باب
ما جاء في خروجه إلى اليمن ومقامه بها، ثم في حمله من اليمن إلى هارون، وما جرى بينه وبين محمد بن الحسن من المناظرة، رحمهما الله.
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو حامد: أحمد بن محمد البيهقي الخطيب - بخُسرَوجِرْد (١) - قال: حدثنا عبدان بن عبد الحكم البيهقي، قال: حدثني مسلم بن حَجّاج، حدثني محمد بن إدريس - ورَّاق الحُمَيدي - قال: حدثني عبد الله بن الزبير الحُمَيْدِي، قال:
قال محمد بن إدْرِيس الشافعي:
كنتُ في حِجْر أُمّي، وأنا غلام، فدفعتني أمّي إلى الكُتّاب، ولم يكن عندها ما تُعْطِي المعَلِّم، فكان المعَلِّم قد رضي مني أنْ أخْلُفَه إذَا قام. فلما ختمت القرآن دخلت المسجد (٢)، فكنت أجالس العلماء، وكنت أسمع الحديث أو المسألة فأحفظها، ولم يكن عند أمي ما تعطيني أشتري به قراطيس، وكان
_________________
(١) خسروجرد بضم أوله وكسر الجيم. مدينة كانت قصبة بيهق، من أعمال نيسابور.
(٢) في ا: «المجلس».
[ ١ / ١٠٥ ]
مَنْزِلنا في شِعْب الخَيْفِ: فكنت أنظرُ إلى العظم يَلوح فآخذه فأكتب فيه، فإذا امتلأ طرحْتُه في جَرّة كانت (١) لنا قديمة. قال: ثم قدم والٍ على اليمن، فكلمه بعضُ القُرشيين أَنْ أَصْحبه، ولم يكن عند أمي ما تعطيني أتَحَمَّلُ (٢) به، فَرَهَنَتْ دارًا (٣) بستة عشر دينارًا، وأَعْطتْني، فتحمَّلْتُ بها معه، فلما قدمنا اليمن استعملني على عمل، فحُمدت فيه، فزادَ عَمِلي. وقدم العمال مكة (٤) في رجب، فأثنوا عَلَيِّ، وطار لي بذلك ذكر. فَقَدِمت من اليمن، فَلَقيتُ ابنَ أبي يحيى، وقد كنت أجالسه، فسلّمت عليه (٥) فَوَبَّخَنِي، وقال: تجالسوننا وتصنعون، فإذا شَرَعَ لأحدكم شيءٌ دخل فيه. أو نحو هذا من الكلام، قال: فتركته. ثم لقيتُ سفيانَ بن عيينة، فسلّمت عليه، فرحّب بي، وقال: قد بلغني ولايتك، فما أحسن ما انتشر عنك!! وما أديتَ كل الذي لله تعالى عليكَ ولا تَعُدْ. قال: فجاءت موعظة سفيان إياي أبلغ مما صنع ابن أبي يحيى.
ثم قدمت (٦) بعد ذلك «نَجْران» وبها بَنُو الحارث وموالي ثَقِيف. وكان الوالي إذا أتاهم صَانَعُوه، فقدِمتُ فأرادوني على نحو ذلك، فَلَمْ يَجِدوا عندي. وتظلّم عندي ناسٌ كثير، فجمعتهم، وقلت: اجتمعوا على سبعة منكم رجال عدول، من عَدَّلُوه كان عدلا، ومن جَرَّحوه كان مجروحًا. فاجتمعوا على سبعة منهم. فجلست، وقلت للخصوم: تقدموا، وأجلست السبعة حولي، فإذا شهد شاهد التفتُّ إلى السبعة، فقلت: ما تقولون في شهادته؟ فإن
_________________
(١) ليست في ح ولا في هـ
(٢) في ا: «أنجمل».
(٣) في ح وهـ: «دارها».
(٤) ليست في ا.
(٥) ليست في ا.
(٦) في ا: «وليت».
[ ١ / ١٠٦ ]
عدّلوه كان عدلا، وإن جرّحوه قلت: زدني شهودًا. فلم أزل أفعل حتى أتيت على جميع من تظلّم عندي. فلما صَحَّحْتُ وَضعْتُ أحْكُمُ وأُسَجَّل. فنظروا إلى حكم حاد أو قال: جارٍ. فقالوا: هذه الضِّياع التي تحكم علينا فيها ليست لنا، إنما هي بأيدينا لمنصور بن المهدي. فقلت للكاتب: اكتب: أقر فلان بن فلان الذي وقع عليه حكمي في هذا الكتاب أن الضيعة التي حكمت عليه فيها ليست له، إنما هي لمنصور بن المهدي، ومنصور بن المهدي قائم على حجته متى ما قام (١).
قال: فخرجوا إلى مكة، وعملوا في أمري حتى رفعت إلى العراق، فقيل لي: الزم الباب. فنظرت، فإذا أنا لا بُدّ لِي مِنْ أَنْ أكونَ أخْتَلِف إلى بعض مَنْ هُنَاك (٢)، وكان محمد بن الحَسَن جيد المنزِلة، فاخْتَلَفْتُ إليه، وقلت: هذا أشبه (٣) عَلى من طريق الفِقْه، فلزمته، وكتبت كُتُبه، وعرفت أقاويلهم.
وكان إذا قام ناظرت أصحابه. فقال لي ذات يوم (٤): بلغني أنك تخالفنا في الغَصْبِ. فقلت: أصلحك الله، إنما هو شيء أتكلم به على المناظرة. فقال: [لقد (٥ بلغني غير هذا، فناظرني أو كلمني فيها. فقلت: إني أجِلُّكَ عن المناظرة، فقال ٥):] لا بد من ذلك. فقال: ما تقول في رجلٍ اغتصب من رجل سَاجَةً، فبنى عليها جدارًا، وأنفق عليه ألف دينار، فجاء صاحب الساجة، فأثبت بشاهدين
_________________
(١) في ح: «ما أقام».
(٢) راجع الحلية ٩/ ٧٦ - ٧٧، وتوالي التأسيس ص ٦٩، وآداب الشافعي وهامشه ص ٣١ - ٣٣.
(٣) في ا: «تيسر لي».
(٤) هذا وما يليه من تتمة الخبر السابق.
(٥) ما بين الرقمين ليس في ا.
[ ١ / ١٠٧ ]
عدلين. أن هذه السَّاجة ساجته، وأنّ هذا اغتصبه عليها، وبنى عليها هذا البناء.
قال: فقلت: أقول لصاحب الساجة: ترضى أن تأخذ قيمتها؟ فإن رضى، وإلا قلعت البناء، ودفعت إليه سَاجَتَهُ.
قال: أليس قال النبي، ﷺ: «لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ [في الإسلام (١)]؟
_________________
(١) ما بين القوسين ليس في ح. والحديث أخرجه مالك في الموطأ، في كتاب الأقضية: باب القضاء في المرفق ٢/ ٧٤٥ مرسلا من طريق عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه. وأخرجه معلقًا في كتاب المكاتب: باب ما لا يجوز من عتق المكاتب ٢/ ٨٠٥. وأخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣١٠ (معارف) من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف، ومن حديث عبادة بن الصامت ٥/ ٣٢٦ - ٣٢٧ بإسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع؛ فإنه من طريق إسحاق بن يحيى عن عبادة. وإسحاق لم يلق عبادة. وأخرجه ابن ماجه في كتاب الأحكام: باب من بنى في حقه ما يضر بجاره ٢/ ٧٨٤ من حديثي ابن عباس وعبادة اللذين أخرجهما أحمد، وبالدرجة نفسها. وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٥٧ - ٥٨ من حديث أبي سعيد الخدري وصححه على شرط مسلم، وأقره الذهبي. وأخرجه الدارقطني في كتاب الأقضية من حديث عائشة وابن عباس وأبي هريرة ٢/ ٥٢٢ بأسانيد ضعيفة. وأخرجه من حديث أبي سعيد الخدري أيضًا في الموضع نفسه من طريق إسماعيل بن محمد الصفار، عن عباس بن محمد، عن عثمان بن محمد بإسناد المصنف. وابن عبد البر في التقصي ص ١١٠. وذكر النووي في الأربعين أنه حديث حسن، وأن طرقه يقوي بعضها بعضا. وأخرجه ابن رجب في جامع العلوم والحكم ص ٢١٩ - ٢٢١ تخريجا وافيًا. ونقل عن أبي عمرو بن الصلاح أن هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم واحتجوا به. =
[ ١ / ١٠٨ ]
قلت: ومن ضره؟ وهو ضَرَّ نفسه!؟
فقال: ما تقول في رجل اغتصب من رجل خيطا [منِ أَبْرَيْسَمُ (١)] فخاط به بطنه، فأثبت صاحبُ الخيط شاهدين عدلين: أنَّ هذا اغتصب هذا الخيط، أكنت تنزع الخيط من بطنه؟ فقلت: لا.
فقال: قد تركتَ قولك! فقال أصحابه: قد تركت قولك! فقلت: لا تعجلوا.
قال لي: فما تقول في رجل اغتصب من رجل لَوْحًا (٢)، فأدخله في سفينة في لُجِّ (٣) البحر، فأثبت صاحب اللوح شاهدين عدلين، أكنت تَنْزِعُ اللوحَ من السفينة؟ قلت: لا. قال: الله أكبر، قد تركت قولك.
فقلت له: أرأيت لو كان الخيط خَيْطَ نَفْسه، أراد أن ينزعه مِنْ بطنه ويقتل نفسه، أمباحٌ له ذلك أمْ مُحرمٌ عليه؟
قال: بل مُحَرَّم عليه.
قلت: أفرأيت [لو كان اللوحُ لوحَ نفسه، أراد أن ينزعه في البحر، أمباح له ذلك أم محرم عليه؟ قال: بل محرم عليه
_________________
(١) = ونقل الزرقاني في شرحه على الموطأ ٣/ ٢١٢ عن العلائي: أن للحديث شواهد وطرقا يرتقي بمجموعها إلى درجة الصحة.
(٢) فارسي معرب، وهو الحرير. راجع المعرب للجواليقي وهامشه ص ٢٧. يجوز فيه فتح الألف وكسرها، وفتح السين وضمها.
(٣) في ح: «لوح ساج»، والساج: جمع ساجة، وهي نوع من الشجر يجلب من الهند، يستعمل في البناء، وصنع السفن.
(٤) في ح: «لجج».
[ ١ / ١٠٩ ]
قلت: أفرأيت (١)] الساجة لو كانت ساجة نفسه، أراد أن ينزعها فيهدم البناء عليها] (٢)، أمحرم عليه أو مباح له؟
قال: بل مباح له.
