يتمشى الشيخ- من واقع سلفيته- مع أقوال السلف وتفسير اتهم للآيات، ويسير على منهجهم. وقد أكثر "﵀"- كما هو معلوم- من الإطلاع على كتبهم، وأقوالهم، حتى استقرت في ذهنه، وامتزجت بأسلوبه، فصار يقرر "﵀" ما قرروه من معان، ناهجا نهجهم، وسالكًا سبيلهم فنجد في تفسيره أقوالا قد قالوها، أو فسروا بها أو بنحوها، أصبحت من معارفه ومسلماته، وجرى بها قلمه، وزخرت بها مؤلفاته.
فغالب اختياراته في التفسير تجد له فيها سلفًا إن لم يكن بنصها فبمعناها، وهو أثر من آثار إطلاعه على تفاسير السلف، وفهمه لمعاني القرآن من خلال النظر الصحيح، المستضيئ بما يثمر له إصابة المعنى، ومن أهمه معرفة أقوال السلف وآرائهم وتفسير اتهم التي اهتم بها، وحث على تعلمها، كما يظهر ذلك في غير موضع من كلامه.
فمما يدل على اطلاعه على أقوال المفسرين:-
- قوله في سورة الفاتحة: وذلك أن قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وفى القراءة الأخرى "ملك يوم الدين" فمعناه عند جميع المفسرين كلهم ما فسره الله به في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ. ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ. يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ١.
- وقوله: وأنا أذكر لكم آية من كتاب الله أجمع أهل العلم على تفسيرها، وأنها في المسلمين، وأن من فعل ذلك- أي الشرك- فهو كافر في أي زمان كان، قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ إلى آخر الآية وفيها: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الانفطار: الآيات "١٧- ١٩" وانظر مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "١٣". ٢ سورة النحل: الآيتان "١٠٦، ١٠٧" وانظر مؤلفات الشيخ/ القسم الخامس/ الرسائل الشخصية ص "٢٧٢".
[ ١٢٠ ]
وقوله منكرًا طاعة الأئمة في مخالفة أمر الله تعالى بعد سياقه قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ الآية. فقد فسرها رسول الله ﷺ والأئمة بعده بهذا الذي تسمونه "الفقه" وهو الذي سماه الله شركا واتخاذهم أربابًا، لا أعلم بين المفسرين في ذلك اختلافًا٢.
ففي هذه الأقوال وغيرها دليل على ما ذكرت من اطلاعه على تفاسير السلف والمفسرين عمومًا، وأنه لا يفسر القرآن بمعزل عن ذلك.
وكما أطلع على تفاسيرهم، وأستفاد منها، فقد حث على العناية بها، والاطلاع عليها، وفهمهما والاستفادة منها.
فأنظر إلى قوله بعد أن ذكر بعض العلماء وذكر منهم ابن جرير وابن قتيبة وأبا عبيد: فهؤلاء إليهم المرجع في كلام الله، وكلام رسوله، وكلام السلف، وإياك وتفاسير المحرفين للكلم عن مواضعه، وشروحهم، فإنها القاطعة عن الله وعن دينه٣.
وقوله بعد أن ذكر بعض الآيات: واطلب تفاسير هذه الآيات من كتب أهل العلم، وأعرف من نزلت فيه، وأعرف الأقوال والأفعال التي كانت سببا لنزول هذه الآيات٤.
وغير ذلك مما هو دال على ما ذكرت من عنايته بكلام السلف من المفسرين، ولا شك أنه قد ظهرت آثار هذه العناية في تفسيراته برأيه الذي استضاء فيه بهذه الآراء كما سيتضح ذلك في غير موضع من تفسيره.
ومن ذلك:
قوله ضمن المسائل المستنبطة من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ
_________________
(١) ١ سورة التوبة: آية "٣١". ٢ مؤلفات الشيخ/ القسم الخامس/ الرسائل الشخصية/ ص "٢٧٧". ٣ مؤلفات الشيخ/ القسم الخامس/ الرسائل الشخصية/ ص "٢٥٩". ٤ المرجع السابق ص "٢٦١".
[ ١٢١ ]
الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١
التحذير من فتنة جدال منافق بالقرآن٢.
ووجه هذا الاستنباط أن الله أثنى على عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ولا يجادلون فيه فيضربون بعضه ببعض.
وقد ورد نحو هذا المعنى الذي ذكره الشيخ عن عمر ﵁ حيث ورد عنه أنه قال: يهدم الإسلام زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم اللائمة المضلي٣.
