باب
ما يستدل به على حسن اعتقاد الشافعي في متابعة السنة، ومجانبة البدعة. وذلك بيِّن في كتبه ومسائله. ونحن نقتصر هاهنا على حكايات وردت في معناه. وبالله التوفيق
* * *
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرنا الحسن بن رشيق إجازة قال: [ذكر (١)] زكريا بن يحيى قال: قال أبو طالب:
سمعت «أحمد بن حنبل» يقول: ما رأيت أتبع للأثر من الشافعي (٢).
وقرأته في كتاب زكريا الساجي عن إسماعيل بن شجاع البغدادي قال: حدثنا الفضل بن زياد، عن أبي طالب. فذكره.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا الزبير بن عبد الواحد الحافظ قال: حدثني محمد بن حفص الدوري، قال: حدثني أبو إسماعيل الترمذي قال:
سمعت «أحمد بن حنبل» وذكر الشافعي فقال: لقد كان يذبّ عن الآثار (٣).
_________________
(١) الزيادة من ح.
(٢) راجع الحلية ٩/ ٢٠٢.
(٣) تاريخ دمشق الكبير لابن عساكر ١٠/ ١٩٦ - اوتوالي التأسيس ٥٧.
[ ١ / ٤٧١ ]
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني نصر بن محمد قال: حدثنا أبو طالب بن الربيع بن سليمان قال: حدثنا علي بن محمد الأنصاري قال: سمعت حرملة بن يحيى يقول:
سمعت الشافعي يقول: سُمِّيتُ ببغداد: «ناصر الحديث (١)»
أخبرنا أبو سعيد: محمد بن موسى قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال:
قال الشافعي: قد أعطيتك جملة تغنيك إن شاء الله: لا تدع لرسول الله، ﷺ، حديثًا أبدًا، إلا أن يأتي عن (٢) رسول الله، ﷺ خلافه، فتعمل بما قلت لك في الأحاديث إذا اختلفت (٣).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو سعيد بن أبي عمرو؛ قالوا: سمعنا أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان المُرَادِي يقول:
سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله، ﷺ، فقولوا بسنة رسول الله، ﷺ، ودعوا ما قلت (٤).
وأخبرنا أبو الحسين بن بشران قال: حدثنا دعلج بن أحمد بن دعلج قال:
_________________
(١) تاريخ دمشق ١٠/ ١٩٥ – ب وحلية الأولياء ٩/ ١٠٧.
(٢) في ا: «علي».
(٣) توالي التأسيس ٦٣.
(٤) توالي التأسيس ٦٣.
[ ١ / ٤٧٢ ]
سمعت أبا محمد الجارودي يقول: سمعت الربيع يقول:
سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم سنة [من (١)] رسول الله: ﷺ، خلاف قولي فخذوا بالسنة (٢) ودعوا قولي؛ فإني أقول بها.
أخبرنا أبو حازم: عمر بن أحمد العبدوني الحافظ قال: سمعت أبا عمرو بن مطر يقول: سمعت أبا جعفر الأرغياني يقول: سمعت أحمد بن علي بن عيسى ابن مَاهَان الرّازي يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
سمعت الشافعي يقول: كل مسألة تكلمت فيها صح الخبر فيها عن النبي، ﷺ، عند أهل النقل بخلاف ما قلت – فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي (٣).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني الحسين بن محمد الدارمي قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا حرملة بن يحيى قال:
قال الشافعي: كل ما قلت، عن النبي، ﷺ، خلاف قولي مما يصح – فحديث النبي، ﷺ، أولى ولا تقلِّدوني (٤).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو؛ قالا: سمعنا [أبا العباس محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
_________________
(١) الزيادة من ح.
(٢) في ا: «السنة».
(٣) الأم ٧/ ١٨٤ وخطاب الشافعي فيه للربيع. وهو في توالي التأسيس ٩٣.
(٤) آداب الشافعي ٦٧، ٦٨، ٩٣ وحلية الأولياء ٩/ ١٠٦ – ١٠٧.