فقلت له: يرحمك الله، تقيس مباحًا بمحرَّم؟
قال: وكيف تصنع بصاحب السفينة؟
قلت له: آمره أن يقْرُب إلى أقرب المراسي التي لا يهلك هو فيها وأصحابُه، وأقولُ له: انْزِع اللوحَ فادفعه إلى هذا، وأصلح أنت سفينتك واذهب.
قال: ثم قلت له: ما تقول في رجل من بني فلان – ذكر أقْوامًا أشرافًا – اغتصب (٣) رجلا من الزِّنْج على جارية، فأولدها عشرة، كلهم قد قرءوا القرآن، وقضوا بَيْن المسلمين أشرافًا، وخطبوا على المنابر، وأثبت صاحب الجارية شاهدين عدلين، أن هذه الجارية له، غَلَبُه عليها وأولدَها الأولادَ، بم كنت تَحكُم؟
قال: أردُّ الجارية عليه، وأحكم بأولادها رَقِيقًا له؟
فقلت: مالك لم تقل هذا في الخشبة؟!
وقلت له. أنشدك الله! أيتهما أعظم ضررًا أنْ قلعتُ الساجة؟ أو حكمت بولدها رقيقًا؟
قال: فترك محمدُ بن الحسن قوله، ورجع إلى قول الشافعي،
_________________
(١) ما بين القوسين من ح.
(٢) في ح: «عنها».
(٣) في ا، ح «اغتصبوا».
[ ١ / ١١٠ ]
﵄ (١).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الفضل: الحسن بن يعقوب بن يوسف العدل، وأبو الفضل: محمد بن إبراهيم المزكي، فرقهما؛ قالا: حدثنا أبو أحمد: محمد ابن رَوح الأُستوائي، قال: سمعت الزُّبَيْر بن أحمدَ بن سليمان بن عاصم بنِ المنذر بن الزبير بن العوام، يقول: سمعت جماعةً من أصْحابِنَا يَقُصُّون هذا الخبر من أمر الشافعي، ﵁. ويزيد فيه بعضهم على بعض، ويحكى فيه بعضهم غيرَ ما يحكي بعض، وسمعت أشياء منهم على غير اقتصاصٍ من الخبر، إلا أنها تآلفت مع (٢) الخبر، فجمعت ذلك، ولم أخرج من معانيهم في كل ذلك ذكروا أن الشافعي، ﵀، قال.
طلبت هذا الأمر على ضيق من ذات اليد، كنت أجالس أهل العلم والحفظ ثم اشتهيت أن أُدَوِّن بعض ما أسمع، وكنا ننزل بالقرب من شعب الخَيْفِ بمكة، وكنت أتبع العظام والأكتاف (٣) وأكتب فيها، حتى جمعت من ذلك في دارنا حُبَّين. ثم عن رجلا من المُطَّلبيين ولى بعض ناحية اليمن، فمشت أمي إلى بني أعمامي، وسألتهم أن يمشوا إليه، ويسألوه استصحابي، ففعل ذلك، فصحبته إلى ناحية اليمن، وكان بها من قُوَّاد هارون رجل يقال له: حماد البربري
_________________
(١) راجع في هذا وفيما قبله حلية الأولياء ٩/ ٧٤ - ٧٧، ومناقب الشافعي للفخر ص ١٠٥ - ١٠٦، وآداب الشافعي وهامشه ص ١٦٠ - ١٦٣.
(٢) ليست في ا.
(٣) في الأصل. «والكتاف» وهو خطأ؛ فالأكتاف جمع كتف وهو عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب، كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم. أما الكتاف فهو الحبل الذي يوثق به. ولا محل له هنا. راجع اللسان ١١/ ٢٠٢ - ٢٠٤.
[ ١ / ١١١ ]
فكتب إليه يخوفه شأن العَلويين، ويذكر له شأني، ويقول: إنَّ معه رجلا يقال له: محمد بن إدريس، يعمَل بلسانه ما لا يعمل المقاتل بسيفه، فإن كانت لك بالحجاز حاجةٌ فاحملهم منها. فورد الكتابُ فحملت أنا والطالبي وجماعة معنا، فأُدخِلنا على هارون عشرة عشرة، وقد مضى أكثر الليل، فجعل يقيم منا واحدًا واحدًا، فيتكلم من وراء الستر، فيأمر بضرب عنقه حتى انتهى ذلك إلى، فقلت. يا أمير المؤمنين، عبدك وخادمك: محمد بن إدريس الشافعي. فقال: اضرب عنقه. فقلت: يا أمير المؤمنين، أقول وتسمع، ويدك الباَسِطَةُ، وسلطانك المنيع، ولا يفوتك مني ما تريد. قال: قل.
قلت: يا أمير المؤمنين، كأنك اتهمتني بالانحراف عنك والميل إلى هؤلاء القوم (١)؟ وسأضرب لك مثلك ومثلهم معي: ما يقول أمير المؤمنين في رجلٍ له ابنا عمِّ، أحدهما خَلطهُ بنفسه [وأشركه في نسبه، وزعم أنه مثله، وأنَّ ماله حرامٌ عليه إلا بإذنه، وأن ابنته حرام عليه إلا بتزويجه، وأنه يرى له عليه كما يرى له عليه لنفسه] (٢). والآخر زعم أنه دونه، وأنه في النسب أعلى منه، وأنهُ عبده، وأن ابنته أمته، وأنها تحلُّ له بغير إذنه، وأنَّ مالَه فئ له. فَلِمَنْ تراه يتولى [يا (٣)] أمير المؤمنين؟ فهذا أنت وهؤلاء.
_________________
(١) ليست في ا.
(٢) ما بين القوسين ليس في ا.
(٣) ليست في ا.
[ ١ / ١١٢ ]
قال: واستعادني القول ثلاث مرات، كل (١) ذلك أردّ عليه بمعنى واحد بألفاظ مختلفة.
قال: احبسوه. فحبست في دار العامّة، وكنت لا أدْري أحدًا آنَسُ به إلا محمد بن الحسن، وكُنْت أَميلُ إليه؛ للفقه، وآمُلُ أن يشفع لي عند السلطان. فحضر يومًا، فأقبل يذم المدينة ويضع من أهلها، ويذكر أصحابه ويرفع من أقدارهم، ويذكر أنه وضع على أهل المدينة كتابًا، يقول: إنِّي لو وجدت أحدًا ينقُض من كتابي حَرْفًا تَنْقُلُني (٢) إليه أَكْبَادُ الإبلِ لَضَرَبْتُ إليه. فرأيت وجوه المهاجرين والأنصار، وإنها لتَسْوادُّ مما يسمعون في المدينة وأهلِها، ورأيت أصحابَ محمدِ بن الحسن، وإنَّ وجوههم لَتُشْرِقُ وتَبْيَاضُّ مما يسمعون من مَدح أصحابهم، فتمَثَّلْتُ بين أمرين: بين أن يزداد السلطان عليَّ غضبًا، وأُبَيِّضُ وجوه المهاجرين والأنصار، وبين أن أسكت عن ذلك رجاء أن يكون محمد بن الحسن يشفع لي عند السلطان، فاخترت رضا الله، ﷿، في ذلك الموضع، فَجثَوْتُ بين يديه، ثم قلت: أبا عبد الله، أراك أصبحت تهجو المدينة وتذُمُّ أهلها؟!
فإن كنت أردتَها، فإنها حرمُ رسول الله، ﷺ، وأمْنُه، ودارُ الهجرة: بها نزلَ الوحي، ومنها خُلِقَ النبي، ﷺ، وبها قبره. وسماها رسولُ الله، ﷺ: طَابَة، فيها روضةٌ من رياض الجنَّة.
ولئن كنت أردتَ أهلها فهم أصحابُ رسول الله، ﷺ،
_________________
(١) ليست في ا.
(٢) في ح: «تبلغني». [م - ٨ مناقب]
[ ١ / ١١٣ ]
وأصهاره، وأنصاره الذين مَهَّدُوا الإيمان، وحفظوا الوحي، وجمعوا السُّنَن.
ولئن كنت أردت مَنْ بَعْدَهُم، فأبناؤهم والتابعون بعدهم، والأخْيارُ مِنْ هذه الأمة.
ولئن كنتَ أردْتَ من القوم رجلا واحدًا وهو مالك بن أنس، ﵁، فما عليك لو سَمَّيْتَ مَنْ أردتَ، ولم تذكر المدينة بما ذكرتَ؟!
فقال: ما أردت إلا مالكَ بن أنس.
قلت: وقد قرأتُ كتابَك الذي وضعته عليهم، فوجدت ما بين قولك: «بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد» خطأ.
ووجدتك تردُّ فيه من كتاب الله، ﷿، مائةً وثلاثين موضعًا: فقلت في رجلين تداعيا جدارًا ولا بينة بينهما: إنّ الجدارَ لمن تليه أنصاف اللَّبِن، ومعاقد القُمُط (١).
وقلتَ في متاع البيت يدَّعيه الزوجان: ما كان يصلح للرجال فهو للرجل، وما كان يصلح للنساء فهو للمرأة؟!
وقلت في الرجل يجحد ولدًا جاءت به امرأته ويقول: استعرتيه ولم تلديه - إنه تُقَبُل فيه (٢) شهادة القابلة.
_________________
(١) القمط. ما تشد به الأخصاص، راجع اللسان ٩/ ٢٦١.
(٢) ليست في ا.
[ ١ / ١١٤ ]
وقلت في الرِّفَافِ يدَّعيها الساكن وربُّ الحانوت: [أن كانت مُلْزَقَةً فهي للساكن، وإن كانت مبنية فهي لِرَبّ الحانوت (١)] فقلت في هذا وأمثاله - وذكرت له الأحكام كلها - بغير بينة ولا يمين، وقد قضى رسول الله، ﷺ، أنّ البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه.
وأنكرت علينا الشاهد واليمينَ، وهي سنةُ رسول الله، ﷺ، وقولُ علي بن أبي طالب، وقول الحكام عندنا بالحجاز.
