* * *
وهذا الباب يشتمل على أبواب. منها:
باب ما يؤثر عنه في الإيمان
أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثني الزبير بن عبد الواحد الحافظ، بأَسَدَابَاذ، قال: حدثني يوسف بن عبد الأحد، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال:
سمعت الشافعي، ﵁، يقول: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص.
أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: حدثنا الربيع، قال:
حدثنا الشافعي - يعني في مسألة ذكرها في كتاب السِّيَر (١) -: وهكذا إن صلى فالصلاة من الإيمان.
وأخبرنا أبو سعيد، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا الربيع، قال:
_________________
(١) في ا: «السنن». [م - ٢٥] مناقب
[ ١ / ٣٨٥ ]
قال الشافعي (١) - يعني في «كتاب الذّبائح» في مسألة ذكرها -: وأُحبّ أن يكثر الصلاة عليه. يعني على النبي، ﷺ.
قال الشافعي: فصلّى الله عليه في كل الحالات؛ لأن ذكر الله والصلاة عليه إيمان بالله، وعبادة له يؤجر عليها، إن شاء الله، من قالها.
ثم ساق (٢) الكلام إلى أن قال (٣): وما يصلِّي عليه أحد إلا إيمانًا بالله، وإعظامًا له، وتقربًا إليه، وقُرْبةً بالصلاة منه وزُلْفَى.
* * *
أخبرنا أبو عبد الله: الحسين بن محمد الدينوري، بالدَّامَغَان، قال: حدثنا ظفران بن الحسين، قال: حدثنا أبو محمد بن أبي حاتم الرازي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عبد الملك بن عبد الحميد المَيْمُوني، قال: حدثني أبو عثمان: محمد بن محمد الشافعي، قال:
سمعت أبي: محمد بن إدريس الشافعي، يقول ليلة للحميدي: ما يحتج عليهم - يعني على أهل الإرجاء - أَحَجَّ من قوله ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا
_________________
(١) في الأم ٢/ ٢٠٤.
(٢) في هـ، ح: «وساق».
(٣) يشير إلى قول الشافعي: «ولسنا نعلم مسلما، ولا نخاف عليه أن تكون صلاته عليه، ﷺ، إلا الإيمان بالله، ولقد خشيت أن يكون الشيطان أدخل، على بعض أهل الجهالة، النهي عن ذكر اسم رسول الله، ﷺ، عند الذبيحة؛ ليمنعهم الصلاة عليه في حال لمعنى يعرض في قلوب أهل الغفلة، وما يصلى. . الخ». راجع الأم ٢/ ٢٠٥.
[ ١ / ٣٨٦ ]
اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (١)﴾.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد، قال: سمعت أبي يقول: سمعت حرملة يقول:
اجتمع حفص الفرد ومِصلان الأنماطي (٢) عند الشافعي بمصر فتكلما في الإيمان، فاحتج مصلان في الزيادة والنقصان، واحتج الفرد في الإيمان قولا، فَعَلا حفص الفرد على مصلان، وقوى عليه وضعف مصلان، فشق على الشافعي؛ فأخذ المسألة على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، فطحن حفص الفرد وقطعه (٣).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم المؤذن، عن عبد الواحد بن محمد الأرغياني، عن أبي محمد الزّبيري، قال:
قال رجل للشافعي: أي الأعمال عند الله أفضل؟
قال الشافعي: ما لا يقبل عملا إلا به. قال: وما ذاك؟ قال: الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو، أعلى الأعمال درجة، وأشرفها منزلة، وأسناها حظًّا.
قال الرجل: ألا تخبرني عن الإيمان: قول وعمل، أو قول بلا عمل؟
_________________
(١) سورة البينة: ٥ وراجع الخبر في طبقات السبكي ١/ ٢٢٧، وتوالي التأسيس ص ٦٤، والحلية ٩/ ١١٥، وأحكام القرآن ١/ ٤٠ وآداب الشافعي ص ١٩١، وهامشه.
(٢) ليست في ح.
(٣) راجع الحلية ٩/ ١١٥ وآداب الشافعي ص ١٩٢، وهامشه.
[ ١ / ٣٨٧ ]
قال الشافعي: الإيمان عمل لله، والقول بعض ذلك العمل.
قال الرجل: صف لي ذلك؛ حتى أفهمه.
قال الشافعي: إن للإيمان حالات ودرجاتٍ وطبقاتٍ، فمنها التام المُنْتَهِي تمامه، والناقص البيِّن نقصانه، والراجح الزائد رجحانه.
