* * *
وهذا باب كبير، لو نقلت فيه جميع ما نقل إلينا من كلامه فيه - لطال به الكتاب، فاقتصرت على نقل ما تيسّر منه. وبالله التوفيق.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السّلمي، قال. سمعت أبا عمرو بن مطر، يقول: سمعت محمد بن أحمد بن عبيدة (١) الوَبَرِي، يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول،
كان الشافعي إذا أخذ في التفسير كأنّه شَهِدَ التنزيل.
أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب الأصم، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال:
حدثنا الشافعي، قال: قال الله ﵎: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ
_________________
(١) في هـ «ابن عبيد» وهو تحريف. وفي أحكام القرآن للبيهقي ١/ ١٩ عن أحمد بن محمد ابن عبيدة: قال: كنا نسمع من يونس بن عبد الأعلى تفسير زيد بن أسلم، عن ابن وهب، فقال لنا يونس: كنت أولا أجالس أصحاب التفسير وأناظر عليه. وكان الشافعي. . والخبر في مناقب الشافعي للرازي ٧٠، ونقله ابن حجر في توالي التأسيس ٥٨ عن البيهقي.
[ ١ / ٢٨٤ ]
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (١)﴾ الآية. فكان ظاهر الآية: أنّ من قام إلى الصلاة فعليه أن يتوضأ. وكانت مُحْتَمِلَةً أن تكون نزلت في خاص، فسمعت بعض من أرضى علمه بالقرآن يزعم: أنها نزلت في القائمين من النوم.
وأحسب ما قال كما قال؛ لأن في السنة دليلا على أن يتوضأ من قام من نومه (٢).
زاد فيه في رواية الزعفراني: فقال: وبلغنا أن رسول الله، ﷺ، صلّى الصلوات بوضوء واحد. يعني يوم الفتح. فأكد (٣) بهذا أنّ الآية نزلت في خاصّ.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا الربيع، قال:
حدثنا الشافعي، قال: نحن نقرأ آية الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ونَنْصِبُ «أرجلَكم» على معنى: اغسلوا وجوهَكم وأيديَكم وأرجلكم، وامسحوا برؤوسكم. وعلى ذلك عندنا دلالة السنة. والله أعلم.
قال الشافعي: والكَعْبَان اللذان أمر الله بغسلهما: ما اَشْرَفَ واجتمع: كَعْبًا حتى
_________________
(١) سورة المائدة: ٦.
(٢) أحكام القرآن للبيهقي ١/ ٤٥.
(٣) في ح: «فيتأكد».
[ ١ / ٢٨٥ ]
تقول: كعب سمن (١).
قال: وذهب عَوَامُّ أهل العلم أنّ قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ كقوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ وأن المرافق والكعبين فيما يغسل (٢).
وقرأت في «كتاب السنن» رواية حَرْمَلة بن يحيى، عن الشافعي، في قول الله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٣)﴾ قال: فاختلف فيها أهل التفسير: فقال بعضهم: فرض لا يمسّه إلا مطهر. يعني متطهر تجوز له الصلاة. وهذا المعنى تحتمله الآية. وذكر ما يشهد له من السنة.
قال: وقد ذهب بعض أهل التفسير في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ يعني لا يمسّه في اللوح المحفوظ إلا المطهرون من الذنوب. يعني الملائكة (٤).
أخبرنا أبو عبد الله: الحسين بن محمد الدّينوري، قال: حدثنا ظفْران ابن الحسين قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: قال الربيع ابن سليمان:
سئل الشافعي - يعني عن الملامسة - فقال: هو اللمس باليد. ألا ترى أن النبي، ﷺ، نهى عن الملامسة؟
_________________
(١) أحكام القرآن ١/ ٤٤.
(٢) أحكام القرآن ١/ ٤٣.
(٣) سورة الواقعة ٧٩.
(٤) من القائلين بذلك ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد، كما في تفسير الطبري ٢٧/ ١١٨.