وأنت تقول هذا برأيك وتردُّ علينا بالسنة؟
وذكرت له أشياء مما خالفنا وترك السنن. وكان على الدار يومئذ هَرْثَمَةُ، فكتب الخبر. وأبيضت وجوه المهاجرين والأنصار لما سمعوا في دار الهجرة من نُصْرَةِ الحق، وعلت محمد [بن الحسن (٢)] وأصحابه (٣) القَتَرَة (٤). فلما دخل هَرْثَمَةُ على أمير المؤمنين سأله عن خبر الدار، فقرأ عليه الخبر، فقال هارون: وما أنكر محمد بن الحسن أن يَقْطَعَهُ رجلٌ من بني عبد مناف؟ اخرج إلى الشافعي وابْداهُ برضائي عنه قبل السلام، واقرأ عليه مني السلام، وأخبره أني قد أمرت له بخمسة آلاف دينار، وعَجِّلْها له من بيت مال الحضرة (٥).
فخرج هَرْثَمَةُ [فأخبر الشافعي (٦)] برضاء أمير المؤمنين عنه، فأقرأه منه
_________________
(١) ما بين القوسين من ح.
(٢) ما بين القوسين من ح.
(٣) ليست في ح.
(٤) القترة: الكآبة والغبرة.
(٥) الخبر في آداب الشافعي ومناقبه ص ١٦٤ - ١٦٦ وانظر هامشه.
(٦) ما بين القوسين من ح، هـ.
[ ١ / ١١٥ ]
السلام، وأخبره أنه قد أمر له لخمسة آلاف دينار. فقال هَرْثَمَةُ: لولا أن الخليفة لا يساوى (١) لأمرتُ لك (٢) بمثلها، وقد أمرت لك بأَرْبعة آلاف دينار، فالق غلامي. قال الشافعي: جزاك الله عنا خيرًا، لولا أني لا أقبل جائزةً إلا ممن (٣) هو فوقي لقَبِلت جائزتك، فَعَجِّل ما أمر به أمير المؤمنين. فأعطاه هَرْثَمَةُ المال (٤)، فأخذه ودعا بالحجام فأخذه من شعره وأعطاه خمسين دينارًا، وأخذ ما بقى فجعل يَصرُّه صُرَّةً صُرَّةً ويكتب [به (٥)] رقاعًا فيقسِّمه في أهل مكة والقرشيِّين الذين بالحضرة. فما انصرف إلى منزله إلا بأقل من مائة دينار (٦). وأمره هرثمة بالتأهُّب (٧) للدخول على أمير المؤمنين، فأصلح من شأنه. فدخل ومحمد بن الحسن عند (٨) أمير المؤمنين، فتكلما بين يديه: فقال له الشافعي: ما تقول في القَسَامَة (٩)؟ فقال: استفهام.
فقال: كفر والله يا أمير المؤمنين، يزعم أن رسول الله، ﷺ، يحتاج أن يستفهم يهود (١٠).
_________________
(١) في ا: «لا يسوى» وهي ساقطة من هـ.
(٢) في الأصول: «له» والتصويب من آداب الشافعي ص ١٦٦.
(٣) في الأصول «لمن» والتصويب من آداب الشافعي ص ١٦٧.
(٤) الخبر في آداب الشافعي ص ١٦٧ وانظر هامشه.
(٥) ليست في ا.
(٦) الخبر في آداب الشافعي ص ١٢٨.
(٧) ليست في هـ.
(٨) في ا: «على».
(٩) قال ابن حجر في الفتح ١٢/ ٢٠٢: القسامة: مصدر قسم قسما وقسامة وهي الأيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم أو على المدعي عليهم الدم.
(١٠) هذه إشارة إلى حديث سهل بن أبي حثمة وفيه أن نفرًا من المسلمين انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها، فوجدوا أحدهم قتيلا. وفيه: فقال ﷺ: تأتوني بالبينة على من قتله، قالوا: ما لنا بينة. قال: فيحلفون؟ قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره النبي، ﷺ، أن يبطل دمه، فرداه بمائة من إبل الصدقة»، =
[ ١ / ١١٦ ]
فقال هارون: الشيفَ والنِّطْعَ. فلما أمَرَ (١) بهما هَالَني، فقلت: يا أمير المؤمنين، لئن جحدها في هذا الموضع فلقد (٢) قال بها في غيره، ولكن المتناظران (٣) إذا تناظرا كاد كل واحد منهما أن يدفع عن نفسه ما تقوم به الحجة لصاحبه. فكأنما سُرِّي عن أمير المؤمنين، فصفح عنه. فلما خرجنا من عنده قال: يا أبا عبد الله أشَطْت (٤) بدمي. فقلت: لئن فعلنا لقد خلصناك (٥).
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الطيب: عبد الله بن محمد الفقيه، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن زياد، حدثنا أحمد بن جعفر، حدثنا محمد بن خالد الكرماني، قال: سمعت المقدمي، يقول:
قال الشافعي: لم يزل محمد بن الحسن عندي عظيما جليلا (٦)، أنفقت (٧) على كتبه ستين دينارًا حتى جمعنى وإياه مجلس عند هارون الرشيد، فابتدأ محمد بن الحسن، فقال: يا أمير المؤمنين، إن أهل المدينة (٨) خالفوا كتاب الله نصًا،
_________________
(١) = فاستفهام النبي، ﷺ؛ لم يكن ليهود وإنما كان للمسلمين كما سيصرح بذلك البيهقي في ص ١٢٠. راجع في حديث سهل بن أبي حثمة الأم ٦/ ٧٨، والسنن الكبرى ٨/ ١١٧ وما بعدها، وصحيح البخاري ١٢/ ٢٠٣ - ٢٠٦ من الفتح، وآداب الشافعي ص ١٦٧ وهامشه.
(٢) في ا: «أمره».
(٣) في ا: «لقد».
(٤) في ا: «المناظرين».
(٥) شاط دم فلان أي ذهب، ومنه أشطت بدمه. راجع اللسان ٩/ ٢١١.
(٦) في هـ: «خلفناك».
(٧) ليست في هـ.
(٨) في ا: «نفقت».
(٩) في ا: «إن أهل هذه المدينة».
[ ١ / ١١٧ ]
وأحكام رسول الله، ﷺ، وإجماعَ المسلمين، وقَضَوْا بشاهد ويمين.
قال الشافعي: فأخذني ما قَرُبَ وما بَعُدَ (١)، فقلت: إني أراك قد قصدت لبيت النبوة ومن أُنزل القرآن فيهم وأُحْكِمت الأحكامُ فيهم، وقبر رسول الله، ﷺ، بين أظْهُرِهم، ثم عمدت تَهْجُوهُم، أرأيت أنت بأي شيء قبلت شهادة القابلة وحدها حتى وَرثْتَ (٢) من خليفةٍ مُلْكَ الدنيا ومالا عظيما؟
فقال بعلي (٣) بن أبي طالب!
قلت (٤): فعلي إنما رواه عنه (٥) رجل مجهول يقال له: عبد الله بن نُجَى (٦)، ورواه (٧) عن عبد الله بن [نجى] جابر الجعفي (٨)
_________________
(١) في ا: «وبعد».
(٢) في ا «وريت».
(٣) في ا: «لعلي».
(٤) في ا: «فقلت».
(٥) في ا: «عن».
(٦) في ا: «ابن يحيى» وهو خطأ. وهو عبد الله بن نجى بن سلمة بن جثم الكوفي الحضرمي. روى عن أبيه، وعمار، وحذيفة، والحسين بن علي وغيرهم. روى عنه أبو زرعة بن عمرو بن جرير وجابر الجعفي وغيرهما. قال البخاري وابن عدي: فيه نظر. ووثقه النسائي وقال ابن معين: لم يسمع من علي، بينه وبينه أبوه، وقال الدارقطني: ليس بقوى في الحديث. وله ترجمة في الجرح والتعديل ٢/ ٢/١٨٤، والضعفاء للعقيلي لوحة ٢٢٤ - ٢٢٥ وميزان الاعتدال ٢/ ٥١٤، والسنن الكبرى ١٠/ ٥١، وانظر أيضًا التاريخ الكبير ٤/ ٢/١٢١. وخبر الشاهد واليمين وشهادة القابلة والمناظرة في توالي التأسيس ص ٧١.
(٧) في ا: «وروى» وسقطت كلمة «نجى» من الأصول، وهي في توالي التأسيس ص ٧١.
(٨) هو جابر بن يزيد الجعفي، من أهل الكوفة، يكنى أبا يزيد، وقيل: أبا محمد. يروى عن عطاء والشعبي. روى عنه الثوري وشعبة. قال عنه ابن حبان: =
[ ١ / ١١٨ ]
وكان (١) يُتَّهم بالرَّجْعَة. وقال سفيان (٢) ابن عيينة: دخلت على جابر فسألني عن شيء من أمر الكهنة.
ونحن معنا قضاء رسول الله، ﷺ - يعني بشاهد ويمين - مع قضاء علي بن أبي طالب بالكوفة (٣)، أرأيت أنت أي شيء تقول في القسامة؟
فقال: استفهام. قال: قلت: وتزعم (٤) أن رسول الله، ﷺ، كان يحكم في أمته بالاستفهام، يسألهم (٥) ثم (٦) لا يحكم لهم (٧). قال: فسمعها هارون فدعا بالسيف والنِّطْع.
قال الشافعي: فقلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا قولُه، وإنَّه ليحكم بخلاف هذا. أعني أنهم يحلفون ويغرمون الدية، ولكن المتناظران (٨) إذا تناظرا أحبَّ كل
_________________
(١) = كان سبئيا من أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان يقول: إن عليا، ﵇، يرجع إلى الدنيا. كان يحيى بن معين يقول: جابر الجعفي لا يكتب حديثه ولا كرامة، وكان أبو حنيفة يقول: ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء، ولا لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي. وله ترجمة في التاريخ الكبير ١/ ٢/٢١٠، والجرح والتعديل ١/ ١/٤٩٧، والضعفاء الصغير ص ٧، والضعفاء المتروكين ص ٤٠، والضعفاء للعقيلي لوحة ٦٨، والطبقات الكبرى لابن سعد ٦/ ٣٤٥ ط. ب وعلل أحمد ١/ ٣٥٥، ٣٩٢، والمجروحين لابن حبان لوحة ١٤٠، وميزان الاعتدال ١/ ٣٧٩، وتهذيب التهذيب.
(٢) هنا أول النقص في نسخة أحمد الثالث المرموز إليها بالرمز [هـ] وسنشير إلى انتهائه في موضعه.
(٣) ليست في ا.
(٤) في ح بعد هذا: «وفي رواية وكان يؤمن بالرجعة».
(٥) في ا: «وزعم».
(٦) في ا: «سألهم».
(٧) في ا «بما».
(٨) في ابعد هذا: «به».
(٩) في ح: «المناظران».