قال الرجل: وإن الإيمان ليتمّ وينقص، ويزيد؟ قال الشافعي: نعم.
قال: وما الدليل على ذلك؟
قال الشافعي: إن الله، جل ذكره، فرض الإيمان على جوارح بني آدم، فقسمه فيها، وفرقه عليها، فليس من جوارحه جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها، بفرض من الله تعالى:
فمنها: «قلبه» الذي يعقل به، ويفقه، ويفهم، وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح، ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره.
ومنها: «عيناه» اللتان ينظر بهما، و«أذناه» اللتان يسمع بهما، و«يداه» اللتان يبطش بهما، و«رجلاه» اللتان يمشي بهما و«فرجه» الذي البَاهُ من قِبَلِه (١)، و«لسانه» الذي ينطق به، و«رأسه» الذي فيه وجهه.
فرض على «القلب» غير ما فرض على «اللسان»، وفرض على «السمع» غير ما فرض على «العينين»، وفرض على «اليدين» غير ما فرض على «الرجلين»، وفرض على «الفرج» غير ما فرض على «الوجه».
_________________
(١) في ا: «قلبه».
[ ١ / ٣٨٨ ]
فأما «فرض الله على القلب من الإيمان»: فالإقرار والمعرفة والعَقْد، والرضا والتسليم بأنّ الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا، ﷺ، عبده ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله من نَبِيّ أو كتاب. فذلك ما فرض الله، جل ثناؤه، على القلب، وهو عمله (١): ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا (٢)﴾ وقال: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٣)﴾ وقال: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ (٤)﴾ وقال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ (٥)﴾ فذلك ما فرضَ الله على القلب من الإيمان، وهو عمله، وهو رأس الإيمان.
«وفرض [الله (٦)] على اللسان»: القولَ والتعبيرَ عن القلب بما (٧) عَقَد (٨) وأَقرَّ به، فقال في ذلك: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ (٩)﴾ وقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا (١٠)﴾ فذلك ما فرض الله على اللسان من القول، والتعبير عن القلب، وهو عمله، والفرض عليه من الإيمان.
_________________
(١) في ح: «علمه».
(٢) سورة النحل: ١٠٦.
(٣) سورة الرعد: ٢٨.
(٤) سورة المائدة: ٤١.
(٥) سورة البقرة: ٢٨٤.
(٦) ليست في اولا في هـ.
(٧) في ا: «ثم» وهو تحريف.
(٨) في هـ: «عقل» وهو تصحيف.
(٩) سورة البقرة: ١٣٦.
(١٠) سورة البقرة: ٨٣.
[ ١ / ٣٨٩ ]
وفرض الله (١) على «السمع»: أن يتنزه عن الاستماع إلى ما حرّم الله، وأن يُغْضى (٢) عما نهى الله عنه، فقال في ذلك: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ (٣)﴾ ثم استثنى موضع النسيان، فقال جل وعز: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ أي: فقعدت معهم: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤)﴾ وقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥)﴾ وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٦)﴾ وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ (٧)﴾ وقال: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٨)﴾ فذلك ما فرض الله، جلّ ذكره، على السمع من التّنْزِيه عما لا يحلّ له، وهو عمله، وهو من الإيمان.
و«فرض على العينين»: أن لا ينظر بهما إلى ما حرّم الله، وأن يغضيهما عما نهاه عنه، فقال، ﵎، في ذلك: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ (٩)﴾ الآيتين: أن ينظر أحدهم إلى فرج أخيه، ويحفظ فرجه من أن ينظر إليه.
وقال: كلّ شيء من حفظ الفرج، في كتاب الله، فهو من الزنا إلا هذه الآية، فإنها من النظر.
_________________
(١) ليست في ا.
(٢) في ح، هـ: «يغض».
(٣) سورة النساء: ١٤٠.
(٤) سورة الأنعام ٦٨.
(٥) سورة الزمر: ١٨.
(٦) سورة المؤمنون: ١ – ٤.
(٧) سورة القصص: ٥٥.
(٨) سورة الفرقان: ٧٢.
(٩) سورة النور: ٣٠، ٣١.
[ ١ / ٣٩٠ ]
فذلك ما فرض الله على العينين من غَضِّ البصر، وهو عملها، وهو من الإيمان.