[ ١ / ٢٨٦ ]
والملامسة: أن يلبس الثوب بيده، يشتريه ولا يُقَلِّبُه. قال الشافعي: قال الشاعر:
وأَلْمَسْت كَفِّي كَفَّه أَبتغِي الغِنَى ولم أَدْرِ أَنَّ الجودَ مِنْ كفِّه يُعْدِي
فلا أنا منه ما أَفَادَ ذَوُو الغنى أَفَدْتُ، وأَعْدَانِي فَبَدَّدْتُ ما عِنْدِي (١)
وأخبرنا أبو سعيد: محمد بن موسى بن الفضل، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: حدثنا الربيع، قال:
حدثنا الشافعي، قال: قال الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية. قال (٢): فذكر اللهُ الوضوءَ على من قام إلى الصّلاة. وأَشْبَهَ أن يكون مَن قام من مَضْجَعِ النّوم. وذكَر طهارة الجنب: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فَأشْبَه أن (٣) يكون أَوْجَبَ الوضوءَ من الغائط [وأوجبه (٤)] من الملامسة، وإنما ذكرها
_________________
(١) الخبر في آداب الشافعي ومناقبه ١٤٠ - ١٤١ ونقله عنه في حلية الأولياء ٩/ ١٤٩ ومناقب الشافعي للرازي ٧٤ - ٧٥. والبيتان من غير نسبة في الأم ١/ ١٣ وأحكام القرآن للبيهقي ١/ ٤٦ وهما لبشار ابن برد، كما في الشعراء ٢/ ٧٣٣.
(٢) في أحكام القرآن للبيهقي ١/ ٤٦.
(٣) في ا: «بأن».
(٤) في ا: «من الغائط من الملامسة» وهـ: «من الغائط الملامسة».
[ ١ / ٢٨٧ ]
مَوْصُولَةً بالغَائِطِ بعد ذكر الجنابة، فأَشْبَهَت الملامسة أن تكون اللّمسَ باليد والقُبَل، وغير الجنابة.
وبهذا الإسناد [عن الربيع (١)] قال: قال الشافعي:
قال الله ﷿: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ولا يقع اسم صَعِيدٍ إلا على تراب ذي غبار (٢).
وبهذا الإسناد [عن الربيع (٣)] قال:
قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا (٤)﴾ فأوجب الله، جل ثناؤه، الغسلَ من الجنابة. وكان معروفًا في لسان العرب أنّ الجنابة: الجماع، وإن لم يكن مع الجماع ماء دافق. وكذلك ذلك في حدّ الزنا، وإيجاب المهر، وغيره. فكل من خوطب بأن فلانا أَجْنَبَ من فلانة عَقَلَ أنه أصابها، وإن لم يكن مُقْتَرِفًا. يعني (٥) أنه لم ينزل (٦).
أخبرني الثقة من أصحابنا، عن أبي نعيم الأصبهاني، قال: حدثنا أبو محمد ابن حيان، قال: حدثنا عبد الرحمن بن داود، قال: حدثنا أبو زكريا النَّيْسَابًورِي، قال: حدثنا محمد بن عبد الحَكَم، قال:
_________________
(١) الزيادة من ح.
(٢) الأم ١/ ٤٣ وأحكام القرآن ١/ ٤٧.
(٣) الزيادة من ح.
(٤) سورة النساء ٤٣
(٥) هذا التفسير من قول الربيع، كما في الأم ١/ ٣١.
(٦) أحكام القرآن ١/ ٤٦ - ٤٧.
[ ١ / ٢٨٨ ]
سمعت الشافعي يقول: في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ (١)﴾ قال: في العِبْرة عندكم، إنما كان يقول لشيء لم يكن: كن: فيخرج مُفَصَّلًا بعينيه وأذنيه وأنفه وسمعه ومفاصله، وما خلق الله فيه من العروق. فهذا في العبرة أشدّ من أن يقول لشيء كان: عُدْ إلى ما كنت فهو (٢) إنما أهون عليه في العبرة عندكم، ليس أنّ شيئًا يعظم على الله، ﷿ (٣).
أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: حدثنا الربيع، قال:
حدثنا الشافعي، قال: سمعت من أثق بخبره وعلمه يذكر: أنّ الله أنزل فَرْضًا في الصلاة، ثم نسخه بفرض غيره، ثم نسخ الثاني بالفرض في الصلوات الخمس.
قال الشافعي: كأنه يعني قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ • قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا • نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا • أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ ثم نسخه في السورة معه بقوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ (٥)﴾ فنسخ قيام الليل أو نصفه أو أقل أو أكثر بما تيسر [عليه (٦)].
قال الشافعي: وما أشبه ما قال بما قال، وإن كنت أحبّ أن لا يدع أن
_________________
(١) سورة الروم ٢٧
(٢) في هـ: «فهذا أهون» وفي ح: «فهو أهون».