ومن ذلك قوله عند قول الله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ٤.
حيث قال: قوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ أي أحفظ ما وليتني عليه: ﴿عَلِيمٌ﴾ بأمره وحسابه واستخراجه٥.
فتفسيره هذا موافق لما ورد عن السلف، بل كأنه مستقرأ من تفاسيرهم؛ فقد روى الطبري عن قتادة: أنه قال: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ يقول: حفيظ لما وليت عليه، عليم بأمره٦.
وروى عن ابن إسحاق أنه قال: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، أي حافظ لما استودعتني، عالم بما وليتني٧ ، ثم أورد الطبري قولا آخر عن الأشجعي٨ حيث قال: ﴿إِنِّي
_________________
(١) ١ سورة الزمر: الآيتان "١٧، ١٨". ٢ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "٣٢٤". ٣ رواه الدارمي في سننه/المقدمة/باب في كراهة أخذ الرأي "١: ٧١". ٤ سوف يوسف: آية "٥٥". ٥ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "١٥٦". ٦ انظر تخريج الأقوال في موضعه من التحقيق ص"٣٥٤". ٧ انظر تخريج الأقوال في موضعه من التحقيق ص"٣٥٤". ٨ هو الإمام الحافظ، الثبت، عبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعي، الكوفي، قدم بغداد فلم يزل بها حتى توفي سنة "اثنتين وثمانين ومائة". قال ابن حجر في التقريب: ثقة، مأمون، أثبت الناس كتابا في الثوري. انظر تاريخ بغداد "١٠: ٣١١" وسير أعلام النبلاء "٥١٤:٨" وتهذيب التهذيب "٣٤:٧" وتقريب التهذيب "٣٧٣".
[ ١٢٢ ]
حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ حافظ للحساب، عليم بالألسن١.
ثم اختار القول الأول وهو قول قتادة وابن إسحاق.
بينما يظهر من كلام الشيخ استفادته من كلا القولين، وعدم قصره العلم على جانب دون جانب.
ومن ذلك أيضًا تعليله قول يعقوب ﵇: ﴿يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ الآية٢: أنه خاف عليهم من العين٣.
وهذا التعليل الذي ذكره وردعن ابن عباس ومجاهد وقتادة وجمهور المفسرين٤ ومن سيره على منهج السلف، أنه يبنى استنباطاته أحيانًا على تفسيراتهم وأقوالهم فمن ذلك قوله مستنبطًا من قول الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥ معرفة أن لا إله إلا الله عمل٦.
ووجه ذلك أنه قد ورد عن بعض السلف كأنس ومجاهد أن المراد بقوله: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي عن لا إله إلا الله٧.
فاستنبط الشيخ من ذلك أن لا اله إلا الله عمل، مشيرًا بذلك إلى أن العقيدة كما هي اعتقاد وقول فهي عمل أيضًا.
ومن ذلك قوله ضمن المسائل المستنبطة من قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ ٨ الإيمان بالقدر٩.
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري "١٣: ٥". ٢ سورة يوسف: آية "٦٧". ٣ مؤلفات الشيخ/القسم الرابع/ التفسير ص "١٦٣". ٤ انظر تخريج الأقوال في موضعه من التحقيق ص "٣٦٣". ٥ سورة الحجر: الآيتان "٩٢، ٩٣". ٦ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "١٩٦". ٧ انظر تخريج الأقوال في موضعه من التحقيق ص "٤٢١". ٨ سورة الحجر: آية. "١٢". ٩ مؤلفات الشيخ/ القسم الرابع/ التفسير ص "١٨٥".
[ ١٢٣ ]
ووجه ذلك أنه وردعن بعض السلف كابن جريح والحسن وابن زيد:- أن المراد كذلك نسلك الكفر والتكذيب في قلوب المجرمين١. وهذا هو القدر فنص الشيخ على هذا الركن من أركان الإيمان الذي دلت عليه الآية، وهو ما ذهب إليه من ذكر من السلف وغيرهم.
فتبين بما سقته من أمثله أن تفسير الشيخ واستنباطاته ليست بمعزل عن تفسيرات السلف واستنباطاتهم وإنما هو مقرر لها ومؤكد ودائر في إطارها. ولله الحمد والمنة.
_________________
(١) ١ انظر تخريج الأقوال في موضعه من التحقيق ص "٤٠٥".
[ ١٢٤ ]