ثم أباحه فكان أمره إحلال ما حرم، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا (٢)﴾ وكقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (٣)﴾ وكقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ وكقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ (٥)﴾ وأشباه لهذا كثيرة (٦). ليس حتما أن يصطادوا إذا أحلوا، ولا ينتشروا للطلب للتجارة إذا صلّوا، ولا ياكل من صداق امرأته إذا طابت منه نفسا، ولا يأكل من بُدْنته إذا نحرها.
قال (٧): ويحتمل أن يكون دلّهم على ما فيه رشدهم، ويحتمل أن يكون حتما، وفي كل الحتم من الله الرشد، فقال بعض أهل العلم: الأمْرُ كلّه على الإباحة والدلالة على الرشد، حتى توجد الدلالة من الكتاب، أو السنة، أو الاجماع، على
_________________
(١) في الأم ٥/ ١٢٧ في باب ما جاء في أمر النكاح: قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ والأمر. . الخ.
(٢) سورة المائدة ٢
(٣) سورة الجمعة ١٠
(٤) سورة النساء ٤
(٥) سورة الحج ٣٦
(٦) في الأم بعد هذا: «في كتاب الله وسنة نبيه وليس حتما».
(٧) الأم ٥/ ١٢٧.
[ ١ / ٣٨١ ]
أنه أريد بالأمر: الحتم، فيكون فرضا لا يحل تركه (١).
وما نهى الله عنه فهو محرم حتى توجد الدلالة عليه بأَن النهي عنه على غير التحريم، وإنما أريد به: إرشاد (٢)، أو تنزيه، أو أدب، أو أراد نهيا عن بعض الأمور دون بعض.
قال (٣): وقد يحتمل أن يكون الأمر في معنى النهي فيكونان لازمين (٤) إلا بدلالة أنهما غير لازمين.
قال (٥): وعلى أهل العلم عند تلاوة الكتاب ومعرفة السنة طلب الدلائل؛ ليفرقوا بين الحتم، والمباح والإرشاد الذي ليس بحتم في الأمر والنهي معا.
* * *
وقال الشافعي: والأحكام في القرآن على ظاهرها وعمومها، وكذلك الحديث عن رسول الله، ﷺ، على عمومه وظهوره حتى يأتي دلالة بأَنه أراد به خاصا دون عام.
أخبرنا محمد بن موسى قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: أنبأنا الربيع، قال: أنبأنا الشافعي، قال: أَنبأَنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ، قال:
_________________
(١) في الأم ٥/ ١٢٧ كقول الله ﷿ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فدل على أنهما حتم. وكقوله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وقوله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وقوله ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فذكر الحج والعمرة معا في الأمر وأفرد الحج في الفرض فلم يقل أكثر أهل العلم. العمرة على الحتم، وإن كنا نحب ألا يدعها مسلم. وأشباه هذا في كتاب الله ﷿ كثير.
(٢) في ح: «إرسال»
(٣) الأم ٥/ ١٢٧
(٤) في ح، هـ: «فيكون لازم إلا بدلالة اتباعه لازم».
(٥) الأم ٥/ ١٢٧.
[ ١ / ٣٨٢ ]
من باع نخلا قد أُبِّرَت، فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع (١)».
قال الشافعي: وهذا الحديث ثابت عندنا عن رسول الله، ﷺ (٢)، وفيه دلالة على أن الحائط إذا بيع ولم يُؤَبَّر نخلُه، فثمرته للمشتري؛ لأن رسول الله، ﷺ، إذا خبّر فقال: «[إذا أُبِّر (٣)] فثمرته للبائع» فقد أخبر أن حكمه إذا لم يؤبَّر غير حكمه إذا أُبِّر، ولا يكون ما فيه (٤) إلا للبائع أو للمشتري، لا لغيرهما ولا موقوفا، فمن باع حائطا لم يؤبر فالثمرة للمشتري بغير شرط استدلالا موجودًا بالسُّنّة.
قال الشافعي (٥): والإبار: التلقيح، وهو أن يؤخذ شيء من طلع الفحل منه فيدخل بين ظهراني طلع الإناث من النخل فيكون ثمرًا بإذن الله (٦).
* * *
أخبرنا محمد بن موسى، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا الربيع، قال:
قال الشافعي: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا (٧)﴾ فقلنا: لا يجزيه إلا رقبة مؤمنة، ولا يجزيه إلا أن يطعم ستين مسكينا، والإطعام قبل أن يتماسا. وإذا ذكر الله الكفارة في العتق في موضع، فقال: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ثم ذكر كفارة مثلها، فقال: ﴿رَقَبَةٍ﴾ نعلم أن
_________________
(١) الأم ٣/ ٣٥ وفي ا: «فثمرها يشترطه» وفي ح: «يشترطها».
(٢) في الأم بعد ذلك «وبه نأخذ».
(٣) ما بين القوسين ليس من ا.
(٤) في ا: «صافيه».
(٥) الأم ٣/ ٣٥.
(٦) في ا: «فيكون له بإذن الله» وفي الأم «فيكون له – بإذن الله – صلاحا».
(٧) سورة المجادلة ٣، ٤.
[ ١ / ٣٨٣ ]
الكفارة لا تكون إلا مؤمنة (١).
ثم ساق الكلام إلى أن قال: لأنهما مجتمعتان في أنهما كفارتان، كما ذكر الشهود في البيع والزنا ولم يذكر عدلا. وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (٢)﴾ وقال حين الوصية ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ (٣)﴾ وشرط العدل واجتماعهما في أنهما شهادة يدل على أن لا تقبل فيها (٤) إلا العدول وبسط الكلام فيه.
_________________
(١) الأم ٥/ ٢٦٦
(٢) سورة الطلاق ٢
(٣) سورة المائدة ١٠٦
(٤) في ا: «فشرط .. فدل .. فيهما».
[ ١ / ٣٨٤ ]
باب