[ ١ / ١١٩ ]
واحد منهما أن يُدْخِلَ على صاحبه حجة يكيده بها. قال: فَسُرِّي عن هارون فلما خرجنا قال لي: كنت قد أشَطْت بدمي. فقلت: قد خلقك (١) الله الآن.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ [في موضع آخر (٢)] قال [حدثني أبو أحمد: محمد بن محمد الحافظ، قال (٣)] حدثني أبو عبد الله: محمد بن أحمد بن بطَّة، قال: حدثنا أبو حامد: أحمد بن جعفر بن محمد بن سعيد الأشعري الأصبهاني، حدثنا محمد بن خالد (٤) الكِرْمَاني الملقب بمردويه، قال: سمعت محمد بن أبي بكر المقدمي يقول: قال الشافعي: فذكره (٥) بمعناه وقال حجة يكبته بها. وقال في حديث (٦) جابر الجعفي: وكان يؤمن (٧) بالرجعة.
قال البيهقي: قوله في الاستفهام في هذه الرواية أصح مما نقل في الإسناد الذي مضى (٨)؛ لأنه إنما استفهم المسلمين.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن الدارمي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد الحنظلي (٩) قال: أخبرني عبد الله بن أحمد في كتابه، قال: سمعت أبي يقول:
قال محمد بن إدريس الشافعي: وذكر محمد بن الحسن صاحب
_________________
(١) في ح: «خلصك» والخبر في تاريخ بغداد ٢/ ١٧٨ – ١٧٩
(٢) ما بين القوسين ليس في ح.
(٣) ما بين القوسين ليس في ح.
(٤) في ا: «خليد» وهو خطأ.
(٥) في ا: «فذكر».
(٦) ليست في ا.
(٧) في ا «يرمي».
(٨) في ح «الرواية التي مضت».
(٩) في ح: «الحبلى».
[ ١ / ١٢٠ ]
الرأي – فقال (١).
قد وضعت كتابًا على أهل المدينة تنظر فيه. فنظرت في أوله ثم وضعته، أو رميت به.
فقال: مالك؟ فقلت: أوله خطأ. على من وضعت هذا الكتاب؟ قال: على أهل المدينة. قلت: مَنْ أهلُ المدينة؟ قال: مالك. قلت: مالك رجل واحد، قد كان بالمدينة فقهاء غير مالك: ابن أبي ذئب والمَاجشُون وفلان وفلان، وقال النبي، ﷺ: «المدينة لا يدخلها الدجال والطاعون، والمدينة على كُلِّ نَقَبٍ من أنْقَابها ملك شاهر سيفه (٢)».
أخبرنا محد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو الوليد: حسان بن محمد الفقيه، قال: حدثنا إبراهيم بن محمود (٣)، قال: وحدثني (٤) أبو سليمان، قال: حدثني أبو ثَوْر، قال:
سمعت الشافعي يقول: حضرت مجلسًا، ومحمد بن الحسن بالرّقّة، وفيه (٥) جماعة من بني هاشم وقريش وغيرهم ممن ينظر في العلم؛ فقال محمد بن الحسن: قد
_________________
(١) الخبر في آداب الشافعي ص ١١١ – ١١٢
(٢) الحديث أخرجه أحمد في المسند ١٢/ ٢٢٤ (معارف) ومالك في الموطأ ٢/ ٨٩٢ ومسلم ٢/ ١٠٠٥ والبخاري في صحيحه في كتاب الحج: باب لا يدخل الدجال المدينة ٤/ ٨٢ بلفظ: «على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال» من حديث أبي هريرة. وانظره بنحوه من حديث أبي هريرة وأبي بكرة في مسند أحمد ٥/ ٤٣ وصحيح البخاري في الموضع السابق، ومستدرك الحاكم ٤/ ٥٤٢.
(٣) في ح: «محمد».
(٤) في ا: «حدثني».
(٥) ليست في ا.
[ ١ / ١٢١ ]
وضعتُ كتابًا لو علمت أن أحدًا يردُّ (١) عليَّ منه شيئًا تبلغنيه الإبل لأتيته. قال: فقلت له: قد نظرت في كتابك هذا، فإذا بعد بسم الله الرحمن الرحيم خطأ كله. قال: وما ذاك؟
قلت له: قلت: قال (٢) أهل المدينة، وليس تخلو في (٣) قولك: قال أهلُ المدينة: مِنْ أن تكونَ أردتَ جميعَ أهل المدينة، أو تكونَ أردتَ بقولك: قال أهل المدينة: مالك بن أنس على انفراده.
فإن كنت أردت بقولك: قال أهل المدينة جميع أهل المدينة فقد أخطأت؛ لأن علماء أهل المدينة لم يتفقوا على ما حكيت عنهم.
وإن كنت أردت بقولك مالك بن أنس على انفراده، وجعلته أهلَ المدينة فقد أخطأت؛ لأن بالمدينة [من علمائها (٤)] مَنْ يرى استتابة مالك فيما خالفه فيه، فأي الأمرين قد قصدت له فقد أخطأت.
قال: فتبين لأهل المجلس ذلك وسُرّ به أكثر من حضر من أهل الحجاز.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الوليد، حدثنا إبراهيم بن محمود، قال: حدثنا أبو سليمان، حدثنا أبو ثور، قال:
_________________
(١) في: ا «رد».
(٢) ليست في ا.
(٣) في ح: «من».
(٤) ليست في ا
[ ١ / ١٢٢ ]
سمعت الشافعي يقول، فذكر هذه الحكاية، يزيد وينقص، ومما زاد:
قال الشافعي: أراك تذم أهل (١) المدينة، وقد علمت ما قال فيها رسول الله، ﷺ، وما خبّر به لما فضّلها به على غيرها؛ فإن كنت أَردتَ بكلامك ذمها، فهي البقعةُ التي اختارها الله ﷿ لرسوله، ﷺ، وشرّفها وفضّلها على غيرها. وإن كنتَ أردت ذم أهلها، فأهلها أصحابُ رسول الله، ﷺ، وأبناء أصحابه، فمن قصدتَ بالذم إليها (٢)؟ أم إلى أهلها؟
قال: قصدت إلى ذم القائلين بالشاهد مع اليمين؛ لأنهم قالوا بخلاف كتاب الله (٣).
قال: فقلت له: وأين خالفوا الكتاب؟
فقال: قال الله ﵎: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ (٤)﴾ وقال: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (٥)﴾ وقالوا: شاهدا واحدا.
قال: فقلت له: أخبرني عن قول الله ﷿ ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ
_________________
(١) ليست في ا.
(٢) في ا: «ألها».
(٣) في ا: «الكتاب» وانظر الخبر في مناقب الشافعي للرازي ص ٣١ - ٣٢، وتوالي التأسيس ص ٦٩ - ٧٠.
(٤) سورة البقرة من الآية: ٢٨٢.
(٥) سورة الطلاق: ٢.
[ ١ / ١٢٣ ]
مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أحتم ولا يجوز أقل من شاهدين؟ (١ أم ليس ذلك بحتم؟
قال: بل هو حتم، ولا يجوز أقل من شاهدين ١). فقلت: الآن إن كان ما قلت كما قلت إنه حتم ولا يجوز أقل من شاهدين - فقد خالفت [أنت] وصاحبك الكتاب.
قال: فأين خالفنا الكتاب؟
قلت له: ما تقول في شهادة القابلة وحدها على انفراد على الولادة؟
فقال: شهادتها وحدها جائزة.
فقلت له: قد أجزت شهادة امرأة واحدة ولا شاهد معها، فقد خالفت الكتاب.
فقال: قد أجاز «عليُّ بن أبي طالب» شهادة القابلة.
فقلت: هذا لا يصح عن «علي». وقد خالفت ما صح عن النبي، ﷺ، وعن «علي» من القضاء بالشاهد ويمينِ الطالب.
قال: فسر أصحابنا بذلك، فكان ذلك اليوم أول يوم أظهرت له الخلاف والمنازعة، ثم ابتدأت في نقض كتابه على أهل المدينة.
زاد في هذه الحكاية زكريا بن يحيى الساجي فيما (٢) قرأت من كتابه وأثبته (٣)
_________________
(١) ما بين الرقمين من ح.
(٢) في ا: «مما».
(٣) في ح: «روايته».
[ ١ / ١٢٤ ]
عن جعفر بن أحمد بن عبد الله، عن أبي سليمان - وهو داود بن علي - عن أبي ثَوْر.
قال: قلت في أول كتابك «من قضى باليمين مع الشاهد فقد خالف كتاب الله نصًا» وقد خالفت أنت في كتابك هذا في سبعين موضعًا كتاب الله (١ ﷿، على قولك ١) ثم حكاها قولًا قولًا.
منها: أنت قضيت بشهادة القابلة، وهي خلاف لكتاب الله، ﷿، ومنها كذا ومنها وكذا. فتغير وجه محمد بن الحسن وانقطع.
قال: وكتب بالخبر إلى هارون الرشيد وتوقَّعت البلاء. فلما قُرِئَ على هارون الخبر قال: وما يُنكَر لرجل من بني عبد مناف أن يَقْطَعَ محمد ابن الحسن.
قال: فبعث إليّ بألف دينار، وقال: قد رضيت عنك. وبعث إليّ المأمون بخمسمائة دينار، وقال: أُحِبًّ أن تَجْعلَ انقطاعك إلى (٢).
وفي رواية الحسن بن محمد الزعفراني عن الشافعي أنه قال في «القديم»: قد استخرجت مائة وثلاثين حكمًا من القرآن يخالفون ظاهرها. فمنها: ما يستدلون عليه بالسنة، ومنها: ما يستدلون عليه بالأثر، ومنها: ما يستدلون عليه بقول الرجل من التابعين. ومنها: ما يخالفونه لا حُجَّةَ في خِلاَفه، ثم يدعون قضية رسول الله، ﷺ، باليمين مع الشاهد، وهي لا تخالف ظاهر القرآن.
_________________
(١) ما بين الرقمين ليس في ا.
(٢) راجع الحلية ٩/ ٧١ - ٧٣.
[ ١ / ١٢٥ ]
قال: ولو كان قولهم - قد يحل الله تعالى الشيء ويسكت عن غيره غير مُحَرِّمِ لِمَا سكت عَنْه - حُجَّةً، كانت عليهم في أن أمر الله تعالى بشاهدين غير محرِّم لأن يجوز أقلُّ منه.
وقد ذكر الشافعي هذه الأحكام في «الجديد» في رواية الربيع وغيره. وهي مقولة في «المبسوط المردود إلى ترتيب المختصر» بتمامها.
