وأما الكسائي؛ فهو أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي. وقال أبو بكر الصولي: علي بن حمزة الكسائي، هو علي بن حمزة بن عبد الله بن عثمان، وقيل: بهمن بن فيروز، مولى بني أسد.
أخذ عن أبي جعفر الرؤاسي، ومعاذ الهراء، وكان أحد أئمة القراء السبعة؛ وكان قد قرأ على حمزة الزيات وأقرأ بقراءته ببغداد، ثم اختار لنفسه قراءة
[ ٥٨ ]
فأقرأ بها الناس.
وكان قد سمع من سليمان بن أرقم وأبي بكر بن عياش، وسفيان بن عيينة، وأخذ عنه أبو زكرياء يحيى بن زياد الفراء وأبو عبيدة القاسم بن سلاّم وجماعة.
وقال أبو زكرياء يحيى بن زياد الفراء: إنما تعلم الكسائي النحو على الكبر، وكان سبب تعلمه أنه جاء يومًا وقد مشى حتى أعيا، فجلس إلى قومٍ فيهم فضل، وكان يجالسهم كثيرًا، فقال: قد عييت، فقالوا له: تجالسنا وأنت تلحن! فقال: كيف لحنت؟ فقالوا: إن كنت أردت من التعب، فقل: "أعييت"، [وإن كنت أردت من انقطاع الحيلة والتحير في الأمر فقل: "عييت" مخففة]، فأنف من هذه الكلمة وقام من فوره [ذلك] فسأل عمن يعلم النحو، فأرشدوه إلى معاذ الهراء، فلزمه حتى أنفذ ما عنده، ثم خرج إلى البصرة فلقي الخليل بن أحمد، وجلس في حلقته، فقال رجل من الأعراب: تركت أسدًا وتميمًا وعندهما الفصاحة، وجئت إلى البصرة! وقال للخليل بن أحمد: من أين علمُك؟ فقال: من بوادي الحجاز ونجد وتهامة، فخرج الكسائي، وأنفذ خمس عشرة قنينة حبرًا في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ. ولم يكن له هم غير البصرة والخليل، فوجد الخليل قد مات وجلس في موضعه يونس بن حبيب البصري النحوي، فجرت بينهما مسائل أقرّ له يونس فيها، وصدره موضعه.
وقال عبد الرحيم بن موسى: قلت للكسائي: لم سميت الكسائي؟ قال: لأني
[ ٥٩ ]
أحرمت في كساء.
وقال خلف بن هشام: دخل الكسائي الكوفة، فجاء إلى مسجد السبيع - وكان حمزة بن حبيب يُقرئ فيه - فتقدم الكسائي مع أذان الفجر؛ وهو ملتف بكساء، فلما صلى حمزة، قال: من تقدم في الوقت؟ قيل له: الكسائي - يعنون به صاحب الكساء - فرمقه القوم بأبصارهم، فقالوا: إن كان حائكًا فسيقرأ سورة يوسف، وإن كان ملاحًا فسيقرأ سورة طه؛ فسمعهم، فابتدأ بسورة يوسف، فلم بلغ إلى قصة الذي قرأ:] فأكله الذئب [بغير همز، فقال له حمزة:] الذئب [بالهمز، فقال له الكسائي: وكذلك أهمز "الحوت"؟ وقرأ] فالتقمه الحوت [فقال: لا، فقال: فلم همزت "الذئب" ولم تهمز "الحوت"، وهذا] فأكله الذئب [وهذا] فالتقمه الحوت [! فرجع حمزة بصره إلى خلاد الأحول - وكان أكمل أصحابه - فتقدم إليه في جماعة أهل المجلس، فناظروا فلم يصنعوا شيئًا، وقالوا: أفدنا يرحمك الله! فقال لهم الكسائي: تفهموا عن الحائك، تقول إذا نسبت الرجل إلى الذئب: قد استذأب، ولو قلت: قد استذاب بغير همز، لكنت إنما نسبته إلى "الذوب" فتقول: قد استذاب الرجل، إذا ذاب شحمه بغير همز، وإذا نسبته إلى الحوت، تقول: قد استحات الرجل، إذا كثر أكله للحوت؛ لأن الحوت يأكل كثيرًا، فلا يجوز فيه الهمز؛ فلتلك العلة همز "الذئب" ولم يهمز "الحوت". وفيه معنى آخر: لا تسقط الهمزة من مفرده ولا من جمعه، وأنشدهم:
أيها الذئب وابنه وأبوه أنت عندي من أذؤب ضاريات
قال: فسمي الكسائي من ذلك اليوم.
وله كتب كثيرة منها كتاب "معاني القرآن"، وكتاب "مختصر في
[ ٦٠ ]
النحو"، وكتاب "القراءات" وكتاب "العدد" وكتاب "اختلاف العدد"، وكتاب "مقطوع القرآن وموصوله"، وكتاب "النوادر الكبير" وكتاب "النوادر الصغير"، وكتاب "الهجاء"، وكتاب "المصادر"، إلى غير ذلك.
