إلى مكان.
* خامسًا: في عام ١٣٨٤ أو ١٣٨٥هـ تقريبًا حصل الوالد على قطعة أرض زراعية في وادي الغرس، وهو وادٍ في أعلى وادي العرين، في شعب يقال له البقلة، فحفر هناك بئرًا، وغرس نخلًا، وفي هذا الزمن حملت الوالدة بالأخ هادي أبي سعد، أمدَّ الله في عمره على طاعته، ووَضَعَتْه في عام ١٣٨٦هـ تقريبًا، وأذكر أن حالة الوضع كانت وهي عند والدها سعيد بن محمد بن جازعة المذكور، وعند والدتها نورة بنت حسن، وكانت جدتي نورة من النساء الصالحات، الذاكرات لله تعالى، رحم الله الجميع.
وبعد إنجاب الأخ هادي استمرت الوالدة مع الوالد في حياة قرويّةٍ جديدة، في قرية البقلة بالغرس، وشاركت الوالدة الوالد علي بن وهف في بناء قصر من الطين، واستمرّت الوالدة تزرع في هذه المزرعة: البر، والشعير، والذرة، والطماطم، أما أمِّي من الرضاعة زوجة أبي صالحة بنت دغش فبقيت في البادية عند أغنامها وأغنام الوالد أحيانًا.
* سادسًا: في عام ١٤٠٠هـ انتقلت الوالدة نشطا رحمها الله إلى الرياض معي أنا ولدها: سعيد، وانتقل معها الأخ هادي، وقبله الأخ سعد، وبقي الوالد في مزرعةٍ له أخرى في وادي العلوبي المذكور آنفًا يسكن فيها، ويخدم أمَّه: مهرة بنت محمد بن جازعة، حيث بلغت من الكِبَرِ عتِيًّا، فكان الوالد لا يفارقها أبدًا، ولا يسافر مطلقًا، بل رابط عندها عدد سنين، وجعل نفسه لها مقام الخادمة في كل شيء، حتى اشتهر بذلك بين الناس في برِّ أمه، فلا
[ ١٢ ]
يرون أن أحدًا منهم يبلغ منزلته في خدمة أمِّه وبرِّها، وكان يسرُّه أن يخدمها سرورًا كثيرًا، وآثر خدمتها، ولم يرغب أن يخدمها غيره، لا خادمة ولا غيرها، حتى ماتت في الشهر السادس من عام ١٤٠٦ هـ عن عمر يقارب ١٥٠ مائة وخمسين سنة كما يذكر أخوها جدي لأمي سعيد بن محمد بن جازعة الذي توفي عام ١٤١٩هـ، وهو ممن بايع الملك عبد العزيز ﵀ بعد عام ١٣١٩هـ، فقد ذكر: أنه أصغر من أخته مهرة، وقال: عمرها ١٥٠ سنة تقريبًا، وقال: «بايعت الملك عبد العزيز ﵀ وأنا قد تزوّجت ثم طلّقت، وقد بلغت من العمر خمسين سنة تقريبًا»، وقد مات ﵀ عن عمر يقارب مائة وعشرين سنة تقريبًا.
وبعد أن ماتت أمُّ الوالد علي ﵀، صار يتنقَّل بين الرياض وبين مزرعته المذكورة، وكان رجلًا صالحًا، من الذاكرين الله تعالى، ومن ذلك أنه كان يستيقظ آخر الليل، ويصلي، ويذكر الله إلى طلوع الفجر، وكان من ذكره قبل الفجر: أنه كان يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» مائة مرة كل يوم قبل الفجر، وقد قال له بعض أبنائه: «ألا تجعل هذا التهليل بعد طلوع الفجر؟»، فردَّ عليه قائلًا: يا ولدي أخاف أن أنشغل عنه، وكان يقول في هذا الوقت: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» مائة مرة، ويقول: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
وقد كان ﵀ أُمّيًّا لا يقرأ، ولا يكتب، ولكنه يحفظ من القرآن ما تصحُّ به صلاته، وبعض قصار السور، والحمد لله. ثم منَّ الله تعالى عليه بعد السبعين من عمره، فدرس في مدرسة مكافحة الأمية الليلية
[ ١٣ ]
بالعلوبي، لمدة سنة تقريبًا، وذلك عام ١٤٠٥هـ تقريبًا، فحفظ أكثر سوَر جزء عمّ يتساءلون تلقينًا من بعض المدرسين في هذه المدرسة، وكنت أسمعه كثيرًا يكرر في قراءته عن ظهر قلب من سورة الأعلى إلى سورة الناس، وخاصّةً في خَلَواتِهِ، أو إذا كان جالسًا في المسجد، وأحيانًا يطلب من بعض أولاده، أو أحفاده: أن يسمِّعوا له ما يحفظ؛ ليثبِّت حفظه، رحمه الله تعالى.
وكان يحفظ مختصرًا للأصول الثلاثة، فإذا قلنا له: من ربك؟ قال: ربي الله الذي رباني وربَّى جميع العالمين بنعمه، وهو معبودي، ليس لي معبود سواه.
وإذا قلنا: ما دينك؟ قال: ديني الإسلام: وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.
وإذا قلنا له: من نبيك؟ قال: نبيي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة، وأتمُّ التسليم، نُبّئ بـ (اقرأ)، وأُرسل بـ (المدثر)، وبلده مكة، وهاجر إلى المدينة، وبها توفي، لا خير إلا دلّ أمّته عليه، ولا شرَّ إلا حذّرها منه، من أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.
وكان بعد أن توفيت والدته يعتمر كل سنة في رمضان، إلا سنة واحدة - على ما أظن -، وآخر حجّة حجّها عام ١٤١٦هـ، ثم رجع إلى مزرعته، وتوفي ﵀ بسبب حادث مروري وهو يقود سيارته في
[ ١٤ ]