واحتج بالحديث الصحيح: عن عبد الله بن الحارث، عن سيف بن سليمان، عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس:
أن رسول الله، ﷺ، قضى باليمين مع الشاهد.
قال عمرو: في الأموال (١).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، في آخرين؛ (٢ قالوا أنبأَنا أبو العباس - هو الأصم - قال: أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، فذكره
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ٢) قال: أخبرني أبو تراب المُذَكِّر، حدثنا محد بن المنذر الهَرَوي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال:
سمعت الشافعي يقول: قال لي (٣) محمد بن الحسن: لو علمت أن «سيف
_________________
(١) راجع الأم ٦/ ٢٧٣، ٧/ ٧٨، وصحيح مسلم: كتاب الأقضية: باب القضاء باليمين والشاهد ٣/ ١٣٣٧، وسنن أبي داود: كتاب الأقضية: باب القضاء باليمين والشاهد ٣/ ٤١٩ وسنن ابن ماجه، كتاب الأحكام: باب القضاء بالشاهد واليمين ٢/ ٧٩٣، والسنن الكبرى ١٠/ ١٦٧.
(٢) ما بين الرقمين ليس في ا.
(٣) ليست في ا.
[ ١ / ١٢٦ ]
ابن سليمان» يروى (١) حديث اليمين مع الشاهد لأفسدته عند الناس.
قال: قلت: يا أبا عبد الله، إذا أفسدته فسد (٢).
واحتج الشافعي مع حديث ابن عباس بأَخبار وآثار كثيرة؛ هي مذكورة بتمامها في «كتاب المعرفة».
وقرأت في «كتاب زكريا بن يحيى الساجي» فيما حدثهم عن (٣) محمد بن إسماعيل، عن مصعب بن عبد الله الزُّبَيْرِي، في قصة قدوم الشافعي المدينة، واختلافه إلى مالك، ثم رجوعه إلى مكة، وخروجه إلى اليمن، وسعاية مَنْ سعى به حتى حُمل ولم يُترك أن يأخذ من شعره وأظفاره، فلما وافى الرَّقَّة (٤) لقى محمد بن الحسن فاتصل به، وكان معه ستون دينارًا، فأعطى (٥) ورَّاقًا فكتب له كتبه، فجلس محمد بن الحسن يومًا في مسجد الرَّقَّة وجعل يُزْري بأهل الحجاز، فيقول: إيْش يحسنون؟ وهل فيهم أحد يحسن مسألة؟ - والشافعي في ناحية – فبلغه، فجاء وسلم عليه، وإنَّ شاربه ليدخل في فيه. وذلك بحضرة الفضل بن الرّبيع. فقال الشافعي:
_________________
(١) في ا: «روى».
(٢) راجع السنن الكبرى ١٠/ ١٦٧.
(٣) ليست في ا.
(٤) الرقة بفتح الراء والقاف وتشديدهما، وهي مدينة مشهورة على الفرات. راجع معجم البلدان ٤/ ١٧٢.
(٥) في ا: «وأعطى».
[ ١ / ١٢٧ ]
أما صاحبكم (١) فأعلم الناس (٢) بما لم يَكُنْ ولا يكون أبدًا، وأجهلهم بالسنن. فناظره في مسائل. فقال له: قد أكثرت - والفضلُ يكتب ما جرى بينهما - وكان فيما جرى بينهما يومئذ أن قال له الشافعي:
ما تقول في صلاة الخوف، كيف يصليها الرجل؟
فقال محمد بن الحسن: منسوخة (٣)؛ قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ (٤)﴾ فلما خرج رسولُ الله، ﷺ، مِنْ بَيْنِ أَظْهُرهم، لم تَجِب عليهم صلاةُ الخوف.
فقال له الشافعي: قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا (٥)﴾ فلما خرج رسول الله، ﷺ، مِنْ بَيْن أظْهُرِهِمْ لم تجب عليهم.
زاد فيه غيره: قال ابن الحسن كلا بل تجب عليهم. فقال الشافعي: كلا بل تجب عليهم، ثم قال الشافعي: لا يمكن أحدًا من الخلق يكلم أحدًا وإن كان نبيًا مرسلا حتى يذهب لسان الآخر، ولكن بحسبك أن يستبين عند ذوي الأقدار أنه قد قام بالحجة. (٦ ألا ترى أن صاحب إبراهيم حيث قال له: أنا أحيي وأميت. قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب. قال الله: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾؟ قال الشافعي ﵁»: ٦) وكذلك بهت الذي ظلم؟!
_________________
(١) في ا: «صاحبك».
(٢) ليست في ا.
(٣) في ا: «منسوخ».
(٤) سورة النساء ١٠٢.
(٥) سورة التوبة ١٠٣.
(٦) ما بين الرقمين ليس في ا.
[ ١ / ١٢٨ ]
ودخل الفضل بن الربيع إلى الرشيد فقال، يا أمير المؤمنين، ألا أبشرك؟ ألا أقول لك شيئا تقربه عينك يا أمير المؤمنين (١)؟ قال: وما هو؟ قال: رجل من آل شَافِعٍ يحسن كذا، وكان من مجلس قوم كذا، قرأ عليه ما جرى بينهم. فسر بذلك هارون، فقال: اخرج إليه فأعلمه أني قد رضيت عنه، وأَعْلِمْهُ بالرِّضا قبل الصِّلة، ثم صِلْه. قال: ثم خرج فأخبره. قال: فخر الشافعي لله تعالى ساجدًا. ثم قال: وقد وصَلَك أميرُ المؤمنين بمالٍ، وقد وصلتك بمثل ذلك. قال: فدعا الشافعي بالحجَّام، فأخذ شعر رأسه، فأعطاه خمسين دينارًا.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال. سمعت محمد بن إبراهيم بن عمران الفارسيّ يقول: سمعت الدُّرَيْدِيَّ، يقول:
بلغني (٢) أنه لما أشخص الشافعي إلى «سُرَّ مَنْ رَأَى» دخلها وعليه دَرَنُ الطريق؛ فتقدّم إلى حجَّامٍ ليأخذ من شعره، فقدّم الحجامُ عليه أنظفَ ثوبًا منه، ثم دعا بالشافعي، فلما فرغ من أمره أَمَر له بعشرين دينارًا. فعدا الحجام في طلبه معتذرا إليه، فقال له الشافعي: ارجع؛ أنت أجير استأجرناك ووفَّيْنَاك أجْرَك، ثم جعل يقول:
عليَّ ثيابٌ لو تُبَاعُ جميعُها بِفَلْسٍ لكَان الفَلْسُ مِنْهُنَّ أكْثَرَا
وفيهنّ نَفْسٌ لو يُقَاسُ بِبَعْضِها جَمِيعُ الوَرَى كَانت أجلَّ وأخْطَرَا
_________________
(١) في ح: «يقر عين أمير المؤمنين».
(٢) في ح: «بلغنا». [م - ٩] مناقب
[ ١ / ١٢٩ ]
وما ضَرَّ نَصْلَ السَّيفِ إخلاقُ غِمْدِه إذا كان عَضْبًا حيث وجهته بَرَى
وزاد فيه غيره:
فإِن تكنِ الأيّام أَزْرَتْ بِبِزَّتي فَكَمْ مِنْ حُسَامٍ في غلاف تَكَّسرا (١)
أخبرنا أبو بكر: أحمد بن الحسن بن أحمد القاضي، ﵀ - قراءة عليه - قال: سمعت أبا يعلى: حمزة بن أحمد بن محمد (٢) بن جعفر بن محمد بن زيد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: حدثنا أبو إسحاق: إبراهيم بن محمد العبَّاسي الأزْدي، وأبو جعفر السَّامري، وأبو محمد: عبد الله بن عبد الملك الأزدي؛ قالوا: حدثنا أبو بكر: محمد بن أبي يعقوب بن سهم الجَوَّال الدِّينَوَري، قال: حدثنا عبد الله بن محمد البلوي (٣)، قال:
حدثني خالي: عمارة بن زيد (٤)، قال:
_________________
(١) الأبيات في الحلية ٩/ ١٣١ وقد رواها أبو نعيم جميعا من قول الشافعي، والخبر في الموضع نفسه بنحو ما هنا.
(٢) في ا «محمد بن أحمد» والصواب ما أثبتناه عن ح. راجع جمهرة أنساب العرب ص ٥٨.
(٣) في ح: «البلدي» وهو خطأ. وعبد الله بن محمد البلوي قال عنه الدارقطني: يضع الحديث. وذكر ابن حجر: أن أبا عوانة روى عنه في الاستسقاء خبرا موضوعا، وأنه واضع خبر رحلة الشافعي الذي أورده البيهقي هنا عن عمارة بن زيد، والذي ساقه الرازي في المناقب بدون إسناد معتمدًا عليها، راجع ميزان الاعتدال ٢/ ٤٩١، ولسان الميزان ٣/ ٣٣٨، وتوالي التأسيس ص ٧١.
(٤) في ا: «بن يزيد وهو خطأ. راجع لسان الميزان في الموضع المذكور.
[ ١ / ١٣٠ ]
كنت صديقًا لمحمد بن الحسن، فدخلت معه يومًا على هارون الرشيد فسأله. ثم إني سمعت محمدَ بن الحسن يُسِرُّ إليه - وهو يقول -: إن محمد بن إدريس يزعم أنه للخلافة أهل (١). قال: فاستشاط هارون من قوله ذلك غضبًا. ثم قال: عليَّ به. فلما مثل بين يديه أطرق ساعة، ثم رفع إليه رأسه فقال: إيْهًا. قال الشافعي: وما إيْهًا يا أمير المؤمنين؟ أنت الداعي وأنا المدْعُوّ، وأنت السائلُ وأنا المجيب.
قال: ما هذا الذي بَلَغني عنك؟ قال: وَمَا ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: بلغني أنك تقول: إنك للخلافة أهل؟ فقال: حاشا لله، لقد أفِكَ المبلِّغ وَفَسَق وأثم، إنّ لي يا أمير المؤمنين حرمة الإسلام، وذمَّةَ النسب، وكفى بهما وسيلة، وأحقُّ مَنْ أخذ بأدب الله، تعالى، ابنُ عم رسول الله، ﷺ، الذابّ عن دينه، والمُحَامي عن أمته (٢).
قال: فتهال وجه هارون ثم قال: ليُفْرِخْ (٣) رَوْعُك، فإنا نَرْعَى حقَّ قرابتك وعِلْمِك. وأَمَرَه بالقعود واستدناه، ثم قال له: كيف عِلْمك بكتاب الله ﷿؛ فإنه أَوْلى الأشياء أن يُبْتَدَأَ به؟
_________________
(١) في الأصل «أهلا» وإذا صحت الرواية تحمل على لغة من ينصب بإن: الاسم والخبر جميعًا.
