"ذكر ما ذكر الشيخ محمد ﵀ على سورة يوسف من المسائل" ١
بسم الله الرحمن الرحيم ٢
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾
روى "ابن جرير" ٣ عن سعد بن أبي وقاص٤ قال:
_________________
(١) ١ ما بين القوسين ساقط من "س" وهو في "ب": "ذكر ما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى علي سورة يوسف من المسائل". ٢ البسملة ساقطة من المطبوعة. ٣ في "ض": "ابن جبير". وابن جرير هو الإمام، العلم، المجتهد، الثقة، المقرئ، المفسر، الفقيه: أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي الطبري. صاحب التصانيف البديعة، منها تفسيره "جامع البيان عن تأويل آي القرآن" وتاريخ الأمم والملوك "وتهذيب الآثار" لم يتمه وغيرها. توفي سنة "٣١٠" عشر وثلاثمائة. قال الذهبي: كان ثقة، صادقًا، حافظًا، رأسًا في التفسير، إمامًا في الفقه والإجماع والاختلاف، علامة في التاريخ وأيام الناس، عارفًا بالقراءات وباللغة، وغير ذلك. انظر: تاريخ بغداد "٢: ١٦٢" سير أعلام النبلاء "١٤: ٢٦٧" معرفة القراء الكبار "١: ٢٦٤" طبقات المفسرين للداوودي "٢: ١١٠". ٤ هو صاحب رسول الله ﷺ: سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري القرشي: أبو إسحاق، أحد السابقين إلى الإسلام، أسلم وهو ابن سبع عشرة سنة، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وآخرهم موتا، شهد بدرًا، وأحدًا، والحديبية، والمشاهد كلها، وجمع له الرسول ﷺ بين أبويه يوم أحد – فقال: "ارم فداك أبي وأمي". وهو أحد الستة أهل الشورى، وقائد القادسية، تولى إمارة الكوفة زمنًا، وكان مجاب الدعوة روى جملة من الأحاديث في الصحيحين وغيرهما واختلف في تاريخ وفاته. واختار الذهبي أنها كانت سنة خمس وخمسين من الهجرة. انظر الطبقات الكبرى لابن سعد "٣: ١٣٩" تاريخ بغداد "١: ١٤٤" أسد الغابة لابن الأثير "٢: ٣٩٠" سير أعلام النبلاء "١: ٩٢" الإصابة لابن حجر "٣: ٨٣".
[ ٢٨٦ ]
"أنزل" ١ على النبي ﷺ القرآن فتلاه "زمانا" ٢، فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا، فنزل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ ٣ الآية، وله عن ٤ عون بن عبد الله٥ قال: مل الصحابة ملة، فقالوا: يا رسول الله "حدثنا" ٦ فنزل:
_________________
(١) ١ في "س" والمطبوعة "أنزل الله". ٢ في "س": زمانًا طويلًا. ٣ رواه ابن جرير الطبري في تفسيره "١٢: ١٥٠" بلفظ: أنزل على النبي ﷺ القرآن، قال: فتلاه عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله: لو قصصت علينا، فأنزل الله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ..﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ..﴾ الآية. قال: ثم تلاه عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا، فأنزل الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا..﴾ إلى آخره. ورواه البزار في مسنده "٣/٣٥٢" أثر "١١٥٢، ١١٥٣" وأبو يعلى في مسنده "٢: ٨٧" أثر رقم "٧٤٠" وابن أبي حاتم في تفسيره "ص ١٥، ١٦" أثر "١٥" وابن حبان في صحيحه، انظر الإحسان "٨: ٣١" والحاكم في مستدركه "٢: ٣٤٥" وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والواحدي في أسباب النزول "٣١١" وأورده السيوطي في الدر المنثور "٤: ٤٩٦" وزاد نسبته إلى إسحاق بن رواهويه، وابن المنذر، وأبي الشيخ. ٤ أي لابن جرير. ٥ هو الإمام القدوة، العابد: عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أبو عبد الله الهذلي الكوفي. وثقه أحمد وغيره. وقال ابن سعد والبخاري: كان ثقة، كثير الإرسال. توفي سنة بضع عشرة ومائة. انظر طبقات ابن سعد "٦: ٣١٣" والتاريخ الكبير للبخاري "٧/١٣" وسير أعلام النبلاء "٥: ١٠٣" وتهذيب التهذيب "٨: ١٧١". ٦ في "س" و"ب": لو حدثتنا.
[ ٢٨٧ ]
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾، ثم ملوا ملة فقالوا: "يا رسول الله" ١ "حدثنا٢" ما فوق الحديث "ودون٣" القرآن – يعنون القصص – فأنزل الله أول هذه السورة إلى قوله: ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ٤.
ومما يدل على أن القرآن كاف عما سواه "من الكتب٥" أن عمر أتى النبي ﷺ بكتاب "فقرأه٦" عليه، فغضب، فقال: "أمتهوكون "فيها ٧ " يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء "نقية ٨ "، لا تسألوهم
_________________
(١) ١ سقط من المطبوعة لفظ الجلالة. وهو خطأ مطبعي. ٢ ساقطة من "س" و"ب" ومثبتة في هامش "ض". ٣ في المطبوعة "دون" وهو خطأ مطبعي. ٤ رواه الطبري في تفسيره "١٢: ١٥٠" بلفظ: مل أصحاب رسول الله ﷺ ملة فقالوا: يا رسول الله حدثنا، فأنزل الله ﷿: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾، ثم ملوا ملة أخرى فقالوا: يا رسول الله حدثنا فوق الحديث ودون القرآن – يعنون القصص – فأنزل الله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ . ورواه أبو عبيد في فضائل القرآن "ص٧" ح "١٣". وذكره الواحدي في أسباب النزول "٣١٢" بدون إسناد. ٥ ساقطة من "س" و"ب" ومثبتة في هامش "ض". ٦ في "ض" و"ب": فقرأ عليه. ٧ في "س" مثبتة في الهامش. ٨ في "س" مثبتة في الهامش.
[ ٢٨٨ ]
عن شيء "فيخبروكم ١ " بحق "فتكذبوا به" ١، أو بباطل "فتصدقوا به" ١ والذي نفسي بيده لو كان موسى حيا ما وسعه إلا إتباعي" رواه أحمد٢.
وفي لفظ أنه استكتب "جوامع٣" من التوراة وقال "ألا أعرضها٤" عليك؟
وفيه: "لو أصبح فيكم موسى ٥ ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين" ٦.
وقد انتفع عمر بهذا، فقال للذي نسخ كتاب دانيا٧: امحه بالحميم٨ والصوف
_________________
(١) ١ في "س" و"ض" و"ب": فيخبرونكم، وفي النسخ المخطوطة: أيضًا والمطبوعة "فتكذبونه، فتصدقونه" والتصويب في المسند. ٢ رواه الإمام أحمد في المسند "٣٨٧:٣" من حديث جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى "النبي ﷺ" بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي "ﷺ"، فغضب فقال: "أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية. لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى "ﷺ" كان حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني". ورواه الدارمي في سننه "١: ١١٥" وحسنه الألباني في تخريج المشكاة "١: ٦٣" ح "١٧٧" ٣ في "ب" جوامعا. وهو خطأ. ٤ في "ب" لاعرضهاه. ٥ في المطبوعة بزيادة "حيا" ولم أجدها في غيرها، وليست هي في هذه الرواية عند أحمد. ٦ رواه الإمام أحمد في المسند "٣: ٤٧١" من حديث عبد الله بن ثابت. وفيه جابر الجعفي، متكلم فيه. إلا أن الحديث السابق يشهد له. والله أعلم. ٧ يقال: إنه أحد أنبياء بني إسرائيل، ممن وقع ض أسر بختنصر، فأتى به بابل، فتوفي في تلك الديار، فلما افتتح المسلمون مدينة السوس، بقيادة أبي موسى الأشعري "﵁" في خلافة عمر "﵁" وجدوا جثة دانيال وكتابه، فكتب إلى عمر يستشيره في شأنه. فأمره أن يغسله، ويكفنه، ويدفنه في مكان، ويخفي قبره، لئلا يفتتن به. والله أعلم- انظر مصنف ابن أبي شيبة "٧: ٤" أثر "٣٣٨١٨، ٣٣٨١٩" وفتوح البلدان للبلاذري "٥٣٣" وتاريخ الأمم والملوك "٣/١٨٧" ومجموع الفتاوى "١٥: ١٥٤" والبداية والنهاية "٢: ٣٧". ٨ الحميم: الماء الحار. انظر مجمل اللغة لابن فارس "٢١٨:١": حم، ولسان العرب لأبن منظور "١٢: ١٥٣":حمم.
[ ٢٨٩ ]
الأبيض. وقرأ عليه أول "هذه١" السورة. وقال: لئن بلغني أنك قرأته أو أقرأته أحدًا من الناس لأنهكنك عقوبة٢.
والمراد بأحسن القصص: القرآن، لا قصة يوسف وحدها٣. وقوله: ﴿تِلْكَ﴾ أي: هذه٤ ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ "أي٥" الواضح الذي يوضح الأشياء المبهمة وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ "أي٦" "تفهمون٧" معانيه.
_________________
(١) ١ ساقطة من "ب". ٢ رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده انظر مجمع الزوائد للهيثمي "١٨٢:١" قال الهيثمي: وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي ضعفه أحمد وجماعة. أ. هـ. ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره ص "١٦، ١٧، ١٨" في مصنفه "٦: ١١٤" أثر "١٠١٦٦" وابن الضريس فضائل القرآن "١٠٢" أثر "٨٨" نحوه مختصرا. ٣ وبهذا قال الضحاك والزجاج حيث قال: تبين لك أحسن البيان. واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية واستدل له، فقال في قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾: المراد الكلام الذي هو أحسن القصص، وهو عام في كل ما قصه الله لم يخص به سورة يوسف ولهذا قال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ ولم يقل: بما أوحينا إليك هذه السورة، والآثار المأثورة عن السلف تدل كلها على ذلك. أ. هـ. انظر معاني القرآن وإعرابه "٣: ٨٨" ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام "١٧: ٣٩" والدر المنثور "٤: ٤٩٨". ٤ ﴿تِلْكَ﴾ هي كما قال الشيخ بمعنى "هذه" إلا أن الإشارة فيه للبعيد، والبعد هنا بعد منزلة للتشريف. انظر في ذلك شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك "١٣٦:١" وبصائر ذوي التمييز إلى لطائف الكتاب العزيز للفيروز آبادي "٢٦:٣" والدرر السنية "١٠: ٣٩". ٥ سقطت من "ض" والمطبوعة. ٦ سقطت من "س". ٧ في "ب" تفقهون.
[ ٢٩٠ ]
والقصص: مصدر قص الحديث يقصه "قصصا"١
﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ ٢ "أي"٣ بإيحائنا٤ إليك هذا القرآن.
وقوله: ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ أي "من"٥ الجاهلين به هـ وهذا "مما"٦ يبين جلالة القرآن، لأن فيه دلالة على أن "علمه"٧ "ﷺ" من القرآن.
وفيه دلالة على٨ جلالة الله "سبحانه"٩ وقدرته١٠، ودلالة على١١ عظيم نعمته على نبيه "ﷺ"١٢.
"وفيه دلالة"١٣ على كذب من أدعى أن غيره من الكتب أوضح منه١٤.
_________________
(١) ١ في "ب" "قصا" وانظر البحر المحيط "٥: ٢٧٨"، ولسان العرب "٧: ٧٤": قصص. ٢ ليست في شيء من النسخ التي بين يدي، وزدتها إذ يقتضيها السياق. ٣ سقطت من "س". ٤ قوله"بإيحائنا" تأويل لقوله تعالى: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا﴾ إشارة إلى أن "ما" وما دخلت عليه في تأويل مصدر. انظر معاني القرآن للفراء "٢: ٣٢" وتفسير الطبري "١٢: ١٥٠" والبحر المحيط "٥: ٢٧٩". ٥ سقطت من المطبوعة. ٦ سقطت من "س". ٧ في "ب" "علم النبي" ٨ في "ب" بزيادة "أن" بعد "على". ٩ زيادة من "ق". ١٠ من أوجه تلك الدلالة قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ إذ عظم تعالى نفسه بقوله: ﴿نَحْنُ﴾، وقص عليه أحسن القصص من أخبار الأولين وغيرها مما لم يكن النبي ﷺ يعلمه من قبل. ١١ في "ب" بزيادة "أن" بعد "على". ١٢ مما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ إذ خصه بالإنزال عليه من بين قومه، وعلمه ما لم يكن يعلم. ١٣ مثبتة في هامش "ض". ١٤ ولعل من أولئك بعض المقلدة الجامدين الذين يعدلون عن النظر في القرآن والاهتداء به إلى النظر في أقوال أئمتهم الاستنباط منها؛ زاعمين أنهم لا يستطيعون أن يأخذوا من القرآن مباشرة. وقد رد عليهم الشيخ المصنف وعرض بهم عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ انظر مؤلفات الشيخ/القسم الرابع/ التفسير ص "٢٦٣".
[ ٢٩١ ]
﴿إِذْ ١ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٢.
أبوه: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم "﵇"٣، "والكواكب"٤: عبارة عن أخوته، والشمس والقمر عبارة عن "أبيه وأمه"٥، ووقع تفسيرها بعد أربعين "سنة"٦.
وقيل: ثمانين٧، حين رفع أبويه على العرش، وخروا له سجدًا.
_________________
(١) ١ في المطبوعة قوله ﷿. وليس في شيء من النسخ التي أطلعت عليها. ٢ في "س" من قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ﴾ إلى آخر الآية ملحق بالهامش. ٣ وقد ورد هذا النسب الكريم في قول النبي ﷺ "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" رواه البخاري في صحيحه في مواضع منها: كتاب أحاديث الأنبياء/ باب قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ انظر الفتح "٤٨٢:٦" ح "٣٣٩٠" والترمذي في جامعة: كتاب التفسير/ باب ١٣ ومن سورة يوسف "٥: ٢٩٣" ح "٣١١٦". ٤ في "ب": "الكوكب". ٥ في "س" "أمه وأبيه". وقال بذلك في تأويل الكواكب والشمس والقمر قتادة وابن جريج والضحاك وابن زيد كما أخرجه عنهم الطبري في تفسيره "١٢: ١٥١، ١٥٢". وانظر تفسير البغوي "٢: ٤٠٩" وتفسير ابن كثير "٤٨٥:٢". ٦ رواه الطبري في تفسيره "١٣: ٦٩، ٧٠" عن سلمان الفارسي وعبد الله بن شداد، وكذا رواه عن سلمان أيضًا الحاكم في مستدركه "٣٩٦:٤" بسند صححه ابن حجر. وقوى هذا القول الحافظ ابن حجر في فتح الباري "٣٩٣:١٢" بعد أن ذكر غيره من الأقوال ٧ رواه الطبري في تفسيره "١٣: ٧٠، ٧١" عن الحسن والفضيل بن عياض. وقيل غير ذلك. فانظر تفسير البغوي "٢: ٤٥١" وتفسير ابن كثير "٢: ٤٨٥" والدر المنثور "٤: ٥٨٨، ٥٨٩".
[ ٢٩٢ ]
ولما كان تعبيرها خضوعهم له خشي إن حدثهم "أن يحسدوه"١ فيبغون له الغوائل وثبت أن رسول الله ﷺ أمر من رأى "ما يحب"٢ أن يحدث به، ولا يحدث "به"٣ إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليتحول إلى جنبه الآخر، ويتفل عن يساره ثلاثا، ويتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره٤.
_________________
(١) ١ في "ض" و"ب": أن يحسدونه. وهو خطأ من الناسخ. ٢ في المطبوعة: ما يجب. وهو خطأ مطبعي. ٣ مثبتة في "ب" دون بقية النسخ. ٤ وردت هذه التوجيهات النبوية في أحاديث متفرقة "حسبما اطلعت عليه" فعن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره". رواه أحمد في المسند في مواضع منها "٨:٣" والبخاري في صحيحه: كتاب التعبير/ باب الرؤيا من الله. انظر الفتح "١٢: ٣٨٥" ح "٦٩٨٥" والترمذي في جامعه كتاب الدعوات/ باب ما يقول إذا رأى رؤيا يكرهها "٥٠٥:٥" ح "٣٤٥٣". وعن أبي قتادة: سمعت النبي ﷺ يقول: "الرؤيا الحسنة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان وليتفل ثلاثًا، ولا يحدث بها أحدًا، فإنها لا تضره"، رواه البخاري في صحيحه/ كتاب التعبير/ باب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها. انظر الفتح "١٢: ٤٤٩" ح "٧٠٤٤" ومسلم في صحيحه: كتاب الرؤيا "٤: ١٧٧١، ١٧٧٢" ح "٢٢٦١". وعن جابر عن النبي "ﷺ" أنه قال: "إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثًا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه". أخرجه أحمد في مسنده "٣٥٠:٣" ومسلم في صحيحه كتاب الرؤيا "٤: ١٧٧٢، ١٧٧٣" ح "٢٢٦٢". وأبو داود في سننه كتاب الأدب/ باب ما جاء في الرؤيا "٣٠٥:٤" ح "٥٠٢٢" وابن ماجة كتاب التعبير/ باب من رأى رؤيا يكرها "١٢٨٦:٢" ح "٣٩٠٨".
[ ٢٩٣ ]
وفيها١: عدم الوثوق بنفسك وبغيرك. قيل للحسن: أيحسد المؤمن؟ قال: أنسيت إخوة يوسف٢؟!
وفيها التنبيه على السبب وهو عداوة الشيطان للإنسان.
"وفيها: كتمان النعمة ما لم يؤمر بإظهارها" ٣.
وفيها: كتمان السر.
﴿٤ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيم﴾ .
أي كما اختارك لهذه الرؤيا ﴿كَذَلِكَ﴾ ٥ يختارك لنبوته: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ .
قال مجاهد٦ وغيره: عبارة الرؤيا٧ ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بإرسالك ﴿كَمَا أَتَمَّهَا
_________________
(١) ١ في "س" و"ب": وفيه. ٢ ذكر ابن الجوزي نحوه فقال: قال حميد: قلت للحسن: أيحسد المؤمن المؤمن؟ قال: لا أبالك! ما نساك بني يعقوب؟! انظر زاد المسير "٤: ١٩١" ٣ ساقطة من "ب" ٤ في المطبوعة: "قوله": وليست في شيء من النسخ التي اطلعت عليها. ٥ في "ض" ملحقه بالهامش. ٦ هو الإمام التابعي، الثقة، المقرئ، المفسر، الحافظ: مجاهد بن جبر المخزومي، مولاهم، المكي "أبو الحجاج". كان إمامًا في التفسير فقد ورد عنه أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات أقف عند كل آية أسأله: فيم نزلت؟ وكيف كانت؟ ولذا قال الشافعي: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. قال فيه ابن سعد: ثقة، فقيه، عالم، كثير الحديث. توفي سنة "ثلاث ومائه" وهو ابن "ثلاث وثمانين" سنه انظر طبقات ابن سعد "٤٦٦:٥" حلية الأولياء "٢٦٩:٣" سير أعلام النبلاء "٤: ٤٤٩" معرفة القراء الكبار "١: ٦٦" غاية النهاية ترجمه "٢٦٥٩" تهذيب التهذيب "١٠: ٤٢". ٧ قاله مجاهد والسدي وابن أبي نجيح كما أخرجه عنهم الطبري في تفسيره "١٢: ١٥٣، ١٧٦" وابن أبي حاتم في تفسيره "ص ٣١، ٣٢" أثر "٣٣". وذكره ابن الجوزي عن ابن عباس بدون إسناد. انظر زاد المسير "٤: ١٨١".
[ ٢٩٤ ]
عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ . وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي عليم بمن يصلح للاجتباء. ﴿حَكِيمٌ﴾ في الأشياء في مواضعها. وهذا من أنفع العلوم، يعني معرفة الله، تعالى، ولا يعتني به إلا من عرف قدره.
وفيها: "البشارة"١ بالخير، وأنه ليس من مدح الإنسان المنهي عنه٢.
وفيها: تولية النعمة مسديها سبحانه "وتعالى"٣.
وفيها "سؤال الله"٤ "إتمام"٥ النعمة. وأن علم التعبير علم صحيح "يمن"٦ الله به على "يشاء"٧ "من عباده"٨.
_________________
(١) ١ في "ب" بشارة. ٢ وردفي النهي عن المدح أحاديث منها: ما ورد عن أبي بكرة أن رجلًا ذكر عند النبي "ﷺ" فأثنى عليه رجل خيرًا، فقال النبي ﷺ: "ويحك قطعت عنق صاحبك" - يقوله مرارا- "إن كان أحدكم مادحًا لا محالة فليقل: أحسبه كذا وكذا- إن كان يرى أنه كذلك- وحسيبه الله ولا يزكي على الله أحدًا". رواه البخاري في صحيحه/ كتاب الأدب/ باب ما يكره من التمادح. انظر الفتح "١٠: ٤٩١" ح "٦٠٦١" ومسلم في صحيحه/ كتاب الزهد والرقائق/ باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط وخيف منه فتنة على الممدوح "٤: ٢٢٩٦" ح"٣٠٠٠". كما وردت أحاديث أخرى دالة على الإباحة منها: قول النبي ﷺ لعمر: "والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا قط إلا سلك فجًا غير فجك". رواه البخاري في صحيحه/ كتاب فضائل الصحابة/ باب مناقب عمر رفي الله عنه/ انظر الفتح "٧/٥٠" ح "٣٦٨٣" ومسلم في صحيحه/ كتاب فضائل الصحابة/ باب من فضائل عمر ﵁ "٤/ ١٨٦٣، ١٨٦٤" ح "٢٣٩٦". قال ابن حجر والضابط- أي في المدح الجائز- أن لا يكون في المدح مجازفة.، ويؤمن على الممدوح الإعجاب والفتنة. انظر فتح الباري "١٠: ٤٩٤". ٣ ساقطة من "س". ٤ في المطبوعة: سؤال الله تعالى. ٥ في "ض وب": تمام ٦ في "س": من. ٧ في "ض": شاء. ٨ ساقطة من "ض" و"ب".
[ ٢٩٥ ]
﴿١ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ .
يعني أن في ذلك "عبرًا"٢ وفوائد "لمن سأل"٣، فأنه خبر يستحق السؤال ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ شقيقه٤ ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ "أي"٥ جماعة، وقوله: ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٦ أي "في"٧ تقديمهما علينا٨، وقوله: ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ ٩ أي ألقوه في أرض بعيده ﴿يَخْلُ لَكُمْ﴾ وحدكم١٠ ﴿وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا
_________________
(١) ١ في المطبوعة: وقوله ﷿. وليس في شيء من النسخ التي أطلعت عليها. ٢ في "ض" و"ب": عبر. وهو خطأ. ٣ في "س": لمن يسأل الله. وفي المطبوعة: لمن يسأل. ٤ في المطبوعة بزيادة "أي" قبلها. ٥ ساقطة من المطبوعة. ٦ في "ض": "في ضلل" بدون قوله "مبين". ٧ ساقطة من "ب" والمطبوعة. ٨ وقال بذلك الطبري في تفسيره "١٢: ١٥٥" وأخرج بسنده عن السدي أنه قال: في ضلال من أمرنا. والبغوي في تفسيره "٢: ٤١١". وقال: وليس المراد من هذا الضلال الضلال عن الدين، ولو أرادوه لكفروا به بل المراد منه الخطأ في تدبير أمر الدنيا ، وابن كثير في تفسيره "٤٨٧:٤". ٩ أو: ساقطة من المطبوعة. ١٠ س ساقطة من "ب".
[ ٢٩٦ ]
مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ ١ أي تتوبون٢.
وقوله: ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ أي أسفله ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أي المارة من المسافرين ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ "أي "إن"٣ كنتم عازمين"٤ على ما تقولون.
قال ابن إسحاق: لقد اجتمعوا على أمر عظيم يغفر الله لهم وهو أرحم الراحمين٥.
وفيها مسائل:
منها ما نبه الله "تعالى"٦ عليه أن هذه القصة فيها عبر. قال بعضهم: فيها أكثر من ألف مسألة٧.
وفيها: أن الذي ينتفع بالعلم هو الذي يهتم به ويسأل عنه.
وأعظم ما فيها: تقرير الشهادتين بالأدلة الواضحة٨.
_________________
(١) ١ في "س" قال بعد قوله: ﴿صَالِحِينَ﴾: الآية. ولا وجه لذلك. ٢ في "ب" "يتوبون". وقال بهذا التفسير الطبري في تفسيره "١٢: ١٥٥" وأخرجه بسنده عن السدي. والبغوي "٢: ٤١٢" وابن كثير بمعناه "٤٨٧:٤" حيث قال: أضمروا التوبة قبل الذنب. وذكر ابن الجوزي عن مقاتل وجهًا آخر حيث قال: يصلح حالكم عند أبيكم. انظر زاد المسير "٤: ١٨٤" والأظهر ما ذكره الشيخ لوجوه منها:
(٢) إن من أعظم ما يقف في وجه من يفكر في ارتكاب الجريمة الخوف من سوء العاقبة وتأنيب الضمير، فهو نوا على أنفسهم الخطب بتنبيت نية التوبة بعد الفعل.
(٣) إن صلاح حالهم عند أبيهم قد تضمنه قولهم: ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ فالقول بالتفسير الثاني- يقتضي التكرار، فيما يظهر، فاجتنابا لذلك يقال: إن المراد هو التوبة. لإصلاح حالهم عند أبيهم. والله أعلم. ٣ "إن" ساقطة من "ض". ٤ في "س" مثبتة في الهامش. ٥ أخرجه عنه ابن أبي حاتم "ص ٤٢" أثر "٥٥" ضمن كلام طويل. ٦ ساقطة من "س". ٧ قاله العلامة ابن القيم "﵀". وقال: لعلنا إن وفق الله أن نفردها في مؤلف مستقل. انظر الجواب الكافي "ص ٢٥١". ٨ المراد بقوله "وأعظم ما فيها" أي القصة عمومًا- فمن أدلة شهادة أن لا إله إلا الله، ما أخبر الله به من قول يوسف "﵇": =
[ ٢٩٧ ]
وفيها: أن الوالد يعدل بين الأولاد لئلا "يوقع"١ بينهم القطيعة، وأن ذلك ليس مختصًا بالمال٢.
_________________
(١) = ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ . وأما شهادة "أن محمدًا رسول الله" فمن إخباره ﷺ بهذه القصة مطابقة للواقع والصحيح في الكتب السابقة مع أنه ﷺ كما قال الله فيه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ فدل على أن ذلك من لدن حكيم خبير، وأنه رسوله ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ . وقد استنبط الشيخ منها: تنبيه الله على آية الرسالة بأن هذه القضية غيب لا يتوصل إليه الرسول إلا بالوحي لكونه لا يقرأ ولا يخط ولا أخذ عن عالم. انظر ما يأتي ص "٣٩١" والمطبوعة ص "١٤٦، ١٤٧، ١٧٧". ١ في "س": يقع وفي المطبوعة: تقع. ٢ المعنى الذي أشار إليه الشيخ صحيح من حيث هو، ولعل وجه استنباطه أن فعل الإخوة ناتج من توهمهم تفضيل أبيهم يوسف وأخاه عليهم، مع أنه لم يقع، فدل على أن وقوع التفضيل حقيقة مدعاة لحدوث القطيعة. وليس في الآيات- فيما يظهر لي- ما يدل على أن يعقوب "﵇" لم يعدل بين أولاده. وأما محبة الأب لأصغر أبنائه، ومزيد العناية بهم، فأمر طبيعي، مركوز في الفطر وهم محتاجون لها. وعلاوة على ذلك فإن مزيد محبة يعقوب ليوسف هي لما توقع له من النبوة، وخصوصًا بعد رؤياه، ولكن لم يكن ذلك على حساب إخوته أبدًا، وإن توهموه. والميل القلبي مما لا يؤخذ الله به إذا لم يكن له أثر في الخارج. "والله أعلم"
[ ٢٩٨ ]
وفيها: غلط العالم في الأمر الواضح١، وتغليطه من لا ينبغي تغليطه "لقولهم"٢: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ الآية٣.