[ ١ / ٤٧٣ ]
سمعت الشافعي يقول. وروى حديثًا، فقال له الرجل: تأخذ بهذا يا أبا عبد الله؟
فقال: متى رويتُ عن رسول الله، ﷺ، حديثًا صحيحًا فلم آخذ به والجماعة - فأُشهدكم أنّ عقلي قد ذهب. وأشار بيده عن رءوسهم (١).
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت عليُ بن عمر الحافظ ببغداد يقول: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: سمعت بشر بن موسى قال:
سمعت الحميدي يقول: سأل رجل الشافعي بمصر عن مسألة فأفتاه وقال: قال النبي ﷺ كذا. فقال الرجل: أتقول بهذا؟.
قال: أرأيت في وسطي زِنَّارًا؟ أتراني خرجت من الكنيسة؟ أقول: قال النبي، ﷺ، وتقول لي: أتقول بهذا؟ أروي عن رسول الله ﷺ ولا أقول به (٢)؟!
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي فيما أخبره أبو العباس الأزهري قال: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: سمعت الحميدي يقول: كنا عند الشافعي فأتاه رجل. فذكر معنى هذه الحكاية.
وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أنبأني أبو عمرو بن السّمّاك
_________________
(١) المعرفة ١/ ١٤٥ وحلية الأولياء ٩/ ١٠٦.
(٢) حلية الأولياء ٩/ ١٠٦ وتوالي التأسيس ٦٣ ومفتاح الجنة ٥٤.
[ ١ / ٤٧٤ ]
مشافهة أنّ أبا سعيد الجصّاص حدثهم قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
سمعت الشافعي يقول سأله رجل عن مسألة فقال: روي عن النبي، ﷺ، [أنه قال (١)] كذا وكذا. فقال له السائل: يا أبا عبد الله، أتقول بهذا؟ فارتعد الشافعي واصفَرّ لَوْنُه وقال: ويحك. أيّ أرض تقلّني؟ وأي سماء تظلّني؟ إذا رويت عن رسول، لله ﷺ، شيئًا فلم أقل به. نعم على الرأس والعينين، على الرأس والعينين (٢)
قال: وسمعت الشافعي يقول:
ما من أحد إلا ويَذهب عليه سنّة رسول الله، ﷺ، وتعزب عنه. فمهما قلتُ من قولٍ أو أصَّلْتُ من أصْلٍ فيه عن رسول الله، ﷺ، خلاف ما قلتُ – فالقول ما قال رسول الله، ﷺ، وهو قولي.
قال: وجعل يردد هذا الكلام.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد: محمد بن موسى، قالا: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال:
حدثنا محمد بن إدريس الشافعي قال: لم أسمع أحدًا نسبته عامة (٣)، أو نسب نفس إلى علم – يُخالِفُ في أنّ فرضَ الله: إتباعُ أمرِ رسولِ الله، ﷺ والتسليم لحكمه؛ فإن الله لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قولٌ بكل حال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله، ﷺ
_________________
(١) الزيادة من ح.
(٢) حلية الأولياء ٩/ ١٠٦.
(٣) في جماع العلم ١١ «نسبه الناس».
[ ١ / ٤٧٥ ]
وأن ما سواهما تبع لهما. وأن فَرْضَ الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله، ﷺ – واحدٌ لا يختلف (١) فيه أنه الفَرْض وواجب قبول الخبر عن رسول الله، ﷺ، إلا فرقةٌ سأصف قولها، إن شاء الله. فذكر تفرق أهل الكلام في تثبيت خبر الواحد، ثم ذكر الحجة في تثبيته في «كتاب جماع العلم».
أخبرنا أبو حازم عمر بن أحمد العبدوي الحافظ، قال: سمعت أبا عمرو بن مطر يقول: سمعت أبا جعفر: محمد بن عبد الرحمن الأصبهاني قال:
سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: قال أبي: قال لنا الشافعي: إذا صح عندكم الحديث عن النبي، ﷺ، فقولوا حتى اذهب إليه (٢).
أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد قال: أخبرني الزبير بن عبد الواحد الحافظ قال: أخبرني أبو بكر: محمد بن مخلد الدّوري، قال: حدثنا أحمد بن أبي عثمان قال:
سمعت «أحمد بن حنبل» يقول: كان أحسن أمر الشافعي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده – قال به وترك قوله (٣).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الحسين: محمد بن محمد بن يعقوب
_________________
(١) كذا في ا، ح وفي جماع العلم: «لا يختلف أن الفرض والواجب قبول الخبر ».
