وأعني به أن يبين معنى الآية ومقصدها إجمالا، دون آن ينص على معاني ألفاظها لفظة لفظة، وهذا منهج من مناهج التفسير، وقد كان أكثر ما يهتم به السلف من الصحابة وغيرهم أن يفهموا عن الله مراده، دون الاهتمام بالتشقيقات والتعريفات لكل كلمة، وأصلها، ومعناها الخاص، ولهذا وردعن أنس ﵁ قال: قرأ عمر بن الخطاب ﵁: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فلما أتى على هذه الآية: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد عرفنا الفاكهة، فما الأب؟ قال: لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف١.
ولعله- والله أعلم- يعني بذلك أن المعنى العام وهو امتنان الله على عباده بالنعم هو المراد وقد حصل وكل واحد يعلم أن الأب نبات لقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا. وَعِنَبًا وَقَضْبًا. وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا. وَحَدَائِقَ غُلْبًا. وَفَاكِهَةً وَأَبًّا. مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ ٢.
ومثل هذه الطريقة ينهجها الشيخ- غالبًا- عندما يرى وضوح معاني المفردات، أو عندما يركز على جانب الدعوة والإصلاح من خلال الآيات. ومن أمثلة هذه الطريقة:
قوله عند قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ ٣: أمر الله لنا آن نحاجهم بهذه الحجة القاطعة:- فإذا كان الله رب الجميع، وأيضًا أنه بإقراركم أنه عدل لا يظلم بل كل عامل فعمله له، وافترقنا في كوننا قاصديه٤ مخلصين له الدين، وأنتم قصدتم غيره، فكيف يساوى بيننا وبينكم أو يخص بكرامته من أعرض عنه دون من قصده؟ هذا لا يدخل عقل عاقل٤.
_________________
(١) ١ أخرجه الطبري في تفسيره "٣٠: ٥٩". ٢ سورة عبس الآيات "٢٧-٣٢" وانظر كلام ابن كثير ﵀ في توجيه قول عمر "رضي لله عنه" في تفسيره "٣٤٨:٨". ٣ سورة البقرة: آية "١٣٩". في النسخ المخطوطة والمطبوعة "قاصدينه" وهو سهو. ٤ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/التفسير ص"٤٠، ٤١" وقد فسرها بأبسط من هذا ص "٢٨، ٢٩".
[ ١١٢ ]
- وقوله عند قول الله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ ١ يقول تعالى: لما أجليتكم عن وطنكم فإن بعد هذا الكلام، وهو أني مرسل إليكم هدى من عندي، لا أكلكم إلى رأيكم، ولا رأي علمائكم، بل أنزل عليكم العلم الواضح الذي يبين الحق من الباطل والصحيح من الفاسد، والنافع من الضار، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ومعلو أن الهدى هو هذا القرآن٢.
وقوله عند قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ٣ التنبيه على سبب الشرك وهو أن المشرك بان له شيء من جلالة الأنبياء والصالحين ولم يعرف الله ﷾، وإلا لو عرفه لكفاه وشفاه عن المخلوق، وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية٤.
وقوله عند قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ ٥.
معناه: قام عبد الله يعبده كادوا يزدحمون عليه متراكمين، تعجبًا مما رأوا من عبادته، وإعجابًا بما تلا من القرآن لأنهم رأوا منه ما لم يروا مثله، وعبادة عبد الله ليس بأمر مستبعد عن العقل، ولا مستنكر، حتى يكونوا عليه لبدا٦، ثم ذكر أقوالًا أخر في معنى الآية.
_________________
(١) ١ سورة طه: آية "١٢٣". ٢ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٢٦٥". ٣ سورة الزمر: آية "٦٧". ٤ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٣٤٦". ٥ سورة الجن: آية "١٩". ٦ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٣٦٠".
[ ١١٣ ]