وفيها: أن الإنسان لا يغتر بالشيطان "إذا"٤ زين له المعصية ومناه التوبة.
وفيها شاهد للمثل المعروف "بعض الشر أهون من بعض"٥.
وفيها: شاهد لقوله: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه" ٦.
وسيأتي بعض ما فيها من المسائل "في مواضعه"٧ إن شاء الله تعالى.
﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
_________________
(١) ١ المراد غلط إخوة يوسف بحسدهم ومكيدتهم إياه معتزين بكثرتهم حيث قالوا: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ وغلطوا أباهم النبي بقولهم: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . ٢ في "س" و"ب": لقوله. ٣ قوله: "الآية" ساقط من "ض". ٤ في "ب": وإذا. ٥ انظر المثل في مجمع الأمثال للميداني "١: ١٦٤". وموضع استنباط هذا قوله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ..﴾ الآية. فالإلقاء شر وقطيعة.، ولكنه أهون من القتل. ٦ رواه أحمد في مسنده في مواضع منها "١٧٤:١" والترمذي في جامعه كتاب الزهد/ باب ما جاء في الصبر على البلاء "٤: ٦٠١، ٦٠٢" ح "٢٣٩٨" وقاله حسن صحيح. وابن ماجة في سننه كتاب الفتن/ باب الصبر على البلاء "٣: ١٣٣٤" ح "٤٠٢٣" والدارمي في سننه/كتاب الرقائق/ باب في أشد الناس بلاء "٢: ٣٢٠". وابن حبان في صحيحه/ كتاب الجنائز وما يتعلق بها/ ذكر الأخبار عما يجب على المرء من توطن النفس على تحمل ما يستقبلها من المحن والمصائب. انظر الإحسان "٤: ٢٤٥" ح "٢٨٩٠" والحاكم في مستدركه "١: ٤٠، ٤١" و"٣٤٣:٣" كلهم من رواية مصعب بن سعد عن أبيه. وعند الحاكم بلفظ: "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم العلماء ثم الأمثل فالأمثل". ٧ في "ب" "في مواضعها".
[ ٢٩٩ ]
قال ابن عباس وغيره: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ يسعى "وينشط"١، وفى قراءة "نرتع ونلعب"٢ فيه الرخصة في بعض اللعب خصوصا للصغار.
وفيه التحفظ على الأولاد.
وعليه إرسالهم مع الأمناء الناصحين.
وفيه عدم الاغترار بحسن الكلام.
﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ .
قال: أنه "ليشق علي"٣ مفارقته وقت ذهابكم "به"٤ لفرط محبته ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ ٥ أي تشغلون عنه برميكم "ورتعكم"٦ فأخذوها منه وجعلوها عذرهم، ومن الأمثال "البلاء موكل بالمنطق"٧.
وفيه: أنه لم يتهمهم "بما أرادوا"٨ ولكن خاف من التقصير في حفظه ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ أي: إن عدا عليه فأكله ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي"٩ جماعة إنا إذا لعاجزون.
فيه "الذم"١٠ لمن ترك الحزم، وفيه آن العجز هلكة.
_________________
(١) ١ في "ض" و"س" و"ب" والمطبوعة: وينبسط. والوارد عن ابن عباس ما أثبته. وبه قال الضحاك، انظر تفسير الطبري "١٥٨:١٢، ١٥٩". ٢ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر "نرتع ونلعب" بالنون. "أخبر الاخوة عن أنفسهم". ثم قالوا: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ . وقرأ أهل المدينة والكوفة "يرتع ويلعب" بالياء إخبارًا عن يوسف. وأما العين: فقرأ نافع وابن كثير: "نرتعِ" بكسرها "من الرعي". وقرأ الباقون: "نرتعْ" بإسكانها.- انظر حجة القراءات لابن زنجلة "ص٣٥٥، ٣٥٦" والكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي "٢: ٥، ٦، ٧" والنشر في القراءات العشر للجزري "٢: ٢٩٣". ٣ في "ب" "يشق عليه". ٤ ساقطة من "ب". ٥ انظر تفسير ابن كثير "٤: ٣٠١". ٦ في "ض" و"ب" والمطبوعة: ورعيكم. ٧ انظر مجمع الأمثال للميداني "١: ٢٦". ٨ في "ب" "بما أراد". ٩ ساقطة من "ض" و"ب" والمطبوعة. ١٠ في "س" و"ب": ذم
[ ٣٠٠ ]
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ .
"هذا"١ فيه تعظيم لما فعلوا أنهم أتفقوا على "إلقائه"٢ في أسفل الجب، وقد "أخذوه"٣ من أبيه بذلك الكلام.
وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ ٤ قيل: كان قد أدرك٥.
وقيل٦: أوحي إليه كما أوحي إلى عيسى "ويحيى"٧، وقوله: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي لا يشعرون بأنك٨ يوسف، "كذا"٩ روي عن ابن عباس١٠.
وقيل لا يشعرون بإيحائنا ذلك إليه١١.
_________________
(١) ١ في "ب": هذه. ٢ في "س": إلقاءه. ٣ في المطبوعة: أخذوا. ٤ قال في "س" بعد قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ الآية. ٥ قال في لسان العرب: أدرك الغلام وأدرك الثمر أي بلغ: انظر اللسان "١٠: ٤٢٠": درك. والقول بأن يوسف حينئذ قد أدرك عزاه ابن الجوزي والخازن إلى أبن السائب والحسن حيث ذكرا عنهما أن سنه حينئذ كان سبع عشرة سنة. وقيل غير ذلك. انظر تفسير الخازن "٣/٢٦٨" وزاد المسير "٤/١٩٠". ٦ ذكر ابن الجوزي والخازن عن الحسن والضحاك نحوه حيث ذكرا عن الحسن أن سنه حينئذ "اثنتا عشرة" سنه وعن الضحاك قال ست سنين. انظر زاد المسير "٤: ١٩٠" وتفسير الخازن "٣: ٢٦٨" وانظر ما يأتي ص "٣٠٦" ٧ في "ب" بزيادة "إلى" قبلها. ٨ في "ض" مثبتة في الهامش. وفى "ب" "لا يشعرون أنك". ٩ في "ب": كذلك. ١٠ انظر تفسير الطبري "١٢: ١٦٢". ١١ أخرجه الطبري في تفسيره "١٢: ١٦١، ١٦٢" عن مجاهد وقتادة. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره "ص ٥٣، ٥٤" أثر "٧٧" عن ابن عباس.
[ ٣٠١ ]
"وفيه"١ جواز الذنوب على الصالحين.
وفيه "الرجاء"٢ "لرحمة الله"٣.
وفيه: أن "لله"٤ سبحانه "في"٥ وقت البلاء "نعما"٦ عظيمة.
وفيه: أن الماكر يصير وبال مكره عليه، ولكن "لا يشعر"٧، ولو شعر لما فعل.
﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ٨ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ٩.
لما رجعوا إليه باكين "إظهارا للحزن على يوسف "١٠ "اعتذروا"١١ باستباقهم وهو
الترامي "وقالوا"١٢: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ ١٣ وقوله:١٤ ﴿عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ أي "عند"١٥
_________________
(١) ١ في "س" و"ب": فيه. ٢ في "ب" والمطبوعة: رجاء. ٣ في "ض" و"ب" والمطبوعة: رحمة الله ٤ في "ض"و"س" و"ب" والمطبوعة: الله ٥ ساقطة من "ض" و"ب". ٦ في "س": "نعم". ٧ في "س"مثبتة في الهامش وفي "ب" "لا يشعرون". ٨ في هامش "س": ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ إلى آخر الآية. ٩ ساقطة من "ب". ١٠ في "ب": واعتذروا. ١١ قاله البغوي "٤١٤:٢" وابن كثير "٤٨٨:٢". وعزاه ابن الجوزي إلى ابن عباس. وقاله ابن قتيبة حيت قال: والمعنى يسابق بعضنا بعضا في الرمي. وذكر البغوي وابن الجوزي عن السدي أنه قال: نشتد على أقدامنا. واللفظ محتمل للمعنيين، ولا نص أعلمه بتعيين أحدهما، والحاصل أنهم اعتذروا بانشغالهم عنه. والله أعلم. انظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص "٢١٣" وزاد المسير "٤: ١٩١، ١٩٢" ١٢ في "ض": وقوله ١٣ ما بين القوسين ساقط من "ب" ١٤ في "س": وأما قوله. وفي "ب": قوله. ١٥ ساقطة من "ض" و"ب" "والمطبوعة".
[ ٣٠٢ ]
ثيابنا "وأمتعتنا"١.
وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي لست بمصدقنا ولو كنا صادقين عندك فكيف مع التهمة؟
وقوله: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ نسوا أن يخرقوا القميص، فعرف كذبهم٢. "وقوله"٣: ﴿سَوَّلَتْ﴾
أي٤ زينت "أو سهلت"٥. والصبر الجميل: الذي لا شكوى معه.
قوله: ﴿تَصِفُونَ﴾ آي تذكرون.
وفيه من الفوائد:
عدم الاغترار ببكاء الخصم، وعدم الاغترار بزخرف القول. وما يجعل الله على الباطل من العلامات.
وفيه الاستدلال بالقرائن٦.
_________________
(١) ١ في "س" مثبتة في الهامش. ٢ أخرج الطبري في تفسير ة "١٢: ١٦٤" القول بنحو ما ذكر الشيخ عن ابن عباس والحسن والشعبي. ٣ في "ض" و"ب": قوله. ٤ ساقطة من "س". ٥ في "س": وسهلت. ٦ حيث استدل بعدم خرق القميص على كذبهم. ومثله ما سيأتي من شهادة يوسف حيث استعمل القرينة- وهى قد القميص- وحكم بها. فالاستدلال بالقرائن أمر متقرر في الشرع. وهذا ما لم تعارضها قرائن أخرى. وانظر الكلام على هذا الباب مطولا في: تبصرة الحكام لابن فرحون "١١١- ١٣٠" والطرق الحكمية لابن القيم "٣، ٤" وغالب الكتاب.
[ ٣٠٣ ]
وفيه ما ينبغي استعماله عند المصائب، وهو الصبر الجميل، والاستعانة بالله، وأن
التكلم بذلك حسن١.
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ ٢ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى ٣ هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ .
السيارة: الرفقة السائرون٤. والوارد: الذي يرد الماء "ليستقي"٥ للقوم٦.
وقوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ أي أظهروا أنهم أخذوه بضاعة من أهل الماء.
وقوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ﴾ أي باعوه٧ في مصر بثمن قليل، لأنهم لم يعلموا حاله.
_________________
(١) ١ قوله: بذلك. أي بالصبر والاستعانة وهو مستنبط من قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ويؤيد هذا الاستنباط قوله تعالى إخبارًا عن مقولة الأنبياء: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ إبراهيم "١٢". ومن السنة قول عائشة ﵂ في قصة الإفك: إني والله لا أجد مثلا إلا أبا يوسف ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ . أخرجه البخاري في عدة مواضع منها: كتاب التفسير /سورة يوسف/ باب ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ انظر الفتح "٢١٣:٨" ح "٤٦٩٠". ومسلم كتاب التوبة/ باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف "٤:٢١٢٩" ح "٢٧٧٠". ٢ قال في "ض" بعد قوله "وارد هم": إلى قوله: ﴿مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ . ٣ في "ب": يا بشراي. ٤ انظر في هذا المعنى تفسير الطبري "١٦٦:١٢" وتفسير البغوي "٤١٥:٢". ٥ في "ض" والمطبوعة: "يستسقي". ٦ انظر في هذا المعنى تفسير الطبري "١٦٦:١٢" وتفسير البغوي "٤١٥:٢" ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج "٩٧:٣". ٧ الشرى: من الأضداد يقال: شراه أو اشتراه بمعنى باعه أو ابتاعه. ولكن الأكثر أن "شرى" بمعنى: باع، و"اشترى" بمعنى: ابتاع. والمعني في الآية ما ذكره الشيخ. انظر تفسير الطبري"١٧٠:٢" ومجمل اللغة لابن فارس "٥٢٧:٢" وكتاب الأضداد لأبن الأنبا ري ص"٧٢" والمفردات للراغب ص "٢٦٠" ولسان العرب "٤٢٧:١٤" مادة: شرى.
[ ٣٠٤ ]
"وفيه من الفوائد"١:
أن الله يبتلي أحب الناس إليه بمثل هذا البلاء العظيم عليه وعلى أبيه، ومن ذلك البلاء أنه سلط عليه من يبيعه بيع العبد.
وفيه: أنه لا ينبغي للعاقل أن يستحقر أحدا، فقد يكون زاهدا فيه وهو لا يعلم.
﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ٢ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
قال ابن مسعود" أفرس الناس ثلاثة: العزيز "حين"٣ تفرس في يوسف،والمرأة "حين"٤ قالت يا أبت استأجره، وأبو بكر في عمر٥.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ ٦ أي: كما أنجيناه من كيد اخوته، ومن الجب، وجعلناه عند من يكرمه مكنا له: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيث﴾ ٧ أي "إنما"٨
_________________
(١) ١ مكرره في "س". ٢ قال في "س"بعد قوله: أكرمي مثواه: إلى أخره. ٣ في المطبوعة: حيث. ٤ في "س" و"ب" التي. ٥ المراد بالمرأة هي المرأة التي قالت في موسى ﵇: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ كما في سورة القصص آية رقم "٢٦" وأبو بكر في عمر حين استخلفه بعده. والأثر أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى "٢٧٣:٣" وابن جرير في تفسيره "١٧٦:١٢" وابن أبي حاتم في تفسيره"ص٠ ٨، ٨١" أثر "١٣٥". والطبراني في المعجم الكبير "١٨٥:٩" أثر "٨٨٣٠،٨٨٢٩"والحاكم في مستدركه "٣٤٥:٢" وصححه. ٦ في هامش "س": ليوسف في الأرض. ٧ ما بين القوسين ساقط من "س". ٨ في "ب" "أنا".
[ ٣٠٥ ]
فعلنا ذلك لحكمة وهى "إعطاؤنا"١ إياه العلم والعمل٢.
وقوله٣: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ "أي"٤: الذي يجري ما أراد لاما أراد العباد
"كما لم يعمل"٥ كيدهم في يوسف.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ما أعظمها من فائدة لمن "فهمها"٦!
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ .
تقول العرب: بلغ أشده أي منتهى شبابه٧.
"قيل"٨: الحلم٩. وقيل: أكثر من ذلك١٠.
_________________
(١) ١ في "ض" و"س": إعطائنا. ٢ تقدم ذكر الشيخ عن مجاهد أن المراد بتأويل الأحاديث: عبارة الرؤيا، واقتصر عليه هنالك، بينما فسرها الشيخ هنا بإعطاء العلم والحكم فلعله يرى أن تأويل الأحاديث أعم من مجرد تفسير الرؤيا كما ورد نحو ذلك عن ابن زيد حيث قال: تأويل الكلام: العلم والحكم، وكان يوسف أعبر الناس وقرأ ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ . انظر تفسير الطبري "١٥٣،١٥٤:١٢" والبحر المحيط لأبي حيان "٥: ٢٨١" وزاد المسير "١٨١:٤". ٣ في "س": وقال. ٤ ساقطة من "ب". ٥ في "ب" "كالم يعلم". ٦ في هذا إشارة إلى عدم الاغترار بما عليه السواد الأعظم. وهو ما ينبه إليه الشيخ كثيرا. انظر ما تقدم في قسم الدراسة ص "٢١٠" وما بعدها. ٧ انظر في هذا المعنى مجاز القرآن لأبى عبيده "١: ٣٠٥"تفسير الطبري "٨: ٨٥" "١٧٦:١٢" وكتاب الأضداد للأنباري "٢٢٤" وتفسير البغوي "٤١٧:١٢". ٨ في "س": وقيل. ٩ قاله زيد بن أسلم والشعبي وربيعة ومالك أخرجه عنهم ابن أبي حاتم في تفسيره "ص٨٥،٨٦،٨٧" أثر "١٤٨،١٤٧،١٤٦،١٤٥" وعزاه السيوطي إخراجه عن الشعبي لعبد بن حميد أيضا. انظر الدر المنثور "٥١٨:٤". ١٠ حيث قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون سنة. وقال الضحاك: عشرون سنة. وقال الحسن أربعون سنة. وقال عكرمة.: خمس وعشرون=
[ ٣٠٦ ]
وقوله١: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ العلم: معرفة الأشياء. والحكم. العمل به وإصابة "الحق"٢.
وقوله٣: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني أن هذا ليس مختصا "بيوسف"٤ بل الله سبحانه يجازي "المحسنين بخير الدنيا والآخرة، ومن ذلك "أنه"٥ "يجازي"٦ "المحسن"٧ بإعطائه العلم "والحكم"٨.
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِه ٩ِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ فيه مسائل:
_________________
(١) = وقال السدي: ثلاثون سنة. وقيل غير ذلك. قال الحافظ: والحق أن المراد بالأشد بلوغ سن الحلم ففي يوسف ﵇ ظاهر ولهذا جاء بعده: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ أ. هـ يعني أنها إنما راودته لما بلغ مبلغ الرجال. انظر تفسير الطبري "١٧٨،١٧٧:١٢" وابن أبي حاتم "ص ٨٣، ٤ ٨، ٨٧، ٨٨" أثر "١٤٠-١٤٤،١٤٩،١٥٠" وكتاب الأضداد للأنباري "٢٢٤" وزاد المسير "٤: ٢٠٠" وفتح الباري "٨: ٢٠٩". ١ في "ض" و"ب": قوله. ٢ في "ض"و"ب" المحز. والمراد به مفصل الأمور ٠ ٣ في "ض"و"ب": قوله. ٤ في "س" مثبتة في الهامش. ٥ في "س": أن. ٦ من قوله "المحسنين" إلى قوله "يجازي" الثانية ساقط من "ب". ٧ في "ض": المحسنين. ٨ "ض" و"ب": والحكمة. ٩ في "س" بعد قوله: عن نفسه: الآية.
[ ٣٠٧ ]
الأولى: قوله: ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ إن هذا١ جائز في "شريعته"٢ بخلاف شريعتنا٣ لأنها لو كانت سمحة في العمل "فإنها"٤ حنيفية في التوحيد.
الثانية: مراعاة حق المخلوق.
الثالثة: شكر نعمة المخلوق "لقوله: ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ "٥
الرابعة: القاعدة الكلية: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ .
الخامسة: التنبيه على "عدم مخالطة"٦ الخدم "للنساء"٧ خصوصًا إذا كان في الخادم داعية٨.
_________________
(١) ١ يرى الشيخ- كما يظهر من هذا الاستنباط والاستنباط الثالث والرابع والسابع هنا- أن الضمير يرجع إلى العزيز زوج المرأة. وهذا هو قول الأكثر وبه قال مجاهد والسدي وابن إسحاق. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:- وهو أصح القولين. أ. هـ وقال بعض المفسرين: ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ أي إن الله تعالى ربي. والأول أصح. انظر تفسير الطبري "١٨٢:١٢" وتفسير ابن أبى حاتم "ص١٨،٩٩" أثر "١٧١، ١٧٣، ١٧٤" وتفسير البغوي "٣: ٤١٨" وزاد المسير"٤: ٠٣ ٣" وتفسير ابن تيمية "التفسير الكبير" "٥: ٥٤". ٢ في "س" والمطبوعة: شريعتهم. ٣ فقد قال رسول الله ﷺ: "لا يقولن أحدكم: عبدي، فكلكم عبيد الله ولكن ليقل: فتاي. ولا يقل العبد: ربي، ولكن ليقل سيدي" رواه أحمد في مسنده "٤٩٦،٤٤٤:٢" ومسلم في صحيحه كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها/ باب حكم إطلاق لفظ العبد والأمة والمولى والسيد "١٤٦٤:٤" واللفظ له. ٤ في "ض"و"ب"والمطبوعة: فهي. ٥ هذه المسألة في "ض" مثبتة في الهامش. وما بين القوسين ساقط من "ب". ٦ في "س" مثبته في الهامش. ٧ في "ب": النساء. ٨ رحم الله الشيخ فما أدق تفطنه لهذه المسألة، وما أعظم خطر عدم مراعاتها، وخصوصا مع ضعف الإيمان وموت الغيرة. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
[ ٣٠٨ ]
السادسة:- معرفة كمال يوسف "﵇"، فإن صبر لا يعرف له نظير.
السابعة: براءته "﵇"١ من الحول والقوة "بقوله"٢: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ "أي: أعوذ بالله ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ أي سيدي، ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ أي أكرمني"٣.
الثامنة: "ان"٤ الاعتذار بحق المخلوق لا بأس به، ولو كان في القضية حق الله ومعنى "هيت لك": أقبل٥.
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ ٦ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فيه مسائل٧:
_________________
(١) ١ في "ض": "ﷺ". ٢ في "ض" و"ب" والمطبوعة "لقوله" وما أثبته من "س" وكذا هو في "ق". ٣ من قوله "أعوذ بالله" إلى قوله "أكرمني" ساقط من "ب" من هذا الموضع ومثبت بعد قوله "أقبل" وفي "ض" مثبت في الهامش. وسقطت "أي" الأولى من "ض" والمطبوعة. ٤ ساقطة من "س". ٥ في "س" والمطبوعة: أي أقبل. والقول بأن هيت لك" بمعنى "أقبل" قال به ابن عباس ومجاهد والسدي والحسن وغيرهم. أخرجه عنهم ابن جرير في تفسيره "١٨٠،١٧٩:١٢". كما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسره "ص٩٤،٩٣،٩٢" أثر "٦١ ا- ١٦٦" عن ابن عباس ومجاهد وانظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج "٩٩:٣". ولسان العرب "٣: ١٠٥" مادة: هيت. ٦ قال في "س" بعد" وهم": الآية. ٧ في "س": فيها.
[ ٣٠٩ ]
الأولى: أن الهم الذي لا يقترن به عمل ولا قول لا يعد ذنبا، كما في الحديث "إن الله تجاوز لهذه الأمة "عما حدثت" ١ به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل" ٢.
الثانية: أن الذي صرفه عن ذلك فضل تفضل الله عليه به تلك الساعة غير إيمانه الأول، "وهذه"٣ من أعظم ما يعرف الإنسان "نفسه"٤.
_________________
(١) ١ في "س" و"ب": ما حدثت. ووردت به بعض الروايات. ٢ في "ب": أو تعلم. وقد رواه البخاري في صحيحه في مواضع منها كتاب العتق/ باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه.. انظر الفتح "١٩٠:٥" ح "٢٥٢٨". ومسلم في صحيحه/ كتاب الإيمان/ باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر "١١٧،١١٦:٦" ح "٢٠٢،٢٠١". وأقول إضافة لكلام الشيخ: بل إن الهم بالذنب الذي لا يقترن به قول ولا عمل إذا تركه المرء لله أثيب عليه كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله "ﷺ": "يقول الله تعالى: إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة. فإن عملها فاكتبوها بمثالها". رواه البخاري/ كتاب التوحيد / باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ نظر الفتح "٤٧٣:١٣" ح "٧٥٠١" ومسلم كتاب الإيمان/ باب إذا هم العبد بحسنة. كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب "١١٧:١"ح "١٢٨" واللفظ له. وقد اختلفت عبارات المفسرين في هم يوسف ﵇، وخاص كثير منهم فيما لم يحط بعلمه، وغالبه اعتماد على الإسرائيليات، إذ لم يأت عن الله أو عن رسوله "ﷺ" شيء مما ذكروا وقد أحسن شيخ الإسلام "﵀" الكلام في هذا المقام فراجعه، وأورد العلامة الشنقيطي "﵀" الأقوال وناقشها وخلص إلى أن الحقيقة لا تتعدى أحد أمرين:
(٢) إما أن يكون لم يقع منه هم أصلا بناء على تعليق همه على عدم رؤية البرهان وقدر أي البرهان.
(٣) وإما أن يكون همه الميل الطبيعي المزموم بالتقوى. انظر التفسير الكبير لشيخ الإسلام "٥: ٧٧- ٩٩" وأضواء البيان للشنقيطي "٣: ٦٨". ٣ في "س": وهذا. ٤ في "س": بنفسه. وفي"ب" سقطت جمله "وهذه من أعظم ما يعرف الإنسان نفسه".
[ ٣١٠ ]
الثالثة: أن هذا الفضل سببه ما تقدم له من العمل الصالح، فمن ثواب العمل حفظ "الله"١ للعبد كما في قوله: "احفظ الله يحفظك" ٢
الرابعة: معرفة قدر الإخلاص، حيث أثنى الله على يوسف أنه من أهله.
الخامسة: السابقة التي سبقت من الله كما قال أبو عثمان ٣: لأنا بأول هذا اأمر أفرح مني بآخره٤.
_________________
(١) ١ لفظ الجلالة في "س" مثبت في الهامش. ٢ جزء من حديث ابن عباس في وصية النبي "ﷺ" رواه أحمد في مسنده "٣٠٧،٢٩٣:١" والترمذي في جامعه/ كتاب صفة القيامة باب ٥٩ "٦٦٧:٤" ح "٢٥١٦" وقال: حسن صحيح. ٣ هو الإمام، الحجة، شيخ الوقت: عبد الرحمن بن مل "والميم مثلثة" وقيل"ابن مكي" بن عمرو بن عدي البصري يكنى بأبي عثمان النهدي، مخضرم، معمر، أدرك الجاهلية والإسلام، وأسلم على عهد النبي "ﷺ"، ولم يره، ولكنه أدى إلى عماله الزكاة. وغزا في خلافة عمر وبعدها غزوات. وثقه ابن المديني وأبو زرعة وجماعة. وقال ابن حجر في التقريب: ثقة، ثبت، عابد. مات سنة "مائة" وقيل بعدها، وعاش "مائة وثلاثين" سنه وقيل أكثر انظر "طبقات ابن سعد "٩٧:٧" سير أعلام النبلاء "٤: ١٧٥-١٧٨" تهذيب التهذيب "٢٧٧:٦" تقريب التهذيب"٣٥١". ٤ هذا القول ذكره عن أبى عثمان ابن القيم في شفاء العليل ص"٤٧" والمراد بهذا الأمر ما سبق من قضاء الله لعبده بالسعادة قال ابن القيم بعد أن ذكر قول أبي عثمان النهدى: وذلك لأنه إذ كان قد سبق له من الله سابقة، وهيأه ويسره، للوصول إليها، كان فرحه بالسابقة التي سبقت له من الله، أعظم من فرحه بالأسباب التي تأتي بها، فإنها سبقت له من الله قبل الوسيلة منه، وعلمها الله "وشاءها، وكتبها، وقدرها، وهيأله أسبابها لتوصله إليها، فالأمر كله من فضله وجوده السابق إلى آخر ما قال ﵀. ووجه هذه المسألة أن الله أثنى على يوسف أنه من المخلصين فسبق له من الله هذا القضاء. فلله الحمد والمنة.