(٣) أحكام القرآن ١/ ٤١.
(٤) سورة المزمل ١ - ٤
(٥) سورة المزمل ٢٠.
(٦) الزيادة من ح. [م - ١٩] مناقب
[ ١ / ٢٨٩ ]
يقرأ بما تيَّسر عليه من لَيْلِه (١).
قال الشافعي: ويقال: نسخ ما وصفت في المزمل. بقول الله تعالى:
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ ودُلُوكُ الشمس: زوالها ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: العَتمة ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ وقرآن الفجر: الصبح ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا • وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ (٢)﴾ فأعْلَمَهُ أنَّ صلاة الليل نافلةٌ لا فريضةٌ، وأنَّ الفرائض فيما ذكر من ليل أو نهار.
[قال الشافعي (٣)] ويقال في قول الله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ المغرب والعشاء ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الصبح ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا﴾: العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ (٤)﴾ الظهر.
قال الشافعي: وما أشبه ما قيل من هذا بما قيل. والله أعلم (٥).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس بن يعقوب، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال:
قال الشافعي: قال الله تعالى لنبيه، ﷺ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ
_________________
(١) الأم ١/ ٥٩.
(٢) سورة الإسراء: ٧٨ - ٧٩
(٣) الزيادة من ح.
(٤) سورة الروم ١٧ - ١٨
(٥) الأم ١/ ٥٩ وأحكام القرآن ١/ ٥٧.
[ ١ / ٢٩٠ ]
تَرْتِيلًا (١)﴾ وأقل الترتيل ترك العجلة في القرآن عن الإنابة (٢).
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا الربيع، قال:
قال الشافعي: قال بعض أهل العلم بالتفسير: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ بما في القلوب؛ فإن الله تعالى تجاوز للعباد عما في القلوب ﴿فَلَا تَمِيلُوا﴾ فتتبعوا أهواءكم ﴿كُلَّ الْمَيْلِ (٣)﴾ بالفعل مع الهوى.
وهذا يشبه ما قال. والله أعلم (٤).
ودلت سُنَّةُ رسول الله، ﷺ، وما عليه عَوَامُّ (٥) علماء المسلمين مِنْ أنّ على الرجل أن يقسم لنسائه بعدد الأيام والليالي، وأن عليه أن يعدل في ذلك، لا أنه مُرَخَّصٌ له أن يجوز فيه. فَدَلَّ ذلك على أنه إنما أريد بما في القلوب مما قد تجاوز الله للعباد عنه فيما هو أعظم من الميل إلى النساء. والله أعلم (٦).
وبهذا الإسناد قال: حدثنا الشافعي، قال:
قال الله، ﷿: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (٧)﴾ قال:
_________________
(١) سورة المزمل: ٤
(٢) الأم ١/ ٩٥ وأحكام القرآن ١/ ٦٤.
(٣) سورة النساء ١٢٩
(٤) الأم ٥/ ٩٨، وانظر أحكام القرآن ١/ ٢٠٥ - ٢٠٧، والسنن الكبرى ٧/ ٢٩٧ - ٢٩٨
(٥) في ا «عوام أهل علماء»
(٦) من الأم ٥/ ٩٨.
(٧) سورة البقرة: ٢٢٨
[ ١ / ٢٩١ ]
وجماع (١) المعروف: (٢ إتيان ذلك بما يحسن لك ثوابه، وكفُّ المكروه.
وقال في موضع: وجماع المعروف ٢) إعْفَاء صاحب الحق من المؤنة في طلبه، وأداؤه إليه بطيب النفس، لا بضرورته (٣) إلى طلبه، ولا تأديته بإظهار الكراهية لتأديته. وأيهما ترك فظلم، لأنّ «مَطْلَ الغني ظُلْمٌ (٤)». ومطله: تأخيره الحق (٥).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس بن يعقوب، قال: أنبأنا الربيع بن سليمان، قال:
قال الشافعي في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (٦)﴾ فإنما يعني: أحل الله البيع إذا كان على غير ما نهى الله عنه في كتابه أو على لسان نبيه [صلى الله] عليه وسلم. وكذلك قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ (٧)﴾ بما أحلّه به من النكاح ومِلْكِ اليَمِين في كتابه، لاَ أَنَّهُ أباحَهُ بكلِّ وجه. هذا كلام عربي (٨).
