إن من ضرورات المنهج الاستنباطي الشمولي الذي ينحاه الشيخ أن يتعرض لنواحٍ كثيرة مما تضمنه كتاب الله تعالى، وحيث أن هذا الكتاب العظيم تبيان لكل شيء، وتفصيل له من لدن حكيم خبير، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ١.
ففيه ما يتعلق بتوحيد الله- وهو ما سبق أن أوضحت منهج الشيخ في دراسته- وقصص السابقين وما يتعلق بأحكام المكلفين، وهو ما يتعلق بالفقه والأصول، وهو ما أنا بصدد الحديث عن اهتمام الشيخ به، ومنهجه في بيانه في مجال الفقه هنا.
فمعلوم أن القرآن العظيم هو أول أدلة الأحكام، وأعظم مصادرها، كما دل على هذا حديث معاذ عندما سأله النبي ﷺ: "بم تحكم؟ "، قال: بكتاب الله،.. إلى آخر الحديث. وفيه قول النبي "ﷺ" في آخره، "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله" ٢.
فقد قدم الكتاب على غيره من مصادر الأحكام، وأقره النبي "ﷺ" على ذلك.
فلا يستغني المشتغل بمعرفة الأحكام الفقهية عنه، كما أن الناظر في كتاب الله لا يسعه أن يهمل النظر في الأحكام، وإلا كان نظره قاصرًا محدودًا.
وحيث أن الشيخ ﵀ سلفي المنهج والاتجاه، ودعوته كلها معتمدة على الكتاب والسنة، ومستمدة منهما، وقائمة عليهما، فإن ذلك يقتضي
_________________
(١) ١ سورة النحل: آية: "٨٩". ٢ أخرجه الإمام أحمد في مسنده في مواضع منها "٥: ٣٣٠" وأبو داود في سننه/ كتاب الأقضية باب اجتهاد الرأي في القضاء "٣٠٣:٣" ح "٣٥٩٢" والترمذي في جامعة كتاب الأحكام/ باب ما جاء في القاضي كيف يقضي "٦٠٧:٣" ح "١٣٢٧، ١٣٢٨" وغيرهم. وانظر الكلام على هذا الحديث في "إعلام الموقعين" لابن القيم "١: ٢٠٢".
[ ٢١٤ ]
أن يركز على النظر في النصوص، للاستدلال الصحيح بها لما يذهب إليه، واستنباط الأحكام منها.
وهذا هو ما نهجه الشيخ كما تشهد به كتبه الفقهية، ومختصراته في الأحكام، فإنا نجدها مليئة بالاستدلال بالكتاب والسنة، واستنباط الأحكام منهما، طلبًا للحق بدليله أسوة علماء السلف الذين يحذو حذوهم، ويسلك مسلكهم.
ولأمثل هنا بمثال واحد مشهور وهو استدلاله على إبطال وقف الجنف١ الذي كان منتشرًا في زمنه، ويفتي بجوازه بعض المتفقهة آنذاك فأبطله الشيخ بنصوص الكتاب والسنة، قال ﵀: وأما وقف الإثم والجنف فمن رد، فقد عمد بالسنة، ورد البدعة، واتبع القرآن٢.
وذلك أن الله ﷿ قد تولى قسم الميراث بنفسه فقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٣. وقال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ ٤ وغير ذلك.
فوقف الجنف على بعض الورثة مخالف لذلك، ولم يشرعه رسول الله ﷺ، بل هو من الظلم المحرم وتعدي حدود الله فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٥. وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ٦ وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٧ فمن قبل ما آتاه الرسول، وانتهى عما نهى عنه، وأطاعه ليهتدي، واتبعه ليكون محبوبًا عند الله
_________________
(١) ١ صورة هذا الوقف حسبما ذكر: أن كثيرًا من الجهال والعامة- إذا أراد أن يغير فرائض الله ويحرم بعض أولاده من الإناث ما قسم الله له أو يحرم أولاد الإناث ويخصه بالذكور وأولادهم أو أراد أن امرأته لا ترث من هذا النخل، ولا تأكل منه إلا لاحياه عينها- وقف ماله وأشهد عليه انظر روضة الأفكار والأفهام "١: ١٢٤- ١٢٩" وتاريخ نجد "٢: ١١٢- ١٢٠ ومؤلفات الشيخ/ القسم الخامس/ الرسائل الشخصية ص "٧٨- ٨٥". ٢ مؤلفات الشيخ/القسم الخامس/الرسائل الشخصية ص "٨٢". ٣ سورة النساء: آية "١١". ٤ سورة النساء: آية "١٢". ٥ سورة الحشر: آية "٧". ٦ سورة النور: آية "٥٤". ٧ سورة آل عمران: آية "٣١".