[ ٣١١ ]
السادسة: أن العباد "المضافين"١ إليه غير الذين قال فيهم: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ٢.
السابعة: صرف الله "عنه"٣ السوء والفحشاء "ففيه"٤ رد على ما ذكر بعض المفسرين٥.
الثامنة: أن الصارف له آية من آيات الله أراه إياها.
_________________
(١) ١ في "س" و"ب": المضافون. وهو خطأ ٢ سورة مريم: آية رقم "٩٣". والمراد أن العبودية في قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ عبودية خاصة، الإضافة فيها للتشريف والتكريم ولا تكون إلا للمتقين بخلاف العبودية في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ . فهي عبودية عامة تشمل البر والفاجر، وهي من باب إضافة المملوك للمالك. ٣ في "ض": عن. ٤ في المطبوعة: فيه. ٥ رد عليهم فيما ذكروه من همه بالفاحشة. كحل سراويله ونحوه. ووجه الرد عليهم هنا: أن الله أخبر أنه صرف عنه جميع أنواع السوء والفحشاء. والسوء: الذنوب كلها، كما قال تعالى في موضع آخر إخبارًا عن قول النسوة ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ والنكرة في سياق النفي تفيد العموم. وانظر ما تقدم ص "٢٥٣" وما سيأتي ص "٣١٣، ٣٤٦".
[ ٣١٢ ]
التاسعة: عطف الفحشاء على السوء، قيل: إن السوء الذنوب كلها١.
﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ ٢ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٣.
"تبادرا الباب"٤، إن سبق يوسف خرج، وإن "سبقته"٥ أغلقت الباب لئلا يخرج. وقوله: ﴿مِنْ دُبُرٍ﴾ أي من خلف،: ﴿وَأَلْفَيَا﴾ " أي وجدا. ﴿سَيِّدَهَا﴾ أي زوجها: ﴿لَدَى الْبَابِ﴾ "أي" عنده٦.
"فيه"٧ مسائل:-
الأولى: حرصه ﵇ على البعد عن "الذنب"٨ كما حرصت على الفعل.
الثانية: لطف الله تعالى في تيسيره شق القميص من دبر.
الثالثة: كشف "الله"٩ ستر العاصي فيما يستبعد.
الرابعة: شدة مكر النساء، كيف قويت على هذا في هذا الموضع.
_________________
(١) ١ قال الراغب: السوء كل ما يغم الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية ومن الأحوال النفسية البدنية والخارجة من فوات مال وجاه وفقد حميم. انظر المفردات "٢٥٣،٢٥٢". واختار الشوكاني أن السوء عام في كل ما يسوء. انظر فتح القدير "١٨:٣". ٢ قال في"س": ﴿مِنْ دُبُر ﴾ الآية. ٣ في "س" و"ب" والمطبوعة تبادرا إلى الباب. ٤ في "ب" سبقت. ٥ في المطبوعة "ألفيا". بدون الواو. وفى "ب" ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾ . ٦ ساقطة من "س". ٧ في "ض" و"ب" والمطبوعة فيها. ٨ في "س" الذنوب. ٩ لفظ الجلالة ساقط من "ب".
[ ٣١٣ ]
الخامسة:- التحرز من "تظلم"١ الشخص فربما أنه هو الظالم، والدواء التأني وعدم العجلة.
السادسة: تسمية الزوج سيدًا في كتاب الله٢.
السابعة: ما عليه الكفار من استعظام الفاحشة.
الثامنة: الغيرة على الأهل٣.
﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ ٤ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ .
قوله: ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ أي من أقاربها "وكان مع زوجها"٥.
"فيه"٦ مسائل:
_________________
(١) ١ في "س": متظلم. وفي "ب": تظليم. ٢ كان في هذا إشارة إلى الاستدلال بهذه الآية على جواز إطلاق لفظ "سيد" مقيدًا بالإضافة على غير الله مع أن "السيد" من أسماء الله تعالى. انظر بدائع الفوائد لابن القيم "٢١٣:٣" والآداب الشرعية لابن مفلح "٤٥٦:٣". ٣ يشير الشيخ إلى هذه المسألة التي فطر عليها كل أبي وهي الغيرة على الأهل. وقد أرادت المرأة أن تستثير غيرة زوجها عليها بمكرها إلا لم أنه كان قليل الغيرة أو عديمها. كما سيأتي في استنباط الشيخ ص "٣١٦". ٤ في "س" بعد قوله "من قبل": إلى آخر الكلام. ٥ في "ض" "وإن كان مع زوجها" وانظر - إنا شئت- أقوال المفسرين في الشاهد في تفسير الطبري "١٩٣:١٣- ١٩٦" وتفسير ابن أبي حاتم "١٢٥ص-١١٩ص" أثر "٢٠٨-٢٢٠". وفتح الباري "٦: ٥٥٣". ٦ في "س": وفيه.
[ ٣١٤ ]
الأولى: "أن"١ القيام بالقسط في الشهادة قد يكون من الكفار. والعجب أنه في مثل هذه الحادثة.
الثانية: أن الشاهد إذا كان من قرابات "المشهود عليه"٢ فهو أبلغ٣.
الثالثة: الحكم "بالدلالات"٤ والقرائن٥.
الرابعة: "ذكره تعالى"٦ ذلك على سبيل التصويب، فيفيد قبول الحق ممن أتى به كائنا من كان.
الخامسة: أن مثل هذه القرينة "يصح"٧ الحكم بها.
السادسة: "ألطافه"٨ ﵎ في البلوى.
السابعة: أن ذكر الخصم مثل هذا عن صاحبه لا يذم بل يحمد.
﴿فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ٩ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ .
فيه مسائل:
_________________
(١) ١ ساقطة من "ض" والمطبوعة. ٢ في المطبوعة: الشهود عليه. وهو خطأ مطبعي. ٣ في "س": إذا كان الشاهد من قرابة المشهود عليه فهو أبلغ. ٤ في "ب" "بالدلالة". ٥ مستنبط من قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فنبه إلى الاستدلال على الحق بموضع قد القميص. وانظر ما تقدم ص"٣٠٣". ٦ في المطبوعة: ذكر الله تعالى. ٧ في "س": يصلح. ٨ في المطبوعة: ألطافة. وهو خطأ مطبعي. ٩ في "س": بعد ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾: الآية.
[ ٣١٥ ]
الأولى: كون زوجها قبل الحق، وصار مع يوسف عليها.
الثانية: قلة الغيرة على "أهله"١.
الثالثة: "أن قوله"٢ هذه القضية الجزئية خارجة عن قضايا كليه٣.
الرابعة: "عظمة كيد النساء"٤، وذكره تعالى "ذلك"٥ غير "منكر"٦ له مع "قول النبي ﷺ":٧ "إنكن لأنتن ٨ " صواحب يوسف" ٩
_________________
(١) ١ مصححة بهامش "ض" وفي "س": أهلها. وفي "ب" الأهل. وقد أشار إلى ما ذكر الشيخ هنا وقرره شيخ الإسلام ابن تيمية، كما أشار إليه ابن كثير أيضا ومما يدل عليه أن زوجها لم يعاقبها بعد أن علم حقيقة الأمر، ولم يغرق بينها وبين يوسف، وهي قد بقيت على إصرارها، ومراودتها، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ . والله أعلم. انظر التفسير الكبير لشيخ الإسلام "٦٢،٦١:٥" وتفسير ابن كثير "٣١١:٤". ٢ في "ب": "قوله أن". ٣ الذي يظهر أن المراد بالقضية الجزئية كيد هذه المرأة ذاتها. والمراد بالقضية الكلية إن كيد النساء عموما عظيم كما يدل على هذا ما يأتي في المسألة الرابعة أعلاه. ٤ ما بين القوسين ساقط من "ب". ٥ ساقطة من "س". ٦ في "ض" منكرا. وهو خطأ. ٧ في "س": مع قوله ﷺ لأزواجه. ٨ في "س": لم أنتن. ٩ رواه البخاري في مواضع منها كتاب الأذان / باب أهل العلم والمفضل أحق بالإمامة. انظر الفتح "١٩٣،١٩٢:٢" ح "٦٧٩" ومسلم كتاب الصلاة / باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر "٣١٣:١- ٣١٦" خ "٩٥،٩٤".
[ ٣١٦ ]
الخامسة: أنه لم يحكم عليها إلا بعد ما رأى القد.
السادسة: أمره ليوسف بكتمان السر مع "ما أنزل"١ الله في ذلك من التغليظ إلا "بأربعة"٢ شهداء٣.
السابعة: "أمره لها بالاستغفار "من"٤ الذنب مع عدم الإسلام.
الثامنة: حكمه عليها أنها صارت من هؤلاء المذمومين عندهم.
﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
قوله: ﴿فَتَاهَا﴾ أي عبدها. وقوله: ﴿شَغَفَهَا﴾ "الشغاف"٥ داخل القلب٦، "أي"٧
_________________
(١) ١ في المطبوعة: ما أنزله. ٢ في المطبوعة: أربعه. ٣ كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . النور آيه رقم "٤" قال ابن كثير في تفسيره "٦: اا" فإن كان المقذوف رجلا فكذلك يجلد قاذفه. ولعل الشيخ يشير بذلك إلى قلة غيره الرجل وجهله بالشرع وعدم إنصافه حيث لم يقم عليها حد القذف مع ظهور كذبها. ٤ في "س": مع. ٥ في "س": الشغفان. ٦ وقد قال بهذا القول الحسن. وفى قوله شغفها ثلاثة أقوال: ا- قيل الشغاف غلاف القلب.
(٢) وقيل هو حبة القلب وسويد اؤه.
(٣) وقيل الشغف داء يكون ض الشراسف وهى مقاطع رؤوس الأضلاع. والمعنى وصل حبه إلى شغاف قلبها فغلب عليه. انظر في هذا المعنى مجاز القرآن "٣٠٨:١" وتفسير الطبري "١٢، ١٩٨-٢٠٠" وزاد المسير "٣١٥،٣١٤:٤" المفردات "٣٦٣" لسان العرب "٩: ١٧٨، ١٧٩" مادة: شغف. ٧ ساقطة من "س".
[ ٣١٧ ]
دخل "حبه"١ في داخل قلبها.
فيه مسائل:
الأولى: أن هذا قبيح في عرفهن "وإن"٢ لم يكن مسلمات.
الثانية: حب امرأة حب عظيما من هو دون مرتبتها مما يعينه.
الثالثة: أنها لم تكتم٣ بل سعت في طلب الفاحشة بالراودة.
الرابعة: أن "هذا"٤ من مثلها ضدل "مبين" عندهن.
﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ٥ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ٦
فيه مسائل:
الأولى: بيان كمال عقلها الذي "يقصر"٧ عنه أكثر "عقول"٨ الرجال٩.
الثانية: "ما أعطي"١٠ يوسف ﵇ من جمال الصورة التي تبهر الناظر١١.
_________________
(١) ١ في "ض" "حب". ٢ في "ض" والمطبوعة: "ولو". ٣ أي لم تكتم حبها إياه ورغبتها فيه، بل وإعلانها مراودتها إياه. ٤ ساقطة من "س". ٥ في "ض" "بين". ٦ في "س" بعد قوله: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، الآية. ٧ في المطبوعة: ينقص. ٨ في "ض"و"ب": عقلاء. ٩ وذلك لاحتيالها عليهن بإعطائهن السكاكين، وأمر يوسف بالخروج عليهن، ليرينه ويحدث منهن العجب والانبهار فيعذرنها. وهذا أقرب إلى المكر والكيد. فكمال عقلها كمال ذكاء، لاكمال زكاء. والله أعلم. ١٠ في المطبوعة: ما أعطي. ١١ وقد ورد في حديث أنس: قال رسول الله ﷺ: "أعطي يوسف ﵇ شطر الحسن" رواه أحمد في مسنده في مواضع منها "٢٨٦،١٤٨:٣" ومسلم في صحيحه/ كتاب الإيمان باب الإسراء برسول الله ﷺ "١٤٧،١٤٦،١٤٥:١" ح "٢٥٩".
[ ٣١٨ ]
الثالثة: غيبة عقولهن، وعدم إحساسهن بقطع "أيديهن"١. وهذه من أعجب ما سمع.
الرابعة: معرفتهن بالملائكة.
الخامسة: جلالة الملائكة "عندهن"٢ وأنهم أكمل من البشر.
السادسة: معنى: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ في هذا المقام٣.
السابعة: وصفهن الملك بالكرامة.
﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِين﴾
فيه مسائل:
الأولى: إظهار عذرها لما أصابهن ما ذكر.
الثانية: إقرارها أنها ستعود.
_________________
(١) ١ في "س": "ايهن" وفيها سقط. ٢ ساقطة من "ب" وفي "س" عند. ٣ كلمة ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ تستعمل في موضعين: أحدهما: التنزيه. والثاني: الاستثناء. وهي هنا للتنزيه، كأنه قيل: معاذ الله. وهو قول مجاهد وغير واحد من السلف. قال الزجاج: وأما على مذهب المحققين من أهل اللغة فحاشا مشتقة من قولك: كنت في حشا فلان أي في ناحية فلان، فالمعنى في ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ برأه الله من هذا، من التنحي، المعنى: قد نحى الله هذا من هذا إلى آخره. وهذا تشقيق لغوى مآله إلى ما ذكر المفسرون. انظر في هذا تفسير الطبري "٢٠٨:١٢" ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج "١٠٧/٣". ولسان العرب "١٤: ١٨١": حشا.
[ ٣١٩ ]
"الثالثة"١: "لما"٢ أرتهن جماله الظاهر بالحسن، أخبرتهن بجماله الباطن بالعفة٣.
الرابعة: "إخبارهن"٤ أنها لا صبر لها عنه، فإن لم يفعل سعت في سجنه ومهونته.
الخامسة: معنى: ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ امتنع "وأبى٥".
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ٦ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ*فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .
فيه مسائل:
الأولى: فضيلة يوسف "﵇" كيف اختار السجن على ما ذكر مع قوة
الدواعي وصرف الموانع "ولا يعرف"٧ لأحد نظير "هذ"١٨.
الثانية: التصريح "بأن النسوة"٩ دعونه من غير امرأة العزيز.
_________________
(١) ١ ساقطة من "ض". ٢ ساقطة من "س" وفي المطبوعة: كما. ٣ انظر تفسير ابن كثير "٢١٣:٤". ٤ في "ب":إخبارها. ٥ ساقطة من "ض". وقد ورد هذا المعنى في قوله: ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾: عن ابن عباس "﵁" وقال به البغوي وابن كثير وغيرهما. انظر تفسير الطبري "١٢: ٢١٠" وتفسير البغوي "٢: ٤٢٤" وتفسير ابن كثير "٤: ٢١٣" ولسان العرب "١٢: ٤٠٤": عصم. ٦ قال في "س" بعد قوله "أصب إليهن": إلى قوله: ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . ٧ في "س": فلا يعرف. ٨ في "س" مثبتة في الهامش ٩ في "س": بالنسوة.
[ ٣٢٠ ]
الثالثة: معرفته ﵇ بنفسه "وبربه"١، وأن القوة التي فيه لا تنفع إلا إن "أمده"٢ الله "تعالى"٣ "بمدد منه"٤.
الرابعة: أن هذا الكلام دعاء ولو كان بهذه الصيغة٥.
الخامسة: آن الله سبعا نه "ذكر أنه"٦ استجاب "دعاءه"٧، "فدعاؤه"٨ ﵇ سبب لصرف ذلك عنه.
السادسة: ختمه سبحانه ما ذكر بوصف نفسه "بأنه"٩ السميع العليم١٠.
_________________
(١) ١ ساقطة من "ب". ٢ في "س": مده. ٣ ساقطة من "س" والمطبوعة. ٤ في "س": بمد من عنده ٥ ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ فرتبت الاستجابة على ما قبلها. وقوله ﵇ كقول الأبوين: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الأعراف: ٣٣ وإخبار العبد بحاله وافتقاره إلى ربه من أسباب إجابة الدعاء. انظر: الوابل الصيب لابن القيم "١٦٣،١٦٢". ٦ في "س" مثبتة ض الهامش. ٧ في "ض": دعاؤه. وهو خطأ. ٨ في "س" فدعاء يوسف. ٩ في "ب"أنه. ١٠ وجه ذلك: أن الله تعالى سميع لدعاء الداعين فسمع دعاء يوسف، عليم بأحوالهم، وإخلاصهم فعلم ما عليه يوسف من الإخلاص مع الكرب فاستجاب له. وانظر تفسير الطبري "١٢: ٢١٢".
[ ٣٢١ ]
السابعة: استفتاحه الدعاء "بـ "رب "١" وقوله "تعالى":٢ ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ ٣.
الثامنة: إثبات المكر"أولًا"٤ والكيد بعده لهن.
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ الآية.
قيل: "سبب٥" ذلك أن الحديث شاع في الناس "فأرادوا سجنه إظهارا للناس أنه المذنب"٦ ﴿حَتَّى حِينَ﴾ قيل: إلى أن تسكن القضية٧.
فيه مسائل:
الأولى٨: أنهم تمالوا على ذلك "ليس"٩ رأيا لزوجها١٠ خامة.
الثانية: أن تلك الحيلة لم تنفع، بل أظهر الله "ما يكرهون"١١ على الرغم منهم.
_________________
(١) ١ في "ب" والمطبوعة: بربه. ٢ ساقطة من "س". ٣ انظر ما سبق من الكلام عن منهج الشيخ ص "١٦٠". ٤ في "س": بالهامش. ٥ في "س": أن سبب. ٦ في المطبوعة: فأرادوا إظهار أنه المذنب. ٧ ذكر البغوي في تفسيره "٤٢٥:٢" نحو هذا القول عن عطاء حيث قال: إلى أن تنقطع مقالة الناس. ٨ في "س" مثبته في الهامش. ٩ ساقطة من "ض". ١٠ لظاهر قوله تعالى.: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ . وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي "١٨٦:٩". ١١ في "س": ما يكرهونه.
[ ٣٢٢ ]
الثالثة: ابتلاء الله أحب الخلق إليه وهم الأنبياء بالسجن.
الرابعة: أن السبب الذي أظهروا١ أكبر بلية "من"٢ السجن عند أهل المروءات.
الخامسة: أن رؤية الآيات "والقطع على المسألة"٣ "لا يستلزم"٤ اتباع الحق وترك الباطل.
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ٥ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
فيه مسائل، ونذكر "القصة"٦ قبل ذلك:
قيل إن الملك بلغه أن الخباز يريد أن يسمه، وأن صاحب "شرابه"٧ مالأه
على ذلك فحبسهما جميعا "فذلك"٨ قوله: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ ٩.
_________________
(١) ١ لعل المراد بالسبب الذي اظهروا دعوته إلى الفاحشة. ٢ ساقطة من "س". ٣ في "ب": القطع على الملة. وهو تحريف. ٤ في "س": لا تستلزم. بالتاء. ٥ في المطبوعة "تأكل منه الطير". ٦ في المطبوعة: قصة. ٧ في "س": الماء. ٨ في "ض" و"ب" والمطبوعة: وذلك. ٩ اخرج نحو هذه القصة ابن أبى حاتم في تفسيره عن ابن عباس والسدي "ص١٦٧،١٦٦" أثر "٣١٣- ٣١٧". وابن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة والسدي وابن إسحاق "٢١٤:١٢".
[ ٣٢٣ ]
فقال الساقي: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ "أي أعصر عنبا خمرا"١، وقال صاحب الطعام: ﴿إنِي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزا ً٢ تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا﴾ "أخبرنا"٣: ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ بتفسيره: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٤، تأتي "الأفعال"٥ الجميلة٦، وقيل: ممن يحسن تعبير الرؤيا٧.
_________________
(١) ١ في "س" مثبتة في الهامش. وممن قال بهذا القول في قوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ البغوي حيث قال: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أي عنبا سمى العنب خمرا باسم ما يؤول إليه كما يقال: فلان يطبخ الآجر، أي يطبخ اللبن للآجر. وقيل: الخمر: العنب بلغة عمان. وعليه قراءة ابن مسعود: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ عنبا﴾ . وبه قال الضحاك واختاره الطبري. ولا معارضة بين القولين إذ مآلهما واحد. والله أعلم. انظر تفسير الطبري "١٢: ٢١٥" وتفسير البغوي "٢: ٤٢٥". ٢ في "س" بعد قوله: ﴿خُبْزًا﴾: الآية. ٣ ساقطة من "ب" والمطبوعة. ٤ في "س" مثبته في الهامش. ٥ في "ض" للأفعال. ٦ قاله الضحاك وقتادة ورجحه الطبري وظاهر صنيع الشيخ يدل على اختياره لتقديمه واعتماده انظر تفسير الطبري "٢١٦،٢١٥:١٢". ٧ وكذا حكاه الزجاج ولم يعزه وبه قال البغوي. ونحوه قول الفراء حيث قال: من العالمين، قد أحسنت العلم. انظر معاني القرآن للفراء "٤٥:٢" ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج "٣/١١٠" وتفسير البغوي "٤٢٥:٢". والقول الأول، أولى لعمومه ويمكن أن يدخل تحته القول الثاني فيكون من إحسانه إليهم تأويله رؤياهم لما آتاه الله من العلم. والله أعلم.
[ ٣٢٤ ]
فيه مسائل١:
الأولى: "أن"٢ عبارة الرؤيا علم صحيح ذكره الله في القرآن "ولأجل ذلك"٣ قيل لا يعبر الرؤيا إلا من هو من أهل العلم بتأويلها٤ أنها من أقسام الوحي٥.
الثانية: تعبير أكل الطير من الخبز الذي فوق رأس الرجل بما ذكر.
_________________
(١) ١ ساقطة من "ب". ٢ ساقطة من المطبوعة. ٣ في "س": "لأجل ذلك" وفي "ب": "ولذلك". ٤ ورد عند الإمام أحمد من حديث أبي رزين في الرؤيا وفيه: "ولا تحدثوا بها إلا عالما أو ناصحا أو لبيبا". المسند "٤/ ١٠". وعند الترمذي من حديث أبى هريرة عن النبي ﷺ: "لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح". الجامع الصحيح للترمذي- كتاب الرؤيا/ باب في تأويل الرؤيا ما يستجب منها وما يكره "٥٣٧:٤" ح "٢٢٨٠" قال الترمذي حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي "٢٦٠:٢". ٥ كما ورد من حديث أنس بن مالك "﵁"، أن رسول الله "ﷺ" قال: "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة". رواه البخاري في صحيحه/ كتاب التعبير/ باب رؤيا الصالحين. انظر الفتح "٣٧٨:١٢" ح "٦٩٨٣"- ومسلم في صحيحه/ كتاب الرؤيا "٤: ١٧٧٤" ح "٢٢٦٤". وعن أبى هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لم يبق من النبوة إلا المبشرات"، قالوا: وما المبشرات؟ قال: "الرؤيا الصالحة". رواه البخاري في صحيحه/ كتاب التعبير/ باب المبشرات"انظر الفتح "١٢: ٣٩١" ح "٦٩٩٠" وروى مسلم من حديث ابن عباس نحوه بلفظ: "إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له.. "، كتاب الصلاة/ باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود "٣٤٨:١" ح "٤٧٩".
[ ٣٢٥ ]
الثالثة: تعبير عصر الخمر بسلامة الذي رآه، ورجوعه إلى مرتبته.
الرابعة: فيه "دلالة"١ على قوله "ﷺ": "إذا رأى أحدكم ما يكره فلا يذكرها" ٢ وقوله: "الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت" ٣.
الخامسة: أن التأويل في كلام الله "ولغة"٤ العرب غير التأويل في عرف المتأخرين.
ومعناه: ما يؤول الأمر إليه٥.
السادسة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل عن مسائل العلم إلا من رآه يحسن ذلك.
_________________
(١) ١ في "ب" "الدلالة". ٢ انظر ما تقدم ص "٢٩٣" هامش "٤". ٣ رواه أحمد في مسنده "٤/١٠" وابن ماجة في سننه/ كتاب التعبير/ باب الرؤيا إذا عبرت وقعت فلا يقصها إلا على واد "١٢٨٨:٢" ح "٣٩١٤" وأبو داود في سننه كتاب الأدب/ باب ما جاء في الرؤيا "٣٠٥:٤" ح "٥٠٢٠" كلهم من حديث أبي رزين ﵁. ٤ في "س" مثبتة في الهامش. ٥ في "ب" "ما يؤول إليه الأمر". والتأويل في اللغة مأخوذ من الأول: وهو الرجوع يقال: آل الأمر إلى كذا أي رجع.- وأما في الاصطلاح فقال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ ما محصله: أن التأويل يطلق على ثلاثة معان: معنيان عند السلف ومعنى عند المتأخرين أما معنياه عند السلف فهما: ١"تفسير الكلام وبيان معناه، ومنه- والله أعلم- قول مجاهد: أن العلماء يعلمون تأويله، وقول ابن جرير الطبري: القول في تأويل قوله تعالى "".
(٢) نفس المراد بالكلام، فإن كان الكلام طلبا كان تأويله نفس الفعل المطلوب. وإن كان خبرا كان تأويله نفس الشيء المخبر به، ومن ذلك قول يوسف ﵇: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ وقوله: ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِه﴾ وهذا الوضع والعرف هو لغة القرآن التي نزل بهما=
[ ٣٢٦ ]
﴿قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
يقول ﵇: إني عليم بتعبير الرؤيا هذه وغيرها، فلا يأتيكما طعام "في المنام"١ إلا نبأتكما بتأويله قبل إتيانه فكيف بغير ذلك!
ففيه مسائل:
الأولى: ذكر العالم أنه من أهل العلم عند الحاجة، ولا يكون من تزكية النفس.
الثانية: إضافة هذه النعمة العظيمة إلى معطيها ﷾ لا إلى فهم الإنسان واجتهاده.
_________________
(١) = وأما عند المتأخرين من المتفقهة والمتكلمة ونحوهم فهو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به. انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية "٢٨٨:١٣- ٢٩٤" وانظر: الصواعق المرسلة لابن القيم "١: ١٧٠ وما بعدها" فقد أفاد وأجاد كعادته ﵀. وانظر لسان العرب "١١: ٣٢": أول. ١ في "ض"، والمطبوعة: "فلا يأتيكما طعام ترزقانه". وفي "س":- "قال لا يأتيكما طعام في المنام" وكذا في "ق". وفي "ب" ما لم أثبته. والأظهر أن الكلام مسوق مساق التفسير ولهذا قيد بالمنام كما عند الطبري في تفسيره "٢١٧:١٢".
[ ٣٢٧ ]
الثالثة: ذكر سبب إكرام الله "له"١ بهذا الفضل، وهو الترك والفعل، فترك الشرك الذي هو مسلك الجاهلين، واتبع التوحيد الذي هو "سبيل"٢ أهل العلم "من الأنبياء"٣ وأتباعهم.