_________________
(١) في الأم ٥/ ٩٥ قبل ذلك: «وأقل ما يجب في أمره بالعشرة بالمعروف: أن يؤدي الزوج إلى زوجته ما فرض الله لها عليه من نفقة وكسوة وترك ميل ظاهر؛ فإنه يقول جل وعز ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ وجماع المعروف. الخ».
(٢) ما بين الرقمين ساقط من هـ، ح.
(٣) في ا: «لا تضرونه».
(٤) رواه مسلم عن أبي هريرة ٣/ ١١٩٧
(٥) الأم ٥/ ٧٧ وأحكام القرآن ١/ ٢٠٤.
(٦) سورة البقرة ٢٧٥.
(٧) سورة النساء ٢٤.
(٨) من الرسالة ص ٢٣٢.
[ ١ / ٢٩٢ ]
وقال في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ (١)﴾: معناه: قل: لا أجد فيما أوحى إلى مُحَرَّمًا مما كنتم تأكلون، إلا أن يكون مَيْتَةً، وما ذُكِرَ بَعْدَها (٢)، فلم يُحرّم عليكم مما كنتم تستحلون، إلا ما سَمَّى.
أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس، قال: أنبأنا الربيع، أنبأنا الشافعي، قال:
قال الله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً (٣)﴾ الآية.
قال: اختلف في تفسير هذه الآية: فقيل: نزلت في بغايا كانت لهن رايات، وكن غير محصنات، فأراد بعض المسلمين نكاحهن، فنزلت هذه الآية بتحريم أن ينكحهن إلا من أعلن بمثل ما أعلن به، أو مشرك (٤).
وقيل: كن زواني مشركات، فنزل أن لا ينكحهن إلا زان مثلهن أو مشرك، وإن لم (٥) يكن زانيًا، وحرّم ذلك على المؤمنين.
_________________
(١) سورة الأنعام ١٤٥.
(٢) في الرسالة ٢٣١ بعد ذلك: «فأما ما تركتم أنكم لم تعوه من الطيبات فلم يحرم عليكم مما كنتم تستحلون إلا ما سمى الله، ودلت السنة على أنه حرم عليكم منه ما كنتم تحرمون؛ لقول الله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾».
(٣) سورة النور: ٣
(٤) في الأم «أن ينكحن أو مشركا».
(٥) في ا: «إلا زان مشرك مثلهن فان لم».
[ ١ / ٢٩٣ ]
وقيل: غير هذا (١ يعني قول: عكرمة: الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة. يذهب إلى أن قوله ينكح يصيب ١) وقيل: هي عامة ولكنها نسخت.
وذكر في موضع آخر أسامي هؤلاء القائلين، فاختار قول «ابن المسيب» حيث قال: إنها منسوخة، نسخها قول الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾ فهي من أَيَامَى المسلمين (٢).
أخبرنا محمد بن موسى، قال: حدثنا أبو العباس، قال: أنبأنا الربيع، قال:
أنبأنا الشافعي في مسائل الرضاع (٣)، قال:
فإن قال قائل. إنما قال الله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ (٤)﴾ فكيف حرّمت حليلة الابن من الرضاعة؟ قيل: بما وصفت
_________________
(١) ما بين الرقمين تفسير لقول الشافعي، ولكنه من كلامه أيضًا. فقد جاء في الأم ٥/ ١٣٢ «قال الشافعي: وروى من وجه آخر غير هذا عن عكرمة: أنه قال: لا يزني الزاني إلا بزانية أو مشركة، والزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك. قال أبو عبد الله: يذهب إلى قوله: ينكح أي يصيب».
(٢) في الأم ٥/ ١٣١ بعد ذلك: «فهذا كما قال ابن المسيب، إن شاء الله، وعليه دلائل من الكتاب والسنة ».
(٣) يشير الربيع إلى ما ذكره الشافعي في الأم ٥/ ٢١ «فأي امرأة نكحها رجل حرمت على ولده، دخل بها الأب أو لم يدخل بها. وكذلك ولد ولده من قبل الرجال والنساء، وإن سفلوا؛ لأن الأبوة تجمعهم معا. وكل امرأة أب، أو ابن حرّمتها على ابنه، أو أبيه، بنسب، فكذلك أحرّمها إذا كانت امرأة أب أو من الرضاع. فان قال قائل ».