ثم أخبر عما فرض على القلب والسمع والبصر، في آية واحدة، فقال: ﷾، في ذلك ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (١)﴾ وقال: يعني وفَرَضَ على الفرج: أن لا يهتكه (٢) بما حرّم الله عليه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٣)﴾ وقال: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ (٤)﴾ الآية. يعني بالجلود: الفروج (٥) والأفخاذ. فذلك (٦) ما فرض الله على الفروج من حفظها عما لا يحل له، وهو عملها.
«وفرض على اليدين»: أن لا يبطش بهما [إلى ما حرم الله تعالى، وأن يبطش بهما (٧)] إلى (٨) ما أمر الله من الصدقة وصلة الرحم، والجهاد في سبيل الله، والطهور للصلوات، فقال في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ (٩)﴾ إلى آخر الآية. وقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً (١٠)﴾ لأن الضرب، والحرب، وصلة الرحم، والصدقة، من علاجها.
_________________
(١) سورة الإسراء: ٣٦.
(٢) في ا: «أن لا يهتك ما حرم »
(٣) سورة المؤمنون: ٥.
(٤) سورة فصلت: ٢٢.
(٥) في ا: «الفروج» وهو خطأ.
(٦) في ح: «وذلك».
(٧) ما بين القوسين ليس في ا.
(٨) في ا: «ولا يبطش بهما إلا إلى »
(٩) سورة المائدة: ٦.
(١٠) سورة محمد: ٤.
[ ١ / ٣٩١ ]
«وفرض على الرجلين»: أن لا يمشي بهما إلى ما حرّم الله، جل ذكره، فقال في ذلك: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ (١).
«وفرض على الوجه»: السجودَ لله بالليل والنهار، ومواقيت الصلاة، فقال في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢)﴾ وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (٣)﴾ يعني بالمساجد: ما يسجد عليه ابن آدم في صلاته، من الجبهة وغيرها.
قال: فذلك ما فرض الله على هذه الجوارح.
وسمى الطهورَ والصلواتِ إيمانًا في كتابه، وذلك حين صَرفَ اللهُ، تعالى، وجهَ نبيه، ﷺ، من الصلاة إلى بيت المقدس، وأمره بالصّلاة إلى الكعبة. وأن المسلمون قد صّلوا إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، فقالوا: يا رسول الله، أرأيت صلاتنا التي كنا نصليها إلى بيت المقدس، ما حالها وحالنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤)﴾ فسمّى الصلاَة إيمانًا، فمن لقى الله حافظًا لصلواته، حافظًا لجوارحه، مؤديًا بكل جارحة من جوارحه ما أمر الله به وفرض عليها – لقى اللهَ مستكملَ الإيمان من أهل الجنة، ومن كان لشيء منها تاركا مُتعمِّدًا مما أمر الله به – لقى اللهَ ناقصَ الإيمان. قال: وقد عرفت نقصانه وإتمامه، فمن أين جاءت زيادته؟
_________________
(١) سورة الإسراء: ٣٧.
(٢) سورة الحج: ٧٧.
(٣) سورة الجن: ١٨.
(٤) سورة البقرة: ١٤٣.
[ ١ / ٣٩٢ ]
قال الشافعي: قال الله، جل ذكره: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ • وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١)﴾ وقال: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (٢)﴾.
قال الشافعي: ولو كان هذا الإيمان كله واحدًا لا نقصان فيه ولا زيادة - لم يكن لأحد فيه فضل، واستوى الناس، وبطل التفضيل. ولكن بتمام الإيمان دَخل (٣) المؤمنون الجنة، وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله [في الجنة (٤)]، وبالنقصان من الإيمان دخل المُفَرِّطون النار.
قال الشافعي: إن الله، ﷿، سَابَق بين عباده كما سُوبِقَ بين الخليل يوم الرهان. ثم إنهم على درجاتهم من سبق عليه، فجعل كل أمْرِئ على درجة سَبْقِه، لا ينقصه فيها حقَّه، ولا يُقدَّم مَسْبُوقٌ على سابِق، ولا مَفْضُولٌ على فاضل. وبذلك فضّل أول هذه الأمة على آخرها. ولو لم يكن لمن سبق إلى الإيمان فضل على من أبطأ عنه - للحق آخر هذه الأمة بأوّلها.
قال أحمد: قد رأيت هذا الجواب عن الإيمان «لأبي عُبَيْد» أبسط من هذا، فإن صحّت الحكايتان فيحتمل أن يكون «أبو عُبَيْدٍ» أخذه عن الشافعي، ثم زاد في البيان. ويحتمل أن يوافق قولٌ قولا. والله أعلم.