وكان الكسائي معلم الرشيد والأمين من بعده؛ قال سلمة: كان عند المهدي مؤدب يؤدب الرشيد، فدعاه يومًا المهدي وهو يستاك، فقال له: كيف تأمر من السواك؟ فقال: استك يا أمير المؤمنين، فقال المهدي: إنا لله وإنا إليه راجعون! ثم قال: التمسوا لنا من هو أفهم من هذا الرجل، فقالوا: رجل يقال له علي بن حمزة الكسائي من أهل الكوفة، قدم من البادية قريبًا. فكتب بإزعاجه من الكوفة، فساعة دخل عليه، قال: يا علي بن حمزة! قال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: تأمر من السوال؟ فقال: "سك يا أمير المؤمنين"، فقال: أحسنت وأصبت! وأمر له بعشرة آلاف درهم.
قال حرملة بن يحيى التجيبي: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: من أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي.
قال الكسائي: صليت بالرشيد فأعجبته قراءتي، فغلطت في كلمة ما غلط فيها صبي قط، أردت أن أقرأ:] لعلهم يرجعون [، فقرأت: "لعلهم يرجعين" قال: فوالله ما اجترأ الرشيد أن يرد علي؛ ولكني لما سلمت، قال لي: يا كسائي، أي لغة هذه؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، قد يعثر الجواد! فقال: أما هذا فنعم.
قال ابن الدورقي: اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد، فحضرت صلاة الجهر فقدموا الكسائي، فصلى بهم، فأرتج عليه في قراءة:] قل يا أيها
[ ٦١ ]
الكافرون [فلما سلم، قال اليزيدي: قارئ أهل الكوفة يرتج عليه في] قل يا أيها الكافرون [! فحضرت صلاة الجهر، فتقدم اليزيدي فصلى فأرتج عليه في سورة الحمد، فلما سلم قال:
احفظ لسانك لا تقول فتبتلى إن البلاء موكل بالمنطق.
وعن أبي محمد بن حمدان، قال: كان رجل يغتاب الكسائي، ويتكلم فيه، فكتبت فيه أنهاه، فما كان ينزجر، فجاءني بعد أيام، فقال لي: رأيت الكسائي في النوم أبيض الوجه، فقلت له: ما فعل الله تعالى بك يا أبا الحسن! قال: غفر لي بالقرآن، إلا أني رأيت النبي ﷺ، فقال لي: أنت الكسائي! قلت: نعم يا رسول الله، قال: اقرأ، قلت: فما أقرأ يا رسول الله؟ قال:] والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا إن إلهكم لواحد [، وضرب بيده كتفي، وقال: لأباهين بك الملائكة غدا.
وحكى الدوري قال: كان أبو يوسف يقع في الكسائي، ويقول: أي شىء يحسن! إنما يحسن شيئا من كلام العرب، فبلغ ذلك الكسائي فالتقيا عند الرشيد - وكان الرشيد يعظم الكسائي لتأديبه إياه - فقال: لأبي يوسف: [يا يعقوب]، أيش تقول في رجل قال لامرأته: أنت طالق طالق طالق؟ قال: واحدة، قال: فإن قال لها: أنت طالق أو طالق أو طالق؟ قال: واحدة، [قال]: فإن قال لها: أنت طالق ثم طالق ثم طالق؟ قال: واحدة، قال: فإن
[ ٦٢ ]
قال لها: أنت طالق وطالق وطالق؟ قال: واحدة؛ قال الكسائي: يا أمير المؤمنين، أخطأ يعقوب في اثنين؛ وأصاب في اثنين، أما قوله: "أنت طالق طالق طالق" فواحدة؛ لأن الثنتين الباقيتين تأكيد، كما تقول: أنت قائم قائم قائم، وأنت كريم كريم كريم. وأما قوله: "أنت طالق أو طالق أو طالق" فهذا شك، فوقعت الأولى التي تتيقن؛ وأما قوله: "أنت طالق ثم طالق ثم طالق"؛ فثلاث لأنه نسق؛ وكذلك قوله: أنت طالق وطالق وطالق.
ويحكى عن الفراء أنه قال: دخلت على الكسائي يومًا، وكان يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: هذا الملك يحيى بن خالد، يوجه إلى ليحضرني فيسألني عن شيء، فإن أبطأت في الجواب لحقني منه عيب، وإن بادرت لم آمن من الزلل، قال: فقلت: يا أبا الحسن، من يعترض عليك؟ قل ما شئت، فأنت الكسائي، فأخذ لسانه، وقال قطعه الله إذن إذا قلت ما لا أعلم.
ومات الكسائي ومحمد بن الحسن في سنة ثلاث وثمانين ومائة.
وقال ابن الأنباري: مات الكسائي ومحمد بن الحسن سنة ثنتين وثمانين ومائة.
وقال أحمد بن كامل القاضي: مات الكسائي بالري سنة تسع وثمانين ومائة، وكان عظيم القدر في أدبه وفضله، ودفنهما الرشيد بقرية يقال لها: رنبويه، وقال: اليوم دفنت الفقه
[ ٦٣ ]
واللغة.
قال محمد بن يحيى: سمعت عبد الوهاب بن حريش يقول: رأيت الكسائي في النوم، فقلت له: ما فعل الله ﷿ بك؟ قال: غفر لي بالقرآن.