الرابعة: ذكره أنه من "ذرية"٤ هؤلاء الأكرمين فانتسب إلى البيت الذي هو أشرف بيوت أهل الأرض، وهذا جائز على "غير سبيل"٥ الافتخار خصوصا عند الحاجة.
الخامسة: أنه صرح لهم بأنهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب٦.
"السادسة"٧: أن الجد يسمى أبا كما ذكر ابن عباس، واحتج بالآية٨ على زيد بن ثابت٩
_________________
(١) ١ ساقطة من "ض". ٢ في "س" هكذا "مسبيلك" ولعل الناسخ تردد في كتابتها بين "سبيل" و"مسلك". ٣ ساقطة من "ض". ٤ ساقطة عن "ض" و"ب" والمطبوعة. ٥ في "س" مثبتة في الهامش. ٦ انظر ما تقدم ص "٢٩٢" هامش، "٣". ٧ في "ض" الخامسة. وهو خطأ. ٨ أخرجه عبد الرزاق بسنده عن ابن عباس أنه كان يرى الجد أبا ويتلو هذه الآية: ﴿مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ . انظر المصنف/ باب فرض الجد "١٠: ٢٦٤" أثر "١٩٠٥٣" وكذا أخرجه سعيد بن منصور في سننه باب الجد"٤٧،٤٦:١" أثر "٥٢،٥١،٥٠،٤٩،٤٦" وانظر السنن الكبرى للبيهقي/ كتاب الفرائض/ باب من لم يورث الاخوة مع الجد "٦/٢٤٦" وانظر الكلام على هذه المسألة في أحكام القرآن للجصاص "١٠٠:١ومابعدها" والمغنى لابن قدامه "٢١٨:٦" وفتح الباري "١٩:١٢". ٩ هو صاحب رسول الله ﷺ وكاتب الوحي، الإمام الكبير، شيخ المقرئين والفرضيين مفتى المدينة، زيد بن ثابت بن الضحاك الخزرجى النجاري الأنصاري. من كبار حفاظ القرآن ومفسريه من الصحابة، وهو الذي تولى جمعه في زمن أبى بكر وعثمان ﵄. وكان عمر يستخلفه إذا حج على المدينة وتوفى في زمن معاوية، واختلف في تحديد سنة وفاته، لكن قال ابن حجر: في "خمس وأربعين" قول الأكثر. انظر ترجمة في الطبقات الكبرى لابن سعد "٣٥٨:٣- ٣٦٢" وأسد الغابة "٢٢٣،٢٢٢:٢" وسير أعلام النبلاء "٢: ٤٢٦-٤٤١" الإصابة لابن حجر "٢٣،٢٢:٣".
[ ٣٢٨ ]
السابعة: قوله: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قيل "معناه"١: إن الله عصمنا٢. وهذه الفائدة٣ من أكبر الفوائد وأنفعها لمن عقلها، والجهل بها "من"٤ أضر الأشياء وأخطرها.
الثامنة: قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ عام "كل ما"٥ سوى الله٦، وهذه المسألة٧ "هي"٨ التي غلط فيها أذكياء العالم، عقلاء بني آدم، كما قال تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ ٩.
_________________
(١) ١ في "س" مثبته في الهامش. ٢ قاله البغوي في تفسيره "٤٣٦:٢". وذكره ابن الجوزي عن ابن عباس بغير إسناد "انظر زاد المسير "٤/٢٢٥". ٣ وهي عدم إشراك شيء مع الله في العبادة كائنا من كان. ٤ ساقطة من المطبوعة تبعا لنسخة "ق"، وفي "س"! مثبته في الهامش. ٥ في "ض": كلما. ٦ وذلك أن "شيء" نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، وزيادة "من" قبلها لتأكيد العموم. انظر: روضة الناظر لابن قدامه "١٢٤:٢" وتفسير البحر المحيط "٥: ٣١٠" ومغني اللبيب لابن هشاه "٣٢٢:١". ٧ المراد بهذه المسألة: مسألة إفراد الله بالعبادة، وعدم إشراك أي شيء معه فيها، وهى التي غلط فيها كثير من أذكياء العالم، وعقلاء بني آدم فأشركوا معه بعض مخلوقاته ممن كبروا في أعينهم، ولهذا استغربوا دعوة التوحيد واستعظموها كما قال تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾، "الشورى ١٣" وأخبر عن مقالتهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ "ص:٥". ٨ ساقطة من "س". ٩ سورة الشورى آية: "١٣".
[ ٣٢٩ ]
التاسعة: ذكر سبب معرفتهم بالمسألة وعلمهم بها "وثباتهم"١ عليها هو مجرد فضل الله فقط عليهم.
العاشرة: أن فضله سبحانه "هذا"٢ ليس مخصوصا بنا، بل عام للناس "كلهم"٣ لكن منهم من قبله، ومنهم من رده، وذلك أنه أعطى "الفطر"٤ ثم العقول ثم بعث الرسل وأنزل الكتب.
الحادية عشرة: "إزالة"٥ الشبهة عن المسألة التي "هي"٦ "من"٧ أكبر الشبه، وذلك "أن"٨ الله. إذا تفضل بهذا "كله"٩ خصوصا البيان، فما بال الأكثر لم يفهم، ولم يتبع، وما أكثر الجاهلين "بهذا"١٠، وما أكثر الشاكين فيه! "فقال"١١ تعالى إن "السبب أن"١٢ جمهور الناس "لم يشكروا" ١٣، فأما من عرف "نعمة الله"١٤ فلم يلتفت إليها فلا إشكال فيه، وأما من لم يعرف فذلك لإعراضه، ومن أعرض فلم يطلب معرفة دينه فلم يشكر.
_________________
(١) ١ في "ض": "واثباتهم". ٢ ساقطة من "ض" والمطبوعة. ٣ في "س" مثبتة في الهامش. ٤ في "س": الفطرة. ٥ في "س": إزالته. ٦ في "س" مثبتة في الهامش. ٧ ساقطة من "ض" و"ب". ٨ في "ب": بأن ٩ في "س" مثبتة في الهامش. ١٠ في "ب": بها. ١١ في المطبوعة: فقد ذكر. وهو بمعنى "أخبر تعالى" إذ هو تفسير لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ وهذا الأسلوب جارٍ عند المفسرين كابن جرير وغيره. ١٢ ساقطة من "ض". ١٣ في "س": لا يشكروا. وفى "ض" والمطبوعة: لم يشكر. وفي "ق": لا يشكر. ١٤ في "ض" و"ب" والمطبوعة: النعمة.
[ ٣٣٠ ]
الثانية عشرة١: دعوته إياهما ﵇ إلى التوحيد في تلك الحال، فلم تشغله عن النصيحة، والدعوة إلى الله، فدعاهما أولا بالعقل، ثم "بالنقل٢". وهى الثالثة عشره٣.
الرابعة عشرة٤: قوله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ "فهذه حجة عقلية شرحها في قوله "تعالى٥": ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ ٦ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ الآية٧.
الخامسة عشرة.: أن الذي في الجانب الآخر "هو الله الذي"٨ "جبلت"٩ القلوب وأقرت الفطر أنه ليس له "كفو"١٠.
السادسة عشرة: أنه هو القهار مع كونه "واحدا"١١ وما سواه لا يحصيهم إلا هو، "فهذه قوته"١٢، وهذا عجزهم، فكيف "يعدل به واحد"١٣ منهم
_________________
(١) ١ لم تثبت "تاء" عشرة في النسخ المخطوطة في هذا الموضع وأمثاله إلا نادرا والصواب إثباتها، فأثبتها مع عدم الإشارة إلى ذلك لكثرته. ٢ في "ب": "ثم النقل" ٣ وهي الدعوة بالعقل ثم بالنقل، وذلك لعدم إيمانهم بالنقل، وتقديمهم العقل عليه فخوطبوا به إذ أن العقل المريح لا يعارض النقل الصحيح. ٤ ساقه من "ب". ٥ ساقطة من "س". ٦ في "س" بعد قوله: ﴿لِرَجُلٍ﴾ الآية. ٧ سورة الزمر: آية "٢٩". ٨ في"ض" والمطبوعة: "هو الذي". ٩ في "ب": جلت ١٠ في النسخ المخطوطة: ﴿كُفُّوا﴾ . ١١ في النسخ المخطوطة "واحد" وهو خطأ. ١٢ في "ب": فهذه قوتهم وفى المطبوعة: "فهذه قوله" وهو تحريف. ١٣ في "ب": نعدل به واحدا.
[ ٣٣١ ]
أو عشرة "أو"١ مائه!
السابعة عشرة:- "بيان"٢ بطلان ما عبدوا من دونه بأنها أسماء لا حقيقة لها.
الثامنة عشرة:- التنبيه على بطلانها بكونها بدعة ابتدعها من قبلكم فتبعتموهم.
التاسعة عشرة:- بيان أن الواجب على العبد في "الأديان"٣ السؤال عما أمر الله به ونهى عنه، وهو السلطان المنزل من السماء، لا يعبد بالظن وما تهوى الأنفس.
العشرون:- القاعدة الكلية التي "تتفرع"٤ "منها"٥ تلك "المسائل"٦ الجزئية وهي أن أحكام "الدين"٧ إلى الله لا إلى آراء الرجال كما قال "تعالى"٨: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ ٩ الحادية والعشرون: إذا ثبت أن الحكم له وحده دون الظن وما تهوى الأنفس فإنه سبحانه حكم بأن العبادة كلها محصورة عليه "وحده"١٠، ليس لأحد من أهل السماء "وأهل"١١ الأرض منها شيء.
_________________
(١) ١ ساقطة من "ب". ٢ في "ب": بيانه. ٣ في "س" مصححه في الهامش. ٤ في "ض"و"ب" تفرع. ٥ في المطبوعة: عنها. ٦ ساقطة من المطبوعة. ٧ في "ض": الدنيا ٨ في "س": ﷿. ٩ سورة الشورى: آية رقم "١٠". ١٠ مثبتة في هامش "س" وساقطة من "ض"و"ب" والمطبوعة. ١١ في "س" مثبتة في الهامش.
[ ٣٣٢ ]
"الثانية والعشرون"١: أن هذه المسألة هي الدين القيم، "وكل ما"٢ خالفها أو ليس منها فليس بقيم بل "أعوج"٣ فعلامة الحق أن العقول السليمة تعرف "استقامته"٤ بالفطرة، "وعلامة الباطل أن العقول السليمة تعرف اعوجاجه بالفطرة"٥، ومع هذا أنزل الله السلطان من السماء بتحقيق هذا والإلزام به، وتبطيل ذلك "و"٦ تغليظ الوعيد عليه.
الثالثة والعشرون- المسألة "الكبيرة العظيمة"٧ التي لو "تجعلها"٨ نصب عينيك ليلا ونهارا لم يكن كثيرا، "وأيضا"٩ تبين "لك كثيرا من المسائل التي أشكلت على الناس، وهي أن الله "بي"١٠ لنا بيانا واضحا أن الأكثر "الجمهور"١١ الذين يضيقون الديار، ويغلون الأسعار من أهل الكتاب والأميين لا يعلمون هذه المسألة مع "إيضاحها"١٢ "بالعقل والنقل"١٣ والفطرة، والآيات النفسية والأفقية١٤.
_________________
(١) ١ في "ب": الثالثة والعشرون. ٢ في "ب" والمطبوعة: "وكلما". ٣ في هامش"س": معوج. ٤ في المطبوعة: اعوجاجه. وهو خطأ بين. ٥ ما بين القوسين ساقط من المطبوعة. ٦ ساقطة من "ب". ٧ في "س" العظيمة الكبيرة. ٨ في "ب": لو جعلتها. ٩ في "س" مثبته في الهامش. ١٠ ما بين القوسين ساقط من "ض". ١١ في المطبوعة: والجمهور. ١٢ في "ض": إضاحها. ١٣ في "س" بالنقل والعقل. ١٤ كما قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ آية "٢١،٢٠".
[ ٣٣٣ ]
الرابعة والعشرون: أنه ينبغي للعالم إذا "سأله"١ العامي عما لا يحتاج إليه، أو سأله عما غيره أهم منه أن يفتح له بابا إلى المهم.
الخامسة والعشرون: أنك لا تحقر عن التعليم من تظنه "من"٢ أبعد الناس عنه، ولا تستبعد فضل الله، فإن الرجلين من خدام الملوك الكفرة.
بخلاف من يقول: ليس هذا "بأهل"٣ للعلم بل تعليمه
إضاعة للعلم.
﴿يَا صَاحِبَيِ ٤ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ .
سبق ما في هذا من المسائل٥، لكن فيه ما لم "٦يذكر":
منها: "أنه يجوز للمفتي"٧ أو يستحب أن "يفتي"٨ "السائل"٩ بما لا يحتاج إليه.
ومنها "أنه"١٠ يجيب السائل بما يسؤوه "إذا كانت الحال تقتضيه"١١.
_________________
(١) ١ في "س": سأله. ٢ ساقطة من "ض" و"ب" والمطبوعة. ٣ في "ب": من أهل. ٤ هنا في المطبوعة: وقال رحمه الله تعالى: قوله تعالى. ٥ انظر ما تقدم ص "٣٢٥" وما بعدها. ٦ في "س": يذكره. ٧ في "س": أن الإفتاء به يجوز له. وفي المطبوعة: أن المفتي يجوز له. ٨ في "ب" ينبيء. ٩ في "س": المسائل. ١٠ في "س": أن. ١١ ما بين القوسين ساقط من "ض".
[ ٣٣٤ ]
"ومنها: تأكيد الفتيا بما يسوؤة"١ بما ذكر من قضاء الله "عليه"٢ ذلك.
﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ .
يعنى٣: قال يوسف للساقي الذي ظن نجاته- "قيل إن الظن هنا هو اليقين"٤ ﴿اذْكُرْنِي﴾ ٥ ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي الملك، ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾ "أي أنسى
_________________
(١) ١ ما بين القوسين ساقط من"ض"وفي هامش"س"بعد قوله بما يسوؤه: إذا كانت الحال تقتضيه ومنها تأكيد الفتيا بما يسوء. ٢ في "س" والمطبوعة: على. ٣ ساقطة من "ض". ٤ في "ض": "والظن هنا هو اليقين" وفي "ب" "وقيل الظن هنا هو اليقين". وفي المطبوعة: "قيل الظن هنا هو اليقين"- وضمير "هو" في "س"مثبت في الهامش والظن من الأضداد:- فيستعمل في اليقين كما هنا وكقوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ "٢٠" الحاقة وتستعمل في الشك كقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ "٣٢"الجاثية. والقول بأنها هنا بمعنى اليقين ذكره ابن الجوزي في تفسيره عن ابن عباس بدون إسناد، وبه قال الطبري والبغوي. وروى الطبري عن قتادة أن الظن هنا خلاف اليقين. انظر في ما تقدم تفسير الطبري "١٢: ٢٢١، ٢٢٢" وتفسير البغوي "٢/٤٢٧" وزاد المسير "٤: ٢٢٧" ومعجم مقاييس اللغة "٣: ٤٦٢" والمغردات للراغب "٣١٧" وبصائر ذوي التمييز "٥٤٥:٣" ولسان العرب "٢٧٢:١٣" ظنن ٥ في "س" والمطبوعة وقوله: ﴿اذْكُرْنِي﴾ . وكلمه "اذكرني" في "س" مثبتة في الهامش.
[ ٣٣٥ ]
الشيطان"١ يوسف ذكر الله٢.
والبضع ما بين الثلاث إلى التسع٣.
فيه مسائل:
الأولى: أن الرب كما يطلق على "المالك"٤ يطلق على المخدوم٥.
_________________
(١) ١ في "س": مثبتة في الهامش. ٢ يرى الشيخ ﵀ عود الضمير في قوله "فأنسمه" إلى يوسف "﵇". وهذا القول هو اختيار الطبري وقد أخرجه عن مجاهد وقتادة وعكرمه والحسن وروى في مضمون ذلك حديثا مرفوعا، ونسبه البغوي إلى ابن عباس وقال: وعليه الأكثرون. بينما ذهب بعض العلماء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيميه وابن كثير إلى عود الضمير إلى الفتى الناجي فهو الذي أنساه الشيطان ذكر ربه. وقد ضعف ابن كثير الحديث المروي في ذلك ثم قال: وقد روى عن الحسن وقتادة مرسلا عن كل منهما، وهذه المرسلات هاهنا لا تقبل لو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن. والقول الثاني أظهر، ومن أقوى ما ذكروا من أدلته أن قوله تعال: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ دليل على أنه كان قد نسي من قبل فاذكر، والكلام هنا في الساقي بلا شك. "والعلم عند الله". انظر تفسير الطبري "١٢: ٢٢٢- ٢٢٤" وتفسير ابن أبى حاتم "١٩٢، ١٩٣"أشر "٣٦٧، ٣٦٨" وتفسير البغوي "٢: ٤٢٨" والتفسير الكبير لشيخ الإسلام "٥: ٥٥- ٦٠" وتفسير ابن كثير "٣١٧،٣١٦:٤". ٣ هذا القول أخرجه الطبري في تفسيره "١٢: ٢٢٤،٢٢٥" عن مجاهد وقتادة. كما أخرجه عن مجاهد أيضًا ابن أبى حاتم في تفسيره ص"١٩٤" أشر "٣٧٢"- وانظر لسان العرب "٨: ١٥" مادة بضع. وهذا القول هو الأشهر والأظهر. والله أعلم. ٤ في "ض"و"ب": الملك. ٥ انظر في هذا تفسير الطبري "١٢: ٢٢١، ٢٢٢" وإصلاح الوجوه والنظائر للدامغاني "١٨٩" مادة: ربب، وتفسير القرطبي "٩: ١٩٥"، والكلام هنا في ورود اللفظ لغة. أما جوازه شرعا فقد سبق أن أشار الشيخ ص"٣٠٨" إلى عدم جوازه في شرعنا.
[ ٣٣٦ ]
الثانية: أن "مثل"١ هذا٢ مما يعاقب "به"٣ الأنبياء مع كونه "جائزا"٤ لغيرهم.
الثالثة: أن المقرب قد "يؤاخذ"٥ بما لا يؤاخذ به من دونه.
الرابعة: أن الشيطان قد يتوصل إلى "الأنبياء"٦ بمثل هذا.
الخامسة: أن ترك هذا القول والاستغناء بالله من التوكل٧.
السادسة: أن من المقامات ما يحسن "من"٨ "شخص"٩، ويلام في تركه ويذم من شخص آخر كما نهى رسول الله ﷺ من "أراد الإقتداء"١٠ به في الوصال وقال: "إني لست كهيئتكم" ١١.
_________________
(١) ١ في "ض" مثبتة في الهامش. ٢ المراد بهذا قول يوسف: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ . ٣ في "س" مثبته في الهامش. ٤ في "ض" و"ب" جائز" وهو خطأ. ٥ في المطبوعة: يؤخذ ٦ في "ب" "للأنبياء"، و"إلى" في "س"مثبته في الهامش. ٧ ويؤيد هذا المعنى ما ورد في الحديث أن النبي ﷺ بايع بعض أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئًا قال الراوي وهو عوف بن مالك. فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه. أخرجه مسلم في صحيحه/ كتاب الزكاة/ باب كراهة المسألة للناس"٢: ٧٢١" ح "٤٣ ٠ ١" وأبو داود في سننه/ كتاب الزكاة/ باب كراهة المسألة "٢: ١٢١" ح "١٦٤٣،١٦٤٢" وابن ماجة في سننه/ كتاب الجهاد/ باب البيعة "٩٥٧:٢" ح "٢٨٦٧". وهذا غاية في تجريد التوحيد، وتحقيقه ص وتعلق القلب بالله وتوكله عليه وصرفه عما سواه. ٨ في "س": مثبتة. في الهامش. ٩ في "ب" "الشخص". ١٠ في "س": اقتدى. ١١ أخرجه البخاري في صحيحه/ كتاب الصوم/ باب الوصال "انظر الفتح ٢٣٨:٤" ح "١٩٦٤" من حديث عائشة. ومسلم في صحيحه/ كتاب الصيام/ باب النهي عن الوصال في الصوم "٧٧٤:٢- ٧٧٦" ح "١١٠٢" من حديث ابن عمر.
[ ٣٣٧ ]
السابعة: أن هذا من أبين أدلة التوحيد لمن عرف أيشاب الشرك بالمقربين، "وهو١" أبلغ من قوله "صلى الله عليه وسلم٢": "يا فاطمة "بنت" ٣ محمد لا أغني عنك من الله شيئا" ٤ وتمامها بمعرفة الثامنة وهي:
أن الله عاقبه باللبث في السجن هذه المدة الطويلة، مع "أن"٥ لبث الإنسان فيه سنة واحدة من العذاب الأليم "فكيف"٦ "بشاب"٧ ابن نعمه.
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعَالِمِينَ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ .
_________________
(١) ١ في "ب" وهذا. ٢ في "س": ﵇. ٣ في "ب" ابنت. ٤ أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الوصايا/ باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب بلفظ: "يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من ماي لا أغني عنك من الله شيئا". انظر الفتح "٤٤٩:٥" ح "٢٧٥٣". ومسلم في صحيحه كتاب الإيمان/ باب في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ بلفظ: "يا فاطمة بنت محمد سليني بما شئت لا أغني عنك من الله شيئا" "١٩٣،١٩٢:١" ح "٢٠٦" وورد بألفاظ أخر. ٥ ساقطة من "س". ٦ في "س" مثبتة في الهامش. ٧ في "ض" و"ب": شاب.
[ ٣٣٨ ]
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾
فيه مسائل١:
الأولى: تسمية الله ذلك الرجل بالملك٢.
الثانية: أن الذي "سأل"٣ عنه هو البقر والسنابل.
الثالثة٤: أنه استفتى الملأ وهم الأشراف٥، ولكن بشرط إن كان عندهم علم.
الرابعة: جوابهم بقولهم: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ يدل على أن مما يراه النائم
فيه رؤيا حق، "وفيه"٦ أضغاث أحلام "باطلة"٧، "وقد صح بذلك
_________________
(١) ١ في "س": الكلام فيه مسائل. ٢ إشارة إلى جواز تسمية العباد بهذا وإن كان اسمًا من أسماء الله تعالى الاشتراك هنا لفظي فملك الله ﷿ ملك تام يليق بجلاله وعظمته وغناه، وملك العبد ملك تمليك من الله مناسب لحال الإنسان وعجزه وقصوره وفقره. والله أعلم. ٣ في "س":يسئل. وفي "ب":سئل. ولعله أراد "سأل" حيث جرى كثيرًا على كتابة الهمزة المفتوحة على نبرة. وفي المطبوعة: سأله. ٤ في "ض": الثانية. وهو خطأ. ٥ وقاله الطبري انظر تفسيره"٢٢٥:١٢"وانظر بصائر ذوي التمييز "٥١٧:٤" والمصباح المنير "٢:٥٨٠"مادة: ملل. ولسان العرب "١: ١٥٩" مادة: ملأ، وانظر ما يأتي ص. "٣٤٤". ٦ في "س" مثبته الهامش. ٧ في "ب": باطل.
[ ٣٣٩ ]
الحديث عن النبي ﷺ"١.
الخامسة: إقرارهم بعدم العلم بالتعبير ولم يأنفوا مع أنهم الملأ.
السادسة: كلام الساقي وحذقه، كونه قطع أنها رؤيا وأن عند يوسف تعبيرها.
"السابعة"٢: قوله: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ ٣ أي "ذكر ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي"٤ دهر٥، "فيه٦ أن "الدهر"٧ يسمى أمة.
_________________
(١) ١ ما بين القوسين ساقط من "ب". وفي "س": وقد صح بذلك الحديث عن رسول الله "ﷺ" وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال. " والرؤيا ثلاثة: فرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء نفسه " - رواه البخاري في صحيحه/ كتاب التعبير: باب القيد في المنام "انظر الفتح "٤٢٢:١٢" ح "١٧ ٧٠" ومسلم في صحيحه/ كتاب الرؤيا "١٧٧٣:٤" ح "٢٢٦٣" من حديث أبى هريرة. واللفظ لمسلم. كما ثبت عنه ﷺ: " إن الرؤيا ثلاث: منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة". رواه ابن ماجة في سننه/كتاب تعبير الرؤيا/ باب الرؤيا ثلاث "١٢٨٥:٢" ح "٣٩٠٧" من حديث عوف بن مالك وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة "٢: ٣٤٠" ح"٣١٥٥". ٢ في "س": لسابعه. ٣ في "ض": ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّة﴾ . وفي "س": "ولدكر " ٤ ساقطة من "ب" والمطبوعة. ٥ انظر معنى "أمه" عند الطبري في تفسير"١٢: ٢٢٧-٢٢٩" ومعاني القرآن للفراء "٣: ٤٧" وإصلاح الوجوه والنظائر للدامغاني "٤٢، ٤٣، ٤٤" مادة "أم ة" ولسان العرب "١٢: ٢٧" مادة: أمم. ٦ في "ض": وفيه. ٧ في "س": لدهر.
[ ٣٤٠ ]
الثامنة١: أنه لم يذهب مع تحققه ما طلب الملك إلا بعد الاستئذان.
التاسعة٢: قوله: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ يدل على أنه يعرف معنى الصديقية٣، أنه عرف اتصاف يوسف بذلك.
العاشرة٤: أنه ذكر ليوسف العلة، وهي علم الناس بما أشكل عليهم.
الحادية عشرة: أنه عبر البقر السمان بالسنين "المخصبة"٥ والبقر العجاف بالسنين المجدبة، وأكلها "المسمان"٦ كون "غله"٧ السنين٨ المخصبة يأكلها الناس في "السنين المجدبة، وكذلك السنابل الخفر، واليابسات. قيل: إنه رأى سبع سنابل خضر قد انعقد حبها "وسبعا"٩ آخر "يابسات"١٠ قد "استحصدت"١١، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليهن١٢.
_________________
(١) ١ في "س": "لثامنه". ٢ في "س": "لتاسعه". ٣ ذكر المفسرون للصديق معاني تدور في مجملها حول معنى واحد وهو أنه الذي من دأبه الصدق في اعتقاداته وأقواله وأعماله، والتصديق بالصدق. فقد قال الطبري في تفسيره "٥: ١٦٢" في معناه: المصدق قوله بفعله وذكر أن الصيغة للمبالغة، وقال البغوي "٢: ٤٢٩" الصديق هو الكثير الصدق. وذكر الراغب في مفردات القرآن "٢٧٧" أقوالا في معنى الصديق ومنها الصديق: الذي صدق بقوله واعتقاده، وحقق صدقه بفعله قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ مريم:"٤١"، وقال: ﴿صِدِّيقَةٌٍ﴾ المائدة: ٧٥. ٤ في المطبوعة: العشرة. ٥ في "س": الخصبة. ٦ في "س" و"ب": للسمان. ٧ في "س": علم. وهو خطأ. ٨ في "س": لمسنين. ٩ في "ض" و"ب" وهامش "س": وسبع ١٠ في "س" مثبتة في الهامش. ١١ في "ب" استحصت. وهو تحريف. ١٢ ذكر هذا البغوي عن الكلبي انظر تفسير البغوي "٤٢٨:٢" والله أعلم.
[ ٣٤١ ]
الثانية عشرة: أنه أجاب السائل بأكثر مما سأله عنه، خلا فالمن جعل هذا من عدم الآداب١.