[ ٢١٥ ]
فليوقف كما أوقف رسول الله ﷺ، وكما وقف عمر ﵁، وكما وقفت حفصة١، وغيرهم من الصحابة وأهل العلم٢.
يقول الشيح٣: وأما الوقف المحدث الملعون المغير لحدود الله فهذا الذي قال الله فيه بعد ما حد المواريث والحقوق للأولاد والزوجات وغيرهم ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٤.
وأما ظهور هذا الجانب- جانب استنباط الأحكام من الآيات- في تفسيره فهو ظاهر جدًا حيث لم يهمله، بل كان يستنبط من الأحكام ما يجد له مجالًا ومناسبة وموضع استنباط.
ولعل مما يؤكد اعتبار الشيخ له نصه على ما في قصة "موسى والخضر ﵉" من الفقه، حيث أفرده بالذكر عند تصنيفه الفوائد المستنبطة من هذه القصة تصنيفا موضوعيًا.
فقد استنبط من هذه القصة، وما ورد من أحداثها، سواءً في الكتاب أو السنة مما هو معين على فهمها استنباطات تنم عن مقدرة فائقة في استخراج الأحكام والدقائق من مصادرها، وإن كانت تلك المصادر أحداث قصة ماضية، إذ أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه٥.
_________________
(١) ١ هي أم المؤمنين "﵂". ٢ مؤلفات الشيخ/ القسم الخامس/ الرسائل الشخصية ص "٨٤". ٣ المرجع السابق ص "٨٤، ٨٥". ٤ سورة النساء: الآيتان "١٣، ١٤".. ٥ انظر مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/التفسير ص "٦٧"، وروضه الناظر لابن قدامة "١: ٤٠٠- ٤٠٣".
[ ٢١٦ ]
وهذا ما يبين النظرة الواعية فيما ينبغي على المسلم تجاه كتاب ربه من الاستفادة من كل ما جاء فيه، وأعمال النظر في ذلك، والاهتمام بموضع الفائدة المستنبطة من النص القرآني مباشرة سواءً أكانت اعتبارًا بحال من مضى، أم استنباط مسائل فقهيه، أم استدلالًا لها أم نحو ذلك.
وسأذكر هنا- إن شاء الله- بعض ما استنبطه من هذه القصة من مسائل فقهيه، موضحًا موضع استنباطها ما أمكن، ليتبين ما ذكرت.
يقول الشيخ: ما فيها- أي في هذه القصة- من مسائل الفقه.
الأولى: عمل الإنسان في مال الغير بغير إذن إذا خاف عليه الهلاك١.
ووجه استنباطها: هو ما يبينه العلامة الشيخ: عبد الرحمن بن ناصر السعدي، في استنباطه الذي وافق فيه الشيخ، كما وافقه في كثير من استنباطاته من هذه القصة، وسار على منهج الشيخ فيها في إفرادها بالذكر، والاستنباط منها مع بيان وجه الاستنباط من الآيات٢.
فيقول السعدي: ومنها- أي من الفوائد المستنبطة- القاعدة الكبيرة أيضًا وهي: أن عمل الإنسان في مال غيره إذا كان على وجه المصلحة وإزالة المفسدة أنه يجوز، ولو بلا إذن، حتى ولو ترتب على عمله إتلاف بعض مال الغير، كما خرق الخضر السفينة لتعيب، فتسلم من غصب الملك الظالم٣.
قال الشيخ: الثانية: ليس من شروط الجواز خوف الهلاك، بل قد يجوز للإصلاح لقصة الجدار٤.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٢٥٦". ٢ انظر تفسير السعدي "٦٣:٥- ٧٢". ٣ تفسير السعدي "٥: ٧١". ٤ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٢٥٦".
[ ٢١٧ ]
وهذه المسألة مستنبطة من قصة الجدار كما ذكر. ووجه ذلك أن الخضر عمل في مال غيره بغير إذنه، وعرف من ذلك الإصلاح، مع أنه لا يلزم من عدم عمله ذلك ذهاب كنز الغلامين. والله أعلم.
الثالثة: أنه ليس من شروط المسكين في الزكاة أنه لا مال له١.
ووجه استنباطها أن أصحاب السفينة قد وصفوا بالمسكنة مع ملكهم إياها.
وقد سبق الشيخ إلى مثل هذا البغوي في تفسيره ووافقه السعدي في تفسيره كذلك٢.
الرابعة: أنه استدل بها على أنه أحسن حالًا من الفقير٣.
وممن استدل بها على ما ذكر الشافعي٤، وذلك أن الفقير: من لا مال له، والمسكين: من له مال لا يبلغ كفايته كأصحاب السفينة.
