الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم، وارض عن أصحاب رسولك - ﷺ -، أولهم وآخرهم، صغيرهم وكبيرهم، واجزهم بفضلك وكرمك، خير الجزاء.
وبعد
فهذه لبنة أخرى، تلحق بأخوات لها سبقت، في محاولة لجمع شتات ما تفرق من أقوال علماء الحديث الأوائل، في مجالي الجرح والتعديل، وعلل الحديث، وقد سبقها كتاب «الجامع في الجرح والتعديل» في ثلاث مجلدات، وصدر عن عالم الكتب في بيروت.
ثم أتبعناه بكتاب «موسوعة أقوال الإمام أحمد بن حنبل»، ﵀، في الجرح والتعديل، وعلل الحديث، في أربع مجلدات، وصدرت أيضًا عن عالم الكتب في بيروت.
ويتبعها، إن شاء الله تعالى، موسوعة أقوال يحيى بن معين، في الجرح والتعديل، وعلل الحديث.
والقصد من وراء ذلك، إضافة لجمع الجرح والتعديل في عمل واحد، أن نرتفع بالهمم التي اثاقلت إلى الأرض، فقنعت بفتات الجهل، وقيء المرضى، فانقطع آخر الأمة عن أولها، فخطب في جمعها الأبكم، وسمع لخطيبها الأصم.
[ ٥ ]
ومن هنا راجت بضاعة من كذب، وانتعش سوق الضعفاء والمجاهيل، وانفض شباب اليوم إلى اللهو واللعب، بعد أن تركوا، خلف ظهورهم، الصدق والصحيح قائمًا يستوحش غربته.
وبعد أن كان المعين سلسبيلًا، يروي من ورد، ويشفي من مرض، ويهدي من شرد، تحول إلى خليط من البول والبول، والضلال والضلال، والعمى والعمى، وأغلقت مصادر الحديث الأولى، وتحولت مراجع أحمد بن حنبل، وتواريخ البخاري، وضعفاء العقيلي، ومجروحون ابن حبان، إلى ذكرى كانت، وحياة ماتت، وأطلال يبكي عليها من تبقى في أنفه شيء من رائحة الجيل الأول.
اقرؤوا، وتفكروا، فإن القراءة وحدها لا تنفع.
وعلى زبد هذا المستنقع تكاثرت أنوع غريبة من الجراثيم، بل والأفاعي، لتعمل في تحقيق الكتب، وكلها على مذهب «بالجملة» .
وهذا أعطى السلاح، الذي عصى طويلًا على أعداء الإسلام، في يد محاربيه، فأخذوا هذا العدد الهائل من الأكاذيب، التي صححها المتأخرون، وقالوا هذا هو دينكم.
بل لقد انتشر بين الفرق والجماعات من صار ينكر الحديث كله، صحيحه وضعيفه، ويقولون عندنا كتاب الله.
وإن كنا لا نناقش هؤلاء الآن، إلا أنهم والله ما عندهم من كتاب الله شيء، ولو كان في قلوبهم منه آية لاهتدوا بحديث نبيه - ﷺ -.
إنني على ثقة من أن الكثيرين، ممن ينكرون الحديث، والأخذ به، لو اطلعوا على الأحاديث الصحيحة، من مصادرها الأولى، ودرسوا علم رجال الحديث، وعلله، من منابعه الصافية الطاهرة، لاطمأنت نفوسهم، وصلح بالهم.
ثم إن انتشار هذه الأكاذيب بين الناس، فرق على الأمة شملها، وأذهب ريحها، وانقطع حبلها، فجادلت بعد أن كانت السامعة المطيعة، وتقاتلت بعد بنيان كان يشد بعضه بعضًا، ورمى بعضها البعض بالكفر، والفسوق، والعصيان.
ومن هنا أردنا، بعون الله وحده، أن نأخذ ولو بيد فرد واحد، ليتعلم كيف يفتح ما انغلق من صفحات كانت في يوم من الأيام نورًا في سماء أمة، ونعود إلى خير القرون.
[ ٦ ]
لقد كثرت الكتب، وكلت الأيدي التي تمتد إليها، فبين أيدينا مئات المراجع للثقات، والضعفاء، والمتروكين، والمدلسين، ومن اختلط من الثقات، ومن رمي بالكذب، وكتب الصحابة، خير أمة أخرجت للناس، والتابعين.
- فإذا كنا في «الجامع في الجرح والتعديل»، من قبل، قد جمعنا بين يديك أقوال
١ - محمد بن إسماعيل البخاري، المتوفي (٢٥٦هـ) .
٢ - ومسلم بن الحجاج، (٢٦١هـ) .
٣ - وأحمد بن عبد الله بن صالح العجلي، (٢٦١هـ) .
٤ - وأبي زرعة الرازي، (٢٦٤هـ) .
٥ - وأبي داود السجستاني، (٢٧٥هـ) .
٦ - ويعقوب بن سفيان الفسوي، (٢٧٧هـ) .
٧ - وأبي حاتم الرازي، (٢٧٧هـ) .
٨ - وأبي عيسى الترمذي، (٢٧٩هـ) .
٩ - وأبي زرعة الدمشقي، (٢٨١هـ) .
١٠ - وأبي بكر البزار، (٢٩٢هـ) .
١١ - وأبي عبد الرحمن النسائي، (٣٠٣هـ) .
١٢ - وقسمًا من أقوال أبي الحسن الدَّارَقُطْنِيّ، (٣٨٥هـ) .
- ثم تبع ذلك «موسوعة أقوال الإمام أحمد بن حنبل في رجال الحيث وعلله» .
فهذه لبنة ثالثة، حاولنا بها أن نسد فراغًا في جدار علم الجرح والتعديل، آملين أن يصمد أمام أعداء العلم، وسدنة الكسل، من الذين كرهوا الإسناد، ليقول من شاء ما شاء.
نقدمها على استحياء، فهي العمل القليل، والجهد الكليل، ورشفة ماء ترمى في قفراء مهلكة؛ لعل الكريم سبحانه يقبل بكرمه، ويرحم برحمته، فيجبر كسرنا، ويستر عيبنا.
[ ٧ ]
ومن باب شكر من عمل، فإن إخوة لنا ساعدونا بالمقابلة، والمراجعة، والإضافة، وجب علينا شكرهم، وكتب الله لهم عنده ما كتبوا يبتغون وجهه، وهم عيد السيد ضيف الله، ومحمد حسن خليل الصعيدي، ومحمود منصور عبد الرحمن.
والأمل في الله سبحانه، والظن به، الذي هو عين اليقين، أن يتكرم علينا الرحمن فيرحم، والغفور فيغفر.
[ ٨ ]