(٢) في ا: «على أئمته».
(٣) قال في اللسان ٤/ ١٢: فرخ الروع وأفرخ ذهب الفزع، يقال ليفرخ روعك. أي ليخرج عنك فزعك؛ كما يخرج الفرخ عن البيضة، وأفرخ روعك يا فلان أي سكن جأشك.
[ ١ / ١٣١ ]
قال: جمعه الله، في صدري وجعل رُوعي دَفْتيه.
قال: كيف علمك به؟
قال: وعن أي علم تسأَل يا أمير المؤمنين؟ أعلم تنزيله أم عِلْم تأويله؟ أم عِلْم مُحْكمه أم عِلْم متشابهَه؟ أم ناسخه أم منسوخه؟ أم أخباره أم أحكامه؟ أم مكيه أم مدنيه؟ أم ليليه أم نهاريه؟ أم سفريّه أم حضريه؟ أم تبيين (١) وصفه؟ أم تسوية صُوره؟ أم نظائره؟ أم إعرابه؟ أم وجوه قراءته؟ أم حروفه؟ أم معاني لغاته أم حدوده، أم عدد آياته؟!
قال هارون: لقد ادَّعيت من القرآن علمًا عظيمًا؟!
قال: المِحْنَةُ يا أمير المؤمنين تنبئ عن دعواي.
قال: فكيف علمُك بالأحكام؟
قال: في العتاق أم في المناكحات؟ أم في السير والمحاربات؟ أم في العقول والدِّيَات - أو قال في الحدود والدّيات - أم في الأشربة والبياعات، أم في الأطعمة والأشربة (٢)؟ وحلال ذلك من (٣) حرامه، والحكم فيه؟!
قال: كيف عِلْمك بالنجوم؟
قال: أعرف الفَلكَ الدائر، والنَّجم السَّائر، والقطب الثابت، والمائي، والنَّاري، وما كانت العرب تسميه الأنْواء، ومنازل النَّيِّريْن: الشمس والقمر، والاستقامة
_________________
(١) في ح: «تنسيق».
(٢) في الأصل الإشرابات. وما أثبتناه موافق لما في المناقب للرازي ص ٢٥.
(٣) في ح: «أم».
[ ١ / ١٣٢ ]
والرجوع، والنُّحوس، والسعود، وهيئاتها، وطبائعها، وما أهتدى (١) به في بري وبحري وما (٢) أستدل به على أوقات صلواتي، وأعرف ما مضى من الأوقات في كل مَمْسى ومَصْبح، وظعني في أسفاري.
قال: فكيف علمك بالطب؟
قال: أعرف ما قالت الروم مثل أرسطاطاليس، ومنهواريس، وقرقوريس وجالينوس، وبقراط، وأنبدقيليس، بلغاتها، وما نقلت أطباء العرب وما فتقته فلاسفة الهند، ونمقه علماء الفرس، مثل خاماشف وشاهم دويهم، وبُزُرْجَمْهر.
قال: كيف علمك بالشعّر؟
قال: أعرف الجاهليَّ، والمخضرم، والمُحْدَث.
قال: فكيف معرفتك به؟ قال أعرف: مَعَاريضه، وأوزانه، وبحوره، وفنونه.
قال: كيف حفظك له؟ قال: أَروى الشاهد الشَّاذ، وما نَبَّه (٣) للمكارم، وشَحَذ بصيرةَ الصَّارم.
قال: فكيف عِلْمُك بالأنساب؟
قال: يا أمير المؤمنين، ذَلك عِلْمٌ لم يَسعْنا جَهْلُه في الجاهلية مع
_________________
(١) في ا: «أقتدي».
(٢) ليست في ا.
(٣) في ح: «فيه».
[ ١ / ١٣٣ ]
تمحط (١) الكفر وتغمط (٢) الحق؛ ليكون عونًا على التعارف، وبصيرة (٣) بالأكفاء فأَلَفَيْتُ أوائِلَنَا أفخاذا وعَمائرَ وفصائلَ، وجملته قبائلَ وعَشَائر، حتى ورثه الأصاغر عن الأكابر، وعمل به الخَلَف اقتداء بالسلف. وإني لأعرف (٤) جماهير (٥) الأقوام، ونسب الكرام، ومآثر الأيام، وفيها نسبة أمير المؤمنين ونسبتي (٦ ومآثر أمير المؤمنين ٦) ومآثر آبائه وآبائي.
قال: وكان هارون متكئًا فاستوى جالسًا ثم قال: يا ابن إدريس، لقد ملأت صدري، وعظمْتَ في عيني، فعظني موعظة أعْرفُ فيها مقدارَ علمك، وكنه فهمك.
فقال الشافعي: على شريطة يا أمير المؤمنين. قال: هي لك، فما هي؟ قال: طَرْحُ الحشمة ورفع الهيبة، وإلقاء رداء الكبر عن منكبيك، وقبول النصيحة، وإعظام حقِّ الموعظة، والإصاخة (٧) لها (٨).
قال: وجَثَا الشافعي، ﵀، على ركبتيه، ومدّ يدَه غير مكترثٍ ولا مُحتشم، ثم أشار إليه بيده، فقال: يا ذا الرجل، إنه مَنْ أطال عِنَانَ الأَمْن في الغِرَّة، طوى (٩) عِذَار (١٠) الحَذَر في المُهْلة، ومن لم يُعوّل على طُرُف النجاة
_________________
(١) في ا: «تعميط وتمحط الكفر: يراد به ظهوره، من قولهم امتحط سيفه: سله. راجع اللسان ٩/ ٢٧٤.
(٢) في ا: «تخميط» وتغمط الحق: جحده.
(٣) في ا: «ونصرة».
(٤) في ا: «أعرف».
(٥) في ا: «جماهر».
(٦) ما بين الرقمين ليس في ا.
(٧) في هامش ا: «أصاخ له أي استمع.
(٨) ليست في ا.
(٩) في ا: «يطوى».
(١٠) العذار هنا كالعنان واللجام وزنا ومعنى راجع اللسان ٦/ ٢٢٤.
[ ١ / ١٣٤ ]
كان بمنزلة قلة الاكتراث من الله مقيتا (١)، وصار في أمْنِه المَحْذُورِ (٢)، مثل نسج العنكبوت، لا يأمن عليها نَفْسه، ولا يُضئ له ما أظلم عليه من نَسَبه.
أما لو اعتبرت بما سلف، واستقبلت الحَسَن المُؤْتَنف، فنظرتَ ليومك وقدَّمت لغَدِك، وقصرْت أمَلك، وصورت بين عينيك اقترابَ أجَلِكَ، واستقصرت مدةَ الدنيا، ولم تغتر بالمهلة - لَمَا امتدت اليك يد الندامة، ولا ابْتَدَرتْك الحَسَراتُ غدًا في القيامة، ولكنْ ضرب عليك الهوى رُواقَ الحَيْرة فتركك، واذا بَدَتْ لك يَدُ موعظة لم تكد تراها ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٣)﴾.
قال: فبكى هارون حتى بلّ منديلا كان بين يديه، وعلا شهيقُه وانتحابه فقالت الخاصة، ومَنْ يقف على (٤) رأسه للشافعي: اسكت يا هذا؛ فقد أبكيت عيني أمير المؤمنين؟! فنظر الشافعي إليهم، مُغْضَبًا وزجرهم مُنْتَهِرًا، وقال: يا عبيد الرّفْعة (٥): وأعوانَ الظلمة، وعُدَّة الأئمة، والذين باعوا أنفسهم بمحبوب الدنيا الفَانية، واشتروا عذابَ الآخرة الباقية، أما رأيتم مَنْ كان قبلكم كيف استُدْرجوا بالإملاء، ورُفهُوا بتواتر النعماء، ثم أُخِذُوا أخذ عزيز مُقْتَدِر؟ أما رأيتم الله كيف فضَحَ مستورهم، وأمطر بواكر الهَوَان عليهم، فأَصبحوا بعد سُكْنى القصور والنعمة والحبور (٦) بين الجنَادل والصُّخور، وأثناء القُبور، عَرَضًا للدثور (٧)؟ ومن وراء ذلك وقوفٌ بين يدي الله، ﷿، ومُساءلته
_________________
(١) في ا: «مقيمًا».
(٢) في ا: «المحدود».
(٣) سورة النور ٤٠.
(٤) في ا: «فوق».
(٥) في ا: «الرجعة».
(٦) ليست في ا.
(٧) في ا «للنشور».
[ ١ / ١٣٥ ]
عن الخطرة، وما هو أخفُّ من الذَّرَّة: حصائد النقم، ومدارج المَثُلاث، ونُهْبة الخوف والرَّوعات.
قال هارون: فذاك يا ابن إدريس، فقد سللت علينا لسانَك وهو أمضى من سيفك.
قال: هو لك يا أمير المؤمنين، إن قبلت، ولا عليك.
قال: فكيف السبيل إلى الخلاص من ذلك؟
قال: أما ثانية بعد أولى لا أستطيع (١) قولها: أن تتفقد حَرَم الله، تعالى، وحَرَم رسوله، ﷺ، بالعمارة، وتُؤمِّن السُّبُل (٢) وَتَنْظُرَ في أمر الأمة.
قال: وكيف ذاك؟ قال: أن تُعْطى أولاد المهاجرين والأنصار حقَّهم من الفَئ؛ لئلا تُزْعجهم الحاجَة عن أوطانهم، وتنظر في أمر العامَّة والثّغور، وتبذل العدل والنصفة، وأن لا تجعل دونها سترا، وتتخذ أهْلَ العلم والورع شعارا، وتشاورهم فيما يَنُوب، وتَعْصى أهل الرِّيب ومن يُزَيِّن لك قطْعَ ما أمر الله به أن يوصل.
قال عمارة: فنظرت (٣) الى محمد بن الحسن وقد تغير لونه. قال هارون: ومن يطيق (٤) ذلك؟ قال: من تسمى باسمك، وقعد مِثْلَ مقعدك. قال هارون: فهل من حاجة خاصة بعد العامة فتُقْضَى، أو مسألة فتمضي (٥)؟
_________________
(١) في ا: «لا يستطيع».
(٢) في ا: «فتومن السبيل».
(٣) في ا: «فتنظر».
(٤) في ح: «ومن يطق».
(٥) في ا: فتخطى.