الثالثة عشرة: كرمه وطيب "أخلاقه٢" "﵇" ٣ كما قال بعض "السلف"٤ "لو كنت المسئول ما أجبتهم إلا بكذا وكذا"٥.
الرابعة عشرة: معرفته ﵇ بأمور الدنيا، وأن الحب إذا كان في سنبله لم تأته الآفة" ولو لبث سنين٦.
الخامسة عشرة- أنه أمرهم بتدبير "المعيشة"٧ لأجل "السنين"٨ الجدب، ولا يأكلون إلا قليلا.
السادسة عشرة: أنه فهم من الرؤيا أن الخصب يأتي بعد سبع سنين.
السابعة عشرة: "ادخار الطعام للحاجة"٩ "وأنه"١٠ لا يصير من الاحتكار المذموم.
_________________
(١) ١ أنظر ما تقدم ص "٣٣٤".. ٢ في "ب": نفسه. ٣ في "ض" و"ب": العلماء. ٤ لم أجد من قال هذا. ولكن أخرج الطبري في تفسيره "٢٣٥:١٢" من حديث عكرمة مرسلا قال: قال رسول الله ﷺ " ولو كنت مكانه - يعنى يوسف- ما أخبرتهم بشيء حتى اشترط أن يخرجوني " الحديث. ٥ وأخرج نحو هذا ابن أبى حاتم في تفسيره "ص٢٠٤"، عن ابن زيد اشر "٣٩٧". ٦ في "ب": العيسه. ٧ في "س" سنين ٨ ما بين القوسين ساقط من "ب". ٩ في "ب": أن هذا. ١٠ الاحتكار في الأصل: الجمع والإمساك، ويسمى أيضا "حكرة" وصاحبه "محتكر" وهو في الاصطلاح: جمع الطعام وحبسه، يتربص به وقت الغلاء. انظر الصحاح للجوهري "٢: ٦٣٥" مادة: حكر، والتعريفات للجرجاني "١١" ولسان العرب "٢٠٨:٤". حكر وقد ورد في النهى عن الاحتكار أحاديث أصحها: ما روي معمر بن عبد الله العدوى أن النبي ﷺ قال: "لا يحكر إلا خاطئ". أخرجه مسلم في صحيحه /كتاب المساقاة/ باب تحريم الاحتكار في الأقوات"١٢٢٧:٣،١٢٢٨" ح "١٦٠٥" وأبو داود في سننه/ كتاب البيوع/ باب في النهى عن الحكرة "٣: ٢٧١" ح "٣٤٤٧". وابن ماجة في سننه/ كتاب التجارات/ باب الحكرة والجلب "٢: ٧٢٨"ح "٣٤٥١".
[ ٣٤٢ ]
"وكان ﷺ يدخر لأهله قوت سنة١".
الثامنة عشرة:- النصيحة ولو لغير المسلمين كما قال "ﷺ": "في كل كبد رطبة أجر" ٢وأما المسلم فنصحه من الفرائض.
التاسعة عشرة:- أن الرؤيا الصحيحة قد تكون من "كافر٣" كما استدل بها البخاري في صحيحه٤.
العشرون: الفرق بين الحلم والرؤيا كما قال "ﷺ": "الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان" ٥.
_________________
(١) ١ ما بين القوسين ساقط من "ب". وقد ورد عن عمر ﵁: أن النبي ﷺ كان يبيع نخل بني النضير، ويحبس لأهله قوت سنتهم. رواه البخاري في صحيحه/ كتاب النفقات/باب حبس الرجل قوت سنة على أهله "انظر الفتح" "٩/٤١٢"ح "٥٣٥٧". ومسلم في صحيحه/ كتاب الجهاد والسير/ باب حكم الفىء "٣: ١٣٧٦" ح "١٧٥٧" واللفظ للبخاري. وهذا من قبيل التدبير والاقتيات، لا من قبيل الاحتكار، وتربص غلاء السعر بسبب احتكاره. ٢ رواه البخاري في صحيحه/ كتاب الشرب والمساقاة/ باب فضل سقي الماء "انظر الفتح "٥: ٥٠" ح "٢٣٦٣". ومسلم في صحيحه/ كتاب السلام/باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها "٤: ١٧٦١" ح "٢٢٤٤". ٣ في "س": الكافر. ٤ حيث ترجم لباب من، أبواب كتاب التعبير بقوله: باب رؤيا أهل السجون والفساد والشرك لقوله: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ إلى قوله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ وقال الفضيل لبعض الأتباع: يا عبد الله ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ ﴾ الآيات. إلى قوله: ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ..﴾ . انظر صحيح البخاري مع الفتح "١٢ ة ٣٩٧". قال ابن حجر: وقد وقعت الرؤيا الصادقة من بعض الكفار كما في رؤيا صاحبي السجن مع يوسف ﵇، ورؤيا ملكهما وغير ذلك "الفتح ١٢: ٣٧٩". ٥ رواه البخاري في صحيحه/ كتاب الطب/ باب النفث في الرقيه "١٠: ٢١٩". ح "٥٧٤٧" ومسلم في صحيحه/ كتاب الرؤيا "٤: ا ١٧٧" ح "١ ٢٢٦"، وقال ابن حجر عند الكلام في باب الرؤيا من الله: وظاهر قوله: "الرؤيا من الله والحلم من الشيطان" أن التي تضاف إلى الله لا يقال لها "حلم"، والتي تضاف للشيطان لا يقال لها "رؤيا" وهو تصرف شرعي وإلا فكل يسمى "رؤيا" وقد جاء في حديث آخر "الرؤيا ثلاث" أطلق على كل "رؤيا" الفتح "١٢: ٣٨٦".
[ ٣٤٣ ]
الحادية والعشرون: التعبير عن الماضي بالمضارع١.
والعجاف: ضد السمان، والملأ: كبار القوم "ورؤوسهم"٢، وأضغاث أحلام: أخلاط وأباطيل، "وادكر"٣: تذكر شأن يوسف، دأبا. متوالية، "تحصنون"٤: "تخزنون"٥: ﴿يَعْصِرُونَ﴾ ٦:- قيل من العنب عصيرا، ومن الزيتون زيتا، ومن السمسم دهنا٧، للخصب الذي أتاهم.
_________________
(١) ١ حيت عبر بأرى عن رأيت. وهو سائغ في لغة العرب. ولعل الغرض من ذلك حكاية الحال الماضية كما قال ابن عطية وأبو حيان وغيرهما، أواستحضار الصورة، كما قال الشوكاني. أو الغرضان جميعا كما قال ابن القيم. والله أعلم. انظر المحرر الوجيز لابن عطية "٩: ٣٠٨" والفوائد المشوق إلى علوم القرآن "١٠٢_١٠٤" والبحر المحيط "٥: ٣١٢" وفتح القدير "٣: ٣٠". ٢ في "س": ورؤسائهم- وفي المطبوعة: ورؤساؤهم. ٣ في "س": والدكز وفي "ب": "واذكر". ٤ في المطبوعة: تحصدون. وهو خطأ. ٥ في "ب" "تختزنون". ٦ في "ب" تعصرون. ٧ اخرج ابن جرير نحو هذا القول عن ابن عباس وقتادة وغيرهما واختاره وهو اختيار البغوي وابن كثير أيضًا. انظر تفسير الطبري "١٢: ٢٣٢- ٢٣٤" وتفسير البغوي "٢: ٤٣٠" وتفسير ابن كثير "٣١٨:٤".
[ ٣٤٤ ]
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
فيه مسائل:
الأولى: أمر الملك بالإتيان به ليأخذ عنه مشافهة، وكذلك يفعل العقلاء والسفهاء في الأمر الذي "يهتون"١ به.
الثانية: أن طلب العلم الذي يزحزح عن النار ويدخل الجنة أحق بالحرص من جميع المهمات٢.
الثالثة: هذا الأمر العظيم الذي "لم يسمع بمثله"٣ ولهذا قال "ﷺ": "ولو" ٤ لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي" ٥
الرابعة: قوله: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ في "ب": "يتهمون". ٢ لعله يشير إلى أن الملك قد حرص على علم تأويل رؤياه فكان عند يوسف "﵇" علم تأويلها فأخرج من السجن بسبب ذلك ففيه أن العلم ينفع صاحبه، فينبغي أن يحرص المرء على العلم الذي هو أعلى العلوم وأشرفها، وهو الذي يكون به الفوز بالجنة والنجاة من النار. والله أعلم. ٣ في "ض" و"ب": لم يسمع مثله. وفي المطبوعة: لم يسمح بمثله. ٤ في "ض"و"س"والمطبوعة "لو". ٥ أخرجه البخاري في صحيحه في مواضع منها/ كتاب أحاديث الأنبياء/ باب قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ "الفتح ٤٧٣:٦" ح "٣٣٧٢". ومسلم في صحيحه في مواضع منها/ كتاب الإيمان/ باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة "١٣٣١" ح "١٥١" ٦ انظر ما تقدم ص "٣٠٨،٣٠٩".
[ ٣٤٥ ]
الخامسة: قوله: ﴿النِّسْوَةِ﴾ قيل: لم يفرد امرأة العزيز أدبًا وحفظًا لحق الصحبة١.
السادسة: قوله في هذا الموطن: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ ٢.
السابعة: قولهن٣: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ "فيه"٤ رد لبعض الأقوال٥ التي قيلت في "الهم"٦.
_________________
(١) ١ قاله الزجاج والبغوي. انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج "٣: ١١٥" وتفسير البغوي "٢: ٤٣٠" وذكر ابن الجوزي توجيهات أخر فانظر زاد المسير "٤: ٢٣٦، ٢٣٧". ٢ لعل الشيخ ﵀ يشير إلى أن المراد بالرب هنا هو الله ﷿. وهو الأظهر والأليق للمغايرة بين الضميرين في قوله: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّك﴾ وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ . فقوله: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّك﴾ أي سيدك كقوله: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ في الأظهر. وقيل: إن المراد بالرب في قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ - سيده، زوج المرأة فهو ذو علم ببراءته مما قذف به. انظر تفسير الطبري "١٢: ٢٣٦" وتفسير البغوي "٢: ٤٣٠" وانظر ما تقدم ص "٣٠٨، ٣٠٩" والله أعلم. ٣ في "ض" والمطبوعة: قوله. ٤ ساقطة من "ب". ٥ ووجه الرد فيها أن: ﴿سُوءٍ﴾ نكرة في سياق النفي و"من" لتأكيد النفي. فنفت الآية عنه أي سوء، ولا شك أن ما قاله بعض المفسرين من كيفية هم يوسف ﵇ بأنه حل سراويله ونحو ذلك هو من السوء الذي نفته هذه الآية. فظهر بذلك أن ما ذكروه من كيفية الهم هو من قبيل الإسرائيليات، ومعلوم من اليهوداتها مهم الصريح لأنبياء الله بما يبرأ منه أوساط الناس فضلًا عن صفوتهم. انظر بعض ما قيل في الهم في تفسير الطبري "١٨٣:١٢- ١٩١" وانظر ما سبق ص "٣١٢". ٦ بياض في "ب".
[ ٣٤٦ ]
الثامنة:- قولها١: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ٢. [إقرار بما فعلت. وقولها: ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ٣.
التاسعة: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ هذا علة لما جرى سواء كان رد الرسول أو إقرارها، فإن كان الأول فالضمير للعزيز زوج المرأة، وإن كان الثاني فالضمير ليوسف٤.
العاشرة:- رد هذه المسألة الجزئية إلى القاعدة الكلية وهي: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ أي لا يرشد "كيد"٥ من خان "أمانته"٦.
_________________
(١) ١ في "س": قوله. ٢ الآية في "س" إلى قوله: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ﴾ . ٣ ما بين المعقوفتين ساقط من "ب" والمطبوعة. ٤ قوله فإن كان الأول: أي إن كان اسم الإشارة عائدا إلى الأول "أي إنما رددت الرسول" ليعلم العزيز، فالضمير المستتر في ليعلم للعزيز زوج المرأة. وإن كان الثاني أي إن كان اسم الإشارة عائدًا إلى إقرارها، فالضمير عائد ليوسف أي ليعلم يوسف أني لم أخنه في غيبته. والأول عليه أكثر المفسرين وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم. والثاني اختاره ابن كثير وابن تيمية وابن القيم وأبو حيان وغيرهم. وهو الظاهر لاتصاله بكلامها، ولا يعدل عن الظاهر إلا بدليل. والله اعلم. انظر تفسير الطبري "٣١٩:١٢، ٣٢٠" وتفسير ابن أبى حاتم "٢١٤- ٢١٧" أثر "٤٢٢- ٤٣٠". والتفسير الكبير لابن تيمية "٥: ٧٨، ٧٩، ٨٤" والتفسير القيم لابن القيم "٣١٦- ٣١٨" والبحر المحيط "٥: ٣١٧، ٣١٨". ٥ ساقطة من "س". ٦ في "س": بأمانته.
[ ٣٤٧ ]
قيل: يفتضح في العاقبة١.
الحادية عشرة: قوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ ما أجلها من مسألة وما أصعب فهمها! سواء كان "هذا من كلام يوسف ﵇ أو من كلام امرأة العزيز"٢.
الثانية عشرة: رد هذه المسألة الجزئية "إلى القاعدة الكلية وهي: أن هذا حال النفس" ٣..
"الثالثة عشرة"٤: الاستثناء من ذلك وهو من "﵀"٥، فأجاره الله من شر نفسه، كذلك ما أجلها من مسألة! "لكن"٦ لمن فهمها٧.
الرابعة عشرة: رد هذه المسألة الجزئية إلى القاعدة الكلية وهي "قوله"٨: ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
_________________
(١) ١ حكى ابن الجوزي نحوه ولم يعزه لأحد. انظر زاد المسير "٤: ٢٤٠". ٢ في "ب" سقطت "من" الثانية. وفي "س": "من امرأة العزيز أو من كلام يوسف". وفي المطبوعة "من كلام امرأة العزيز أو من كلام يوسف ﵇". ويعني الشيخ- والله أعلم- أن احتقار النفس، وعدم تزكيتها والزهو بها، أمر عظيم القدر، جليل الفائدة، إذ يحمل صاحبه على السعي حثيثا إلى إصلاح نفسه، وتحصيل أسباب الكمال البشري لها. ٣ في "س" مثبتة في الهامش. ٤ في "س" مثبتة في الهامش. ٥ في "ض" و"ب" والمطبوعة: ﵀. ٦ ساقطة من "ض" والمطبوعة. ٧ أي استثناء من ﵀ من الأنفس الأمارة بالسوء. وهذه مسألة جليلة القدر، عظيمة النفع، إذ من عرف حال كثير من النفوس البشرية وأنها أمارة بالسوء إلا من ﵀ فحفظه، ووقاه، وسدد خطاه، لم يزك نفسه ويتعاظم، بل يتواضع ويفتقر إلى خالقه ويلتجئ إليه، ويعتصم به، طامعا في رحمته إذ لا غنى به عن ربه طرفة عين. ٨ ساقطة من المطبوعة.
[ ٣٤٨ ]
"وقوله١": ﴿فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ ٢ قيل: معناه. اسأله أن يكشف عن الخبر حتى يعلم الحقيقة٣. ففيه المسألة الخامسة عشرة وهي:
حرص المخلص لله على براءة عرضه عند الناس وأن ذلك لا يناقض الإخلال بل قد يكون واجبًا، ولم يعتب عليه "في هذا"٤ كما عتب عليه في قوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ .
قيل: إن: ﴿ما﴾ في هذا الموضع٥ بمعنى "من"٦.
قوله: ﴿مَا بَال﴾ ما شأن النسوة.
﴿مَا خَطْبُكُنّ﴾ ٧ ما أمركن وقصتكن.
"وقوله٨": ﴿حَصْحَصَ الْحَقّ﴾ "أي"٩ ظهر وتبين١٠.
﴿الْآنَ﴾ أي هذا الوقت.
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾
_________________
(١) ١ في "ض" و"ب": "قوله". ٢ في "ب": ﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ . ٣ لم أجد هذا القول منسوبا. ٤ في هامش "س": في ذلك. ٥ يظهران المراد بهذا الموضع قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ﴾ . ٦ في المطبوعة: "عن" وقد صرح بأنها بمعنى "من" البغوي في تفسيره "٢: ٤٣١" والقرطبي في تفسيره "٩: ٢١٠" وحكاه ابن الجوزي ولم يعزه انظر زاد المسير "٤: ٢٤٢"- وقدرها بمعنى "من" ابن كثير في تفسيره "٤: ٣٤٠". ٧ في "ض" و"ب": "خطبكن". ٨ في "ض": قوله. ٩ ساقطة من "ض" و"ب". ١٠ وقد قال بهذا من قبل ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم. انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة "١: ٣١٤" وتفسير الطبري "١٢: ٢٣٦، ٢٣٧" وتفسير البغوي "٢: ٤٣٠".
[ ٣٤٩ ]
فيه مسائل:
الأولى: ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ ""أي: أجعله خالصًا لي دون غيري"١ كما يقال: الرفيق قبل الطريق٢، "وكما قيل"٣: "لينظر أحدكم من يخالل" ٤.
_________________
(١) ١ في "ب": "أن أجعله خالصًا دون غيره". ٢ هذا القول أورده الميداني في الأمثال "٥٢:٢". وقد روي مرفوعًا من حديث رافع بن خديج بلفظ "التمسوا الرفيق قبل الطريق والجار قبل الدار". رواه الطبراني في الكبير "٤/٢٦٨، ٢٦٩" برقم "٤٣٧٩" والخطيب في الجامع "٢: ٢٩٢، ٢٩٣" والقضاعي في مسند الشهاب "٤١٢:١" ح "٧٠٩" وغيرهم من حديث أبان بن المحبر عن سعيد بن معروف بن رافع ابن خديج عن أبيه عن جده. وسعيد بن معروف قال فيه الأزدي: لا تقوم به حجة. أ. هـ. وأبان بن المحبر قال فيه الذهبي: أبان متروك فالعهدة عليه. أ. هـ. وللحديث شواهد رواها العسكري والخطيب. قال السخاوي: وكلها ضعيفة ولكن بانضمامها تقوى. قال العجلوني: فيصير حسنًا لغيره. وقالا: وفي قوله تعالى حكاية عن آسية: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ ما يشير للجملة الثانية. وقال الشيخ ناصر الدين الألباني: الحديث ضعيف جدًا. انظر ميزان الاعتدال "٢: ١٥٩" المقاصد الخمسة للسخاوي "١٥١" ح "١٦٣". كشف الخفاء للعجلوني "١: ١٧٨" ح "٥٣١" ضعيف الجامع للألباني "١: ٣٤٩" ح "١٢٤٥". ٣ في "ض": وكما يقال - وفي المطبوعة: وكما قال ٤ رواه الإمام أحمد في مسنده "٢: ٣٠٣، ٣٣٤". وأبو داود في سننه/ كتاب الأدب/ باب من يؤمر أن يجالس "٤: ٢٥٩" ح "٤٨٣٣" والترمذي في جامعه/ كتاب الزهد/ باب ٤٥ "٤: ٥٨٩" ح "٢٣٧٨" وقال: حديث حسن غريب. وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي "٢: ٢٨٠" ح "١٩٢٧".
[ ٣٥٠ ]
الثانية: وهى أعجب: قوله: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ "وبيانها"١ لما دخل بعض العلماء، على بعض الملوك وكان "دميما"٢ فضحك الملك "من دمامته"٣ فذكر له هذه الآية واستحسن الملك جوابه٤.
ومعنى هذا٥ أن الملك لم يتمكن من قلبه لما رأى جمال صورته بل لأجل علمه الذي تبين له لما كلمه.
الثالثة: قوله: ﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا﴾ ٦ أي عندنا: ﴿مَكِينٌ﴾ أي مكنتك من ملكي تصرف فيه،: ﴿أَمِينٌ﴾ أي عرفت صحة أمانتك فأمنتك على ما تحت يدي، وهذا معنى قول أبي العباس٧- الولاية لها ركنان
_________________
(١) ١ في المطبوعة: وبيانه. ٢ في "ض" و"ب" ذميما. ٣ في "ض" و"ب" وهامش "س": من ذمامته. ٤ لعل الشيخ يشير بهذا إلى قصة عبد العزيز الكناني ودخوله على المأمون لمناظرة بشر المريسي في مسألة خلق القرآن. فعاب خلقه بعض الحاضرين تم أجابه عبد العزيز بهذه الآية وما يتعلق بها. انظر الحيده للإمام عبد العزيز بن يحيى الكناني ص "١٤، ١٥". ٥ أي معنى قوله: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ . ٦ في "ض" و"ب": ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ . ٧ هو شيخ الإسلام أبو العباس، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني ثم الدمشقي المولود بحران عام "٦٦١"هـ والمتوفى سنة "٧٢٨هـ" بقلعة دمشق فضائله كثيرة ومناقبه جمة. وعلومه ومعارفه واسعة، ومؤلفاته جمة نفيسة وقد ترجمه كثير من العلماء فانظر في ترجمته: فوات الوفيات للكتبي "٧٤:١- ٨٠" والدرر الكامنة لابن حجر "١: ١٥٤- ١٧٠" وشذرات الذهب لابن العماد "٦: ٨٠- ٨٦" وأفرد بعض العلماء ترجمته في مؤلف خاص كالعقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية، لابن عبد الهادي، والرد الوافر، لابن ناصر الدين، والكواكب الدرية، والشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية، كلاهما لمرعي ابن يوسف الحنبلي.
[ ٣٥١ ]
القوة والأمانة كما في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ ١.
الرابعة.- قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ ٢ "هذا"٣ فيه طلب الولاية كما قال عمر بن الخطاب لبعض الصحابة لما عرض عليه "ولاية"٤ "فأبى"٥، فقال: طلبها من هو خير منك٦، يعني يوسف "﵇"٧، ولا يخالف هذا ما ورد من النهي عن طلب الإمارة٨،
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام "٢٨: ٢٥٣". ٢ سورة القصص: آية "٢٦". ٣ ساقطة من "س". ٤ في "ب": الولاية. ٥ مكررة في "س". ٦ الصحابي هو أبو هريرة ﵁، وقد دعاه عمر ﵁ ليستعمله فأبى أن يعمل له فقال: أتكره العمل وقد طلبه من كان خيرًا منك، يوسف؟ والأثر طويل وهذا موضع الشاهد منه. وقد أخرجه عبد الرزاق في مصنفه "١١: ٣٢٣" أثر "٣٠٦٥٩" وابن سعد في الطبقات الكبرى "٣٣٥:٤" وابن أبي حاتم في تفسيره "ص٢٢٢" أثر "٤٣٩" والحاكم في مستدركه/كتاب التفسير / تفسير سورة يوسف "٣٤٧:٢" وأبو نعيم في الحلية "١: ٣٨٠". ٧ ساقطة من "س". ٨ من ذلك قول النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة ﵁: "يا عبد الرحمن لا تسأل الأماره، فإنك إن أعطيتها عن مسالة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها" الحديث. رواه البخاري في صحيحه/كتاب الأحكام/ باب من لم يسأل الأمارة أعانه الله عليها/ وباب من سأل الأمارة وكل إليها "الفتح ١٣: ١٣٢" ح "٧١٤٦، ٧١٤٧". ومسلم في صحيحه في مواضع منها/ كتاب الإمارة/ باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها "١٤٥٦:٣" ح "١٦٥٢" وقد استنبط مثل ما ذكره الشيخ من جواز طلب الولاية القرطبي وابن كثير وابن حجر. انظر الجامع لأحكام القرآن "٩: ٢١٥" وتفسير ابن كثير "٤: ٣٢١" وفتح الباري "١٣٥:١٣".
[ ٣٥٢ ]
لأن هذا في غير شدة الحاجة، كما أن خالدا لما أخذ الراية يوم موته من غير أمرة مدح على ذلك١.
الخامسة: قوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ "ليس"٢ هذا مما نهي عنه من تزكية النفس٣، بل يذكر الإنسان ما فيه من الفضائل عند الحاجة. إذا لم "يقصد"٤ التزكية، كما ورد عن جماعة من الصحابة٥.
_________________
(١) ١ عن أنس ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: "أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها خالد بن الوليد من غيرة إمرة ففتح الله عليه" الحديث. رواه أحمد في مسنده "٣/ ١١٣، ١١٨". والبخاري في صحيحه في مواضع منها كتاب الجهاد والسير/ باب من تأمر في الحرب من غير إمرة إذا خاف العدو. انظر الفتح "٢٠٨:٦" ح "٣٠٦٣". وقد وقعت غزوة موته سنة ثمان بين المسلمين والروم، انظر خبرها في سيرة ابن هشام "٤٢٧:٣- ٤٤٧". ٢ في المطبوعة: فليس. ٣ ما ورد به النهي قوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ..﴾ النجم آية: "٣٢". ٤ في "س": تقصد. ٥ من ذلك ما ورد عن ابن مسعود "﵁" أنه قال: والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين أنزلت، ولا نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه". رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن/ باب القراء من أصحاب النبي ﷺ "الفتح ٦٦٣:٨" ح "٥٠٠٢". ومسلم في صحيحه/ كتاب فضائل الصحابة/ باب ٢٢ من فضائل عبد الله بن مسعود ﵁ "١٩١٣:٤" ح "٢٤٦٣". وإنما كان ذكر الإنسان شيئًا من فضائله حسنًا بشرطه لأنه خرج مخرج الشكر، وتعريف المستفيد ما عند المفيد، كما ذكر هذا ابن الجوزي عن محمد بن القاسم، وذكر عن أبي يعلى أنه قال: في قصة يوسف دلالة على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه وأنه ليس من المحظور في قوله: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ - انظر زاد المسير "٤: ٢٤٥".
[ ٣٥٣ ]
"قوله"١: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ "أي"٢ ارض مصر.
وقوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ أي أحفظ ما وليتني عليه،: ﴿عَلِيمٌ﴾ بأمره وحسابه واستخراجه٣.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٤.
فيه مسائل:
الأولى: قوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ قيل: معنى ذلك "كما أنعمنا عليه بنعم الدين أنعمنا عليه بنعم الدنيا"٥.
الثانية: أن ذلك تمكينه في أرض مصر يحل وينزل منها: "ما"٦ أراد بعد ذلك الحبس والضيق.
[الثالثة: "تسمية الله"٧ سبحانه "ذلك"٨ رحمة في قوله: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ ٩] ١٠
_________________
(١) ١ في "س" وقوله. ٢ في "س" يعني. وانظر تفسير الطبري "١٣: ٥" وتفسير البغوي "٢: ٤٣٣" وتفسير ابن كثير "٤: ٣٢١". ٣ ورد نحو هذا التفسير عن قتادة وابن إسحاق. انظر تفسير الطبري "١٣: ٥" وتفسير البغوي "٢: ٣٤٢". ٤ الآية الأخيرة: مثبته في هامش "ض". ٥ في "ب": "كما أنعمنا عليه بنعمه الدنيا" بإسقاط الباقي. وهذا القول لم أجده معزوا. ٦ ساقطة من "ض". ٧ في "ب": تسميته. ٨ ساقطة من "ب". ٩ قوله: ﴿مَنْ نَشَاءُ﴾ ساقط من "ب". ١٠ ما بين المعقوفتين ع ساقط من"ض".
