[ ٢٣ ]
كانت الوالدة رحمها الله تعالى تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ولا تسكت عن منكر محرم إلا نهت عنه، وكانت تستخدم حكمة القوة بالقول مع غير أولادها، أما مع أولادها فبالقول والفعل، وأذكر من ذلك ما يأتي:
١ - كانت تقول لأولادها في الصغر: اتقوا الله، الذي لا يصلي ويموت على ذلك يُدخله الله النار، أو كما قالت رحمها الله.
٢ - وكان معها عصا صغيرة حينما كان أولادها صغارًا، وفي رأس هذه العصا سيرٌ ملفوف مربوط برأس العصا، يسمونها «العَرَقَة»، تضرب بها أولادها عندما يحتاجون إلى تأديب.
٣ - وأذكر أنها كانت توقظ أولادها الصغار لصلاة الفجر قبل بلوغهم، وبعده كذلك، وإذا تأخروا عن الاستيقاظ تأتي إليهم المرة الثانية بماءٍ باردٍ في إناء، ثم تدفق هذا الماء البارد على وجوههم بقوة، فما يكون من أحدهم إلا أن يقوم فورًا فزعًا خائفًا مما حصل له، ثم يتوضأ ويذهب إلى المسجد بعد هذا الأدب القوي الحكيم، وكانت قوية في شخصيتها، فلا يستطيع أحد من أولادها أن يراجعها، أو يتردَّدَ في امتثال أمرها؛ لقوتها في الحق، وشجاعتها رحمها الله.
٤ - كانت تأمر بعض محارمها بإعفاء اللحية، وتقبِّح وتنفِّر من حلقها، ومن إسبال الثياب، وتقول: «لا تتشبهوا بالنساء، اتقوا الله، هذا حرام لا يجوز».
وأذكر أنها هجرت بعض محارمها مرّات حينما لم يمتثل لذلك، ولكن
[ ٢٤ ]
قد رأت رحمها الله أن تتراجع عن هجرها حينما رأت أن الأصلح عدم الهجر إلا عند المصلحة الراجحة.
٥ - كانت في أول الأمر لا تدخل بيت بعض محارمها إذا أدخل التلفاز في بيته؛ لأنها شاهدت بعض البرامج التي لا تليق، وأقسمت بالله أن لا تدخل البيت الذي فيه تلفاز [أي من بيوت بعض محارمها المقرَّبين]،ولكن عندما اختلط الأمر، وعمَّ كل بيت إلا القليل، كفَّرتْ عن يمينها، ولازمت النصح مع كراهتها لذلك، رحمها الله تعالى.
٦ - أخبرني الأخ الشقيق الدكتور أبو عبد العزيز سعد أنها اتصلت به وهو مبتعث إلى أمريكا، والوالدة في المملكة العربية السعودية، وقال: ونصحتنا، وحذَّرتنا من الاختلاط بالنساء، وقد كان أولادي معي وزوجتي، والحمد لله، وكان معنا الدكتور سعد بن هادي بن مرعي
آل حشاش، آل سلطان، آل سليمان؛ ولكن لحرص الوالدة على نصيحتنا وتحذيرنا، غفر الله لها.
٧ - كانت مرة في المستشفى قبل موتها بشهر أو شهرين، جاء إليها أحد أقاربها المحارم، وكان ابن أختها، وكان له لحية جميلة قد أعفاها، وكان بعض محارمها جالسًا، ومنهم من قد قصَّر من لحيته، فتناولت لحية ابن أختها بيدها، وقبَضَتْها، وقبَّلتها من باب الدعوة للحاضرين، وأشارت إليه بيدها، وكأنها تقول: اقتدوا به.
وفعلتها مرة أخرى وهي على السرير أيضًا في المستشفى مع ابنها حسين، وكان ذا لحية طويلة جميلة، فقبّلتها، وكأني فهمت منها أنها تدعو
[ ٢٥ ]
الحاضرين من محارمها للاقتداء به، رحمها الله تعالى.
٨ - أذكر في الصغر أن بعض محارمها تخاصموا على قطعة أرض، وعلى حدود زراعية بينهم، فنصحتهم وقالت: تموتون ويبقى التراب، لا تختصموا وأنتم تموتون وتتركون التراب، وفعلًا ماتوا كلهم قبلها، وبقي التراب مهجورًا، رحم الله الجميع.
٩ - بعد أن كبر أولادها، وتزوَّجوا كانت تتصل ببعضهم إذا أذن المؤذن لصلاة الفجر، وتقول: «صلّوا»، وإذا لم يردُّوا عليها أبلغت أهاليهم، وقالت: أيقظوا فلانًا لصلاة الصبح لا تفوته الصلاة، وهذا من حرصها على أولادها حتى وهم كبار، رحمة الله عليها.
وقد أخبرني ابن أخيها: حسين بن علي بن سعيد بن جازعة، فقال: تزوج فلان من أولاد عمتي نشطا، وسافر بزوجته إلى مدينة الرياض، وبقيت عمتي عند أهلها في المنطقة الجنوبية، فكانت تتصل بابنها المتزوج وقت صلاة الفجر من بلادها في العرين في المنطقة الجنوبية، وتقول: صلُّوا، لا تفوتكم الصلاة مع الجماعة، وهذا من حرصها على أولادها حتى ولو كانوا في بلاد غير بلادها، رحمها الله تعالى.
١٠ - شاركت في دورة لتغسيل الأموات مرَّاتٍ عديدةً في مغسلة الأموات بجامع الراجحي بالربوة بمدينة الرياض، وآخر دورة شاركت فيها عام ١٤٢٥هـ، أو عام ١٤٢٦هـ بعد أن تجاوز عمرها ثمانين سنة.
ومن المناسبات العجيبة أن بعض النساء اللواتي اشتركن معها في الدورة، وبعض من كان يغسّل معها من المدرّبات غسّلنها بعد موتها في
[ ٢٦ ]