(٢) في الحلية ٩/ ١٠٦ بعد ذلك: «في أي بلد كان».
(٣) توالي التأسيس ٦٣.
[ ١ / ٤٧٦ ]
الحجاجي يقول: سمعت يحيى بن منصور القاضي يقول:
سمعت «أبا بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمَةَ» وقلت له: هل تعرف سنّة لرسول الله، ﷺ، في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتابه؟ قال: لا (١).
وأخبرنا عمر بن أحمد العبدوي الحافظ قال: حدثنا أبو بكر: محمد بن جعفر البغدادي الحافظ قال: سمعت محمد بن الربيع بن سليمان الجيزي قال: سمعت سعد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول:
سمعت الشافعي يقول: كلما رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأنما رأيتُ رجلا من أصحاب النبي، ﷺ (٢). ورواه أيضًا يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي.
أخبرنا محمد بن الحسين بن محمد بن موسى، قال: سمعت الحسين بن علي ابن محمد بن يحيى يقول: سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سمعت الربيع ابن سليمان يقول:
سمعت الشافعي يقول: لولا أصحاب الحديث لكنا بيَّاع القُول.
أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد الضّبي قال: حدثنا أبو بكر: محمد بن علي الفقيه الشاشي، إن شاء الله، أو الثقة قال: حدثنا عبد الله بن إسحاق المدائني قال:
حدثنا الميموني قال:
_________________
(١) تاريخ دمشق ١٠/ ٢٠٠ – ا، وتوالي التأسيس ٦١.
(٢) حلية الأولياء ٩/ ١٠٩.
[ ١ / ٤٧٧ ]
سمعت «أحمد بن حنبل» يقول: سألت الشافعي عن القياس فقال: ضرورة (١).
كذا أخبرناه في «كتاب المناقب» وأخبرنا في «التاريخ» عن أبي بكر قطعًا. وكأنّه أخرجه في «المناقب» من حفظه فشك (٢) فيه.
وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا الزبير بن عبد الواحد قال: سمعت أبا بكر بن زياد الفقيه يقول:
سمعنا «أحمد بن حنبل» يقول: سألت الشافعي عن القياس، فقال: ضرورة.
أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمْرو قال: حدثنا أبو العباس الأصم قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال:
قال الشافعي: لا نترك الحديث عن رسول الله، ﷺ، بأن يدخله القياس، ولا يوضع (٣) القياس مع السنة.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ [رحمة الله تعالى عليه (٤)] قال: أخبرنا أبو العباس: محمد بن يعقوب قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال:
حدثنا الشافعي قال (٥): وقد روى عن النبي، ﷺ – بأبي هو وأمي – أنه قضى في بَرْوَع بنت وَاشِق (٦) – ونكحت بغير مهر، فمات
_________________
(١) في ح: «ضرورة الضرورات» وانظر معرفة السنن والآثار للبيهقي ١/ ١١١ طبع المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
(٢) في ح: «فسكت»!
(٣) في ا: «ولا موضع».
(٤) الزيادة من ح.
(٥) في الأم ٥/ ٦١.
(٦) أسد الغابة ٥/ ٤٠٨.
[ ١ / ٤٧٨ ]
زوجها – فقضى لها بمهر نسائها (١)، وقضى لها بالميراث.
فإن كان يثبت (٢) عن النبي، ﷺ، فهو أولى الأمور بنا، ولا حجّة في قول أحدٍ دون النبي، ﷺ (٣)، ولا في قياس، ولا (٤) شيء في قوله إلا طاعة الله بالتسليم له.
وإن كان لا يثبت عن النبي، ﷺ، لم يكن لأحد أن يثبت عنه ما لم يثبت.
ولم أحفظه من وجه يثبت مثله. هو مرة يقال: عن مَعْقِل بن يَسَار، ومرة عن معقل بن سنان، ومرة عن بعض أشجع، ولا يسمَّى.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الرحمن السّلمي؛ قالا: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
سمعت الشافعي يقول: لا يحل لأحد أن يكَتنى بأبي القاسم، كان اسمه محمدًا أو غيره (٥).
