وكان أبو الأسود فيمن صحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁؛ وكان من المشهورين بصحبته ومحبته ومحبة أهل بيته، وفي ذلك يقول:
يقول الأرذلون بنو قُشيْرٍ طوال الدهر لا تنسى عليا!
فقلت لهم: فكيف يكون تركي من الأعمال ما يحصى عليا
أحب محمدا حُبًّا شديدًا وعباسا وحمزة والوصيَّا
فإن يك حبهم رشدًا أصبه وفيهم أسوة إن كان غيّا
فكم رشدًا أصبت وحزت مجدًا تقاصر دونه هام الثريا
وكان ينزل البصرة في بني قشير، وكانوا يرجمونه بالليل لمحبته عليًّا ﵁ وأهل بيته؛ فإذا ذكر رجمهم له، قالوا: إن الله يرجمك؛ فيقول لهم: تكذبون، ولو رجمني الله أصابني، ولكنكم ترجمون فلا تصيبون.
وروى أن سبب وضع علي ﵁ لهذا العلم أنه سمع أعرابيًا يقرأ: "لا يأكُلُه إلا الخاطئين" فوضع النحو.
ويروى أيضًا أنه قدم أعرابي في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فقال: من يقرئني شيئًا مما أنزل الله على محمد ﷺ فأقرأه رجل سورة براءة، فقال:] أن الله بريءٌ من المشركين ورسولِه [بالجر، فقال الأعرابي: أو قد برئ الله من رسوله! إن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه! فبلغ عمر ﵁ مقالة الأعرابي، فدعاه فقال: يا أعرابي، أتبرأ من رسول الله! فقال: يا أمير المؤمنين، إني قدمت المدينة، ولا علم لي بالقرآن، فسألت من يقرئني، فأقرأني هذا
[ ١٩ ]
سورة براءة، فقال:] أن الله بريءٌ من المشركين ورسولِه [، فقلت: أو قد برئ الله تعالى من رسوله! إن يكن برئ من رسوله، فأنا أبرأ منه. فقال له عمر ﵁: ليس هكذا يا أعرابي، فقال: كيف هي يا أمير المؤمنين؟ فقال:] أن الله بريءٌ من المشركين ورسولُهُ [فقال الأعرابي: وأنا والله أبرأ ممن برئ الله ورسوله منه. فأمر عمر ﵁ ألا يقرئ القرآن إلا عالمٌ باللغة، وأمر أبا الأسود أن يضع النحو.
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى وغيره: أخذ أبو الأسود النحو عن علي بن أبي طالب ﵁.
وروى أيضًا أن زياد بن أبيه بعث إلى أبي الأسود، وقال له: يا أبا الأسود، إن هذه الحمراء قد كثرت وأفسدت من ألسن العرب، فلو وضعت شيئًا يصلح به الناس كلامهم، ويعرب كتاب الله تعالى! فأبى أبا الأسود، وكره إجابة زياد إلى ما سأل، فوجه زياد رجلًا وقال له: اقعد على طريق أبي الأسود؛ فإذا مر بك فاقرأ شيئًا من القرآن، وتعمّد اللحن فيه. فقعد الرجل على طريق أبي الأسود، فلما مر به رفع صوته فقرأ:] أن الله بريء من المشركين ورسوله [بالجر، فاستعظم أبو الأسود ذلك، وقال: عز وجه الله أن يبرأ من رسوله! ورجع من حاله، إلى زياد، وقال: يا هذا، قد أجبتك إلى ما سألت، ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن، فابعث إليَّ ثلاثين رجلًا؛ فأحضرهم زياد، فاختار منهم أبو الأسود عشرة، ثم لم يزل يختارهم حتى اختار منهم رجلًا من عبد القيس، فقال: خذ المصحف وصبغًا يخالف لون المداد، فإذا فتحت شفتيَّ فانقط واحدة فوق الحرف، وإذا ضممتهما فاجعل النقطة إلى جانب الخرف، وإذا كسرتهما فاجعل النقطة في أسفله، فإن أتبعت شيئًا من هذه الحركات غنَّةً فانقط نقطتين.
فابتدأ بالمصحف حتى أتى على آخره، ثم وضع المختصر المنسوب إليه بعد ذلك.
[ ٢٠ ]
وروى عاصم قال: جاء أبو الأسود الدؤلي إلى زياد وهو أمير بالبصرة؛ فقال: إني أرى العرب قد خالطت هذه الأعاجم، وفسدت ألسنتها، أفتأذن لي أن أضع للعرب ما يعرفون به كلامهم؟ فقال له زياد: لا تفعل، قال: فجاء رجل إلى زياد، فقال: أصلح الله الأمير! "تُوفِّي أبانا وترك بنونًا"، فقال له زياد: "تُوُفِّيَ أبانا وترك بنونا! "، ادع لي أبا الأسود؛ فلما جاءه قال له: ضع للناس ما كنت نهيتك عنه؛ ففعل.
ويروى أيضًا، أن أبا الأسود الدؤلي قالت له ابنته: ما أحسنُ السماءِ! فقال لها: نجومها، فقالت: إني لم أرد هذا، وإنما تعجبت من حسنها؛ فقال لها: إذن فقولي: ما أحسنَ السماءَ! فحينئذ وضع النحو؛ وأول ما رسم منه باب التعجب.
وحكى أبو حاتم السجستاني، قال: ولد أبو الأسود في الجاهلية، وأخذ النحو عن علي بن أبي طالب ﵁.
وروى أبو سلمة موسى بن إسماعيل، عن أبيه، قال: كان أبو الأسود أول من وضع النحو بالبصرة.
وزعم قوم أن أول من وضع النحو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج.
وزعم آخرون أو أول من وضع النحو نصر بن عاصم.
فأما زعم من زعم أن أول من وضع النحو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ونصر بن عاصم فليس بصحيح؛ لأن عبد الرحمن بن هرمز، أخذ النحو عن أبي الأسود، وكذلك أيضًا نصر بن عاصم أخذه عن أبي الأسود، ويقال عن ميمون الأقرن.
والصحيح أن أول من وضع النحو علي بن أبي طالب ﵁؛ لأن الروايات كلها تسند إلى أبي الأسود، وأبو الأسود يسند إلى علي بن أبي طالب ﵁؛ فإن رويَ
[ ٢١ ]
عن أبي الأسود أنه سئل فقيل له: من أين لك هذا النحو؟ فقال: لفقت حدوده من علي بن أبي طالب ﵁.
ويحكى عن يحيى بن معين ﵁ أنه قال: مات أبو الأسود الدؤلي ﵁ في الطاعون الجارف سنة تسع وستين. قال يحيى: ويقال: إنه مات قبل الطاعون؛ وذلك في خلافة أبي خبيب عبد الله بن الزبير.
وأخذ عن أبي الأسود الدؤلي
عنبسة الفيل، وميمون الأقرن، ونصر بن عاصم، وعبد الرحمن بن هرمز، ويحية بن يعمر.