الباب الأول: تفسير الشيخ القرآن بالمأثور
ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: تفسيره القرآن بالقرآن.
الفصل الثاني: تفسيره القرآن بالسنة.
الفصل الثالث: تفسيره القرآن بأقوال السلف من الصحابة والتابعين.
ويشتمل على ثلاثة مباحث:-
المبحث الأول: تفسيره القرآن بأقوال الصحابة.
المبحث الثاني: تفسيره القرآن بأقوال التابعين.
المبحث الثالث: موقفه من اختلاف السلف في التفسير.
[ ٤٣ ]
الفصل الأول: تفسيره القرآن بالقرآن.
إن المنهج الصحيح الذي ارتضاه المحققون لتفسير كتاب الله ﷿ يبدأ من القرآن نفسه، وذلك أن كثيرًا من الآيات يفسر بعضها بعضا، ويوضح المراد منه؛ فما أجمل في موضع من القرآن الكريم قد يبين في موضع آخر، وما أطلق في موضع قد يلحقه التقييد في موضع آخر، وما جاء عامًا قد يدخله التخصيص في موضع آخر، وهكذا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟
فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن. فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقط بسط في موضع آخر١. ا. هـ.
فلهذا كان لا بد لمن يتعرض لتفسير كلام الله ﷿ أن ينظر أولا في القرآن ليفسر بعضه ببعض فإن صاحب الكلام أعلم بكلامه ومراده منه.
وفي أثناء دراستي لتفسير الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ اتضح لي أنه لم يغفل هذا المسلك الرشيد، بل كان يسلكه كلما أمكن ذلك، ووجد من الآيات ما يساعده على تحقيقه. وذلك في سبيل إيضاح المعنى وبيانه، وهو الغرض الذي يرمي إليه الشيخ من تفسيره. وأي إيضاح وبيان أعظم من بيان القرآن للقرآن؟ وذلك غاية البيان. ومما يلاحظ أن للشيخ أغراضا من إيراد الآيات التي يفسر بعضها بعضا أو يتعلق بعضها ببعض وأهمها ما يلي:
أولًا: تفسير الآية بالآية، وبيان مبهم فيها، أو نحو ذلك، وهذا هو الأصل في تفسير القرآن بالقرآن، وأمثله ذلك كثيرة في تفسيره أورد منها ما يلي:
_________________
(١) ١ انظر: "مقدمة في أصول التفسير" لشيخ الإسلام ابن تيمية ص "٩٣". وقد أورد كل من الزركشي في "البرهان في علوم القرآن" وابن كثير في تفسيره هذا الكلام بنصه. فانظر البرهان "٢: ١٧٥" وتفسير ابن كثير "١: ٤".
[ ٤٤ ]
١-قال في تفسير قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ من سورة الفاتحة ما نصه: وأما تفسير الملك فيأتي الكلام عليه، وذلك أن قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وفي القراءة الأخرى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، فمعناه عند جميع المفسرين كلهم ما فسره الله به في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ١.
١- وقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ ٢ ما نصه:.. ومعنى ذلك أن الله فطر عباده على الفطرة، وهي الإسلام، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ٣ الآية.
٢- وقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٤ ما نصه: فهذه حجة عقلية شرحها في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ ٥ الآية.
٣- وقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ ٦ ما نصه:
أنه أنزله معتدلا لا عوج فيه، ففيه معنى قوله: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ٧.
٤- وقال في أواخر تفسير سورة الناس ما نصه:
وقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ يعني: أن الوسواس نوعان: إنس وجن،
_________________
(١) ١ سورة الانفطار آية "١٧-١٩" وانظر مؤلفات الشيخ / القسم الرابع / التفسير ص "١٣". ٢ سورة النساء آية "١١٩". ٣ سورة الروم آية "٣٠" وانظر مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٩٠". ٤ سورة يوسف آية "٣٩". ٥ سورة الزمر آية "٢٩" وانظر مؤلفات الشيخ / القسم الرابع / التفسير "١٤٦". ٦ سورة الكهف آية "١". ٧ سورة المؤمنون آية "٧١" وانظر مؤلفات الشيخ / القسم الرابع / التفسير ص "٢٤٠".
[ ٤٥ ]
فإن الوسوسة: الإلقاء الخفي. لكن إلقاء الإنس بواسطة الأذن، والجني لا يحتاج إليها، ونظير اشتراكهما في الوسوسة، اشتراكهما في الوحي الشيطاني في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ١.
ثانيًا: بيان بعض المعاني المتعلقة بالآية، عن طريق ذكر الآية المقابلة لها، أو التي بينها وبينها مناسبة لإيضاح وجه العلاقة بين تلك الآيات. ويتضح ذلك بالأمثلة التالية من تفسيره:
١- قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ٢.
ما نصه: ذكره أنه عهد إلى إبراهيم وإسماعيل أن يطهراه لهذه الطائفة، ولذلك أنزل الله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ ٣.
٢- وقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ ٤ الآية.
ما نصه: ونظيره: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ ٥ والله سبحانه يخاطب الموجودين، والمراد آباؤهم، كقوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ٦. وقد يستطرد سبحانه من الشخص إلى النوع كقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ ٧ إلى آخره.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية "١١٢" وانظر مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٣٨٩". ٢ سورة البقرة آية "١٢٥". ٣ سورة التوبة آية "٢٨" وانظر مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع / التفسير ص "٣١". ٤ سورة الأعراف آية "١١". ٥ سورة الحج آية "٥". ٦ سورة البقرة آية "٥٥". ٧ سورة المؤمنون آية "١٣".
[ ٤٦ ]
فالمخلوق من سلالة آدم، ومن نطفة ذريته١.
٣- وقال عند تفسير قوله تعالى إخبارًا عن مقالة يوسف: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢ ما نصه:
قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ عام كل ما سوى الله، وهذه المسألة هي التي غلط فيها أذكياء العالم، وعقلاء بني آدم، كما قال تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ ٣.
٤- وقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ٤. ما نصه:
الإخبار بعذابهم من حيث لا يشعرون، بضد من يرزقه من حيث لا يحتسب٥. أ. هـ فهو يريد أن يلفت الأنظار إلى نكتة عظيمة هنا وهي أنه كما أتى المكذبين عذاب من حيث لا يشعرون لتكذيبهم، أتى المتقين رزق من حيث لا يحتسبون لتقواهم. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ٦.
ومما يدل على تمشية مع هذا المنهج – أعني تفسير القرآن بالقرآن – ما أمكن – ما نراه من جمع للآيات التي يبين بعضها بعضا ويظهر من مجموعها بيان معنى معين في بعض أبواب كتاب التوحيد كما يأتي الإشارة إليه في موضعه إن شاء الله تعالى٧.
مما به يتبين هذا الجانب في تفسيراته واستنباطاته.
_________________
(١) ١ انظر: مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٨٢، ٨٣". ٢ سورة يوسف "٣٨". ٣ سورة الشورى آية "١٣" وانظر مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "١٤٥" وانظر قسم التحقيق ص "٣٢٩". ٤ سورة الزمر آية "٢٥". ٥ انظر مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٣٢٧". ٦ سورة الطلاق آية "٢، ٣". ٧ انظر فيما يأتي ص "١٢٨".
[ ٤٧ ]