قلت: وإنما قال ذلك؛ لأن الاخبار الصحيحة مطلقة في النهي عن ذلك. والذي روى في النهي عن الجمع بينهما لم يثبت إسناده ثبوت أسانيد النهي المطلق. وقد ذكرنا ذلك بشرحه في كتاب «السنن» و«المعرفة».
_________________
(١) مسند أحمد ٤/ ٢٧٩ – ٢٨٠.
(٢) في الأم «ثبت».
(٣) في الأم بعد ذلك: «وإن كثروا».
(٤) في ا: «ولا في شيء» وفي الأم: «فلا شيء».
(٥) السنن الكبرى ٩/ ٣٠٩ والآداب للبيهقي ل ٢٢٣ – ب وحلية الأولياء ٩/ ١٢٧ وآداب الشافعي ٣٠٩.
[ ١ / ٤٧٩ ]
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن قال: حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن أبي حاتم - قال:
حدثنا الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي: اسقني قائمًا؛ فإن النبي، ﷺ، شرب قائمًا (١).
قلت: وقد روينا شربه قائمًا، واستدللنا به وبغيره على نسخ ما ورد فيه من النهي. والله أعلم.
* * *
أخبرنا أبو سعيد: محمد بن موسى قال: حدثنا أبو العباس الأصم قال:
قال الربيع (٢): قلت للشافعي: إن علي بن مَعْبِد أخبرنا بإسناد عن النبي ﷺ، أنه أجاز بيع القمح في سنبله إذا ابيض. قال: أما هو فَغَرّر؛
_________________
(١) قال البيهقي في كتاب الآداب ل ٢٥١ - ب «وقد وردت الرخصة في الشرب قائمًا بما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، حدثنا إبراهيم ابن مرزوق، حدثنا وهيب بن جرير، حدثنا شعبة، عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس، قال: «مر النبي، ﷺ بزمزم، فاستسقى، فأتيته بدلو من ماء زمزم، فشرب وهو قائم».
(٢) قول الربيع في السنن الكبرى ٥/ ٣٠٢ كما هنا. وكذلك في آداب الشافعي ومناقبه ٨٧ ولكن ورد في الأم ٣/ ٥٩ «قلت للشافعي: إن علي بن معبد روى لنا حديثًا عن أنس: أن رسول الله، ﷺ، أجاز بيع القمح في سنبله إذا ابيض. فقال الشافعي: إن ثبت الحديث قلنا به، فكان الخاص مستخرجًا من العام، لأن النبي ﷺ، نهى عن بيع الغرر. . وبيع القمح في سنبله غرر؛ لأنه لا يرى. وكذلك =
[ ١ / ٤٨٠ ]
لأنه محول (١) دونه لا يرى. فإن ثبت الخبر عن النبي، ﷺ، قلنا به، وكان هذا خاصًّا مُسْتَخْرَجًا من عام؛ لأن رسول الله، ﷺ، نهى عن بيع الغرر.
وأجاز هذا. وكذلك أجاز بيع الشِّقْص (٢) من الدار، فجعل فيه الشّفعة لصاحب الشفعة، وإن كان فيه غرر، وكان خاصًّا مخرجًا من عام.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو أحمد بن أبي الحسن قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد قال:
قال الربيع بن سليمان المصري: قلت للشافعي. فذكر هذه الحكاية وزاد فيها: كما أجزنا بيع الصُّبْرَة، بعضها فوق بعض؛ لأنها غرر. فلما أجازها النبي، ﷺ، أجزناها كما أجازها، وكان خاصًّا مستخرجا من عام (٣).
وكذلك أجاز بيع الشّقْص من الدار، وجعل لصاحبها الشفعة وإن كان الأساس مُغَيَّبًا لا يرى، وخشبا في الحائط لا يرى. فلما أجاز ذلك أجزناه كما أجازه، وإن كان فيه غرر، وكان خاصًّا مستخرجًا من عام (٤).
* * *
_________________
(١) = بيع الدار والأساس لا يرى. وكذلك بيع الصبرة بعضها فوق بعض. أجزنا ذلك كما أجازه النبي. فكان هذا خاصًا مستخرجًا من عام. وكذلك نجيز بيع القمح في سنبله إذا ابيض، إن ثبت الحديث، كما أجزنا بيع الدار والصبرة».