_________________
(١) سورة التوبة: ١٢٤، ١٢٥.
(٢) سورة الكهف: ١٣.
(٣) في ا: «حل».
(٤) ليست في ا.
[ ١ / ٣٩٣ ]
وقوله: «دخل المفرطون النار» مُطْلَقٌ في هذه الحكاية، وقد قَيَّده الشافعي، ﵀، في مواضع من كتبه:
قال الشافعي – فيمن تولّى عن الزّحف غير مُتَحرِّفٍ لقتال لا مُتَحِّيزًا إلى فئة: خِفْت عليه – إلا أن يعفوَ الله – أن يكون قد بَاءَ بِسَخَطٍ من الله.
قلت: هذا الذي نقلناه عن الشافعي، ﵀، في الإيمان: إنما هو في كماله، فأما قدر ما يأتي به الكافر؛ حتى يُحْكَمَ له بحكم الإيمان، فقد أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو [رحمة الله عليه] قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: أخبرنا الربيع، قال:
أنبأنا الشافعي في مسأَلة إعْتاقِ الرقبة المؤمنة في الكفارة، قال (١):
إذا وصَفَت – يعني الرقبة – الإسلامَ فأعتقها بكمالها (٢) – أَجْزَأَتْ عنه. قال: ووصفها الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتَبْرَأَ مما خالف الإسلام من دِين، فإذا فَعَلَتْ فهذا كمالُ وصْفِ الإسلام.
قال: وأَحبُّ إليّ لو امتحنها بالإقرار بالبعث بعد الموت وما أشبهه. وذكر حديث معاوية بن الحَكَم: أنه قال لرسول الله، ﷺ، في الجارية التي لطم وجهها: عَلَيَّ رقبة، أفأَعتقها؟ فقال لها رسول الله، ﷺ: أين الله؟ قالت: في السماء. فقال: من أنا؟ فقالت: أنت رسول الله، ﷺ. قال: فأعتقها. زاد فيه غير الشافعي: «أعتقها؛
_________________
(١) في الأم ٥/ ٢٦٦ – ٢٦٧.
(٢) سقطت من ا.
[ ١ / ٣٩٤ ]
فإنها مؤمنة (١)».
وذكر في رواية الزّعفراني عنه في «الكتاب القديم»: حديث عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة مرْسَلًا: أنّ رجلا من الأنصار جاء إلى رسول الله، ﷺ، بجارية له سوداء، فقال رسول الله، ﷺ:
أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم. قال: أتشهدين أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم. قال: أتوقنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم. فقال رسول الله، ﷺ: أعتقها (٢).
قال الزعفراني: قال أبو عبد الله الشافعي: وفي هذا الحديث، والذي قبله الدلالة على أن وَصْفَ الإسلام إسلامٌ يوجب لصاحبه اسم الإسلام، والإسلام: الإيمان.
_________________
(١) راجع الحديث في الموطأ ٢/ ٧٧٦ – ٧٧٧، والأم ٥/ ٢٦٦، وصحيح مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته: ١/ ٣٨٢، والتوحيد وصفات الرب لابن خزيمة ص ٨٠، ٨١، والعلو للذهبي ص ٩٢، والسنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٣٨٨، وأسد الغابة ٤/ ٥٢، وسنن أبي داود: كتاب الصلاة: باب تشميت العاطس في الصلاة ١/ ٣٣٦ – ٣٣٨. وقد وهم مالك، فروى الحديث عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن عمر بن الحكم، وجاءت الرواية هكذا في الأم، وهذا مما استدركه العلماء، كعلي بن المديني، والبخاري، وغيرهما على مالك. وذكروا أن الصواب معاوية بن الحكم.
(٢) راجع الموطأ ٢/ ٧٧٧، والسنن الكبرى ٧/ ٣٨٨، والتوحيد وصفات الرب ص ٨٢، والعلو للذهبي ص ٩٢ – ٩٣ وتفسير ابن كثير ٢/ ٥٣٤ – ٥٣٥ وذكر فيه أن إسناده صحيح، وأن جهالة الصحابي لا تضره.
[ ١ / ٣٩٥ ]
قلت: وفي هذا إشارة من الشافعي، إلى أن الإيمان والإسلام اسمان (١) لمسمى واحد، إذا كانا حقيقة، أو كانا باللسان دون العقيدة في حقن الدم، وإنما يفترقان إذا كان أحدهما حقيقة، والآخر بمعنى الاستسلام خوفًا من السيف.