ثم ذكر الشيخ بقية ما يستنبط من هذه القصة من مسائل فقهيه، ومنها ما هو من قبيل الفقه بمعناه الاصطلاحي، ومنها ما هو من قبيله بمعناه العام.
وللشيخ "﵀" طريقتان واضحتان في إيراد المسائل الفقهية، وكلتاهما متمشيتان مع منهجه المقتضب غالبًا، وإحداهما أضر من الأخرى:
فالطريقة الأولى: أن يلفت النظر إلى نص الآية وما تضمنه من حكم فقهي ومن ذلك قوله مستنبطًا من أول سورة النور:
- حد الزانية.
- تحريم نكاح الزانية.
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص "٢٥٧". ٢ انظر تفسير البغوي "٣: ١٧٦" وتفسير السعدي "٥: ٧١". ٣ انظر مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٢٥٨". وانظر الاستدلال بها على ما ذكر الشيخ في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي "٨: ١٦٩". ٤ ذكره عن الشوكاني في فتح القدير "٣٠٣:٣" وذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن "٨: ١٦٩" أنه أحد قولي الشافعي وأكثر أصحابه.
[ ٢١٨ ]
- ما ذكر في رمي المحصنات ما لم يأتوا بالبينة.
- رد شهادتهم.
- كون الله سبحانه استثنى التوبة والإصلاح١.
إلى غير ذلك من الاستنباطات الفقهية الكثيرة جدًا في أول هذه السورة والتي لا يظن خفاؤها على من قرأ الآيات لظهورها.
والطريقة الثانية: أن يستنبط المسألة الفقهية من الآية.
ومن ذلك ما تقدم من استنباطاته من قصة "موسى والخضر" ٢.
وقوله مستنبطًا من سورة يوسف:
- قوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ ٣ فيه جواز بذل الأجرة لمن جاء بالسرقة٤.
- قوله: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ٥ استدل به على صحة الضمان ولزومه٦.
وقوله عند قول الله تعالى إخبارًا عن قول يوسف: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ ٧: جواب يوسف يدل على أن السرقة تثبت بوجود المسروق عند الرجل٨.
وهكذا.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٢٧٢،٢٧٣". ٢ انظر ما تقدم ص "٢١٦- ٢١٨". ٣ سورة يوسف: آية "٧٣". ٤ مؤلفات الشيخ/القسم الرابع/ التفسير ص "١٦٥" وانظر التحقيق ص "٣٦٨". ٥ سورة يوسف: آية "٧٢". ٦ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "١٦٥" وانظر التحقيق ص "٣٦٨". ٧ سورة يوسف: آية "٧٩". ٨ مؤلفات الشيخ/القسم الرابع/ التفسير ص "١٦٧" وانظر التحقيق ص "٣٧٢، ٣٧٥".
[ ٢١٩ ]
وتمشيًا مع هذا المنهج المختصر غالبًا نجد أن الشيخ لا يكاد يتعرض لأدلة المسائل المستنبطة- فيما أراد به التفسير والاستنباط- وإنما يكتفي باستنباطها من الآيات فتكون الآية ذاتها دليلًا على المسألة.
كما أنه لا يتعرض لذكر الأقوال في المسألة، ولكنه يشير أحيانًا إلى ما في الآية من حكم ورد على المخالف في تلك المسألة مصرحًا بردها عليه أو ملمحا.
ومن أمثلة ذلك قوله مستنبطًا من قصة موسى والخضر ﵉:-
- أنه يجوز أخذ الأجرة على العمل الذي لا يكلف خلاف ما توهمه بعضهم١.
وقوله مستنبطًا من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ٢:
الأمر بالأكل من الطيبات، ففيه رد على الغلاة الذين يمتنعون عنها، وفيه رد على الجفاة الذين لا يقتصرون عليها٣.
وقوله مستنبطًا من قول الله تعالى إخبارًا عن مقالة والد البنتين اللتين سقى لهما موسى "﵇" ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ﴾ الآية٤.
حيث قال الشيخ- وقوله: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ﴾ إلى آخره فيه أن هذه الإجارة صحيحة بخلاف قول كثير من الفقهاء، من منعهم الإجارة بالطعام والكسوة للجهالة٥.
الثانية: أن المنفعة يصح جعلها مهرًا للمرأة خلافًا لمن منع ذلك٦.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٢٥٧". ٢ سورة المؤمنون: آية "٥١". ٣ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٢٧٠". ٤ سورة القصص: آية "٢٧". ٥ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٢٨٩". ٦ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٢٨٩".
[ ٢٢٠ ]