[ ١ / ١٣٦ ]
قال الشافعي: أتأمرني بعد بذل مكنون (١) النصيحة، وتقديم (٢) الموعظة - أن أسود وجهي بالمسألة وأذلّ للحاجة؟! فأطرق هارون ثم رفع رأسه، فقال: يا محمد بن الحسن، سله عن مسألة. قال محمد بن الحسن: يا ابن إدريس، ما تقول في رجل عنده أربع نسوة، فأصاب الأولى عمة الثانية، وأصاب الثالثة خالة الرابعة.
فقال: ينزل عن الثانية والرابعة.
قال محمد بن الحسن: ما الحجة في ذلك؟
قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ:
«لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها (٣)».
ما تقول أنت يا محمد بن الحسن؟ كيف استقبل رسول الله، ﷺ القبلة يوم النحر وكبر؟
فتتعتع محمد بن الحسن ولم يحر جوابًا، فالتفت الشافعي إلى هارون، فقال: يا أمير المؤمنين، يسألني عن الحلال والحرام فأجيبه، وأسأله عن سُنَّة من سُنَن رسول الله، ﷺ، فيتتعتع. والله (٤) لو سألته: كيف فعل
_________________
(١) ليست في ح.
(٢) في ا «وقدم».
(٣) أخرجه البخاري في كتاب النكاح: باب لا تنكح المرأة على عمتها ٩/ ١٣٨ - ١٣٩ ومسلم في النكاح: باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها ٢/ ١٠٢٨، وهو في السنن الكبرى ٧/ ١٦٥.
(٤) ليست في ا.
[ ١ / ١٣٧ ]
أبو حنيفة؟ لأجابني. فأومأ هارون إلى الحاجب، فأقام محمد بن الحسن.
قال عمارة: فكرهت القيام معه. ثم استدنى الشافعي وقربه، وأمر له بمال (١) (٢ عظيم. وفي رواية بخمسين ألفًا ٢)، وأمره بملازمته. فلما نهض قمت معه، فحمل المال بين يديه، فلما صار في دار العامة فرقه ولم يعد منه بشيء (٣) إلى منزله، وانصرف مكرَّمًا، فكان بعد ذلك يُقدَّم ويُبجَّل ويُعظَّم.
قال القاضي، رحمه الله تعالى: أملى السيد هذه الحكاية من حفظه وقال: هؤلاء المشايخ يزيد لفظ بعضهم على بعض، فأمليت لفظ أحدهم، وقد أدّيت معناه.
قال أحمد: وقد روى شجاع بن الهيثم بن موسى هذه الحكاية، عن عبد الله بن محمد البلوي (٤).
وروى زكريا بن يحيى البصري، ويحيى بن زكريا بن حيوة (٥)، عن الربيع بن سليمان، عن الشافعي: خروجه إلى اليمن، وسعاية الساعي به (٦) حتى حمل مع العلوية إلى هارون الرشيد، فأمر (٧) هارون بضرب رقابهم، وقول محمد بن الحسن: يا أمير المؤمنين، هذا المطلبي (٨) لا يغلبك بفصاحته ولسانه؛ فإنه رجل لَسِنٌ، وما قال الشافعي لهارون، ثم سؤاله عن علم القرآن، والنجوم، والأنساب، ثم أمره له بخمسين ألفًا، وتفريق الشافعي إياها، ثم مناظرته
_________________
(١) في ا. «بمال جزيل».
(٢) ما بين الرقمين ليس في ا.
(٣) في ح: «لم يعد بشيء منه».
(٤) في ا «البلدي» وهو خطأ كما تقدم.
(٥) في ا: «حيوية».
(٦) ليست في ح.
(٧) في ا: «وأمر».
(٨) ليست في ح.
[ ١ / ١٣٨ ]
محمدًا في ذم أهل المدينة على باب الرشيد. بمعنى ما مضى في أسانيدنا (١) دون ذكر الموعظة وما بعدها.
وقد روى في أخبار دخول الشافعي على الرشيد: أنه دعا عند دخوله عليه بدعاء سأله (٢) عنه الفضل بن الربيع، فعلمه إيّاه وهو أنه قرأ أولا (٣):
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ (٤)﴾ ثم قال: وأنا أشهد بما شهد الله به (٥)، واستودع الله هذه الشهادة، وهذه الشهادة وديعة لي عند الله يؤديها اليّ يوم القيامة، اللهم اني أعوز بنور قُدْسِكَ وعظمة طهارتك، وبركة جلالك، من كل آفة وعاهة، ومن طوارق الليل والنهار - وفي بعض الروايات: طارق الجن والإنس - إلا طارقًا يطرق بخير، اللهم أنت غِيَاثِي فَبِكَ أغُوث - وفي بعض الروايات: بك أستغيث - وأنت مَلاَذِي، فبك (٦) أَلُوذُ، وأنت عِيَاذِي فَبِكَ أعوذ، يا من ذلَّت له رقاب الجبابرة، وخضعت له أعناق الفراعنة، أعوذ بك من خِزْيك، ومن كشف سترك، ومن نسيان ذكرك، والإنصراف عن شكرك، أنا في حرزك - وقال بعضهم: في كَنِفكَ وكلاءتك (٧) - في ليلي ونهاري، ونومي وقراري، وظَعْنِي (٨) وأسفاري، وحياتي ومماتي. ذِكْرُكَ شِعَارِي، وثناؤك دثَارِي، لا إله إلا أنت، سبحانك
_________________
(١) في ا: «ما دون».
(٢) في ا: «سألت»
(٣) في ا: «أنه قال».
(٤) سورة آل عمران: ١٨.
(٥) في ا: «ما شهدوا به».
(٦) في ا: «بك».
(٧) في هامش ا: «كلاءتك أي حفظك».
(٨) في هامش ا: «ظعني أي سيرى».
[ ١ / ١٣٩ ]
وبحمدك، تشريفًا لعظمتك، وتكريما لِسُبَحَاتِ وجهك، أجرني من خزيك، ومن شر عبادك، واضرب عليّ سرادقات حفظك، وأدخلني في حفظ عنايتك، وجُد عليّ بخير يا أرحم الراحمين - وفي بعض الروايات: وعدني بخير منك يا أرحم الراحمين. وفي بعض الروايات: وقني روعتي بخير من كل جن وإنس يا أرحم الراحمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الكريم، والصلاة على النبي المرتضى محمد وآله وسلم كثيرا.
وهذا الدعاء ببعض معناه مذكور في قصة دخوله عليه.
أخبرنا بهذا أبو عبد الله الحافظ (١)، وأبو عبد الرحمن السلمي، قال أبو عبد الله: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر، وقال السلمي: حدثنا نصر (٢) بن محمد بن أحمد ابن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن يعقوب بن عبد الله بن عبد الجبار القرشي، حدثنا أحمد بن خالد بن يزيد، قال: حدثني رجل من ولد الفضل بن ربيع، عن أبيه. فذكر القصة، وذكر هذا الدعاء، دون الشهادة في أوله، ببعض معناه مركبا على إسناد معروف إلى النبي، ﷺ.
وكذلك رواه أبو نعيم: أحمد بن عبد الله بن الأحمد الأصبهاني في كتابه، عن أبي بكر، وأحمد بن محمد بن موسى، عن محمد بن الحسين بن مكرم، عن عبد الأعلى بن حماد النرسي، قال: قال الرشيد يومًا للفضل بن الربيع.
_________________
(١) ليست في ا.
(٢) في ا: «وقال السلمي: محمد بن نصر» وهو خطأ.
[ ١ / ١٤٠ ]
فذكره بمعناه (١). وذكر الشهادة في أوله، وأسنده أيضًا.
وسند هذا الحديث ورفعه إلى النبي، ﷺ - باطل لا أصل له ألبتة. والحمل فيه على بعض هؤلاء الرواة.
وقد رواه أبو نعيم الأصبهاني (٢)، عن أبي بكر: محمد بن جعفر (٣) البغدادي: غندر، عن ابن أبي بكر: محمد بن عبيد، عن أبي نصر المخزومي الكوفي، عن الفضل بن الربيع، موقوفا على (٤) الشافعي.
وقرأته (٥) في كتاب (٦) أبي الحسن العاصمي (٧) سماعه من أبي محمد: جعفر بن حمد بن إبراهيم، يحكى عن بعض أصحاب الشافعي: أن الشافعي، ﵁، حين أدخل على هارون دعا بهذا الدعاء، ثم لم يسنده، ولم يرفعه، وهذا أمْثَلُ.
وقرأتُ في «كتاب حمزة بن يوسف السهمي» ﵀، بإسناد له، عن عبد الله بن محمد البلوي، في قصة المجيء بالشافعي إلى العراق وفي رجليه حديد: أنه كان ليلة الاثنين لعشر خلون من شعبان سنة أربع وثمانين ومائة، وأن أبا يوسف كان قاضي القضاة، وأن محمد بن الحسن كان على المظالم، وأنهما قالا في أمره
_________________
(١) في ا: «فذكر معناه».
(٢) في الحلية ٩/ ٧٨ - ٧٩ بنحوه. كما أورده الرازي في المناقب ص ٣٣ موقوفا على الشافعي، وعقب عليه بقوله: ومن الناس من روى هذا الدعاء عن رسول الله، ﷺ، ولكن ضعيف الإسناد.
(٣) في ا: «محمد نصر».
(٤) في ا: «عن».
(٥) في ا: «رواية».
(٦) في ا: «رواية في كتابه».
(٧) في ا: «القاضي».
[ ١ / ١٤١ ]
ما قالا من الانتماء الى العلويين، وأنه زعم (١) أنه بهذا الأمر أحقّ منك، وأنه يدّعي من العلم ما لم تبلغه سِنُّهُ، وله لسان ومنطق ورُوَاء (٢). ثم كان ما روينا (٣) فيما تقدم. والله أعلم.
وقد أخرجته في «نوادر الحكايات» في آخر الكتاب، كما وقع لي، وهو أصح.