(٤) سورة النساء: ٢٣
[ ١ / ٢٩٤ ]
مِنْ جَمْعِ الله بين الأمّ والأخت من الرّضاعة، والأمّ والأخت من النسب في التحريم. ثم بأن النبي، ﷺ، قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (١).
فإن قال (٢) فهل تعلم فيما أنزلت ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾؟ قيل - الله أعلم - فيما أنزلها. فأما معنى ما سمعت متفرقًا (٣) فجمعته، فإنَّ رسول الله، ﷺ: أراد نكاح ابنة جَحْشٍ، وكانت عند زيد ابن حَارِثَة، وكان النبي، ﷺ، يتبناه، فأمر الله أن يُدْعَى الأَدْعِياءُ لآبائهم، فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَوَالِيكُمْ (٤)﴾ وقال الله تعالى لنبيه: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ (٥)﴾ الآية. فأَشْبَهَ - والله أعلم - أن يكون قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ (٦)﴾ دون أدعيائكم الذين تُسَمّونهم أبناءكم، (٧ ولا يكون الرضاع من هذا في شيء ٧).
أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس، قال: أنبأنا الربيع، قال:
_________________
(١) راجع الأم ٥/ ٢٠ - ٢١
(٢) في ح «قال قائل».
(٣) في ا: «مفترقا».
(٤) سورة الأحزاب: ٤ - ٥
(٥) سورة الأحزاب: ٣٧
(٦) ما بين كلمتي أصلابكم التي مرت آنفا وهذه - سقط من أحكام القرآن ١/ ١٨١.
(٧) ما بين الرقمين ساقط أيضًا من أحكام القرآن.
[ ١ / ٢٩٥ ]
حدثنا الشافعي في قوله ﷿: ﴿مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (١)﴾ قال: فزعم أهل العلم بالتفسير: أن محلّها: الحرم كأنهم ذهبوا إلى أن الأرض حِلّ، وحرم، فموضع البيت في الحرم. وأن قول الله: ﴿إِلَى الْبَيْتِ﴾ إلى موضع البيت الذي تبين من البلدان، لا إلى البيت نفسه، ولا إلى موضعه من المسجد؛ لأن الدم لا يصلح هناك. وعَقَلوا عن الله أنّه إنما أراد حَاضِرِي البيتِ العتيقِ من الهَدْى. فإن أجمع (٢) أن يذبح في الحرم فيأكله حاضره من أهل الحاجة غير متغير – فقد جاء بالذي عليه.
أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، قال: حدثنا محمد بن يعقوب، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال:
قال الشافعي: قال الله، جل ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ (٣)﴾.
قال: فلما أمر الله، جل ثناؤه، بالكتاب، ثم رخص في ترك الإشهاد إن كانوا على سفر ولم يجدوا كتابًا – احتمل أن يكون [فرضًا، واحتمل أن يكون (٤)] دلالة، فلما قال جل ثناؤه: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ والرهن غير الكتاب والشهادة، ثم قال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ
_________________
(١) سورة الحج ٣٣، وانظر الأم ٢/ ١٣٥، وتفسير الطبري ١٧/ ١١٦، وتفسير القرطبي ١٢/ ٥٧.
(٢) في ح: «فاذا جمع».
(٣) سورة البقرة: ٢٨٢
(٤) الزيادة من ح.
[ ١ / ٢٩٦ ]
أَمَانَتَهُ﴾ دَلّ كتابُ الله، جل ثناؤه، على أنَّ أمْرَه بالكتاب، ثم الشهود، ثم الرهن – إرشاد لا فَرْضٌ عليهم؛ لأن قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ إباحة لأن يأمن بعضكم بعضًا، فيدع الكتاب والشهود والرهن (١).
