وأما أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني، فإنه كان عالمًا ثقة قيمًا بعلم اللغة
[ ١٤٥ ]
والشعر؛ أخذ عن أبي زيد وأبي عبيدة والأصمعي، وأخذ عنه أبو بكر بن دريد وغيره.
وقال أبو العباس المبرد: سمعت أبا حاتم يقول: قرأت كتاب سيبويه على الأخفش مرتين، وكان حسن العلم بالعروض وإخراج المعمى وقول الشعر الجيد؛ ولكن لم يكن بالحاذق في النحو، وكان إذا التقى هو وأبو عثمان المازني تشاغل أو بادر خوفًا من أن يسأله عن النحو.
قال المبرد: حضرت السجستاني وأنا حدث، فرأبت في حلقته بعض ما ينبغي أن تهجر حلقته، فتركته مدة ثم صرت إليه، وعميت عليه بيتًا لهارون الرشيد؛ وكان يجيد استخراج المعمى، فأجابني:
أيا حسن الوجه قد جئتنا بداهية عجيب في رجب
فعميت بيتًا وأخفيته فلم يخف بل لاح مثل الشهب
ومن شعره:
نفسي فداك يا عبي د الله جل بك اعتصامي
فارحم أخاك فإنه نزر الكرى بادي السفام
[ ١٤٦ ]
وأنله ما دون الحرا م، فليس يقصد للحرام
وله أيضًا:
كبد الحسود تقطعي قد بات من أهوى معي
وحكي عن أبي حاتم، قال: قرأت على الأصمعي في جيمية العجاج:
جابا ترى بليته مسحجا
فقال: ["تليله"، فقلت: "بليته"، فقال]: هذا لا يكون، فقلت: أخبرني به من سمعه من فلق رؤبة - أعني أبا زيد الأنصاري - فقال: هذا لا يكون، فقلت جعله مصدرًا، أي تسحيجًا، فقال: هذا لا يكون، فقلت: فقد قال جرير:
ألم تعلم مسرحي القوافي فلا عيا بهن ولا اختلابا
أي تسريحي؛ فكأنه أراد أن يدفعه، فقلت له: وقد قال الله تعالى:] مزقتم كل ممزق [، [فأمسك] .
وكان أبو حاتم كثير التصانيف في اللغة، وصنف
[ ١٤٧ ]
في النحو والقراءة.
وتوفي أبو حاتم السجستاني - فيما قبل - سنة خمسين ومائتين، في خلافة المستعين.
وقال ابن دريد: بل توفي سنة خمس وخمسين ومائتين.