[ ٣٥٤ ]
وهذه من أشكل المسائل على أكثر الناس، بعضهم يظن أن هذا كله نقص أو مذموم وأن التجرد من المال مطلقًا هو الصواب، "وبعض"١ يظن أن "عطاء الدنيا"٢ يدل على رضي الله "وكلاهما على غير الصواب"٣، وذلك أن من أنعم الله عليه بولاية أو مال فجعلها طريقًا إلى طاعة الله فهو ممدوح، وهو أحد الرجلين "اللذين يغبطهما"٤ المؤمن، وإن كان غير هذا فلا.
الرابعة:- أن هذه الأمور وإن جلت وصارت أعلى المراتب وأصعبها طريقًا فتحصيلها مردود إلى محض المشيئة لا إلى الأسباب.
الخامسة: رد هذه المسألة الجزئية إلى القاعدة الكلية وهى أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
السادسة: أن من عدم إضاعته "أنه٥" يعجل في الدنيا بعضه لمن أراد الله كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ ٦.
السابعة: "أن"٧ الأجر الثاني لمن أحسن "خير"٨ من ملك يوسف وسليمان ابن داود.
الثامنة: قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ "فالإيمان"٩ يدخل فيه الدين كله. وأيضًا يدخل كله في التقوى، وأما إذا "قرن"١٠ "بينهما"١١ كما هنا فالإيمان الأمور الباطنة والتقوى
_________________
(١) ١ في "ق" وبعضهم. ٢ في "ب": عطاء الله الدنيا. ٣ في "ب" وكلاهما يدل على غير الصواب. ٤ في "س" و"ب" والمطبوعة: الذين يغبطهم. أ.هـ. وهما الموسر المتصدق، والعام العامل المعلم، كما في الحديث "لا حسد إلا في اثنين رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكة في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمهما" - رواه البخاري في صحيحه في مواضع منها/ كتاب العلم/ باب الاغتباط في العلم والحكمة "انظر الفتح "١: ١٩٩" ح"٧٣" ومسلم في صحيحه / كتاب صلاة المسافرين/ باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه "١: ٥٥٩" ح"٨١٦". ٥ في "ب" أن. ٦ سورة النمل: آية "٣٠". ٧ ساقطة من المطبوعة. ٨ في "س" مثبتة في الهامش. ٩ في "ب" والإيمان. ١٠ في "ض" والمطبوعة: "فرق" ولعله تصحيف. ١١ في "س" مثبته في الهامش.
[ ٣٥٥ ]
الأمور الظاهرة. "وإن"١ قلت الإيمان فعل الواجبات والتقوى ترك المحرمات فقد أصبت٢.
﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ ٣
قيل: لما اطمأن يوسف في ملكه ومضت "السنين"٤ المخصبة. ودخلت "السنين" "الجدب"٥ وأصاب الشام من القحط ما أصاب غيرهم، فأرسل يعقوب بنيه إلى مصر، وأمسك "بنيامين"٦ عنده. فلما دخلوا عليه عرفهم. قيل "كان"٧ بين دخولهم عليه "وإلقائه"٨ في الجب أربعون سنه، فلذلك لم يعرفوه٩. فقال١٠ أخبروني ما أمركم؟ فقالوا: نحن قوم من أرض كنعان جئنا نمتار طعامًا.
_________________
(١) ١ في المطبوعة: وإذا ٢ أشار ابن تيمية ﵀ إلى نحو هذا التفصيل في مواضع من الفتاوى وخصوصًا في كتاب الإيمان فانظر مثلا "٧: ١٦٢، ١٦٩". ٣ الآية في "ض" و"ب" إلى قوله: ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ . ٤ في المطبوعة: السنون. ٥ في المطبوعة: المجدبة. ٦ في "ب": "ابن يامين" وهو خطأ. ٧ في "س" مثبته في الهامش. ٨ في "س": وبين إلقائه. وفي "ب": "إلقائه" بدون "و". ٩ ذكره البغوي عن ابن عباس بدون إسناد. انظر تفسير البغوي "٢: ٤٣٥". ١٠ في "ب" "فقال لهم".
[ ٣٥٦ ]
قال: كم أنتم؟ "قالوا"١: عشرة قال: أخبروني خبركم. قالوا "إنا"٢ إخوة "بنو رجل"٣ صديق، وإنا كنا "اثني عشر"٤ فذهب "أخ له معنا"٥ في البرية فهلك فيها، "وكان أحبنا إلى أبينا"٦. "قال"٧ "فإلى من سكن"٨ أبوكم بعده؟ قالوا: "إلى"٩ أخ لنا أصغر منه، فذلك قوله: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ ١٠ يقال: جهزت القوم إذا هيأت لهم جهاز السفر١١، وحمل لكل رجل منهم بعيرا، وقال ألا ترون أني أوف الكيل وأنا خير المنزلين"١٢.
_________________
(١) ١ في "ض": قال. ٢ في "ب": نحن. ٣ في "س": "بني رجل". ٤ في "ض" "اثنا". ٥ في "ض": "معنا أخ لنا". ٦ في المطبوعة "وكان احب إلى أبينا منا" وفي "ب" "وكان أخينا من أبينا" والموافق للرواية والنسخ المخطوطة ما أثبته. ٧ في المطبوعة "فقال" والموافق للرواية والنسخ ما أثبته. ٨ في "س" والمطبوعة فإلى من يسكن. وفي "ض": "لمن سكن". ٩ من هامش "س" وهو الموافق للرواية. ١٠ في "ض": ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ وما أثبته من "ض" و"ب" وهو أنسب، وموافق لما عند البغوي في تفسيره "٤٣٥:٢". ١١ انظر المصباح المنير "١: ١١٣" ولسان العرب "٥: ٣٢٥" مادة: جهز. ١٢ أخرج نحو هذه القصة ابن جرير الطبري عن كل من السدي وابن إسحاق انظر تفسير الطبري "١٣: ٧". والبغوي "٢: ٤٣٤".
[ ٣٥٧ ]
"المضيفين"١.
قيل: "إنه"٢ أحسن ضيافتهم ثم أوعدهم على ترك الإتيان بالأخ فقال: فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون"٣.
وقوله: ﴿..﴾، والرحل "كل ما"٤ يعد للرحيل "من"٥ وعاء "للمتاع"٦ ومركب للبعير وحلس٧ "وغير ذلك"٨.
قيل: مراده أنهم يعرفون "كرمه٩" فيحملهم على العود١٠.
وقيل: خاف أن لا يكون عندهم ما يرجعون به١١.
فيه مسائل:
الأولى: كون القحط عم البلاد لم يكن على مصر خاصة.
_________________
(١) ١ ساقطة من "ض"، "ب": وهذه الرواية. ذكرها البغوي وعزاها إلى مجاهد بدون إسناد "٢: ٤٣٥". ٢ في "ب": لأنه. ٣ ذكر هذا ابن الجوزي في تفسيره ولم يعزه لأحد. انظر زاد المسير "٤: ٢٤٨". ٤ في "ب" "كما". ٥ ساقطة من "ض". ٦ في "س" والمطبوعة "المتاع". ٧ انظر زاد المسير "٤: ٢٤٩" والمصباح المنير "١: ٢٢٢" مادة: رحل. والحلس: كساء يجعل على ظهر البعير تحت رحله. انظر المصباح المنير "١: ١٤٦" ولسان العرب "٦: ٥٤" مادة: حلس. ٨ في "ب" لا غير ذلك. وهو تحريف. ٩ في "ب" "إكرامه". ١٠ ذكره البغوي في تفسيره "٢: ٤٣٥"، وابن الجوزي في زاد المسير "٤: ٣٥٠"، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن "٩: ٢٢٣". ١١ حكاه البغوي عن الكلبي، وابن الجوزي عن أبي صالح عن ابن عباس. انظر تفسير البغوي "٢: ٤٣٥" وزاد المسير "٤: ٢٤٩".
[ ٣٥٨ ]
الثانية: إنكارهم إياه "ومعرفته لهم"١.
الثالثة: حيلته "﵇"٢ في التوصل إلى إتيان أخيه.
الرابعة: "كون"٣- ما فعل "معهم"٤ حثهم "به"٥ على الإتيان به.
الخامسة: أن هذا "ليس"٦ من تزكية النفس "المذموم"٧.
السادسة: أن هذا ليس من المن "والأذى"٨ المذموم٩.
السابعة: "أن"١٠ قوله: ﴿فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ ليس من منع المضطر المذموم١١.
الثامنة: ما صنع الله "له"١٢ من إذلالهم بين يديه، وذلك أنهم "وعدوه أنهم"١٣ يراودون "عنه"١٤ أباه "وأكدوا ذلك له"١٥ بالعزم على الفعل.
_________________
(١) ١ في "ض": ومعرفتهم له. ٢ ساقطة من "ض" و"ب" والمطبوعة. ٣ في "ض": كونه. ٤ في "س": بهم. ٥ ساقطة من "س" والمطبوعة. ٦ ساقطة من "ض". ٧ في "س" مثبتة في الهامش، وانظر هذه المسألة فيما سبق ص "٣٥٣". ٨ في "س" مثبتة في الهامش. ٩ المذموم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ الآية "٢٦٤" من سورة البقرة، وغيره. ١٠ ساقطة من "س". ١١ ومن أدلة ذم منع المضطر قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ وانظر شيئًا من الكلام على هذا المبحث في الطرق الحكمية لابن القيم ص "٢٦٠". ١٢ ساقطة من "ض". ١٣ في "س" مثبتة في الهامش، وكلمه "أنهم" مكرره في المطبوعة. ١٤ ساقطة من "ض"، و"س" والمطبوعة. ١٥ في "س" و"ب" وأكدوا له ذلك.
[ ٣٥٩ ]
التاسعة: أمره "الفتيان أن يجعلوا البضاعة"١ في رحالهم٢، والحكمة في ذلك أنهم إذا رجعوا إلى أهلهم "وفتحوا المتاع"٣ ووجدوها ردت إليهم رجعوا.
﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
فيه مسائل:
الأولى: أنهم وفوا ليوسف "بما وعدوه"٤.
الثانية: أنهم ذكروا لأبيهم ما يقتضي الإجابة وهو منع الكيل.
الثالثة: أن هذا "يدل"٥ "على"٦ أنهم لاغناء "بهم"٧ عن التردد إلى الميرة٨.
_________________
(١) ١ في "ض" والمطبوعة "أمره بجعل الفتيان بضاعتهم في رحالهم". وفي "ب" "أمره الفتيان بجعل بضاعتهم". ٢ في قوله: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ . ٣ ساقطة من "ب". ٤ في "ب": "ما وعدوه". ٥ في المطبوعة: مما يدل. ٦ في "س" مثبته في الهامش. ٧ في المطبوعة: لهم. ٨ "الميرة" "بكسر الميم" الطعام يجلبه الإنسان. يقال: مار أهله يميرهم ميرا إذا جلب لهم الطعام. وهم يمتارون لأنفسهم، ويميرون غيرهم، فقوله: ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي نجلب لهم الميرة. انظر المفردات للراغب "٤٧٨" ولسان العرب "٥: ١٨٨". المصباح المنير "٢: ٥٨٧": مير. وانظر ما يأتي ص "٣٦٥".
[ ٣٦٠ ]
الرابعة:- أنهم وعدوه حفظه، وأكدوه بإن واللام.
الخامسة: "جوابه ﵇ لهم"١، فيدل على قوله "﵇"٢: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" ٣.
السادسة: أن من "أساء"٤ فعله ساء الظن فيه ولو لم يكن كذلك.
السابعة:- أنهم لما ذكروا له أنهم يحفظونه وأكدوا أجابهم بقوله: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ .
الثامنة: أنه أجابهم أيضًا بكون الله أرحم الراحمين.
التاسعة: ذكرك للممنوع سبب منعك إياه.
العاشرة: أنه "فعلكم"٥ كقوله: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ ٦.
﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ٧ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ .
فيه مسائل:
الأولى: استعطاف "الممتنع"٨ بالخصال التي توجب إجابته.
_________________
(١) ١ في "ب": جوابه لهم ﵇. ٢ ساقطة من "ض" والمطبوعة. وفي "س" مثبته في الهامش. ٣ رواه البخاري في صحيحه/ كتاب الأدب/ باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. "انظر الفتح ١٠: ٥٤٦" ح "٦١٣٣". ومسلم في صحيحه/ كتاب الزهد/ باب "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" "٢٢٩٥:٤" ح "٢٩٩٨". ٤ في "ب" ساء. ٥ في "س" فلعلكم: وهو خطأ من الناسخ. ٦ سورة آل عمران آية: "١٦٥". ٧ في "ض" والمطبوعة بعد قوله: ﴿رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ قال: إلى قوله: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ . ٨ في "ب": للممتنع.
[ ٣٦١ ]
الثانية: أنهم لم يعلموا أنها ردت إليهم حتى وصلوا "إلى"١ أهلهم وفتحوا المتاع.
الثالثة: ذكرهم له حاجة الضعفاء والذرية إلى الكيل.
الرابعة: أنهم "يزدادون"٢ حملا آخر على ما أتوا به.
الخامسة: ذكرهم الثناء على يوسف بأن الحمل عليه يسير لكرمه مع شدة حاجتنا إليه وغلاء ثمنه٣.
السادسة: أنه ﵇ لما ذكروا "له ذلك"٤ رجع عن رأيه الأول ورأى إجابتهم.
السابعة: أنه شرط عليهم هذا الشرط الثقيل.
الثامنة: أنهم أعطوه إياه على ثقله.
التاسعة: أنهم لما "آتوه٥" الموثق وعظهم "وأكده"٦ عليهم بقوله: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ ٧.
العاشرة: أن هذا يدل على أنهم في جوع "وضراء"٨ عظيمة، وهم أكرم أهل الأرض على الله، وابتلاهم بذلك لا لهوانهم عليه.
_________________
(١) ١ ساقطة من "س". ٢ في "ض": يزدادوا. وهو خطأ. ٣ ذهب إلى نحو هذا القول الزجاج في معاني القرآن وإعرابه "١١٩:٣". ٤ في "س": "ذلك له". وفي "ب": "إليهم ذلك". ٥ في "ب" بزيادة أعطوه قبلها ولا وجه له. ٦ في "ب": "وأكد". ٧ في المطبوعة: ﴿واللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ . ٨ في "س": مثبتة في الهامش.
[ ٣٦٢ ]
﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ١ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
فيه مسائل:
الأولى: خوف عليهم من العين٢.
الثانية: أمره لهم بالسبب الذي يمنع، ونهيهم عما قد يكون سببًا لوقوعها.
الثالثة: أنه مع فعل السبب تبرأ من الالتفات إليه.
الرابعة: أنه دلهم على عدم الالتفات إلى أبيهم٣.
الخامسة: أنه دلهم على التوكل على الله.
السادسة: أنه "أخبرهم أنه توكل"٤ عليه وحده لا شريك له، لا على "علمه"٥ وفطنته ولا على السبب الذي أمرهم به.
السابعة٦: أنه أخبرهم أن توكل المتوكلين "كلهم"٧ "على الله فمن توكل"٨ على غيره فليس منهم.
_________________
(١) ١ في "ض" و"ب" والمطبوعة بعد قوله: ﴿مُتَفَرِّقَةٍ﴾ قال: إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ٢ وقد قال هذا القول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك ومحمد بن كعب القرظي وهو قول جمهور المفسرين.- انظر تفسير الطبري "١٣: ١٣، ١٤" وتفسير ابن أبي حاتم "ص ٢٤٤، ٢٤٥" أثر "٤٩٧- ٤٩٩". ٣ في "س" مثبتة في الهامش وفي المطبوعة: التهمه كما في "ق". ٤ في "ب" وهامش "س": أخبرهم أن توكله. ٥ في "س": عمله. ٦ في "س" "السا" بدون أخر الكلمة وهو سقط. ٧ في "س" كله. ٨ في "س": عليه لا شريك وفي "ب" "عليه فمن توكل".
[ ٣٦٣ ]
الثامنة: خبره "تبارك و"١ تعالى أنهم قبلوا وصية أبيهم وعملوا بها "فتفرقوا"٢ على الأبواب لما أرادوا دخول البلد.
التاسعة: أن ذلك لا يغني عنه "من الله شيئًا"٣ لا يريد بهم "شيئًا"٤.
العاشرة: الاستثناء، وهو أن ذلك التعليم من الرجل الحكيم المصيب، وقبول المنصوح "وعمله"٥ بالنصيحة التي هي سبب لو أراد الله أن العين تصيبهم أصابتهم ولو تفرقوا "على الأبواب"٦ حظا للعباد على الاعتماد عليه لا على الأسباب.
الحادية عشرة: ثناؤه على يعقوب بأنه "ذو علم لما عملناه"، قيل: معناه "عامل بما علم"٧، وهو يدل على أن العلم الذي لا يثمر العمل لا يسمى علمًا.
الثانية عشرة: ذكره أن أكثر الناس لا يعلمون.
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ٨ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
قيل إنه قال لهم "ليصر"٩ كل اثنين جميعا١٠. فبقي "أخوه"١١ وحده فآواه
_________________
(١) ١ ساقطة من "ض" و"ب" والمطبوعة. ٢ في "ب": وتفرقوا. ٣ في "ض" و"س" والمطبوعة: "شيئا من الله". ٤ ساقطة من "ض". ٥ في "ب" مصححة في الهامش. ٦ في "س" مثبتة في الهامش. ٧ في "ض" والمطبوعة: عامل بما علمه وفي "ب": عاقل بما علمه وهو تصحيف وهذا القول أخرجه الطبري عن قتادة. وذكره البغوي وابن كثير عن الثوري وروى الطبري عن الثوري أنه قال: من لا يعمل بما يعلم لا يكون عالما. انظر تفسير الطبري "١٣: ١٥" وتفسير البغوي "٢: ٤٣٨" وتفسير ابن كثير "٤: ٣٢٤". ٨ في "ض" و"ب" بعد قوله أخاه: الآية. وليس في المطبوعة. وفي "س": ما أثبته. ٩ في المطبوعة: "يصير" وفي النسخ المخطوطة "ليصير" والصواب ما أثبته. ١٠ ذكر نحوا من هذا الطبري في تفسيره "١٥:١٣" عن السدي وابن إسحاق. ١١ في المطبوعة وجميع النسخ المخطوطة: "أخاه".
[ ٣٦٤ ]
إليه.
"فقال"١ له: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ .
قيل: إنه أخبره الخبر٢.
وقيل: المراد أخوة المحبة٣.
"وقوله"٤: ﴿مَا نَبْغِي﴾ ٥. قيل أي شيء نريد وقد ردت بضاعتنا٦.
و"قوله"٧: أي "نأتي"٨ لهم بالطعام، يقال مار أهله "إذا"٩ أتاهم بطعام١٠.
_________________
(١) ١ في "س": "وقال". ٢ أخرجه الطبري في تفسيره "١٣: ١٥" وابن أبى حاتم في تفسيره ص "٢٥٠" أثر "٥١٢" عن ابن إسحاق وزاد ابن الجوزي نسبته إلى ابن عباس- انظر زاد المسير "٤: ٢٥٥". وهذا القول هو الأظهر. ٣ أخرجه الطبري في تفسيره "١٥:١٣" عن وهب بن منبه. ٤ في "ب": "قوله". ٥ في "ب": قوله: ﴿مَا نَبْغِي هَذِه﴾ . ٦ أخرج الطبري في تفسيره "١٣: ١٢" نحوا من هذا عن قتادة. وكذا أخرجه عنه ابن أبي حاتم في تفسيره "ص ٢٤٠" اشر "٤٨٣". ونحوه قال الزجاج في معاني القرآن "٢: ١١٨" والبغوي في تفسيره "٣: ٤٣٦". ٧ ساقطة من "ض" و"ب" والمطبوعة. ٨ في "ض": "نات". ٩ في "س": "أي". ١٠ في "ب": "بالطعام". وانظر ما تقدم ص "٣٦٠" هامش: "٨".
[ ٣٦٥ ]
"وقوله"١ ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي يأتيكم أمر يهلككم "كلكم"٢.
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾
فيه مسائل:
الأولى: كونه ﵇ احتال بهذه الحيلة، ولا حجة في هذا لأهل الحيل الربوية٤، لأن ذلك مما أذن الله فيه ليوسف عليه السلام٥ وإلا لو "يفعل ذلك"٦ "الآن رجل"٧ مع
أبيه وإخوته حرم إجماعا.
_________________
(١) ١ في "ض" و"ب" والمطبوعة: "قوله". ٢ ساقطة من "س". ٣ قال في "ض" و"ب" والمطبوعة بعد قوله: ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾: إلى قوله: ﴿وْكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ . ٤ الحيلة:، أن يقصد المرء سقوط الواجب أوحل الحرام بفعل لم يقصد به ما جعل ذلك الفعل له أو ما شرع قاله شيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى "١٧:٦". ٥ وأما الحيل الربوية فهي مخادعة لله تعالى، وانتهاك لحرماته، وتعد لحدوده وما زجر عنه.- وانظر الكلام على إبطال الحيل عند شيخ الإسلام ابن تيميه في كتابه "إقامة الدليل على إبطال التحليل" ضمن الفتاوى الكبرى "٦: ٥-٣٩٢". وضمنه الكلام على وجه فعل يوسف ﵇ هذا من ص "١٢٥" إلى ص "١٣٣" وابن القيم في إعلام الموقعين من "٣: ١٥٩" إلى "٤٧:٤" وضمنه الكلام على وجه فعل يوسف من ص "٢١٦" إلى ص "٢٢٢" وخلاصه ما ذكروه في فعل يوسف هذا أنه لا يخلو من أمرين:
(٢) أنه كان بأمر الله.
(٣) أنه كان برضى أخيه، ورغبته البقاء عنده عندما علم أنه أخوه. وانظر ما يأتي ص "٣٧٣". ٦ في "س": "لو يفعله". ٧ في "ب": "رجل الآن".
[ ٣٦٦ ]
الثانية: قوله: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ ١ "أي"٢ المنادى بصوت رفيع
يسمى "مؤذنا"٣ "وقوله"٤: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ قيل: فيه جواز المعاريض "إن"٥ أراد بذلك أنهم سرقوه من أبيه فإنه لم يقل: سرقتم الصواع٦.
_________________
(١) ١ في "ب" وهامش "س": ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُون﴾ . ٢ ساقطة من المطبوعة. ٣ في "ض" و"ب" "مؤذن". وانظر هذا المعنى عند الطبري في تفسيره "١٧:١٣" والراغب في المفردات"١٤" والدامغاني في إصلاح الوجوه والنظائر "٢٦" ولسان العرب"١٢: ٩" مادة: أذن. ٤ ساقطة من "ب" والمطبوعة. ٥ ساقطة من "ب". ٦ قوله فيه جواز المعاريض: التعريض: خلاف التصريح. والمعاريض: التورية عن الشيء بالشيء وعرفها شيخ الإسلام بقوله: المعاريض وهي أن يتكلم الرجل بكلام جائز يقصد به معنى صحيحا، ويتوهم غيره أنه قصد به معنى آخر ". وهي جائزة ما لم تكن في إبطال حق أو إحقاق باطل. وخصها بعضهم بوقت الحاجة أو الضرورة إليها. انظر الصحاح للجوهري "٣: ١٠٨٧" مادة: عرض. والفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام "٦: ٠ ٢ ١" ولسان العرب "٧: ٨٣ ١" مادة عرض، وفتح الباري "١٠: ٦١٠". وكون المراد بقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ أي سرقتم يوسف من أبيه ذكره البغوي، في تفسيره "٤٣٩:٢" وابن العربي في أحكام القرآن "٠٩٥:٣ ١" والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن "٩: ٢٣١".
[ ٣٦٧ ]
الثالثة: قوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ فيه جواز "بذل"١ الأجرة لمن جاء بالسرقة٢.
"قوله"٣: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ استدل به على صحة الضمان٤ ولزومه، "وهي"٥ الرابعة.
الخامسة:- "قوله":٦ ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ . فيه جواز الحلف على مثل هذا
مع أن العلم في القلب، "لكن بعض ما في القلب يعرف بالقرائن"٧.
أي: ما جئنا "لهذا"٨، وما هذا "بفعل لنا"٩، "ولا يصلح منا"١٠، "ولسنا أهلا له"١١.
_________________
(١) ١ في "ض" و"ب": نيل. ٢ وذلك على سبيل الجعالة. وممن ذكر أنها في الجعاله الكيا الهراسي في أحكام القرآن "٢٣٣:٤" وابن العربي في أحكام القرآن "٣: ٩٦ ٠ ١" وغيرهما. ٣ ساقطة من "س". ٤ عرفه ابن رشد في المقدمات الممهدات "٣٧٣:٢- ٣ ٠ ٤" بقوله: الضمان هو التزام القيام بالشيء والاستطلاع به. واستدل على مشروعيته بهذه الآية. وعرف ابن قدامة في المغنى "٤: ٥٩٠" بقوله: هو ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق، فيثبت في ذمتهما جميعا، ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما. واستدل على مشروعيته بهذه الآية أيضًا. وانظر الاستدلال بهذه الآية أيضًا على صحة الضمان ولزومه في أحكام القرآن لابن العربي "٣: ١٠٩٥". ٥ في "ب": "هى". ٦ في "س": قولهم. وفي "ب" قوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا..﴾ . ٧ في "س": لكن يعرف بعض ما في القلوب بالقرائن. ٨ في المطبوعة: بهذا. ٩ في "ض" و"ب" والمطبوعة: "بفعلنا". ١٠ في "ض": وما يصلح. ١١ في "ض" و"س" "ولمسا أهل له"، وفي "ب" "ولسنا أهله".
[ ٣٦٨ ]
السادسة: "أن"١ السرقة ونحوها من الفساد في الأرض.
"وقوله"٢: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ قيل: "كان"٣ في شرعهم استعباد السارق هو لهم كالقطع في شرعنا٤ فلهذا ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ "٥.
السابعة: "بداءته"٦ بأوعيتهم "قبل وعاء أخيه"٧ "إبعادا عن تهمته"٨ وذلك من كيد الله له٩.
الثامنة: قوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي "حكمه"١٠ علي السارق غير ذلك١١، ولكن
الله دبر ما جرى نصرة ليوسف، لأنهم ظلموه، فكاد له، كما كادوا أباهم.
التاسعة: قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ أي ما جرى على ألسنتهم من ذلك لقول الذي حكموا به على أنفسهم، فأخذه بفتياهم وذلك من مشيئة الله.
_________________
(١) ١ ساقطة من "ب". ٢ في "ض" و"ب": قوله. ٣ ساقطة من "ض" و"ب". ٤ أخرجه الطبري عن السدي وابن زيد وابن إسحاق ومعمر وهو قول جماهير المفسرين أنظر معاني القرآن للفراء "٢: ٥٣،٥٤" وتفسير الطبري "١٣: ٢٢، ٢٦"وتفسير البغوي "٢: ٤٤٠" وزاد المسير لابن الجوزي "٤: ٣٦٠" والجامع لأحكام القرآن للقرطبي "٩:٢٣٤". ٥ في "س"مثبته في الهامش. ٦ في "ض" "بداته" وفى "س" "بدؤته". ٧ ساقطة من "ض" والمطبوعة. ٨ في "ب" "ابعاد من تهمته". ٩ هذه المسألة وما بعدها إلى نهاية المسألة الثالثة عشرة مستنبطه من قوله تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ . ١٠ في "ب" "حكم". ١١ نحو هذا التفسير مروي عن قتادة والضحاك ومحمد بن كعب القرظي وابن زيد وذكره ابن الجوزي عن ابن عباس بدون إسناد. انظر تفسير الطبري "١٣: ٢٥، ٢٦" وتفسير ابن أبي حاتم "ص٢٦٦،٢٦٧" أثر "٥٥٤، ٥٥٥".