قال الشافعي: وأُحِبُّ الكتابَ والشُّهودَ؛ لأنه إرشاد من الله، ونظر للبائع والمشتري، وذلك أنهما إن كانا أمينين فقد يموتان أو أحدهما فلا يعرف حق البائع على المشتري، فيتلف عن البائع أو ورثته حقّه، وتكون التِّبَاعَة على المشتري في أمر لم يُرِدْه. وقد يتغير عقل المشتري فيكون هذا والبائع. وقد يغلط المشتري فلا (٢) يقر فيدخل في الظلم من حيث لا يعلم. ويصيب ذلك البائع فيدّعي ما ليس له، فيكون الكتاب والشهادة قاطعًا هذا عنهما وعن ورثتهما. ولو لم يكن يدخله مَا وصَفْتُ لا نبْغَى (٣) لأهل دين الله اختيار ما نَدَبَهُم الله، ﷿، إليه إرشادًا. ومَنْ تركه فقد ترك حَزْمًا وأَمْرًا لم أحبّ تركه، من غير أن أَزْعُمَ أنَّه محرَّمٌ عليه، لما وصفت من الآية بعدها.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أنبأنا الحسن بن رشيق، إجازة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أحمد الحجاج، قال: حدثنا أحمد ابن عبد الرحمن بن أخي ابن وهب، قال:
_________________
(١) راجع الأم ٣/ ١٢٢.
(٢) في ح: «ولا يقر وحيث لا يعلم».
(٣) في ح: «انبغي».
[ ١ / ٢٩٧ ]
سمعت الشافعي، يقول: الأمة على ثلاثة وجوه:
قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ (١)﴾ قال: على دين.
وقوله: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ (٢)﴾ أي بعد حين.
وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً (٣)﴾ أي معلِّما (٤).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا الربيع، قال:
قال الشافعي: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا (٥)﴾ يعني أسلمنا بالقول والإيمان مخافة السبي والقتل، ثم أخبر أنه يجزيهم إن أطاعوا الله ورسوله. يعني إن أحدثوا إطاعة الله تعالى ورسوله.
أخبرنا محمد بن موسى، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: أنبأنا الربيع، قال:
قال الشافعي: قال الله، جل ثناؤه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٦)﴾ قيل: صلِّ في ثياب طاهرة. وقيل غير ذلك (٧).
_________________
(١) سورة الزخرف ٢٢
(٢) سورة يوسف: ٤٥
(٣) سورة النحل ١٢٠
(٤) أحكام القرآن ١/ ٤٢، وتأويل مشكل القرآن. ص ٣٤٥ – ٣٤٦
(٥) سورة الحجرات ١٤
(٦) سورة المدثر: ٤
(٧) الأم ١/ ٤٧، وأحكام القرآن ١/ ٨٠ – ٨١.
[ ١ / ٢٩٨ ]
أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: حدثنا أبو عمر: محمد بن عبد الواحد، قال:
قال ثعلب في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: اختلف الناس: فقالت طائفة: الثياب هاهنا: الثياب. وقالت طائفة: الثياب هاهنا: القلب (١).
أخبرنا أبو سعيد: محمد بن موسى، قال: حدثنا أبو عباس، قال: حدثنا الربيع.
قال: حدثنا الشافعي، قال: قال الله، ﵎: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢)﴾ فقيل – والله أعلم – قانتين: مطيعين (٣).
وبهذا الإسناد في قوله ﷿: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا (٤)﴾ قال الشافعي: فقال بعض أهل العلم بالقرآن في قول الله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ ولا تقربوا موضع الصلاة. قال (٥): وما أشبه ما قال بما قال؛ لأنّه لا يكون في الصلاة عُبورُ سبيل، إنما عبور السبيل في في مَوْضِعِها، وهو في المسجد، فلا بأس أن يَمُرَّ الجُنُبُ في المسجد مارًا ولا يقيم فيه؛ لقول الله، ﷿: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
_________________
(١) أحكام القرآن ١/ ٨١.
(٢) سورة البقرة ٢٣٨.
(٣) الأم ١/ ٦٩، وأحكام القرآن ١/ ٨٠. تأويل مشكل القرآن ٣٥٠
(٤) سورة النساء ٤٣.
(٥) الأم ١/ ٤٦، وأحكام القرآن ١/ ٨٣.
[ ١ / ٢٩٩ ]
وبهذا الإسناد في قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ (١)﴾.
قال الشافعي: نزلت في أمراء السرايا. وأُمرُوا إذا تنازعوا (٢) في شيء – وذلك اختلافهم فيه – أن يردّوه إلى حكم الله، تعالى، وحكم الرسول، ﷺ، [تسليما (٣)].
_________________
(١) سورة النساء ٥٩.
(٢) في ح «إذا تنازعتم».
(٣) الزيادة من ح. وانظر الرسالة ٧٩ – ٨٠، وأحكام القرآن ١/ ٢٩.
[ ١ / ٣٠٠ ]
باب