يسير الشيخ وراء كتاب الله تعالى في الاهتمام بالعقيدة، وترسيخها، وحماية جنابها بإيضاح ما يناقضها من الشرك أو غيره أو يؤثر فيها. ومن هنا جاءت اهتمامات الشيخ في تفسير الآيات مركزة على ما نص عليه القرآن بل إنه في بعض الأحيان يرى أن النص القرآني لا يحتاج إلى بيان فيكتفي به كقوله مثلًا في بعض المسائل قوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ ١ وكونه: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ ٢.
ومن اهتمامه بحماية جناب التوحيد، من خلال الآيات القرآنية الاهتمام ببيان الشرق، والتحذير منه، وتقبيحه، ولذلك يقول عند قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣.
في الآيات أنواع من بطلان الشرك وتقبيحه:
الأول: استفهام، لإنكار "أي أن في قوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ دلالة على إنكار هذا الأمر".
الثاني: كيف يؤمر بهذا لغير الله. "أي بالعبادة".
الثالث: التسجيل عليهم بالجهل "أي بقوله: ﴿أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ .
_________________
(١) ١ سورة الكهف: آية "٣٦" ٢ سورة الكهف: آية "٣٦" وانظر مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع التفسير ص "٢٤٨" ٣ سورة الزمر: آية "٦٥".
[ ١٨٠ ]
الرابع: ما جاء من السمعيات أنه أوحى إليك بهذا الأمر العظيم.
الخامس: أنه أوحاه إلى من قبلك.
السادس: أن أقرب الخلائق منزلة لو يفعله لم يسامح.
السابع: أن الحسنات وإن كثرت- إذا وجد- أي الشرك- لم يبق منها شيء.
الثامن: كون ذلك المقرب لو يفعله لم يكف بطلان عمله بل صار من أولئك١.
ولتبيين خطر الشرك يقول عند قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ ٢.
المسألة التي لم يعرفها أكثر من يدعي العلم، وهي مسألة تكفير من أشرك، وحبوط عمله، ولو كان أعبد الناس وأزهدهم٣.
ويقول عند قول الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ٤.
المسألة العظيمة: وهي إخبار، ﵎ أن أكثر هذا الخلق لو آمن أفسد إيمانه بالشرك، فهذه أي هذه المسألة- فساد القوة العملية٥. كما ينبه أيضًا على أن في هذه الآية التنبيه على الاحتراز من اجتماع الإيمان مع الشرك المفسد، خصوصا لما ذكر أن هذا حال الجمهور٦.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٣٣٩". ٢ سورة الأنعام: آية "٨٨، ٨٩". ٣ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٦٧". ٤ سورة يوسف: الآيات "١٠٥- ١٠٧". ٥ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "١٧٨" وانظر قسم التحقيق ص "٣٩٢". ٦ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "١٧٨" وانظر قسم التحقيق ص "٣٩٢".
[ ١٨١ ]
ثم يستنبط من هذه الآيات أيضًا:- احتقارهم هذا العصيان العظيم كيف أمنوا عقوبة الدنيا. وهو يدل على جهالة من أمن ذلك. وكيف آمنوا أن تأتيهم الساعة بغته وهم لا يشعرون١.
وعند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ٢ يقول:- وصفهم بالشرك، وذكر أنهم يجعلون مع الله إلهًا آخر فلم يتركوا، وتقبيح ذلك في جعلهم معه ذلك كائنًا من كان٣.
وينبه على الوعيد في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وأنه لا يناقضه الإمهال٤.
وبما تقدم يتضح أن الشيخ ﵀ يهتم كثيرًا بالتنبيه على ما تضمنته الآيات مع الاختصار، مكتفيًا بالبيان القرآني الوافي نصه بإيضاح عظم الموضوع وأهميته، فيكتفي الشيخ في الغالب بلفت النظر إلى ما دلت عليه الآيات من عظم الشرك، أو غيره، وذلك واضح في القرآن فمن عرف فليلزم، ومن لم يعرف فليعرف.
وكما يوضح الشيخ مستنبطًا من الآيات عظم الشرك ينص على بعض أنواعه وأضربه وأسبابه، فيوضح أن من أعظم أسباب الشرك الغلو في الصالحين والجهل بعظمة الله عند قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ ٥ حيث يقول معرفة أن لا إله إلا الله كما في قصة آدم وإبليس ويعرف ذلك من عرف أسباب الشرك وهو الغلو في الصالحين، والجهل بعظمة الله٦.
