الباب الثاني: التفسير بالرأي أو بالمعلول
ويشتمل على خمسة فصول هي:
الفصل الأول: نظرته إلى العقل ومكانته من الشرع.
الفصل الثاني: نظرته إلى التفسير بالرأي.
الفصل الثالث: توفر أدوات التفسير بالرأي لدى الشيخ.
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: معرفته باللغة ومدى اهتمامه بها في تفسيره.
المبحث الثاني: معرفته بالنحو والإعراب ومدى اهتمامه به في تفسيره.
المبحث الثالث: معرفته بالبلاغة ومدى اهتمامه بها في تفسيره.
الفصل الرابع: مظاهر التفسير بالرأي عند الشيخ.
ويشتمل على ثلاثة مباحث.
المبحث الأول: التفسير الافرادي.
المبحث الثاني: التفسير الإجمالي.
المبحث الثالث: الاستنباط المباشر من الآيات.
الفصل الخامس: السمات العامة لتفسيره بالرأي.
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: تمشيه مع روح الشريعة الإسلامية.
المبحث الثاني: تمشيه مع تفسيره بالسلف وأقوالهم.
[ ٨٥ ]
الفصل الأول: نظرته إلى العقل ومكانته في الشرع
نص الشيخ مرارًا على أهمية التفكر والتدبر امتثالًا لأمر الله ﷿ بذلك في كتابه في غير ما موضع، إذ من المعلوم أن الإسلام دين العقل والحكمة كما هو دين النقل، وقد حرر العقل من قيود كانت مضروبة عليه، ففك آساره وجعله مناط التكليف، وأنزله منزلته اللائقة به، فقرر به بعض دلائل التوحيد وجزئيات الشريعة، ووجهه الوجهة الصحيحة، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١، وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٢، وقال في غير ما آية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٣: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٤: ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ ٥ إلى غير ذلك مما به تتأكد أهمية استعمال العقل للنظر والتدبر والتأمل.
يقول الشيخ منبهًا على التفكر عند قول الله تعالى: ﴿أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٦ حثه سبحانه على التفكر الذي هو باب العلم كما حث عليه سبحانه في غير موضع ٧.
ويقول مبينًا منزلة العقل، وتقرير الشرع به عند ذكر محاجة إبراهيم قومه كما أخبر الله عنه بذلك بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ الآيات ٨: إن ذلك من أعظم الأدلة على المسألة – أي مسألة التوحيد- ببديهة العقل لأن من رأى نخلًا كثيرًا لا يتخالجه شك أن المدبر له ليس نخلة واحدة منه فكيف بملكوت السماوات والأرض٩؟!
_________________
(١) ١ سورة ص آية "٢٩". ٢ سورة محمد آية"٢٤". ٣ سورة البقرة آية "٢٤٢" يوسف آية "٢" النور آية "٦١" الزخرف آية "٣". ٤ سورة يونس آية "٢٤" الرعد آية "٣" النحل الآيتان "١١، ٦٩" وغيرها. ٥ سورة الأنعام آية "٩٨". ٦ سورة الأنعام آية "٥٠". ٧ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع، التفسير ص "٥٧". ٨ سورة الأنعام الآيات "٧٥-٧٩". ٩ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع / التفسير ص "٦٤".
[ ٨٦ ]
ويقول أيضًا عند ذكر مقالة نوح لقومه: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١ تعريفهم أن هذا الذي استغربوا، ونسبوا من قاله إلى الجهالة والجنون، هو الواجب في العقل، وهو أيضًا حظهم ونصيبهم من الله لأنه سبب الرحمة ففي هذا الكلام من أوله إلى آخره من تحقيق الحق، وذكر أدلته العقلية على تحقيقه، وإبطال الباطل، وذكر الأدلة العقلية على بطلانه، ما لا يخفى على من له بصيرة٢.
وعند قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣ يقول: ذكر الحكمة في إنزال القرآن على محمد وأنها لبيان المنزل ولتفكرهم ٤.
وعند قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى- عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ ٥ الآيات يقول: تقرير الشرع بالعقل لقوله: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ ٦.
وبهذا تتبين منزلة العقل من الشرع، وأهميته، وإيمان الشيخ بذلك وتركيزه عليه، واستنباطه له.
وفي المقابل، وضح الشيخ تمشيًا مع القرآن أيضًا التحذير من زلل العقل، وتقديمه على النقل، وتجرده عنه، إذ أن في ذلك مهاوي الردي ومعاطب الهلاك، فقد جعل الله لكل شيء قدرا.
وكثير من الضلالات نتجت من جراء تجاوز العقل حدوده، وخروجه عن مجاله، ودلالة أسمه، إذ الشأن أن يعقل صاحبه لا أن يحمله على أن يجمح ويتعدى.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية "٦٣". ٢ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "١٠٢". ٣ سورة النحل آية: "٤٤". ٤ مؤلفات الشيخ / القسم الرابع/ التفسير ص "٢١٢". ٥ سورة العلق الآيات: "٩-١٤". ٦ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٣٧١".
[ ٨٧ ]
فقال الشيخ عند قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ١: تغليظ رد النص بالرأي٢.أ. هـ وذلك أن إبليس- عليه لعنة الله- اجتهد فيما لا مجال للاجتهاد فيه، فالمقام مقام امتثال وطاعة لأمر الله لا مقام اجتهاد.
ويقول مستنبطًا من قصة آدم وإبليس ونكوص إبليس عن السجود: ومنها أي من الفوائد المستنبطة –التحذير من معارضة القدر بالرأي لقوله: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ ٣ وهذه بلية عظيمة لا يتخلص منها إلا من عصمه الله لكل مقل ومكثر٤.
ومنها- وهي من أعظمها- تأدب المؤمن من معارضة أمر الله ورسوله بالرأي، كما استدل بها السلف على هذا الأمر، ولا يتخلص من هذا إلا من سبقت له من الله الحسنى٥.
ويقول عند قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ الآية٦: إن نتيجة هذا الدلالة على التمسك بالوحي والتحذير من الرأي المخالف ولو من أعلم الناس٧.
وغير ذلك من الاستنباطات في هذا المجال.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: آية: "١٢". ٢ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٧٣". ٣ سورة الإسراء آية: "٦٢". ٤ مؤلفات، لشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص"٨٥". ٥ المرجع السابق بصحيفته. ٦ سورة الحجرات: آية "٧". ٧ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٣٥٣".
[ ٨٨ ]