لقد نال القصص القرآني جانبًا كبيرًا من اهتمام الشيخ، فلم يمنعه اختياره لآيات أو سور معينة، والاستنباط منها بأسلوب مركز مقتضب غالبًا من أن يتناول القصص بالدراسة والاستنباط، بل كان من الآيات المختارة أحيانًا ما يحي قصة من قصص القرآن، واهتمامه ذلك نابع من نظرته إلى القصص النظرة الصحيحة، وهي أن القصة القرآنية لا تخرج في أهدافها وغاياتها عن بقية أقسام القرآن، من توحيد، وأحكام ووعد ووعيد، كما أن للقصة القرآنية تأثيرها البالغ في القلوب والمشاعر، إذ هي ليست مجرد أحداث مضت، لأمم خلت، في أزمنة سلفت، بل فيها من العظة والعبرة ما فيه مدكر لمدكر، ومزدجر لمزدجر، ومواعظ لمعتبر، فهي جديرة بالاهتمام والعناية.
وقد نقل الشيخ عن بعض السلف قوله "القصص جنود الله" قال الشيخ: يعني إن المعاند لا يقدر يردها١.
ولأهمية القصص القرآني ذكره الحكيم الخبير في كتابه العزيز مرات ومرات ولذا قال بعض العلماء: إن القرآن على ثلاثة أضرب وذكروا منها القصص٢.
وقد اهتم الشيخ بالقصص القرآني اهتمامًا فاق فيه كثيرًا من المفسرين وسيأتي إن شاء الله إيضاح ملامح اهتمام الشيخ بالقصص وتميزه عن غيره.
والتنبيه على اهتمام الشيخ بالقصص ليس مجرد مسألة استقرائية – كما أن اهتمامه به لم يأت عفويا غير مقصود، بل نبه مرارًا إلى الاهتمام بقصص القرآن.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ/ القسم الثالث: مختصر سيرة الرسول ﷺ ص "٧". ٢ انظر البرهان في علوم القرآن "١: ١٨" وتفسير القاسمي "١٧: ٦٣٠١".
[ ٢٢٦ ]
والاعتبار بما فيه من دروس وعظات، إيمانًا بقول الله تعالى في شأن قصص الأولين ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ١ فيقول٢: ومن أوضح ما يكون لذوي الفهم قصص الأولين والآخرين، قصص من أطاع الله وما فعل بهم وقصص من عصاه وما فعل بهم، فمن لم يفهم ذلك ولم ينتفع به فلا حيلة فيه، كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ٣.
فيوضح بعبارته هذه أهمية القصص للمتفكرين المتدبرين لكتاب الله، الناظرين في القصة وأحداثها نظرة واعية، منصبة على النظر في أحوال الناجين وسبب نجاتهم وأحوال الهالكين وأسباب هلاكهم، ففي هذه عبر عظيمة لا يحرمها إلا من أعمى الله بصيرته، حيث أنها واقع مادي ملموس، فكيف يكابر العقل وتنكر المحسوسات.
ويقول الشيخ أيضًا مبينًا أهمية القصص وأن هدف القصة القرآنية هو ترسيخ المعاني الإيمانية والتحذير من ضدها والنص على موضع العظة والعبرة، لا مجرد التسلية، أو سرد الأحداث والوقائع للتسجيل التاريخي فحسب، يقول٤: ولما ذكر الله القصص في سورة الشعراء ختم كل قصة بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٥.أ. هـ. ومعنى آية: دلالة وحجة قاطعة وحكمة بالغة٦.
ويقول الشيخ: فقص الله ما قص لأجلنا كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ الآية.
_________________
(١) ١ سورة يوسف آية "١١١". ٢ مؤلفات الشيخ/ القسم الثالث/ مختصر سيرة الرسول ﷺ ص "٧". ٣ سورة "ق" آية: "٣٦". ٤ مؤلفات الشيخ/ القسم الثالث / مختصر سيرة الرسول ﷺ ص "١٠". ٥ سورة الشعراء الآيات "٨، ٦٧، ١٠٣، ١٢١، ١٣٩، ١٥٨، ١٧٤، ١٩٠". ٦ تفسير ابن كثير "١٥٥:٦".
[ ٢٢٧ ]
ولما أنكر الله على أناس من هذه الأمة في زمن النبي "ﷺ" أشياء فعلوها قال: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ الآية١.
وكذلك كان رسول الله "ﷺ" يقص على أصحابه قصص من قبلهم ليعتبروا٢.
ومن تنبيه الشيخ على أهمية القصص قوله مستنبطًا من قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
- الثناء على قصص الرسل وأن فيه عبرة.
- أن ما يفهم هذه العبرة مع وضوحها إلا أولوا الألباب.
- تعريضه سبحانه بالأحاديث المفتراه، وإقبال الأكثر عليها، واشتراء الكتب المصنفة بغالي الأثمان، وتكبر من اشتغل بها، وظنه أنه أفضل ممن لم يشتغل بها، وزعمه أنها من العلوم الجليلة، ومع هذا معرض عن قصص الأنبياء، مستحقر لها، زاعم أنه علم العوام الجهال٣.
فانظر إلى هذا الكلام، وما فيه من دلالة واضحة على اهتمام الشيخ بالقصص القرآني، وعلو منزلته عنده، وهو حرى بذلك.
ويقول أيضًا مؤكدًا ما سبق من الحث على تعلم القصص القرآني ومعرفته:- فاحرص على معرف ما جرى لأبيك آدم وعدوك إبليس، وما جرى لنوح وقومه وهود وقومه، وإبراهيم وقومه، ولوط وقومه، وموسى وقومه، وعيسى وقومه، ومحمد "ﷺ" وقومه.. لعلك تعرف الإسلام والكفر فإن الإسلام اليوم غريب، وأكثر الناس لا يميز بينه وبين الكفر، وذلك هو الهلاك الذي لا يرجى معه فلاح٤.