[ ٣٦٩ ]
العاشرة: كونه يسبحانه "فاوت"١ بين عباده "تفاوتا عظيما"٢، حتى الأنبياء "رفع"٣ بعضهم فوق "بعض"٤ درجات٥.
الحادية عشرة: التنبيه "على"٦ أن ذلك لا يكون إلا بمشيئة "الله"٧.
الثانية عشرة: أن رفع الدرجات الذي ينافس "فيه"٨ هو رفعها بالعلم.
الثالثة عشرة: أنه ذكر أن "فوق كل ذي علم عالم أعلم منه"٩ حتى "ينتهي"١٠ العلم إلى الله.
﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ
_________________
(١) ١ في "س": جعل. ٢ في "ض": تفاوت عظيم. ٣ في المطبوعة: "ورفع" كما في "ق". ٤ في المطبوعة: بعضهم. ٥ قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَات ﴾ الآية "٢٥٣" سورة البقرة. ٦ ساقطة من "ب" وفى "ض" مثبتة في الهامش. ٧ في "س" مثبتة في الهامش. ٨ في "س": فيها. ٩ في "س" والمطبوعة: كل عالم فوقه أعلم منه. وفي "ض" كما أثبته مع زيادة "عليم منه" بعدها ولا وجه لها. والله أعلم وفي "ب" "فوق كل عالم أعلم منه". ١٠ في "س": يصل.
[ ٣٧٠ ]
يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ ١.
وفيه مسائل:
الأولى: إبطال قياس "الشبه"٢.
_________________
(١) ١ في "ض" بعد قوله ﴿فِي نَفْسِهِ﴾ قال: إلى قوله: ﴿تَصِفُونَ﴾ . وفي "ب" قال: إلى قوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ . ٢ في "ض" مثبته في الهامش. وقد اختلف العلماء في حد قياس الشبه، وفي الاحتجاج به، إذ هو من أصعب مسالك العلة، كما صرح به الأصوليون فذكر ابن قدامة له تعريفين: أحدهما: أن يتردد الفرع بين أصلين، حاظر ومبيح، ويكون شبهه أحدهما أكثر. الثاني: الجمع بين الأصل والفرع بوصف يوهم استعماله على حكمة الحكم من جلب المصلحة أو دفع المفسدة. ويقرب من التعريف الثاني قول من قال: إنه ما يوهم المناسبة من غير اطلاع عليها. وقيل في حده غير ذلك من التعريفات. وغالبها يرجع إلى أن الوصف في قياس الشبه مرتية بين الطردى والمناسب. - وقد اختلف في الاحتجاج به: فأكثر الفقهاء والأصوليين على الاحتجاج به، فنقل الغزالى في "المنخول" قبوله عن أبى حنيفة ومالك والشافعي. وعن الإمام أحمد فيه روايتان. وممن قال بإبطاله العلامة ابن القيم، وقال: إن الله لم يحكه إلا عن المبطلين، ومثل له بأمثلة منها: قوله عن إخوة يوسف: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ وحاصل ما ذكره ابن القيم هنا: أن الإخوة زعموا أن أخا بنيامين سرق من قبل فهو كذلك، فلم يجمعوا بين الفرع والأصل بعله، ولا دليلها، سوى الأخوة، وهذا هو الجمع بالشبه الفارغ، والقياس بالصورة المجردة، إذ الأخوة ليست مقتضية للتساوي في السرقة، لو كانت حقا..=
[ ٣٧١ ]
الثانية: أن تعيير غيرك بذنب قد فعلت أكبر منه غير صواب، كما في قوله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الآية١
الثالثة: كون المظلوم المرمي "بشيء خفي"٢ يتعزى بعلم الله "تعالى"٣ ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ ٤.
فيه مسائل٥:
الأولى: بيان مبالغتهم في حفظ "أخيهم"٦.
الثانية: جواب يوسف يدل على أن السرقة تثبت بوجود المسروق عند الرجل٧.
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ الآية "٢١٧" من سورة البقرة. ٢ ساقطة من "ض". ٣ مثبته في "ض" والمطبوعة. ٤ قال في "ض" والمطبوعة بعد قوله: ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُون﴾ . ٥ ما بين المعقوفتين من "الأولى" إلى نهاية قوله "فيه مسائل" ساقط من "ب". ٦ في "ض" و"س": أخاهم. وفى "ب": أخيه. ٧ انظر ما يأتي ص "٣٧٥".
[ ٣٧٢ ]
الثالثة: أن من وجب عليه الحد لو بذل "غيره"١ نفسه عنه لم يحل٢.
الرابعة: "أن الرجل"٣ يثبت أنه ظالم "ولو"٤ بفعلة واحدة.
الخامسة: أنهم عرفوا "منه"٥ "﵇"٦ من العدل والإحسان "ما فهموا"٧ أنه من المحسنين.
السادسة: استشفاعك، على غيرك بما فيه من الخصال الحميدة.
السابعة: المعاريض فإنه ﵇ لم يقل إنه سارق٨.
الثامنة: إبطال استدلال أهل الحيل المحرمة فإن هذا يدل على أنه "إنما أخذه برضا"٩ أو بوحي خاص١٠.
_________________
(١) ١ في "س"و"ب": غير ٢ قال ابن قدامة: وهو قول أكثر أهل العلم. وحكاه ابن المنذر والقرطبي إجماعًا، انظر المسألة في كتاب الأم للشافعي "٢٣٠:٣" والإشراف على مذاهب أهل العلم لابن المنذر "١: ١٢٤" والإجماع لابن المنذر "١٤٤" والمبسوط للسرخسي "٢: ١٠٢" والمنتقى للباجى "٨٤:٦" والمغنى لابن قدامة "٦١٦:٤" والجامع لأحكام القرآن للقرطيى "٩: ٢٤٠". ٣ ساقطة من "ض" و"ب". ٤ ساقطة من "ض" و"ب" والمطبوعة. ٥ في المطبوعة: فيه. ٦ ساقطة من "ض" و"ب" والمطبوعة. ٧ في "ب" فهو. ٨ انظر ما تقدم ص "٣٦٧". ٩ في "ض" و"س" "إنما أخذه إلا برضاه". وفي "ب" "ما أخذه إلا برضاه" والتصحيح من "ق". ١٠ انظر ما تقدم ص "٣٦٦".
[ ٣٧٣ ]
التاسعة: أن المظلوم يجوز له أن يعامل من ظلمه بما لا يحلى أن يعامل به غيره١.
العاشر: "أن هذا"٢ يدل على "أن"٣ أهل مصر لم يعرفوا "يعقوب"٤ معرفة تامة٥.
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٦
_________________
(١) ١ وجه استنباط هذه المسألة أن يوسف ﵇ قد عامل إخوانه بما لا يحل أن يعامل به غيرهم من وضعه الصواع في رحل أخيه واستبقائه عنده وفى ذلك نكاية بهم. وهذه المسألة من حيث هي لها ما يؤيدها كقوله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ النساء "١٤٩" وانظر تفسيرها عند الطبري "١٦: ١- ٤" وابن كثير "٢: ٣٩٤- ٣٩٦" وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ الشورى وانظر تفسيرها عند الطبري "٢٥: ٣٧، ٣٨" وابن كثير "١٩٧:٧- ٢٠٠". ٢ في "س" مثبتة في الهامش. ٣ ساقطة من "ب". ٤ ساقطة من "ب". ٥ وهذا مستنبط من قولهم كما أخبر الله عنهم ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ . ٦ في "ض" والمطبوعة بعد قوله: ﴿مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ قال: إلى قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ وقال في "ب" إلى قوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ الآية.
[ ٣٧٤ ]
فيه مسائل:
الأولى: أنهم بالغوا حتى استيأسوا منه.
الثانية: ثقل الأمر عليهم كما فعل كبيرهم.
الثالثة: أنه ذكر أنه على هذه الحال "إلى أن يأذن له أبوه"١ "أو يحكم"٢ الله له فإنه سبحانه يحكم لك أو عليك.
الرابعة: رد هذه المسألة الجزئية إلى القاعدة الكلية، وهى معرفة أن الله "أحكم"٣ الحاكمين٤.
الخامسة: الشهادة على الرجل بالسرقة إذا وجد المسروق عنده٥.
السادسة: أن هذه شهادة "بعلم"٦ مع كونهم ما علموا إلا القرينة٧.
_________________
(١) ١ في "س": إلا إن أذن له أبيه. وفي "ب": إلى أن أذن له أبوه. ٢ في "ب": "أو حكم". ٣ في "ب": "هو خير". ٤ المراد بهذه المسألة الجزئية المسألة الثالثة، وهى بقاء كبيرهم حتى يأذن له أبوه أو يحكم الله له. ٥ وذلك- كما قال ابن القيم في الطرق الحكمية اعتمادا على القرينة الظاهرة في شأن المتهم، قال ﵀: ولم يزل الأئمة والخلفاء يحكمون بالقطع إذا وجد المال المسروق مع المتهم، وهذه القرينة أقوى من البينة والإقرار. قلت: وهذا في شأن المتهم بالسرقة، وهو- والله أعلم- ما لم يدفع القرينة بأقوى منها فينظر. وقد وافق الشيخ محمد بن عبد الوهاب﵀ في استنباطه هنا العلامة السعدي في تفسيره. انظر الطرق الحكميه لابن القيم "٦،٧" واعلام الموقعين له أيضًا "٣: ٢٢٠ ٢٢١" وتفسير السعدي "٤: ٧٣". ٦ في هامش "س": تعلم. ٧ هذه مستنبطة من قوله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ وانظر نحوا من هذا عند القرطبي في الجامع لأحكام القرآن "٢٤٥:٩". وقد استنبط نحوا منه السعدي في تفسيره تيسير الكريم المنان "٤: ٨٠".
[ ٣٧٥ ]
السابعة: الاعتذار بعدم علم الغيب.
الثامنة: الرجوع إلى الجيران وأهل الخبرة في الأمور الخفية.
التاسعة: "تسمية"١ المدينة قرية٢.
العاشرة: اتهام المتهمين كما ذكر النعمان بن بشير٣.
_________________
(١) ١ في المطبوعة: تسميته. ٢ ويدل على هذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ الآية: "١٣" سورة: محمد ﷺ- وانظر لسان العرب "١٧٧:١٥" مادة: قرأ. ٣ هو الصحابي ابن الصحابي والأمير العالم النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبه بن زيد الأنصاري الخزرجي. يكنى "أبا عبد الله" ويقال: "أبو محمد" وهو ابن أخت عبد الله بن رواحه ﵁. ولد بعد الهجرة بأربعة عشر شهرا. ولي الكوفة لمعاوية مدة، ثم ولي قضاء دمشق، ثم ولي إمرة حمص. وكان كريما، جوادا، شاعرا، فصيحا. قتل ﵁ في ذي الحجة سنة أربع وستين من الهجرة. انظر ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد "٥٣:٦" وأسد الغابة "٢٣:٥" وسير أعلام النبلاء "٣: ١ ٤١" والإصابة "٦: ٢٤٠" ولعل الشيخ يعنى بما ذكر النعمان ما رواه من قول النبي ﷺ: "إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام" الحديث. رواه البخاري في صحيحه في مواضع منها/ كتاب الإيمان/ باب فضل من استبرأ لدينه انظر الفتح "١٥٣:١" ح "٥٢". ومسلم في صحيحه/كتاب المساقاة/ باب أخذ الحلال وترك الحرام "٣: ١٢١٩" ح "١٥٩٩" ووجه هذا الاستنباط- والله أعلم- أن من مفهوم الحديث أن من لم يتق الشبهات لم يستبرىء لدينه من النقص وعرضه من الطعن. فلما سبق من أخوه يوسف في شأنه ما سبق اتهمهم أبوهم هنا. قال ابن حجر "﵀" في شرح قوله "استبرأ": أي برأ دينه من النقص وعرضه من الطعن فيه، لأن من لم يعرف باجتناب الشبهات لم يسلم لقول من يطعن فيه. وفيه دليل على أن من لم يتوق الشبهة في كسبه ومعاشه فقد عرض نفسه للطعن فيه. وفى هذا إشارة إلى المحافظة على أمور الدين ومراعاة المروءة. انظر فتح الباري "١٥٥:١".
[ ٣٧٦ ]
الحادية عشرة: لتعزي بالعزم على الصبر الجميل عند "توالي"١ المصائب.
الثانية عشرة: الرجوع إلى الله في تفريج "الكرب"٢.
الثالثة عشرة: رد هذه المسألة الجزئية٣ إلى القاعدة الكلية "وهي قوله:"٤ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾
﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٥.
فيه مسائل:
الأولى:- التولي عن مثل هؤلاء كما قال "تعالى:"٦ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ في "ب": التوالي. ٢ في"س": الكربات. ٣ المراد بالمسألة الجزئية هنا: الرجوع إلى الله ورجاؤه أن يأتيه بابنيه جميعا. ٤ في "س" و"ب": لقوله. ٥ قال في "ض" بعد قوله: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ . وقال في "ب" بعد قوله: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾: إلى قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ . ٦ ساقطة من المطبوعة. ٧ الصافات آية "١٧٤" وهي في "ب" فتولى عنهم وقال: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ .
[ ٣٧٧ ]
"الثانية: قوله: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ أن الكلام"١ إذا لم يكن فيه جزع "لم يناف"٢ الشكوى٣.
الثالثة: ذكر الله تعالى كبر مصيبته أنه ابيضت عينا، من البكاء، وابتلى "سنين"٤ كثيرة.
الرابعة: العبرة "فيما ذكر"٥ كما قال الحسن٦. لقد ابتلى "بهذا تلك
_________________
(١) ١ في "س": "وقوله: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ الثانية: أن الكلام". ومن "الثانية"إلى قوله "يوسف" ساقط من "ب". ٢ في "ض" و"س" و"ب" "لم ينافي". وهو خطأ. ٣ المراد- والله أعلم- أن الكلام بذكر المصيبة إذا لم يكن فيه جزع وتسخط لا ينافي الشكوى إلى الله فقول يعقوب ﵇: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ لا ينافى قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ وإنما هو من قبيل الإخبار بالحال من غير شكوى للبشر. وقد وجه ابن الجوزي قوله يعقوب: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ بتوجيهين:- أحدهما: أنه شكا إلى الله لامنه. الثاني: أنه أراد به الدعاء، فالمعنى: يا رب ارحم أسفي على يوسف. انظر زاد المسير "٤: ٢٧٠" ومجموع الفتاوى "١٠: ١٨٤" وانظر ما يأتي من كلام الشيخ ص"٣٨٠". ٤ في "ض": والمطبوعة: "بسنين". ٥ في "س": فيما ذكر الله. ٦ هو الحسن بن يساز، أبو سعيد، الأنصاري، مولاهم. البصري. التابعي. كانت أمه مولاة لأم المؤمنين أم سلمه ﵂. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر ﵁، وشهد يوم الدار وله أربع عشرة سنة قال ابن سعد: وكان الحسن جامعًا، عالمًا، عاليًا، رفيعًا، فقينهًا، ثقةً، مأمونًا، عابدًا، ناسكًا، كثير العلم، فصيحًا، جميلًا، وسيمًا. وقال ابن حجر في التقريب: ثقة فقيه فاضل مشهور وكان يرسل كثيرًا ويدلس توفي ﵀ في رجب سنة "عشر ومائة" من الهجرة، عن نحو من "ثمان وثمانين" سنة. انظر ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد "٧: ٥٦ ١" وسير أعلام النبلاء "٤: ٥٦٣" وتقريب التهذيب ص١٦٠ ترجمة رقم "١٢٢٧".
[ ٣٧٨ ]
المدة الطويلة"١ وإنه لأكرم أهل الأرض على الله٢.
الخامسة: تسمية البكاء٣ "حزنا"٤ لأنه نشأ عنه٥.
السادسة: وصفه بأنه كظيم، أي أنه كاظم "لحرارة"٦ المصيبة "لا يشكو"٧.
السابعة: معاتبتهم له على الحزن مع "مصيبة"٨ طال "العهد"٩ بها.
_________________
(١) ١ في "س": "بهذه تلك المدة الطويلة". وفى المطبوعة: "بهذه المدة الطويلة". ٢ أخرج عبد الله بن الإمام أحمد نحوه عن الحسن في زوائد الزهد بلفظ: بكى يعقوب على يوسف ثمانين سنه وكان أكرم أهل الأرض يومئذ على الله. وأخرجه الطبري عنه بلفظ: والله ما على الأرض يومئذ خليقه أكرم على الله من يعقوب "ﷺ". وأورده السيوطي في الدر المنثور، وزاد نسبة تخريجه إلى أبي الشيخ. أنظر الزهد للإمام أحمد "١٠٧"وتفسير ابن جرير الطبري "١٣: ٤٨". والدر المنثور "١٣: ٥٦٨". ٣ كلمه "البكاء"مكرره في "ض". ٤ في "ض": حزن. وهو خطأ. ٥ ذكر نحوا من هذا ابن عطية والقرطبي وأبو حيان. وذكر ابن الجوزي عن ابن عباس- بدون إسناد- أنه قال: من الحزن: أي من البكاء. انظر المحرر الوجيز لابن عطية "٩: ٣٥٨" وزاد المسير "٤: ٢٧١" والجامع لأحكام القرآن "٩: ٢٤٨" وتفسير البحر المحيط "٥: ٣٣٥". ٦ في "س": الحرارة. ٧ في"س": لا شكوى. ٨ في "ب": مصيبته. ٩ في "س": الهد وهو سقط من الناسخ.
[ ٣٧٩ ]
الثامنة: "جوابه لهم ﵇"١، وهو يدل على أن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر بل هي ممدوحة كما ذكر عن أيوب٢.
التاسعة: أخبار الرجل بنيته الصالحة إذا احتاج "أو انتفع"٣ السامع ولا "محذور"٤ في ذلك.
العاشرة.: قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ كيف صار هذا جوابًا لهم!
الحادية عشرة: قيل معناه: أعلم من صفات الله ورحمته ولطفه ما لا تعلمون٥.
وقيل: إن يوسف لم يمت٦.
_________________
(١) ١ في "س": جوابه لهم ﵇ على الكلام. وقوله: "﵇" مثبت في الهامش. ٢ في "ض" و"س" و"ب" قال بعد قوله: كما ذكر عن أيوب: وهي المسألة الثامنة. ولا داعي لهذا القول فلم أثبته. والمراد بما ذكر عن أيوب ما في قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ . سورة الأنبياء "٨٤-٨٣". وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ سورة ص."٤٤-٤١" ٣ في "س" و"ب" وانتفع. ٤ في "س" في الهامش. ٥ ذكر ابن الجوزى نحو هذا عن عطاء - بدون إسناد- وكذا ذكره القرطبي عن قتادة. والذي أسنده الطبري عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن نبي الله يعقوب لم ينزل به بلاء قط إلا أتى حسن ظنه بالله من ورائه. وقد قال بنحو ما ذكره الشيخ الزمخشري وأبو السعود. انظر تفسير الطبري "١٣: ٤٦" والكشاف للزمخشري "٢٧٢:٢" وزاد المسير "٢٧٥:٥" والجامع لأحكام القرآن "٩: ٢٥١" وتفسير أبي السعود "٣٠٢:٤". ٦ ذكره ابن الجوزي عن ابن السائب- بدون إسناد. وبه قال البغوي. انظر تفسير البغوي "٢: ٤٤٥" وزاد المسير "٢٧٥:٤".
[ ٣٨٠ ]
الثانية عشرة: أن هذا في "مثل"١ هذا المقام ليس من الفخر، كما قال "ﷺ": "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" ٢.
﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٣.
فيه مسائل:-
الأولى: أمره لهم بالتحسس عن يوسف مع استبعادهم ذلك.
والتحسس "هو"٤: البحث والطلب٥.
الثانية: نهيهم عن اليأس من روح الله.
الثالثة: وهي العظيمة، أنه قد يقع اليأس من روح الله في مثل هذه القضية.
الرابعة: "إخباره لهم"٦ بقدر هذا الذنب "بأنه"٧ لا يصدر من مسلم بل لا يكون إلا من كافر. "وروح الله" "رحمة الله"٨.
_________________
(١) ١ ساقطة من "ب". ٢ أخرجه بنصه ابن ماجة في سننه/ كتاب الزهد/ باب ذكر الشفاعة "١٤٤٠:٢" ح "٤٣٠٨" من حديث أبي سعيد. وكذا أخرجه أحمد في مسنده "٢:٣" والترمذي في جامعه: كتاب التفسير /باب "١٨" ومن سورة بني إسرائيل "٣٠٨:٥" ح "٣١٤٨". كلاهما من حديث، أبي سعيد أيضًا بلفظ: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر واخرج البخاري في صحيحه /كتاب أحاديث الأنبياء/ باب قول الله ﷿ ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ - انظر الفتح "٤٢٨:٦" ح "٣٣٤٠". ومسلم في صحيحه/ كتاب الإيمان/ باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها "١: ١٨٤" ح "١٩٤"، كلأهما نحوه من حديث أبى هريرة بلفظ: "أنا سيد الناس يوم القيامة". ٣ الآية في "س" والمطبوعة إلى قوله: ﴿مِنْ يُوسُفَ﴾ الآية. وفي "ب" إلى قوله: ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ الآية. ٤ ساقطة من "ض" و"ب" والمطبوعة. ٥ انظر تفسير البغوي "٦: ٣٨" ولسان العرب "٦: ٥٠" مادة: حسس. ٦ في "ض" و"ب" المطبوعة "إخبارهم". ٧ في "ب": أنه. ٨ في "ب": رحمته.
[ ٣٨١ ]
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ١.
فيه مسائل:
الأولى: قولهم: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرّ﴾ أن الإخبار بالحال من غير "شكوى"٢ لا يذم.
الثانية: ما ابتلى الله "به"٣ أهل هذا البيت من الجوع المضروهم أكرم أهل الأرض على الله٤.
الثالثة: ذكرهم قدر السلعة التي معهم أنها ناقصة "ردية"٥ وليس هذا من ازدراء النعمة المذموم٦
الرابعة: سؤالهم عند الحاجة، فيدل على أن مثل هذا السؤال في مثل هذه الحال لا يذم.
_________________
(١) ١ في "ض"و"ب" والمطبوعة بعد قوله: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرّ﴾ إلى قوله: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ . ٢ في "س": شكوة. ٣ ساقطة من "ض". ٤ انظر قول الحسن فيما سبق ص "٣٧٩". ٥ في المطبوعة: رديئه. و"وردية": فصيحة. ٦ مما ورد في ذم ازدراء النعمة قوله ﷺ: "انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله" رواه مسلم في صحيحه/ كتاب الزهد والرقائق "٢٢٧٥:٤" ح "٢٩٦٣".
[ ٣٨٢ ]
الخامسة: سؤالهم الصدقة، فيدل على أنها غير محرمة عليهم١.
السادسة.: رد هذه المسألة الجزئية٢ إلى القاعدة الكلية وهي السابعة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ .
الثامنة: قوله: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ..﴾ ٣ الآية يدل على أن مثل هذا التقريع ليس بمذموم.
التاسعة: أنه "﵇" ذكر في التقريع "ما يهونه"٤ عليهم٥.
العاشرة: استثباتهم أنه يوسف مع رؤيتهم له وذلك لاستبعادهم ذلك.
الحادية عشرة: قوله: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ يدل على أنهم فعلوا مع أخيه ما لا يحسن.
قوله: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ إسناد النعمة إلى مسديها في مثل هذا الموطن وهي الثانية عشرة.
الثالثة عشرة: رد هذه المسألة الجزئية٦ إلى القاعدة الكلية وهي قوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
_________________
(١) ١ وهذا ظاهر النص القرآني، وبه قال سفيان بن عيينة، وهو اختيار الطبري والله أعلم. انظر تفسير الطبري "١٣: ٥٣، ٥٤". ٢ المسألة الجزئية هنا هي طلبهم أن يتصدق عليهم خصوما طلبا لثواب الله. لأن الله يجزى المتصدقين عموما، وهي الكلية. ٣ في "ب": ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ الآية. وقوله: ﴿مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ في "س"مثبت في الهامش. ٤ في المطبوعة: ما يهون. ٥ وهو قوله: ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ . ٦ المسألة الجزئية هي: أن الله تعالى من عليهما بالتقوى والصبر.
[ ٣٨٣ ]
الرابعة عشرة: الجمع بين التقوى والإيمان "ومعرفة الفرق بينهما"١.
الخامسة عشرة: "أن"٢ من جمع بينهما فهو من "المحسنين"٣.
السادسة عشرة: "قولهم"٤: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ "الآية"٥ "اقروا باثنتين"٦: بفعل الله مع يوسف، وفعلهم مع أنفسهم.
السابعة عشرة: "انتصار"٧ الله له هذا الانتصار العظيم.
الثامنة عشرة: إذلاله إياهم٨ هذا الإذلال العجيب.
التاسعة "عشرة"٩: قوله: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي لا تعيير عليكم، يعنى أنى عفوت "عنكم"١٠، ومن عفوي١١ أني لا أذكر لكم "ذ نبكم"١٢ بعد اليوم.
_________________
(١) ١ في المطبوعة وهامش "ض" "ومعرفة الإيمان ومعرفة الغرق بينهما". وانظر في الفرق بينهما ما تقدم ص "٣٥٦،٣٥٥". ٢ في "س": أنه. ٣ في "س": الحسنين. وهو خطأ من الناسخ. ٤ في "ض" و"ب" والمطبوعة: قوله. ٥ في "س"مثبته في الهامش. ٦ ساقطة من "ض" و"ب". والاثنتان كما ذكر الشيخ هما:
(٢) إيثار الله يوسف عليهم، كما في قولهم: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾
(٣) خطؤهم، كما في قولهم: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ . ٧ في "ب": "انتصاره". ٨ أي إذلال الله إياهم. ٩ ساقطة من "س". ١٠ ساقطة من "ض" و"ب" والمطبوعة. ١١ في "ب" بزيادة "عفى" قبل عفوي ولا معني لها. ١٢ في "ب" مصححة في الهامش.
[ ٣٨٤ ]
العشرون: استغفاره لهم، "لما غفر"١ "لهم"٢ حقه سأل الله لهم المغفرة.
الحادية والعشرون: رد هذه المسألة الجزئية٣ إلى القاعدة الكلية٤ وهي الثانية والعشرون.
الثالثة والعشرون: "تصديق القلب بأن الله أرحم الراحمين"٥.
"الرابعة والعشرون"٦: أن الذي خافوا منه واشتد عليهم "حتى فعلو بأبيهم وأبيهم ما فعلوا"٧ "ظنا"٨ أنه عليهم مضرة كبيرة وهو كون يوسف أرفع منهم صار أكبر المصالح لهم في دنياهم وفي دينهم "يبينه"٩ الخامسة والعشرون.