(٢) كذلك في السنن الكبرى، وفي ح: «يحول».
(٣) في لسان العرب ٨/ ٣١٤: قال الشافعي في باب الشفعة: «فإن اشترى شقصًا من ذلك» أراد بالشقص: «نصيبًا معلومًا غير مفروز».
(٤) آداب الشافعي ٨٨ والسنن الكبرى ٥/ ٣٣٨.
(٥) الأم ٣/ ٤٥ - ٤٦ وآداب الشافعي ٨٨. [م - ٣١] مناقب
[ ١ / ٤٨١ ]
أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمْرو قال: حدثنا أبو العباس الأصم قال:
حدثنا الربيع بن سليمان قال: (١) سألت الشافعي عن رفع الأيدي في الصلاة؟ فقال: يرفع المصلي يديه إذا افتتح الصلاة حَذْوَ منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، ولا يفعل ذلك في السجود.
فقلت للشافعي: فما الحجة في ذلك؟
فقال: حدثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي، ﷺ، مثل قولنا.
قال الربيع: فقلت: فإنا نقول: يرفع في الابتداء ثم لا يعود.
قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع: أنّ «ابن عمر» كان إذا ابتدأ الصلاة يرفع يديه حَذْوَ منكبيه، وإذا رفع من الركوع رفعهما كذلك (٢).
قال الشافعي وهو – يَرْوِي عن النبي، ﷺ: أنّه كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حَذْوَ منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك. ثم خالفتم رسول الله، ﷺ، وابن عمر، فقلتم: لا يرفع يديه إلا في ابتداء الصلاة، وقد رويتم عنهما: أنهما رفعا في الابتداء، وعند الرفع من الركوع.
أفيجوز لعالم أن يترك (٣) على النبي، ﷺ وابن عمر لرأي نفسه؟ أو على النبي، ﷺ، لرأي ابن عمر؟ ثم القياس على قول ابن
_________________
(١) الأم ٧/ ٢٣٢.
(٢) الموطأ ١/ ٧٥ والسنن الكبرى ٢/ ٢٣ – ٢٤ والأم ٧/ ١٨٦.
(٣) في ا: «ينزل» وما أثبتناه موافق لما في الأم ٧/ ٢٣٣.
[ ١ / ٤٨٢ ]
عمر؟ ثم يأتي موضع آخر يصيب فيه، فيترك (١) على ابن عمر لما روى عن النبي ﷺ؟
فكيف لم ينهه بعض هذا عن بعض؟ أرأيت إن جاز له أن يروى عن النبي ﷺ: أنه رفع يديه في الصلاة مرتين أو ثلاثا، وعن ابن عمر فيه اثنتين، ويأخذ بواحدة ويترك واحدة يُجَوِّزُ (٢) لغيره ترك الذي أخذ به وأخذ الذي ترك؟ أو يُجَوِّزُ لغيره [تركه عليه. قال الشافعي: لا يجوز له ولا لغيره ترك] (٣) ما روي عن النبي، ﷺ.
فقلت للشافعي: [فإن صاحبنا قال: ما معنى رفع الأيدي؟ قال الشافعي:] (٤) هذه الحجة غاية من الجهالة (٥) معناه تعظيم الله واتباعٌ لسنة، النبي ﷺ (٦)، معنى الرفع في الأوّل (٧) معنى الرفع الذي خالف (٨) فيه النبي، ﷺ، عند الركوع، وعند (٩) رفع الرأس من الركوع. ثم خالفتم فيه روايتكم (١٠) عن النبي، ﷺ وابن عمر معًا لغير قول واحد روى (١١) عنه رفع الأيدي في الصلاة تثبت (١٢) روايته. يروى ذلك عن رسول الله، ﷺ – ثلاثة عشر رجلا أو أربعة عشر رجلا، ويروى عن أصحاب
_________________
(١) في الأم: «يترك».
(٢) في الأم: «أيجوز».
(٣) ما بين القوسين من الأم.
(٤) ما بين القوسين من الأم.
(٥) في الأم: «من الجهل»
(٦) في الأم: «واتباع السنة».
(٧) في ا: «الأولى».