قال الشافعي – في رواية الربيع:
أخبر الله تعالى عن قوم من الأعراب، فقال: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ (٢)﴾ فأَعْلَمُه أنّه لم يدخل الإيمان قلوبهم، وأنهم أظهروه وحَقَن به دماءهم.
قال الشافعي: قال «مجاهد» في قوله: ﴿أَسْلَمْنَا﴾ قال: استسلمنا مخافة القتل والسَّبْي.
قلت: وأما حديث «معاوية بن الحكم» فقد خالفه «عبيد الله» في لفظ الحديث، وهو، وإن كان مُرْسَلا، فرواته أفقه. ووافقه «الشريد بن سويد الثقفي» مرسلا (٣).
وروى عن عون بن عبد الله بن عتبة عن أبيه، واختلف عليه في إسناده،
_________________
(١) في ح: «اسم».
(٢) سورة الحجرات: ١٤.
(٣) في السنن الكبرى ٧/ ٣٨٨ – ٣٨٩ عن الشريد بن سويد الثقفي، قال: قلت: يا رسول الله، إن أمي أوصت إلي أن أعتق عنها رقبة، وإن عندي جارية سوداء، نوبية، فقال رسول الله، ﷺ: ادع بها، فقال: من ربك؟ قالت: الله. قال: فمن أنا؟ قالت: رسول الله. قال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة.
[ ١ / ٣٩٦ ]
ومتنه (١)، وهو إن صح فكأن النبي، ﷺ، خاطبها على قدر معرفتها؛ فإنها وأمثالها قبل الإسلام (٢) كانوا يعتقدون في الأوثان أنها آلهة في الأرض، فأراد أن (٣) يعرف إيمانها، فقال لها: أين الله؟ حتى إذا أشارت إلى الأصنام – عرف أنها غير مؤمنة، فلما قالت: في السماء، عرف أنها برئت من الأوثان، وأنها مؤمنة بالله الذي في السماء إله وفي الأرض إله، أو أشار، وأشارت، إلى ظاهر ما ورد به الكتاب.
ثم معنى قوله في الكتاب: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٤): «مَن فوق السماء» على العرش [كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ وكل ما علا فهو سماء،
_________________
(١) حديث عون بن عبد الله عن عبد الله بن عتبة رواه البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٣٨٨ من حديث أبي هريرة: أن رجلا أتى النبي، ﷺ، بجارية سوداء، فقال: يا رسول الله، إن علي عتق رقبة مؤمنة. فقال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء بإصبعها، فقال لها: فمن أنا؟ فأشارت إلى النبي، ﷺ، وإلى السماء. تعني: أنت رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: أعتقها؛ فإنها مؤمنة. ورواه من حديث عون بن عبد الله بن عتبة عن أبيه عن جده، قال: جاءت امرأة إلى رسول الله، ﷺ بأمة سوداء فقالت: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة أفتجزئ عني هذه. فقال رسول الله ﷺ: من ربك؟ قالت: الله ربي. قال: فما دينك؟ قالت: الإسلام. قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أفتصلين الخمس وتقرين بما جئت به من عند الله؟ قالت: نعم، فضرب ﷺ على صدرها، وقال: أعتقها. وانظر أيضًا التوحيد لابن خزيمة ص ٨١، ٨٢؛ وطريق أبي هريرة أخرجه أحمد في المسند ١٥/ ٣١ – ٣٢ (المعارف) والهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٣ – ٢٤ وذكر أن رجاله موثقون.
(٢) في ا: «قبل الاستسلام».
(٣) ليست في ا.
(٤) سورة الملك: ١٦.
(٥) سورة طه: ٥.
[ ١ / ٣٩٧ ]
والعرش أعلى (١)] السموات، فهو على العرش (٢) كما أخبر بلا كيف، بائِنُ من خلقه، غير مُمَاسّ من خلقه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣).
_________________
(١) ما بين القوسين سقط من ا.
(٢) في ا: «على العرش على السموات فهو على العرش. .» وفي هـ: «على العرش أعلى السموات فهو على العرش» وفي كلتيهما خطأ ظاهر. وراجع الخبر في الاعتقاد للبيهقي ص ٤٢.
(٣) سورة الشورى: ١١.
[ ١ / ٣٩٨ ]
باب