اهتم الشيخ "﵀" بتفسير الصحابة، فكان كثيرا ًما يورد تفاسيرهم في الآية مكتفيًا بها حينًا، ومستفيدًا من فهمهم وتفسيراتهم حينًا آخر، وخصوصًا من اشتهر منهم بطول باعه، وتضلعه من علم التفسير كحبر الأمة ابن عباس وابن مسعود وغيرهما "﵃ أجمعين".
وذلك أن تفسير الصحابة ﵃ له المنزلة السامية بين تفاسير السلف، فإذا لم نجد التفسير في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله "ﷺ" فإننا نرجع إلى تفسيراتهم، وأقوالهم، واستنباطاتهم من القرآن وذلك لما ورد من الآيات المتكاثرة، والأحاديث المتواترة الناصة على كمالهم، والمورثة العلم القطعي بفضلهم وسبقهم وعدالتهم١، كما قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٢ وغير ذلك.
ولكونهم أدرى بالتفسير من غيرهم لما شاهدوه من القرائن والأحوال التى اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح.
وللشيخ "﵀" طريقتان في إيراد أقوال الصحابة والاستفادة من تفسيراتهم:
الطريقة الأولى: أن يصرح بذكر اسم الصحابي المروي عنه، كأن يقول: قال ابن عباس. أو قاله ابن عباس مثلا. أو نحو ذلك.
ومن أمثلة ذلك:
- قوله في تفسير قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾:
_________________
(١) ١ انظر مؤلفات الشيخ/ ملحق المصنفات/ رسالة في الرد على الرافضة ص "١٦- ١٩". ٢ سورة الفتح: آية "٢٩".
[ ٦٦ ]
اسمان مشتقان من الرحمة، أحدهما أبلغ من الآخر مثل العلام والعليم، قال ابن عباس: هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر١. أي أكثر من الآخر رحمة٢.
- وقوله في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ ٣: قال ابن القيم:- قال ابن عباس: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ يعني آدم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ لذريته٤.
- وقوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ ٥:
قال ابن عباس في رواية الوالبي٦- الصلصال: الطين اليابس.
وفي رواية: الذي إذا نقر صوت.
- وقوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ ٧.
_________________
(١) ١ أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص "٧١" من طريق السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. وهذه من أوهى الطرق عن ابن عباس. ٢ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "١٠". ٣ سورة الأعراف: آية "١١". ٤ أخرجه الطبري في تفسيره "١٢٦:٨" وانظر مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٨٢". ٥ سورة الحجر: آية "٢٦". ٦ لعل المراد بالوالبي هنا سعيد بن جبير، ويؤيده الرواية التي هي بنحو هذا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أخرجها الطبري في تفسيره "٢٧:١٤" ونحوها عن سعيد عن قتاده. وسعيد هو: ابن جبير بن هشام، الإمام، الحافظ، المقرئ، المفسر، الشهيد أبو محمد ويقال: أبو عبد الله الأسدي، الوالبي، مولاهم، الكوفي، أحد أعلام التابعين، صحب ابن عباس فأكثر عنه وجود، وأخذ عن غيره من الصحابة. وقتله الحجاج سنة "٩٥" خمس وتسعين من الهجرة، عن "٥٧" سبعة وخمسين عامًا. انظر طبقات ابن سعد "٦: ٢٥٦" سير أعلام النبلاء "٤: ٣٢١" تهذيب التهذيب "٤: ١١". ٧ سورة الجن: آية "١٦، ١٧".
[ ٦٧ ]
أخرج ابن جرير عن عمر: حيث كان الماء كان المال، وحيث ما كان المال كانت الفتنة١.
وقوله: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ "قال ابن عباس: شاقًا٢.
الطريقة الثانية: أن لا يصرح بذكر اسم الصحابي المروي عنه، ولكن يذكر أن هذا قول لبعض الصحابة، أو يذكر أنه قول بعض السلف أو نحو ذلك، والمعني هو ذلك الصحابي القائل. ومن أمثلة ذلك:
- قوله عند الكلام على قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ٣ بعد كلام له:
فذكر الله لمن أعرض عن القرآن وأراد الفقه من غيره عقوبتين:
أحداهما: المعيشة الضنك- وفسرها السلف بنوعين:
الأول: ضنك الدنيا. وهو أنه إن كان غنيًا سلط الله عليه خوف الفقر، وتعب القلب والبدن في جمع الدنيا، حتى يأتيه الموت ولم يتهن بعيش.
الثاني: الضنك في البرزخ وعذاب القبر.
وفسر الضنك أيضًا بالجهل، فإن الشك والحيرة لها من القلق وضيق الصدر ما لها٤، فصار في هذا مصداق قوله في الحديث "ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله" ٥.
_________________
(١) ١ أخرجه الطبري في تفسيره "٢٩: ١١٥" وانظر مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٣٥٩". ٢ أخرجه الطبري في تفسيره "١١٥:٢٩" إلا أنه قال: مشقة من العذاب يصعد فيها. فلعل الشيخ رواه بالمعنى. ٣ سور طه: آية "١٢٤". ٤ مؤلفات الشيخ/القسم الرابع/ التفسير ص "٢٦٧". ٥ جزء من حديث مرفوع رواه الدارمي في سننه/ كتاب فضائل القرآن/ باب فضل من قرأ القرآن "٤٣٥:٢" والترمذي في جامعه/ كتاب فضائل القرآن/ باب ما جاء في فضل القرآن "١٧٢:٥" ح "٢٩٠٦" ويصححه العلماء موقوفًا من كلام علي ﵁. وانظر الكلام عليه في كتاب "فضائل القرآن" لابن كثير بذيل تفسيره "٤: ٥٨٢".
[ ٦٨ ]
فالنوع الأول الذي ذكره الشيخ في تفسير المعيشة الضنك روي نحو معناه عن ابن عباس ﵄؛ حيث روي عنه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ يقول: كل مال أعطيته عبدًا من عبادي قل أو كثر، لا يتقيني فيه، لا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة. ويقال: إن قومًا ضلالًا أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين، فكانت معيشتهم ضنكًا، وذلك أنهم كانوا يرون أن الله ﷿ ليس بمخلف لهم معايشهم من سوء ظنهم بالله، والتكذيب به، فإذا كان العبد يكذب بالله ويسيء الظن به، اشتدت عليه معيشته فذلك الضنك١.
والنوع الثاني: مروي عن بعض الصحابة كأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة وابن مسعود رضي الله عنهم٢.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في تفسيره عن ابن عباس "٢٢٧:١٦" من طريق واهيه؛ إذ هو من طريق العوفي عنه. ٢ أخرجه الطبري في تفسيره "١٦: ٢٢٧، ٢٢٨".
[ ٦٩ ]