إن من أهم مميزات تفسير الشيخ بالرأي أنه يتمش مع روح الشريعة ومقاصدها، ويسير في إطار النصوص الشرعية، فهو إذا ليس تفسير ًا مجردًا متحررًا، وإنما هو تفسير مقيد في معناه ومضمونه، ومحدود بحدود التمشي مع النصوص، قد أشرب معانيها، وقرر مقاصدها ومراميها. فقرر الشيخ في تفسيره كثيرًا مما تقرر في الشرع من عقيدة، ومعاملات وآداب، ودروس، وعظات، وحذر مما حذر منه الشرع، من شر وفساد ورذيلة على وجه البسط تارة، والإيجاز تارة أخرى.
وما كان من هذا القبيل من التفسير هو ما يسميه الزركشي "بالتفسير بالمقتضى من معنى الكلام والمقتضب من قوة الشرع"١.
مع تمشيه مع دلالة اللفظ المفسر لغة على ما يقرره، من معان.
وشواهد ما ذكرته كثيرة ظاهرة، يتبين كثير منها من خلال ما سيأتي - إن شاء الله تعالى- من تركيزه على جانب العقيدة وترسيخها واهتمامه بما يتعلق بالاتجاه الإصلاحي وتحذيره من البدع كل ذلك من خلال التمشي مع النصوص٢.
ولأمثل هنا ببعض أمثلة القريبة التي تتضح من خلالها جليًا هذه السمة في تفسيره.
فمن ذلك-
قوله:- وأما البسملة فمعناها: أدخل في هذا الأمر من قراءة، أو دعاء/ أو غير ذلك "بسم الله" لا بحولي ولا بقوتي، بل أفعل هذا الأمر مستعينًا بالله، متبركًا باسمه تبارك وتعال٣
فانظر إلى ما أشار إليه من خلال البسملة من الاستعانة بالله، والتبري من الحول والقوة، والتبرك باسم الله تعالى، مما هو من مسلمات العقيدة.
_________________
(١) ١ البرهان في علوم القرآن للزركشي "٢: ١٦١". ٢ انظر ما يأتي من ص "١٢٦" إلى ص "٢١٣". ٣ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٩".
[ ١١٧ ]
ومما يوضح هذه السمة أيضًا قوله ضمن المسائل المستنبطة من قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ﴾ الآية١ حيث يقول:
- إن السحر نوعان.
- إن له تأثيرا، لقوله: ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ .
الإرشاد إلى التوكل، بكونه لا يضر أحدًا إلا بإذن الله٢.
فهذه المعاني التي استنبطها الشيخ كلها قد قررت في الشريعة، واعتقدها السلف.
حيث اعتقدوا أن السحر منه ما هو حقيقة، ومنه ما هو تخييل٣.
وأن له تأثيرا ولكن لا يكون إلا بإذن الله سبحانه وقدره ع وليس خارجًا عن قدره في ملكه، فمن توكل على الله كفاه ووقاه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ .
فانظر إلى تمشي الشيخ مع النصوص، وتقريره لمعانيها، وتسليمه لدلالتها والسلامة في التسليم لنصوص الشرع. ولله الحمد.
ومن تمشيه مع روح الشريعة ومقرراتها قوله:-
﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ٤ أي لابد أن يخلقكم للبعث كما بدأ خلقكم من نطفة. ثم قال: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ ٥ فهذا القدر يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، فجمع في هذه الآية الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالشرع، والإيمان بالقدر.
وذكر فيها تفصيل الشرع الذي أمر به، وذكر حال من عكس الأمر فجعل المنكر معروفا، والمعروف منكرًا، ثم ختم الآية بهذه المسألة
_________________
(١) ١ سورة البقرة: آية "١٠٢". ٢ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٢٣". ٣ تيسير العزيز الحميد "٣٨٣". ٤ سورة الأعراف: آية "٢٩". ٥ سورة الأعراف: آية "٣٠".
[ ١١٨ ]
العظيمة، وهى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١ فلا أجهل ممن هرب عن طاعة الله واختار طاعة الشيطان ومع هذا يحسب أنه مهتد مع هذا الضلال الذي لا ضلال فوقه٢.
ومن استضاءته بنور الشريعة أنه يذكر في الفروق الشرعية الدقيقة منبها عليها، ليميز بينها، فمن ذلك قوله عند قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ ٣ الآية.
إن إضافة العباد إليه إضافة الخاصة لا العامة٤.
ويعني بالإضافة التي تكون معها الكفاية، كما ذكر في موضع آخر٥ وهى إضافة تكريم وتشريف، بخلاف الإضافة العامة التي تشمل البر والفاجر كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ٦.
ومن ذلك أيضًا قوله عند قول الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ. قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٧ إن الشفاعة كلها له ومعرفة هذه بمعرفة صفة الشفاعتين٨. ويعني بالشفاعتين: الشفاعة المثبتة، وهي الشرعية، وتكون لمن أذن الله له ورضي عن المشفوع أن يشفع فيه.
والشفاعة المنفية، وهى خلاف ذلك وهي التي فيها شرك أولم تستوف شروطها٩.
"والله أعلم"
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: آية "٣٠". ٢ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "١٠٠". ٣ سورة الزمر: آية "١٠". ٤ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٣٢٣". ٥ انظر المرجع السابق ص "٣٣٠". ٦ سورة مريم آية: "٩٣" وانظر مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/التفسير ص "١٣٧" وقسم التحقيق ص "٣١٢". ٧ سورة الزمر: آية "٤٣، ٤٤". ٨ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٣٣٣". ٩ انظر مؤلفات الشيخ/القسم الأول/ العقيدة/ كتاب التوحيد ص "٥٢".
[ ١١٩ ]