وهي: قوله: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ١٠ ذكر انه قميص هبط به جبرائيل على إبراهيم حين ألقي في النار، فلما ولد إسحاق جعله عليه، فجعله
_________________
(١) ١ في "س" مثبتة في الهامش. ٢ ساقطة من "ب". ٣ المراد بالمسألة الجزئية هي: رحمة الله لهم باستغفار يوسف بقوله: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ . ٤ والمراد بالقاعدة الكلية هنا: كون الله أرحم الراحمين كما قال: وهو أرحم الراحمين وهي المسألة الثانية والعشرون. ٥ في "ص" مثبتة في الهامش. وقد نص الشيخ على هذه المسألة لعظمتها، وثمرتها، إذ بعد أن جرى من إخوة يوسف ما جرى من الأفعال الشنيعة، واعترفوا بخطئهم أمام أخيهم وسألوه أن يستغفر لهم استغفر لهم، وختم استغفاره بالثناء على الله بأنه أرحم الراحمين. ومن أعظم أثار معرفة ذلك عدم القنوط من رحمة الله تعالى. والله أعلم. ٦ في "ض" مثبتة في الهامش. ٧ في "ض": "حتى فعلوا ما فعلوا بأخيهم وأبيهم". ٨ في "س" مثبتة في الهامش. ٩ في "ض" و"ب" ينبه وفي "س" "يبينه" وقد ضرب عليها. وهي مثبته في "ق" والمطبوعة. ١٠ في "ض" و"س". والمطبوعة قال: وهي قوله: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ الآية.
[ ٣٨٥ ]
إسحاق على يعقوب ["وجعله"١ يعقوب على يوسف] ٢
ونسيه إخوته لما ألقوه في الجب فأمرهم أن يذهبوا به "فيلقوه"٣ على وجه يعقوب ليرتد "إليه"٤ بصره٥.
السادسة والعشرون:- ما جعله الله من الأسباب الباطنة في بعض مخلوقاته.
السابعة والعشرون:- "أن"٦ التبرك بذلك وإمساكه والتداوي به ليس من الشرك كما كانوا "يفعلون"٧ بآثار "رسول الله"٨ صلى الله عليه وسلم٩، بل ذلك حسن مطلوب.
الثامنة والعشرون: أنه أمرهم بالإتيان بأهلهم كلهم، والانتقال عنده فأعطاهم الله هذا الخير والفرج من الشدة بسبب ارتفاعه الذي كرهوا "كراهة"١٠ شديدة.
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ
_________________
(١) ١ في"س" فجعله. ٢ ما بين المعقوفتين ساقط من "ب". ٣ في "ض" و"ب": فيلقونه. ٤ في "ب"عليه. ٥ ذكر البغوي نحوًا من هذه القصة عن مجاهد بدون إسناد "٤٤٨:٢" ويظهر أنها من أخبار بنى إسرائيل. والله أعلم بحقيقتها. ٦ ساقطة من "ب". ٧ في هامش "س": "يفعلونه". ٨ في "س": "النبي". ٩ المراد بآثاره ﷺ ما أثر من ذاته الشريفة كشعره وعرقه وريقه ونحو ذلك. ١٠ في المطبوعة: كراهية.
[ ٣٨٦ ]
أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ١.
فيه مسائل:
الأولى: كونه أدرك الريح من مكان بعيد.
الثانية: أنه عرف أنه ريح يوسف. قيل: "انه عرف ريح القميص"٢ "وأنه"٣ ليس إلا مع يوسف٤.
الثالثة: قوله: ﴿لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ والفند: ذهاب العقل٥، ففيه الأخبار بما تعلم أن المخبر يكذبك إذا كان في ذلك مصلحة.
الرابعة: قولهم: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ لا ينبغي لمن حدث بغريب أن يغضب إذا كذب أو شتم.
الخامسة: الآية في رد بصره عليه بسبب إلقاء القميص.
السادسة: تقريره لهم ما أنكروا من تفاصيل القاعدة الكلية٦.
السابعة: طلبهم الاستغفار من المظلوم.
الثامنة: "عفو المظلوم"٧ "ودعاؤه"٨ لمن طلب ذلك منه.
التاسعة: الاعتراف منهم بالذنب.
العاشرة: رد المسألة الجزئية إلى القاعدة الكلية٩.
_________________
(١) ١ في "ض" و"ب" والمطبوعة بعد قوله: ﴿لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾: إلى قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . ٢ في "س" و"ب" "إنه عرف أنه ريح القميص. ٣ في "ب" أنه. ٤ ذكر ابن الجوزي في زاد المسير "٤: ٢٨٤" نحوا من هذا عن مجاهد "بدون إسناد" وانظر تفسير البغوي"٤٤٨:٢". ٥ وقد قال بهذا مجاهدو ابن زيد كما أخرجه ضنهم الطبري في تفسيره "١٣: ٦٠" وهو أحد معاني الفند وانظر بقيتها في تفسير الطبري "١٣: ٥٩- ٦١" والمحرر الوجيز لابن عطية "٩: ٣٧٣، ٣٧٣" وزاد المسير "٤: ٣٨٥" وانظر مادة: فندفى لسان العرب "٣: ٣٣٨". ٦ المراد بالتقرير المذكور ما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ . ٧ في "س" مثبتة في الهامش. ٨ في "ض" و"س" و"ب" ودعائه: وهو خطأ. ٩ المسألة الجزئية هي طمعه في غفران الله لهم باستغفاره. والمسألة الكلية هي كون الله غفور رحيم كما في قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
[ ٣٨٧ ]
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ١
فيه مسائل:
الأولى: أنهم لما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه كما آوى "إليه"٢ أخاه،يدل على أنه لم يفعل ذلك باخوته.
الثانية: قوله لهم: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ..﴾ الآية.
الثالثة: تعليقه ذلك بالمشيئة٣.
الرابعة: رفع أبويه "على العرش"٤.
الخامسة: سجودهم كلهم له٥.
السادسة: قوله لأبيه: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾
_________________
(١) ١ في "ض"و"ب" والمطبوعة: بعد قوله: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾: إلى قوله: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ . ٢ في "س" مثبته في الهامش. ٣ في "س": ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ . ٤ في "س" مثبتة في الهامش. ٥ فلم يأنفوا من إعطائه ما يستحقه من تقدير واحترام وأن كانوا أبويه وفي إخوته من هو اكبر منه سنا. وكان سجودهم له سجود تحيه وتعظيم لا سجود عبادة وقد قال جمع من المفسرين إن هذا كان جائزا في شرعهم ثم نسخ في شرعنا. والله أعلم. انظر تفسير الطبري "٣: ٦٨، ٦٩" وتفسير البغوي "٤٥٠:٢" وتفسير ابن كثير "٤: ٣٣٥".
[ ٣٨٨ ]
السابعة: شكر نعمة الله عليه حيث جعلها حقا.
الثامنة: شكر نعمة الله في إخراجه من السجن.
التاسعة: شكر نعمة الله في إتيانه بأهله من "البدو"١.
العاشرة: شكر نعمة الله أنه بعد ما نزغ الشيطان بينهم صير الله العاقبة إلى "خير"٢ ولم يضرهم نزع الشيطان.
الحادية عشرة: رد هذه "المسائل"٣ الجزئية٤ إلى القاعدة الكلية وهى آن ربه ﵎ لطيف لما يشاء فلذلك أجرى ما أجرى "وهي"٥ الثانية عشره.
الثالثة عشرة: رد ذلك إلى القاعدة الكلية أيضًا وهى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ وهي الرابعة عشر٦.
الخامسة عشرة: كرمه ﵇ في قوله: ﴿أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْن﴾ ولم يقل من الجب.
السادسة عشرة: كرمه "أيضًا"٧ في قوله: ﴿نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ ٨،٩ ولم يقل "من"١٠ بعد ما ظلموني.
_________________
(١) ١ في "س": البدوي. ٢ في المطبوعة: الخير. ٣ في "ض" و"ب" والمطبوعة: المسألة. ٤ المسائل الجزئية هنا هي كل ما تقدم في الآية من لطف الله به وبأبويه فيما أجراه عليهم من البلوى فكانت العاقبة إلى خير. ٥ في "ض" مثبتة في الهامش وساقطة من المطبوعة، ولذا جمعت في المطبوعة: الثانية عشرة والثالثة عشرة. فالمسالة الثانية عشره لطف الله تعالى لما يشاء كما قال: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ . ٦ فالرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ . ٧ ساقطة من "ض" والمطبوعة، ومثبته في هامش "س". ٨ في "ض" والمطبوعة: ﴿نَزَغَ﴾، فقط وتكملة الآية مثبتة في هامش"س". ٩ ما بين المعقوفتين ساقط من "ب". ١٠ ساقطة من "ض"و"ب" والمطبوعة.
[ ٣٨٩ ]
"السابعة عشرة"١: أن إخراج الله الآدمي من البدو نعمة تشكر، ففيه فضل الحاضرة على البادية.
الثامنة عشرة: دعاؤه بهذا الدعاء٢ وهو في غاية نعيم الدنيا.
التاسعة عشرة: "شكره"٣ نعمة الملك.
العشرون: "شكر"٤ نعمة التعبير.
الحادية والعشرون: ثناؤه على ربه "بأنه"٥ فاطر السماوات والأرض٦.
"الثانية والعشرون"٧: إقراره "لله"٨ بكونه وليه في الدنيا والآخرة.
الثالثة والعشرون: توسله بذلك كله إلى هذه "الحاجة"٩ "وهى" ١٠وفاته على الإسلام وإلحاقه بالصالحين.
قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ١١.
فيه مسائل:
_________________
(١) ١ في "ب" السادسة عشر. وهو خطأ. ٢ وهو قوله: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ..﴾ الآية فلم ينسه ما هو فيه من نعيم الدنيا افتقاره إلى الله واللجوء إليه. ٣ في "ض" و"ب": شكر. ٤ في "ض" والمطبوعة: شكر. ٥ في "ب": أنه. ٦ ما بين المعقوفتين في "ب" مثبت في الهامش. ٧ ساقطة من "ب". ٨ في "س": الله. ٩ في "س" مثبتة في الهامش. ١٠ في "س" و"ب": وهو. ١١ في "ض" و"ب" والمطبوعة. بعد قوله: ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ .
[ ٣٩٠ ]
الأولى: تنبيه الله على آية الرسالة بأن هذه "القضية"١ غيب لا يتوصل إليها الرسول إلا بالوحي لكونه لا يقرأ "و"٢ لا يغط ولا آخذ عن عالم٣.
الثانية: تقريره هذه الحجة بقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ لأن هذا لا سبيل إلى العلم به إلا بالوحي أو بحضوره.
الثالثة: أن مكرهم خفي. لو حفرهم أحد لخفي عليه.
الرابعة: ذكر، سبحانه حقيقة الحال، أن الأكثر لا يقبلون الحق ولو تبين لهم بالأدلة.
الخامسة: ذكر حرصه "ﷺ" على إيمان الناس.
السادسة: أنه لا مانع مع هذا البيان مثل سؤال الأجر٤.
السابعة: أنه ذكر لهم مع شدة كراهتهم له، كما كره الأخوة ارتفاع يوسف.
الثامنة: أن الذي أتاهم من الآيات ليست هذه وحدها، بل كم وكم من آية من الآيات السماوية والأرضة "يمرون عليها ويعرضون عن الانتفاع بها"٥. "وليس هذا للقصور في البيان"٦ فإنه مشاهد "بل القلوب"٧ غير قابلة.
_________________
(١) ١ في "ب": العطية. ٢ في المطبوعة: أو وهو خطا مطبعي. ٣ انظر ما سبق ص. "٢٩٧، ٢٩٨". ٤ يعني-والله أعلم- أنه ليس هناك مانع يمنعهم من الإيمان مثل سؤال الأجر فلا يؤمنوا ضنا منهم بالمال. ٥ في "ب" يمرون عليها وهم عنها يعرضون ويعرفون عن الانتفاع بها. ٦ في "ض" و"ب": وليس في هذا القصور البيان. وفي المطبوعة: ليس هذا قصورا في البيان. ٧ في "ب" بالقلوب.
[ ٣٩١ ]
التاسعة: المسألة العظيمة، وهي إخباره ﵎ أن أكثر هذا الخلق لو آمن أفسد إيمانه بالشرك، فهذه١ فساد القوة العملية، والتي قبلها٢ فساد القوة العلمية.
العاشرة: التنبيه على الاحتراز من اجتماع الإيمان مع الشرك المفسد له خوصا لما ذكر أن هذا حال الجمهور.
الحادية عشرة: احتقارهم هذا العصيان العظيم، كيف أمنوا عقوبة الدنيا، وهو يدل على جهالة من أمن "عقوبة"٣ ذلك.
الثانية عشرة: كيف أمنوا أن تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٤.
فيه مسائل:
الأولى: أمره سبحانه نبيه بإخبار الناس بدينه مجملا.
الثانية: أن هذا "أيضًا"٥ سبيل من اتبعه.
الثالثة: أن ذلك هو الدعوة إلى الله وحده لا شريك له.
الرابعة: أن ذلك "هو الدعوة إلى الله"٦ على بصيرة خلافا لمن اتبع الحق ودعا إلى الله "على"٧ غير بصيرة.
_________________
(١) ١ أي المسألة التاسعة. ٢ أي المسألة الثامنة. ٣ ساقطة من "ض" والمطبوعة ومثبته في هامش "س". ٤ في "ض" و"ب" والمطبوعة بعد قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ . ٥ في "س" مثبته في الهامش. ٦ ساقطة من "س". ٧ ساقطة من "ض".
[ ٣٩٢ ]
الخامسة١: أن دينه الذي أنكره الأكثر هو تنزيه الله "عن"٢ السوء "ولا إنكار"٣ في ذلك.
السادسة: أن الذي حملهم على إنكاره كونه غريبا مخالفا لما عليه "السواد"٤ الأعظم، وذلك لا يوجب رده "لأن اتباع الحق إذا ظهر هو الحق. "وإذا ظهر الباطل"٥ لم يزينه فعل الأكثر له مثل "الربا"٦ والكذب والخيانة.
السابعة: رد شبهتهم في كونه "بشرا"٧، "وذلك"٨ "واضح"٩ لأنهم "إن"١٠ كانوا ممن يقر بالرسالة في الجملة كأهل الكتاب والمشركين"فواضح"١١، وإن أنكروها كامجوس فالنكال الذي أوقع الله "بمن"١٢ خالف الرسل الذي سمعوه وشاهدوه حجة عليهم.
الثامنة: الرد عليهم في قولهم: ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ أو نحو ذلك، لأن الرسل ما أتوا الأمم إلا بالوحي.
_________________
(١) ١ ساقطة من "ض". ٢ في "ض" و"س" والمطبوعة: "من" والتصحيح من "ق". ٣ في "س": والإنكار. وفي "ب" والمطبوعة: والإنكار. والمراد أن ما دعا إليه الرسول "ﷺ" هو تنزيه الله عن السوء. وهذا لا غرابة فيه ولا ينكر. ٤ في المطبوعة: البسواد وهو خطأ مطبعي. ٥ في "س" مثبتة في الهامش. ٦ في "س" هكذا: الزيا وفي "ب" الزنا وفي "ق": الرياء. ٧ في "ض" و"س" و"ب": "بشر". والتصحيح من "ق". ٨ في "ض" و"ب": وذا ٩ في "ض" و"س" و"ب": واضحًا. وهو خطأ. ١٠ في "ب" وهامش "س": إذا. ١١ في "س": فواضحا. ١٢ في "س" و"ب": لمن.
[ ٣٩٣ ]
التاسعة: أنهم كلهم رجال، ففيه الرد على من يزعم أن في الجن رسلا أو في النساء١.
العاشرة: قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، ففيه الرد على من انتقص أهل القرى، أو فضل البدو أو "ساواهم"٢ بهم.
الحادية عشرة: استجهال الله إياهم، حيث لم يسيروا في الأرض فيعتبروا بمن قبلهم فدل "على أن فهم"٣ ذلك مقدور لهم.
الثانية عشرة: إخباره "أن ما"٤ يعطى الله من أطاع الرسل خير عما أعطى يوسف
_________________
(١) ١ وجه الرد في هذه الآية وهي قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا..﴾ الآية هو ما دلت عليه من حصر النبوة في الرجال. وما يذهب إليه الشيخ من ذلك هو الذي عليه الجمهور. وقد نص على أن ليس في الجن رسلا ابن عباس ومجاهدو ابن جريج وغير واحد من السلف والخلف، وإليه ذهب الغراء والزجاج والقرطبي وغيرهم من المفسرين، وقد حكاه ابن تيمية وابن القيم عن الجمهور. وخالف في ذلك الضحاك ومقاتل وأبو سليمان فذهبوا إلى أن فيهم رسلا. وأما النساء: فقد حكى ابن كثير عن الجمهور أيضًا أن ليس فيهم رسوله. وقد نص على ذلك الحسن والطبري والقرطبي وغيرهم. ولم أجد من خالف في ذلك. وإنما خالف بعضهم من نبوة النساء فأثبتها كابن حزم والقرطبي. انظر فيما سبق معاني القرآن للغراء "١: ٣٥٤" وتفسير الطبري "٨: ٣٦" "١٣: ٨٠" ومعاني القرآن للزجاج "٢٩٢:٢" والفصل الملل والنحل لابن حزم "٥: ١١٩" وزاد المسير "١٢٥:٣" "٤: ٢٩٥" والجامع لأحكام القرآن "٤: ٨٢، ٨٣، ٨٤" "٧: ٨٦" والنبوات لابن تيمية "٣٩٦" وطريق الهجرتين لابن القيم "٤١٦". وتفسير ابن كثير "٣: ٣٣٢، ٣٣٣" "٤: ٣٤٥، ٣٤٦". ٢ في "ض" و"س" والمطبوعة: وأساهم. وهي بمعنى ساواهم. انظر الصحاح للجوهري "٦/٨٦٢٢" ولسان العرب "٤١/٦٣" مادة: أسا. ٣ في"ب":"أن فيهم". ٤ في "ض":"إنما".
[ ٣٩٤ ]
وسليمان وأيوب١ وغيرهم من حسن عاقبة الطاعة.
الثالثة عشرة: أن سنة الله في الرسل ومن أتبعهم، وسنته فيمن خالفهم في الدنيا قبل الآخرة، من أظهر البينات للكفار الجهال. فمن لم يفهمها يقال له: كيف زال عقلك؟!
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
فيه مسائل:
_________________
(١) ١ وجه تخصيص هؤلاء الأنبياء الكرام بالذكر لم أن كل واحد منهم قد ابتلى بلاء ذكر في القرآن فصبر، فآتاهم الله عاقبه الصبر عاجلا مع ما ادخر لهم عنده من الزلفى وحسن المآب. فثواب الصابر المتقى في الآخرة خير مما أعطى هؤلاء الأنبياء في الدنيا من زينتها ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ولهم هم النصيب الأوفر من ذلك "﵈". قال الطبري﵀ عند قول الله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ سورة يوسف آية "٥٧" ما نصه: يقول تعالى ذكره: ولثواب الله في الآخرة، ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يقول: للذين صدقوا الله ورسوله مما أعطى يوسف في الدنيا من تمكينه له في أرض مصر ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ . يقول: وكانوا يتقون الله فيخافون عذابه في خلاق أمره، واستحلال محارمه، فيطيعونه في أمره ونهيه. انظر تفسير الطبري "١٣: ٧". ٢ في "ض" والمطبوعة بعد قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾:إلى آخر السورة. وفي "ب" بعد قوله: ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاء﴾ إلى آخر السورة.
[ ٣٩٥ ]
الأولى: "تأخر النصر عن الرسل"١ حتى استبطؤوا. ولا يعجل الله لعجلة أحد٢.
الثانية: إذا عرف أن هذه سنه فكيف يستعجل من يزعم أنه متبع لهم
كما قال "ﷺ": "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل" ٣.
الثالثة: "أن ما"٤ يقع في القلب من خواطر الشيطان لا يضر بل هو "صريح"٥ الإيمان إذا كان مع الكراهة٦.
_________________
(١) ١ في المطبوعة: تأخير النصر على الرسل. ٢ انظر تفسير الآية عند الطبري "١٣: ٨٣-٨٩" والتفسير الكبير لابن تيمية "١٣٥١١٧:٥"وتفسير ابن كثير "٣٤٧:٤- ٣٤٩". ٣ رواه مسلم في صحيحه/ كتاب الدعاء والتوبة والاستغفار/ باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل فيقول: دعوت فلم يستجب لي "٤: ٢٠٩٥" ح "٢٧٣٥" والترمذي في جامعه/كتاب الدعوات/ باب "١٢" ماجاء فيمن يستعجل في دعائه "٥: ٤٦٤" ح "٣٣٨٧" وغيرهما. ٤ في"س"- أنما. ٥ في "ب" "من صريح". ٦ كما ورد في الصحيح عن أبي هريرة قال: جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: "وقد وجد تموه؟ "، قالوا: نعم. قال: "ذاك صريح الإيمان". رواه مسلم في صحيحه/ كتاب الإيمان/ باب بيان الوسوسة في الإيمان "١: ١١٩" ح "١٣٢" وأبو داود في سننه/ كتاب الأدب/ باب في رد الوسوسة "٤: ٣٢٩" "٥١١١" بلفظ آخر. والحافظ ابن منده في كتاب الإيمان باب٦٩: ذكر ما يدل على أن الوسوسة التي تقع في قلب المسلم من أمر الرب ﷿ صريح الإيمان "٢: ٤٧٢". قال النووي ﵀ في شرح مسلم "٢: ١٥٤" في معنى قوله: "ذاك صريح الإيمان" - استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه، ومن النطق به، فضلا عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالا محققا وانتفت عنه الريبة والشكوك. أ. هـ. ثم أورد وجهًا آخر في معنى هذا الحديث ونحوه، وهو اختيار القاضي عياض فقال: وقيل معناه: أن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه، فينكد=
[ ٣٩٦ ]
الرابعة: أن العادة أن الشدة إذا تمت وتضايقت جد افهو من علامات حضور الفرج.
الخامسة: أنه سبحانه ينجى من يشاء ولو كان مع المهلكين في المكان.
السادسة: أنه إذا جاء أمر الله لم يقدر على "دفعه"١ "أحد"٢ من "آهل"٣ السماء ولا من آهل أرض.
السابعة: أنه "سبحانه"٤ لا يظلم "أحدا"٥. وأن ذلك "بسبب"٦ إجرامهم٧.
_________________
(١) = عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه، وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء ولا يقتصر في حقه على الوسوسة بل يتلاعب به كيف أراد. فعلى هذا معنى الحديث: سبب الوسوسة محض الإيمان، أو الوسوسة علامة محض الإيمان. ولقول عياض ﵀ وجه جيد من النظر ومما يشهد له ما ورد عند مسلم أيضًا في نفس الموضع عن عبد الله- هو ابن مسعود- قال: سئل النبي "ﷺ" عن الوسوسة؟ قال: "تلك محض الإيمان". فالظاهر من النص أن السؤال عن الوسوسة نفسها والإشارة بقوله: ﴿تِلْكَ﴾ إلى الوسوسة لا إلى استعظامها. مع أن المؤمن مستعظم لها مدافع. وكذا قوله في الحديث السابق أيضًا "وقد وجد تموه؟ " وقوله: "ذاك صريح الإيمان" فالإشارة به إلى الموجود وهو الوسوسة بدليل أول الحديث: "إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به.." والله أعلم. ١ في المطبوعة: رفعه. ٢ في "س": أحدًا. وهو خطأ. ٣ ساقطة من "س". ٤ ليست في "س" ولا في "ب". ٥ في "ص"، أحد وهو خطأ. ٦ في "س" و"ب": سبب. ٧ فيه إشارة بالرد على الجبرية. وسيأتي الكلام عليهم ص."٤٥٥،٤٥٦".
[ ٣٩٧ ]
الثامنة: الثناء على قصص الرسل وأن فيه عبره.
التاسعة: "أنه لا"١ يفهم هذه العبرة مع وضوحها إلا أولو الألباب.
العاشرة: "تعريضه"٢ سبحانه بالأحاديث المفتراة، وإقبال الأكثر عليها، واشتراء الكتب المصنفة "فيها"٣ بغالي الأثمان، وتكبر من اشتغل بها وظنه أنه أفضل ممن لم يشتغل بها وزعمه أنها من "العلوم"٤ الجليلة، ومع هذا معرض عن الأنبياء،! "مستحقر"٥ له، "زاعم"٦ أنه "من"٧ علم "العوام"٨ الجهال.
الحادية عشرة: أن من أكبر آياته تصديقه لما بين يديه من العلوم التي جاءت بها الرسل التي هي العلم النافع في الحقيقة.
الثانية عشرة: أن "هذا"٩ فيه تفصيل كلى شيء يحتاج إليه، ففيه العلم النافع، وفيه الإحاطة بالعلوم الكثيرة، ومع هذا يفصلها أي يبينها.
الثالثة "عشرة":١٠: أنه هدى "يعتصم"١١ به من الضلالة.
الرابعة عشرة: أنه رحمة "يعتصم به"١٢ من الهلكة فلا يضل من اتبعه ولا يشقى.
_________________
(١) ١ في "ض" والمطبوعة: "أن ما" وفي "س": "أنما". ٢ في "س": تقريره. ٣ في هامش "س": فيه وهى ساقطة من المطبوعة. ٤ في "ض": العموم. ٥ في "ب": مستحقرا. ٦ في "ب": زاعما. ٧ ساقطة من "ض" و"ب" والمطبوعة. ٨ ساقطة من "ب" وفى "س" مثبتة في الهامش. ٩ ساقطة من "س" و"ب" ومثبته في هامش "ض". ١٠ ساقطة من "س". ١١ في "س" و"ب": يعصم. ١٢ في "ض": يعتصم. وفي "س": يعصم يه. وفي "ب": يعصم.
[ ٣٩٨ ]
الخامسة عشرة: أن هذا ليس لكل "أحد"١ "بل"٢ لقوم مخصوصين.
السادسة عشرة: أن سبب ذلك الإيمان، ففيه شاهد لقوله: "من عمل" بما علم"٣ أورثه الله علم ما لم يعلم"٤.
آخره والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد٥.
_________________
(١) ١ في "س":وأحد. ٢ في المطبوعة: بلى. ٣ في "ب": بما يعلم. ٤ هذا القول لم ورده عن أنس مرفوعا أبو نعيم في الحلية "١٠: ١٤،١٥" وأنكر رفعه. وذكر السيوطي في الدر المنثور "٣: ١٢٣، ١٢٤" للحديث شاهدا. أخرجه أبو الشيخ من طريق جو يبر عن الضحاك عن أبن عباس قال: قال رسول الله ﷺ " ومن تعلم علما فعمل به فإن حقا على الله أن يعلمه ما لم يكن يعلم". وذكر، أن أبا يعقوب البغدادي أخرج في كتاب "رو آية الكبار عن الصغار" عن سفيان قال: من عمل بما يعلم وفق لما لا يعلم. وذكر الشوكاني حديث أنس في الفوائد المجموعة "٢٨٦" وضعفه. أما الألباني فقد حكم عليه بالوضع في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة "٤٢٣:١" ح "٤٢٢". أما معناه فصحيح إذ قد جاءت به أدلة أخرى كقوله تعالى: ﴿..وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ البقرة آية "٢٨٢". والله أعلم. ٥ في "س": آخره والحمد لله رب العالمين. وفي "ب": آخره والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين أولا وأخرا وظاهرا وباطنا. وفي المطبوعة: والحمد لله رب العالمين.
[ ٣٩٩ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ١