وأما أبو العباس ثعلب أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني النحوي المعروف بثعلب، فإنه كان إمام الكوفيين في النحو واللغة في زمانه.
أخذ عن محمد بن زياد الأعرابي وعلي بن المغيرة الأثرم وسلمة بن عاصم ومحمد بن سلام الجمحي والزبير بن بكار وأبي الحسن أحمد بن إبراهيم. وأخذ عنه أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش، وابن عرفة، وابن الأنباري، وأبو
[ ١٧٣ ]
عمر الزاهد، وأبو موسى الحامض، وإبراهيم الحربي، وغيرهم.
وكان ثقة دينًا مشهورًا بصدق اللهجة والمعرفة بالغريب، ورواية الشعر القديم، مقدمًا بين الشيوخ وهو حدث.
ويروى أن ابن الأعرابي كان يقول له: "ما تقول في هذا يا أبا العباس؟ " ثقة بغزارة علمه وحفظه.
ولد سنة مائتين. وكان يقول: مات معروف الكرخي سنة مائتين، وفيها ولدت، وطلبت العربية في سنة ست عشرة ومائتين، وابتدأت بالنظر في حدود الفراء ولي ثمان عشرة سنة، وبلغت خمسًا وعشرين سنة وما بقي علي للفراء مسألة إلا وأنا أحفظها وأضبط موضعها من الكتاب، ولم يبق من كتب الفراء في هذا الوقت شيء إلا وأنا قد حفظته.
وقال أبو بكر بن محمد التاريخي: أحمد بن يحيى ثعلب أصدق أهل العربية لسانًا، وأعظمهم شأنًا، وأبعدهم ذكرًا، وأرفعهم قدرًا، وأوضحهم علمًا، وأرفعهم حلمًا، وأثبتهم حفظًا، وأوفرهم حظًّا في الدين والدنيا.
وقال المبرد: أعلم الكوفيين ثعلب، فذكر [له] الفراء، فقال: لا يعشره.
وقال علي بن جمعة بن زهير: سمعت أبي يقول: لا يرد عرصات القيامة أحد أعلم بالنحو من أبي العباس ثعلب.
ويحكي ثعلب عن عمارة بن عقيل أنه كان يقرأ:]
[ ١٧٤ ]
ولا الليل سابق النهار [بنصب "النهار"، فقال: ما أردت؟ فقال: أردت "سابقٌ النهار" يعني بالتنوين؛ فقال له: فهلا قلته؟ فقال: لو قلته لكان أوزن، أي أقوى.
ويحكى عنه، أنه قال في قول الشاعر:
وما كنت أخشى الدهر إحلاس مسلم من الناس ذنبًا جاءه وهو مسلما
معناه: وما كنت الدهر أخشى إحلاس مسلم مسلمًا ذنبًا جاءه. وهو لو وكد الضمير لكان أحسن، وغير التوكيد جائز.
وكذلك حكى أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب عن العرب: "راكب الناقة طليحان" وتقديره: "راكب الناقة والناقة طليحان"، إلا أنه حذف المعطوف لتقدم ذكر الناقة، والشيء إذا تقدم دل على ما هو مثله.
ويحكى عنه أيضًا أنه قال في قوله:
يرد طيخًا وهديرًا زغدبا
إنه من زغد زغدًا في هديره، إذا هدر هديرًا شديدًا، من قولهم: زغد عكته، إذا عصرها ليخرج سمنها، فجعل الباء زائدة؛ وهذا بعيد جدًا؛ وإنما هو من الأصلين المتداخلين: الثلاثي والرباعي، كسبط وسبطر، ودمث ودمثر، ولا خلاف أن الراء ليست زائدة؛ لأنها ليست من حروف الزيادة، وكذلك الباء في "زغدب" ليست زائدة، لأنها ليست من حروف الزيادة.
ويحكى عنه أيضًا أنه قال: الطيخ: الفساد، وهو من تواطخ القوم، وهذا معدود أيضًا من سقطات العلماء.
وقال أبو بكر بن مجاهد: كنت عند أبي العباس ثعلب، فقال: يا أبا بكر، اشتغل أهل القرآن بالقرآن ففازوا، واشتغل أصحاب الحديث بالحديث ففازوا، واشتغل أهل الفقه بالفقه ففازوا، واشتغلت أنا بزيد وعمرو؛ فليت شعري ماذا يكون حالي في الآخرة! فانصرفت من عنده تلك الليلة، فرأيت
[ ١٧٥ ]
النبي ﷺ في المنام، فقال: "أقرئ أبا العباس عني السلام، وقل له: أنت صاحب العلم المستطيل".
قال أبو عبد الله الروذباري: أراد أن الكلام به يكمل، والخطاب به يجمل.
ويروى عنه أيضًا أنه قال: أراد أن جميع العلوم مفتقرة إليه.
وتوفي أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب ليلة السبت لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة، سنة إحدى وتسعين ومائتين، في خلافة المكتفي أبي محمد علي بن المعتضد، ودفن في مقبرة باب الشام ببغداد.