وقرأت في كتاب أبي بكر: محمد بن عبد الله [بن محمد (٤)] بن زكريا الشيباني، ﵀، حكاية عبد الله بن محمد البلوي، عن عمارة بن زيد، وفيها من الزيادة: أن الرشيد بعد ما عفا عن الشافعي في الكرَّة الأولى، طلب رجلا يقوم بصدقات اليمن، فأشار عليه محمد بن الحسن بالشافعي، وقال (٥): هو رجل فقيه عالم، ويجمعه وأمير (٦) المؤمنين عبد مناف بن قصي. فقال الرشيد: عليَّ به. فلما دخل عليه سأله: كيف علمك بكتاب الله، ﷿؟ فذكر القصة، ثم ذكر خروجه إلى اليمن وإقامته بها حَوْلًا. واتصل الخبر بالرشيد أن الشافعي يريد أن يخرج بأرض اليمن عَلوِيًا (٧) – وكان الخبر باطلا – فغضب الرشيد، ثم أرسل إليه فحمله وحمل معه بضعة عشر رجلا، وذكر الحديث في إظهار محمد بن الحسن العناية في شأنه (٨) وأنه لم ينفعه ذلك. وقتل منهم تسعة (٩)، ثم أدخل الشافعي،
_________________
(١) في ا: «فإنه يزعم».
(٢) في ح: «ورواه».
(٣) في ح: «رويناه».
(٤) سقطت من ا.
(٥) في ا: «فقال».
(٦) في ا: «يا أمير».
(٧) في ا: «غادرا».
(٨) في ا: «بابه».
(٩) في ح «سبعة».
[ ١ / ١٤٢ ]
فلما واجه الرشيد قال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (١)﴾.
فقال الرشيد: أوليس الأمر كما قيل فيك؟
فقال: يا أمير المؤمنين، وهل في الأرض علوي إلا وهو (٢) يظن أن الناس عبيد له؟ فكيف أخرج رجلا يريد أن يجعلني له عبدًا، وأغدر بسادات بني عبد مناف وأنا منهم وهم مني؟! فسكن غضب الرشيد. ثم ذكر الحديث في دخول محمد بن الحسن ومناظرتهما، وما أعطى هارون الرشيد للشافعي من الصلة. غير أنه قال في مسألة محمد بن الحسن إياه: تزوج بامرأة (٣) ودخل بها، وتزوج أخرى ولم يدخل بها، ثم أصاب الثانية أمَّ (٤) الأولى. فقال: ينزل عن الثانية لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ (٥)﴾ الآية. وذكر ما مضى في الثالثة (٦) ولرابعة.
وقد قيل: «إن أبا يوسف» هو الذي حضرهما (٧) في هذه الكرّة.
_________________
(١) سورة الحجرات: ٦.
(٢) سقطت من ا.
(٣) في ا: «امرأة».
(٤) في ا: «أمر».
(٥) سورة النساء: ٢٣.
(٦) في ح: «الثانية».
(٧) في ا: «حضرها».
[ ١ / ١٤٣ ]
والله تعالى أعلم. وأنّ الغاية به وبأصحابه كانت لأجل المال (١)
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: وقال عبد الله بن بسر الطالقاني، فيما رواه محمد بن سليمان بن فارس عنه: سمعت أبا بكر الطويل: يقول بمصر (٢)، قال الشافعي، ﵀:
أراد هارون أمير المؤمنين أن يوجِّه جُباةً أمناء إلى اليمن، فجعلوا يطلبون (٣)
_________________
(١) يقول ابن حجر في توالي التأسيس ص ٧١: عن رحلة الشافعي إلى الرشيد المروية من طريق عبد الله بن محمد البلوي؛ وعن لقاء محمد بن الحسن وأبي يوسف للشافعي وسعيهما به عند الرشيد. أخرجها الآبري والبيهقي وغيرهما مطولة ومختصرة، وساقها الفخر الرازي في مناقب الشافعي بغير إسناد – معتمدًا عليها – وهي مكذوبة، وغالب ما فيها موضوع، وبعضها ملفق من روايات ملفقة، وأوضح ما فيها من الكذب قوله فيها: إن أبا يوسف ومحمد بن الحسن حرضا الرشيد على قتل الشافعي. وهذا باطل من وجهين: أحدهما: أن أبا يوسف لما دخل الشافعي بغداد كان [قد] مات ولم يجتمع به الشافعي. والثاني: أنهما كانا أتقى لله من أن يسعيا في قتل رجل مسلم، لا سيما وقد اشتهر بالعلم، وليس له إليهما ذنب إلا الحسد له على ما أتاه الله من العلم. هذا ما لا يظن بهما، وإن منصبهما وجلالتهما وما اشتهر من دينهما ليصد عن ذلك. والذي تحرر لنا بالطرق الصحيحة: أن قدوم الشافعي بغداد أول ما قدم كان سنة أربع وثمانين، وكان أبو يوسف قد مات قبل ذلك بسنتين، وأنه لقى محمد بن الحسن في تلك المقدمة، وكان يعرفه قبل ذلك من الحجاز، وأخذ عنه ولازمه. ثم ساق ابن حجر مناظرة الشافعي لمحمد بن الحسن في الشاه واليمين، عن كتاب الألقاب للشيرازي من طريق عبد الله بن نجى وجابر الجعفي، على ما ذكرناه من قبل. والرحلة أوردها الرازي في المناقب ص ٢٣ وما بعدها.
(٢) ليست في ح.
(٣) في ا: «أن يطلبون».
[ ١ / ١٤٤ ]
أمناء صالحين (١). فجمع ستة أنفس، وضمت إليهم، وأنا أصغرهم سنًا، فوجهنا إلى اليمن في جِبَايَةِ خراجها، فجعلنا نأخذ من أغنيائها فنردّ على فقرائها استعمال حديث النبي، ﷺ، حين بعث معاذًا إلى اليمن. فقيل لأمير المؤمنين: إن الجُبَاةَ الذين بعثتهم لا يوجهون إلى بيت المال شيئًا. قال: قاغتاظ (٢) لذلك، فقال: يَشخصون إلينا. فردُّونا. فلما رجعنا أحسست (٣) بالقتل، أو بأمر عظيم، فَتَنَوَّرْتُ وتكفَّنْت وأصبحت صائمًا. وأُدخلنا عليه، وأُجلسنا من بعيد. ثم جعل يقدم منا واحدًا واحدًا إليه. فيقام بين يديه، فيقول له: أين كنت؟ فيقول: بعثني أمير المؤمنين في جباية خراج اليمن. فيقول: أين ما جئتم به؟ فيقول: فعلنا ما أمر الله ورسوله. فيقول له (٤) الخليفة: فنحن لسنا بشيء، ادخل ذلك البيت – لِبَيْتٍ أُراه من (٥) لُبود – فيدخل فأحس بوقع (٦) رأسه، حتى جاءتني النوبة، فأُقمت إقامة هالتني حتى نصبوني بين يديه. فقال لي: أين كنت؟ فقلت: باليمن. فقال: فماذا فعلت في جبابة خراجها؟ فتكلمت بما حضرني من الكلام. فأَخذ قضيبًا من خيزران بيده وأخذ ينكت به في الأرض إذ دخل أبو يوسف، فقال: الشابُّ الشافعي جاءك (٧) يا أمير المؤمنين، هذا ابن عمك، هذا (٨) الشاب الذي كنت أصفه لك. قال: ولم يدع شيئًا من نشر الجميل وحسن الثناء.
_________________
(١) في ا: «أمينا صالحا».
(٢) في ح: «فاغتاص».
(٣) في ا: «حسست».
(٤) ليست في ا.
(٥) في ا: «في».
(٦) في ا: «موقع».
(٧) في ح: «حياك الله».
(٨) ليست في ا. [م – ١٠] مناقب
[ ١ / ١٤٥ ]
فيقول له أمير المؤمنين: اسكت، فوالله ما رأيت عربية قط أعذب مما رأيتها مِنُ (١) هذا الرجل. ثم أعاد عليه المسألة فقال: أين كنت؟ فتكلمت: فقدمت وأخرت، وجئته (٢) بلغات، والمعنى ما كنت قلته (٣) في المرة الأولى.
فلما فرغت أخذ أبو يوسف أيضًا يمدحني ويثني علي، فقال له أمير المؤمنين: فإنا قد عفونا عنه. فأُقمت، فأُخرجت. فلما بلغنا موضع كذا وكذا من القصر إذا برسل قد جاءوني، فلما رأيتهم قلت: إنا لله، قد بدا له، أو لأبي يوسف. فسلَّموا عليَّ. وقالوا: قد عفا عنك أمير المؤمنين، وأمر لك بمال، فحمدت الله حتى بلغت الباب، إذا برسل آخرين، فلما رأيتهم اغتممت حتى دنوا، فسلموا عليَّ (٤) وقالوا: اقصد قصر كذا وكذا؛ فإنه أَمَرَ لك بمال (٥)، وأمرك أن تنزل القصر (٦)، وأبو يوسف يقرأ عليك السلام ويقول: صنف الكتبَ فإنك أولى (٧) من صنف في زمانك، وإياك أن تتكلم في مسألتين أعرفهما من قولك، فإنهما هكذا. وأشار إلى حلقه – يعني الذبح – فأما الواحدة منها فأُمُّهات الأولاد، وأما الأخرى فإيمان المكره. قال (٨): فتكلمت فيهما. وحين أُقمت من بين يديه لم (٩) تكن لي (١٠) همة إلا أن يكون آخر كلامي: لا إله الا الله.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن مهدي المسافري، قال: حدثنا محمد بن المنذر (١١)، قال: حدثني عبيد بن محمد الصنعاني، قال: حدثني
_________________
(١) ليست في ا.
(٢) في ا: «فجئته».
(٣) في ا: «قلت».
(٤) ليست في ح.
(٥) ليست في ا.
(٦) في ا: «تنزل في القصر».
(٧) في ا: «أول».
(٨) ليست في ا.
(٩) في ا: «ولم».
(١٠) في ح: «له».
(١١) في ح: «المنكدر» وهو خطأ.
[ ١ / ١٤٦ ]
ميمون بن الحكم الصنعاني، قال: سمعت محمد بن عبد الرحيم بن شروس، قال: تكلم (١) مالك وأبو يوسف عند هارون الرشيد في الرجل يتزوج المرأة فيهجرها ويتسرى، ثم يطلِّقها قبل أن يدخل بها. فقال مالك: ترد عليه نصف ما أخذت (٢). فلما كلمه أبو يوسف أخذ بيد الذي كان معه وقام. [فلما خرج (٣)] قال للفضل (٤) ابن الربيع: لو أرسلتم إلى هذا الغلام الشافعي فناظره (٥) – يعني ناظر أبا يوسف.
وهذه الحكاية إن صحت فتحتمل أن يكون هارون بلغه خبر الشافعي في حياة مالك حتى قال ما قال. والله أعلم.
_________________
(١) في ا: «تلمم» ولا معنى لها.
(٢) في ح: «اشترته».
(٣) ليست في ح.
(٤) في ح: «الفضل».
(٥) في ح: «فناظره».
[ ١ / ١٤٧ ]
باب