وأما أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول بن حسان، فأنباري الأصل، وكان أديبًا فاضلًا فقيهًا، ولي قضاء مدينة المنصور عشرين سنة.
قال طلحة بن محمد بن جعفر - وقد سمي قضاة بغداد: أحمد بن إسحاق ابن البهلول بن حسان التنوخي، من أهل الأنبار، عظيم القدر، واسع الأدب، تام المروءة، حسن الفصاحة، حسن المعرفة بمذهب أهل العراق؛ إلاّ أنه غلب عليه الأدب، ولم يزل على قضاء المدينة من سنة ست وتسعين ومائتين إلى شهر ربيه الآخر من سنة ست عشرة وثلثمائة، ثم صرف.
قال الخطيب: أخبرنا علي بن أبي غالب المعدل، قال: قال أبي: ولد أحمد بن إسحاق بن البهلول بالأنبار في المحرم سنة إحدى وثلاثين ومائتين، ومات ببغداد في شهر ربيع الآخر سنة ثمان عشرة وثلثمائة، قال: وكان [له] في علوم شتى: [منها] الفقه على مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وربما
[ ١٨٨ ]
خالفهم في مسيئلات يسيرة، وكان تام المعرفة باللغة، حسن القيام بالنحو على مذهب الكوفيين، وله فيه كتاب ألفه.
وكان واسع الحفظ للشعر القدين والمحدث والأخبار الطوال والسير، والتفسير. وكان شاعرًا كثير الشعر جيده، خطيبًا حسن الخطابة والتفوه بالكلام، لَسِنًا صالح الحفظ والترسل في الكتابة والبلاغة في المخاطبة، وكان ورعًا متخشعًا في الحكم؛ وتقلد القضاء بالأنبار وهيت وطريق الفرات من قبل الموفق بالله الناصر لدين الله تعالى سنة ست وسبعين ومائتين، ثم تقلد للناصر مرة أخرى، ثم تقلد للمعتضد، ثم تقلد بعض كور الجبل للمكتفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين، ولم يخرج إليها. ثم قلده المقتدر بالله تعالى سنة ست وتسعين ومائتين بعد فتنة ابن المعتز القضاء بمدينة المنصور من مدينة السلام والأنبار وهيت وطريق الفرات، وأضاف إلى ذلك بعض سنين القضاء بكور الأهواز مجموعة لما مات قاضيها، وهو محمد بن خلف المعروف بوكيع، فما زال على هذه الأعمال حتى صرف عنها سنة سبع عشرة وثلثمائة.
قال أبو طالب محمد بن القاضي أبي جعفر بن البهلول: كنت مع أبي في جنازة بعض أهل بغداد من الوجوه، وإلى جانبه [في الحق] أبو جعفر الطبري، فأخذ أبي يعظ صاحب المصيبة ويسليه، وينشده أشعارًا، ويروي له أخبارًا، فداخله الطبري في ذلك، ثم اتسع الأمر بينهما في المذاكرة، وخرجا إلى فنون كثيرة من الأدب والعلم واستحسنها الحاضرون وأعجبوا بها، وتعالى النهار، وافترقنا؛ فلما جعلت
[ ١٨٩ ]
أسير خلفه، قال لي أبي: يا بني؛ من هذا الشيخ الذي داخلنا اليوم في المذاكرة؟ من هو؟ تعرفه؟ قلت: يا سيدي كأنك لم تعرفه! قال: لا، فقلت: هذا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، فقال: إنا لله! ما أحسنت عشرتي يا بني! ألا قلت لي في الحال، فكنت إذا كره بغير تلك المذاكرة! هذا رجل مشهور بالحفظ والاتساع في صنوف العلوم، وما ذاكرته بحسبها. قال: ومضت على هذا مدة، فحضرنا في حق آخر، وجلسنا؛ وإذا بالطبري يدخل إلى الحق، فقلت [له]: قليلًا قليلًا، أيها القاضي، هذا أبو جعفر الطبري؛ قد مقبلًا، فأومأ إليه بالجلوس عنده، فعدل إليه، وأوسعت له حتى جلس إلى جنبه، وأخذ يجاريه، فكلما جاء إلى قصيدة ذكر الطبري منها أبياتًا، قال أبي: هاتها يا أبا جعفر إلى آخرها؛ فيتلعثم الطبري، فينشدها أبي إلى آخرها، وكان كلما ذكر شيئًا من السير، قال أبي: كان هذا في قصة فلان، يوم بنى فلان، مر أبا جعفر فيه، فربما مر، وربما تلعثم، فمر أبي، فيمر أبي في جميعه، قال: فما سكت أبي في ذلك اليوم إلى الشهر، وبان للحاضرين قصور الطبري عنه، ثم قمنا، فقال لي أبي: الآن شفيت صدري! وعن أبي إسحاق بن إدريس النحوي المعروف بابن سيار، قال: سمعت أبا بكر بن الأنباري؛ يقول: ما رأيت صاحب طيلسان أنحى من أبي جعفر بن البهلول.
قال يوسف بن عمر بن الحسين بن محمد الخلال: توفي أبو جعفر بن البهلول
[ ١٩٠ ]
سنة ثمان عشرة وثلثمائة - وقيل: سنة سبع عشرة، وهو أصح - وقيل: سنة عشرة، وهو أصح - في خلافة المقتدر بالله تعالى.