_________________
(١) ١ سورة التوبة: آية "٧٠". ٢ مؤلفات الشيخ/ القسم الثالث/ مختصر سيرة الرسول ﷺ ص "١١". ٣ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "١٨١" وانظر قسم التحقيق ص "٣٩٨". ٤ مؤلفات الشيخ/ القسم الثالث/ مختصر سيرة الرسول ﷺ ص"٨".
[ ٢٢٨ ]
فانظر كيف يربط الشيخ هنا بين معرفة القصص وأحداثه، وبين معرفة الإسلام والكفر، إذ أن ما جرى من أحداث بين من ذكر ليست مجرد أحداث شخصية ذاتية، وإنما تبين الصراع بين الحق والباطل، والخير والشر، إذ في محاجة الأنبياء بأقوامهم بيان وحدانية الله، ذي الأسماء الحسنى والصفات العلى، وتفرده بالربوبية والألوهية، وتقرير ذلك، وأمرهم أقوامهم بتحقيقه والبعد عما ينافيه أو يؤثر فيه.
ومعلوم أن القصص القرآني يتفاوت في أهميته، وما يثمره من عظة وعبرة، وما يستخلص منه من دروس، فبينما نجد بعض القصص يرد مرة واحدة في كتاب الله، نجد بعضه قد كثر وتكرر في مواضع متعددة، وبأساليب متنوعة، فبينما تجمل القصة في موضع، يسهب في ذكرها وذكر بعض تفاصيلها في موضع آخر، وذلك لما تميزت به تلك القصة عن غيرها من أهميه، وقد تحكي حالا مشابهة لبعض الأحوال عند نزول القرآن فتعالجها، وفي كل موضع ترد فيه تلك القصة المتكررة من كتاب الله، تقضي غرضًا مهما وتركز على جانب معين من جوانبها، ثم إن تكرارها بصياغات مختلفة مدعاة لأن يفهمها ويتعظ بها كل من يسمعها.
والشيخ تبعًا لذلك قد ركز على أهم القصص، وتعرض لدراستها، وواستنباط الدروس والعبر والفوائد منها. فلنلق نظرة على أهم القصص التي تعرض الشيخ لها وأهميتها بما يتضح به الدواعي لاختيارها.
أولًا: قصة آدم وإبليس:
وهي قصة الإنسان الأولى والتي ما زالت ولن تزال أثارها باقية إلى ن يرث الله الأرض ومن عليها. ولذا ذكرها الله ﷿ في غير ما موضع من كتابه مذكرًا عباده بها وممتنًا عليهم بتكريمهم بخلقه أباهم آدم ﵇ بيده، ونفخه فيه من روحه، وأمر ملائكته بالسجود له.
ومحذرًا إياهم من عدوهم اللعين الذي تكبر ونكص على عقبيه، ونظر إلى
[ ٢٢٩ ]
نفسه، وأعرض عن أمر مولاه، فلم يك من الساجدين، فلما لعنه الله وأبلسه، وسأل الله النظرة فأنظره إلى يوم الدين أقسم ليقعدن لعباد الله الصراط المستقيم ليصرفهم عنه بكل السبل فينقلبوا خاسرين، ويكونوا معه في سواء الجحيم إلا عباد الله المخلصين.
فلا غرابة إن تكررت هذه القصة العظيمة المستمرة. ولا غرابة أن يفردها الشيخ بالدراسة والاستنباط محذرًا مما حذر الله منه من كيد إبليس وإغوائه وصده عن الطريق المستقيم.
ثانيًا: قصة موسى وفرعون:
وهي امتداد للصراع بين الحق والباطل والخير والشر. الحق الذي يمثله موسى ﵇، بما يحمله من هداية وبيان ودعوة إلى الخير والشر الذي يمثله فرعون بتمرده وعتوه وطغيانه، وتجنيده نفسه وحاشيته لخدمة إبليس وطاعته بالصد عن سبيل الله، وإيذاء عباد الله، وتكذيب رسله، وبلوغ الغاية في العتو والتكبر بادعاء الألوهية. وهذا الصراع بين الحق والباطل لا يزال مستمرًا.
فهذه القصة من أعظم قصص الأنبياء كما أن فيها منهجًا عظيمًا للدعوة إلى الله والصبر عليها وحسن عاقبه الصابرين.
ثالثًا: قصة موسى والخضر:
وهي قصة عجيبة اشتملت على كثير من الفوائد والأحكام والقواعد، ففيها تعليم للإنسان بأن يسند العلم إلى الله تعالى، ويعلم أن ما أتاه الله من العلم بالنسبة لعلم الله كقطرة من بحر زاخر، فيطلب من الله المزيد، ويسعى في طلب العلم ويتحمل المشاق في تحصيله من أهله، وإن كان أعلى منهم رتبه.
وفيها آداب العالم والمتعلم، وما ينبغي لكل منهما. إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة التي نص الشيخ على بعضها.
فلأهمية هذه القصص مع كثرة ورود القصتين الأوليين في كتاب الله أفردهما الشيخ بالدراسة والاستنباط، ولم يقتصر على هذه القصص بل تناول غيرها بالذكر لها واستنباط المسائل والفوائد والعبر منها كقصة يوسف وإخوته وكثير من قصص الأنبياء ولكن عنايته بالقصص الثلاث السابقة قد فاقت غيرها فلذا أفردت بالذكر.
[ ٢٣٠ ]