وعند قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ/القسم الرابع/ التفسير ص "١٧٨" وانظر قسم التحقيق ص "٣٩٢". ٢ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "١١١". ٣ سورة الحجر: آية "٩٦". ٤ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "١٩٧". ٥ المرجع السابق بصحيفته. ٦ سورة الأعراف: آية "١٧٥" وما بعدها. ٧ سورة الزمر: آية "٦٧".
[ ١٨٢ ]
يقول: فيها التنبيه على سبب الشرك، وهو أن المشرك بان له شيء من جلالة الأنبياء والصالحين، ولم يعرف الله ﷾، وإلا لو عرفه لكفاه وشفاه عن المخلوق، وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية١.
وعند قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ ٢ يقول: إن الذين غلبوا على أمرهم قالوا: لنتخذن عليهم مسجدا فإذا تأملت ما قالوا، وأن الذي حملهم عليه محبة الصالحين، ثم ذكرت قوله "ﷺ" "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" ٣ عرفت الأمر٤.
فيلاحظ أن الشيخ هنا قد اختصر العبارة في إيضاح سبب الشرك، واقتصر على تفسير القرآن بالسنة، لإيضاح أن تعظيم الصالحين، والبناء على قبورهم، يؤدي إلى عبادتهم من دون الله.
ولاهتمام الشيخ بالتحذير من الغلو في الصالحين ترجم لثلاثة أبواب من "كتاب التوحيد" بما يحذر من الغلو في الصالحين وهي:- باب: ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين٥.
وقول الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ الآية٦.
وأورد حديث ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ٧.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٣٤٦". ٢ سورة الكهف: آية "٢١". ٣ رواه البخاري في صحيحه في مواضع منها/ كتاب الصلاة/ باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد؟ انظر الفتح "١: ٦٢٤" ح "٤٢٧" ومسلم في صحيحه ض مواضع منها/ كتاب المساجد/ باب النهي عن بناءا لمساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد "١: ٣٧٥، ٣٧٦" ح "٥٢٨". ٤ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ تفسير ص "٢٤٦" ٥ مؤلفات الشيخ/ القسم الأول/ العقيدة/ كتاب التوحيد ص "٥٦". ٦ سورة النساء: آية "١٧١". ٧ سورة نوح: آية "٢٣".
[ ١٨٣ ]
قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسي العلم عبدت١.
وباب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده٢؟!
وباب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله٣. ومما أورد فيه ما رواه ابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ ٤ قال: كان يلت لهم السويق فعكفوا على قبره٥.
وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: "كان يلت السويق للحاج"٦.
ويوضح الشيخ أيضًا عند قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٧ أن من شروط الإيمان بالله، واليوم الآخر أن لا يشرك بعبادة ربه أحدًا، ففيه التصريح بأن الشرك في العبادة، ليس في الربوبية.
وفيه الرد على من قال: أولئك يستشفعون بالأصنام ونحن نستشفع بالصالحين، لأنه قال: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، فليس بعد هذا بيان.
وافتتح الآية بذكر براءة النبي ﷺ الذي هو أقرب الخلق إلى الله وسيله، وختمها بقوله: ﴿أَحَدًا﴾ ٨.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه/كتاب التفسير/سورة نوح "١" باب "ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق" انظر الفتح "٨: ٥٣٥" ح "٤٩٢٠". ٢ مؤلفات الشيخ/ القسم الأول/ العقيدة/ كتاب التوحيد ص "٦٠". ٣ المرجع السابق ص "٦٤". ٤ سورة النجم: آية "١٩". ٥ تفسير الطبري "٥٨:٢٧". ٦ المرجع السابق "٢٧: ٥٩". ٧ سورة الكهف: آية "١١٠". ٨ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٢٦٠، ٢٦١".
[ ١٨٤ ]
ثم يوجه الشيخ النظر المتأمل إلى هذه الآية، ويبين أن معرفة بعض الفوارق بين مسائل العقيدة أساس لفهمها، فيقول واعلم رحمك الله أنه لا يعرف هذه الآية المعرفة التي تنفعه إلا من يميز بين توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية تمييزًا تامًا، وأيضًا يعرف ما عليه غالب الناس، إما طواغيت ينازعون الله في توحيد الربوبية الذي لم يصل شرك المشركين إليه، وإما مصدق لهم، تابع لهم، وإما رجل شاك، لا يدري ما أنزل الله على رسوله "ﷺ" ولا يميز بين دين الرسول ودين النصارى". والله أعلم١.
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص "٢٦١".
[ ١٨٥ ]