(٨) في ح: «خالفه».
(٩) في الأم: «وبعد».
(١٠) في ا: «لم خالفتهم فيه من روايتكم».
(١١) في ا: «أحد رواة عنه».
(١٢) في ا: «تثبيت».
[ ١ / ٤٨٣ ]
رسول الله، ﷺ من غير وجه فقد ترك السنة (١).
* * *
وأخبرنا أبو سعيد قال: حدثنا أبو العباس الأصم قال:
حدثنا الربيع قال (٢): سألت الشافعي عن الطيب قبل الإحرام بما يبقى ريحه بعد الإحرام، وبعد رمي الجمر والحلاق، وَقبل الإفاضَة؟
فقال: جائز وأًحِبُّه ولا أكرهه؛ لثبوت السنة فيه عن رسول الله، ﷺ، والأخبار عن غير واحد من الصحابة.
فقلت: وما حجتك فيه؟ فذكر فيه الأخبار والآثار (٣) ثم قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سالم، قال: قال عمر (٤): مَنْ رمى الجمرة فقد حلّ له ما حرم عليه إلا الطيب والنساء.
قال سالم (٥): وقالت عائشة: طيَّبت رسول الله، ﷺ، بيدي. وسنة رسول الله، ﷺ، أحقَّ أن تُتَّبع.
قال الشافعي: وهكذا ينبغي أن يكون الصالحون [من] (٦) أهل العلم. فأمّا ما تذهبون إليه من ترك السنة لغيرها، وترك ذلك الغير لرأي أنفسكم – فالعلم إذًا إليكم تأتون منه ما شئتم، وتدعون [منه (٧)] ما شئتم. وبسط الكلام فيه (٨).
_________________
(١) الأم ٧/ ٢٣٣، واختلاف الحديث بهامش الأم ٧/ ٢١٣ – ٢١٤.
(٢) الأم ٧/ ١٩٩ – ٢٠٠.
(٣) راجع الأم ٧/ ٢٠٠.
(٤) الأم ٧/ ٢٠٠.
(٥) اختلاف الحديث ٧/ ٢٨٨، ٢٩٠.
(٦) من الأم.
(٧) من الأم.
(٨) في الأم (٧/ ٢٠٠) بعد هذا: «تأخذون بلا تبصر لما تقولون، ولا حسن روية فيه. . .».
[ ١ / ٤٨٤ ]
وألزم الشافعي (١)، ﵀، أهل العراق: أخذهم بحديث حج رجل عن غيره وبحديث العُمْرَي، وتركهم حديث التّفْلِيس، و[حديث] القضاء باليمين مع الشاهد. وتركهم حديث حج الرجل عن غيره، وحديث العُمْرَى.
وأن كل واحد من الفريقين عاب صاحبه فيما ترك. فإن كانت له حجة فيما أخذ به وتركه غيره، فلغيره حجة فيما أخذ به وتركه. فالحجة إذًا لازمة لهما. والحق مع من أخذ بالجميع.
هذا معنى كلامه فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ عن أبي العباس، عن الربيع، عن الشافعي في «كتاب اختلاف الأحاديث».
وقرأت في كتاب «القديم» رواية الزعفراني عن الشافعي في مسألة بيع المدبر، وقول من قال له: فإن بعض أصحابك قد قال [خلاف (٢)] هذا.
قال الشافعي: قلت له: من تبع سنة رسول الله، ﷺ وافقته، ومن غلط فتركه (٣) خالفته. صاحبي الذي لا أُفارِقه اللازمُ الثابتُ عن رسول الله، ﷺ وإن بعد، والذي أُفارِق من لم يقبل سنة رسول الله، ﷺ، وإن قرب.
قلت: وللشافعي في هذا الجنس كلام كثير تركته لكثرته، وهو منقول في «المبسوط المردود إلى ترتيب المختصر» وبعضه في كتاب «المعرفة».
والله يغفر لنا وله برحمته.
_________________
(١) الأم ٢/ ٩٨ – ٩٩، ٧/ ٢٠٢، واختلاف الحديث ٧/ ٦، ٧/ ٢٠٧ – ٢١١.
(٢) من ح.
(٣) في ح: «فتركها».
[ ١ / ٤٨٥ ]
باب