كثيرا ما يعمد الشيخ ﵀ إلى الاستنباط المباشر من الآيات دون التعرض لتفسيرها قبل ذلك تفصيلًا أو إجمالًا.
ولاشك أنه يتبين من خلال استنباطه فهمه الآيات، ووجهها عنده، إذ الاستنباط ناتج عن ذلك الفهم فلا يتصور أن يستنبط من الآيات الاستنباطات الصحيحة من لم يفهمها.
وفهم الشيخ هذا يعتمد في كثير من الأحيان على النظر المتأمل في الآيات دون الاعتماد على أثر في معناها فهو يندرج حينئذ تحت التفسير بالرأي. وينحى الشيخ هذا المنحى غالبا فيما يرى وضوح معناه عموما، وإنما يحتاج إلى النص على ما يقرره من مسائل، وما ينطوي عليه من فوائد. وأمثله هذه الطريقة كثيرة جدًا، إذ ينهج هذه الطريقة في أغلب تفسيره من ذلك:-
- استنباط من سورة الفاتحة حيث يقول:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: فيها التوحيد.
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فيها المتابعة١.
فهذه الاستنباطات المختصرة مبنية على فهم مسبق للآيات، ويتضح هذا الفهم من خلال تفسيره المبسوط لهذه الآيات فليراجع٢.
- وقوله مستنبطًا من أول سورة النور:- ٣
فيه مسائل:
الأولى: حد الزانية٤.
الثانية: النهي عن الرأفة ٥.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "١٨". ٢ المرجع السابق ص "١٦،١٧". ٣ المرجع السابق ص "٢٧٣، ٢٧٣". ٤ في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ . ٥ في قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ .
[ ١١٤ ]
الثالثة: قوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
الرابعة: تحريم نكاح الزانية٢.
الخامسة: ما ذكر الله في رمي المحصنات ما لم يأتوا بالبينة٣.
السادسة: رد شهادتهم٤.
السابعة. كون الله استثنى التوبة والإصلاح٥.
الثامنة: ما ذكر الله في رمي الإنسان زوجته، وفيه من الأحكام أنها إذا لم تلاعن ترجم٦.
إلى غير ذلك من الاستنباطات المتمشية مع ظاهر النص القرآني ومنها يتبين فهم الشيخ للآيات وإجراؤه إياها على ظاهرها والاكتفاء بالنص على ما فيها من أحكام.
ومن ذلك أيضًا قوله مستنبطًا من قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا
_________________
(١) ١ سورة النور: آية "٢". ٢ في قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ سورة النور آية "٣". ٣ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ . ٤ في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ آية "٤". ٥ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ آية "٥". ٦ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ. وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ الآيات "٦-٩".
[ ١١٥ ]
كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ ١ الإيمان بالقدر٢.
وهذا مبين لوجه المعنى عند الشيخ، وأنه يرى عود الضمير في قوله: ﴿نَسْلُكُهُ﴾ إلى الاستهزاء المذكور والكفر، كما ذهب إليه جمع من السلف على ما سيأتي بيانه في موضع آخر إن شاء الله تعال٣.
والأمثلة على هذا القسم كثيرة والغرض هنا بيان هدا المنهج والاستشهاد له لا استقصاء كل ما يندرج تحته.
والله أعلم.
_________________
(١) ١ سورة الحجر: الآيات "١١- ١٣". ٢ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "١٨٥". ٣ انظر ما يأتي ص "١٢٤" وقسم التحقيق ص "٤٠٥".
[ ١١٦ ]