وأما الأصمعي فهو عبد الملك بن قريب، واسم قريب عاصم - ويكنى أبا بكر - بن عبد بن أصمع. وكان صاحب النحو واللغة والغريب والأخبار والملح.
وقال عمر بن شبة: سمعت الأصمعي يقول: أحفظ ست عشرة آلاف أرجوزة. ويقال: كان الرشيد يسميه شيطان الشعر.
وقال الأخفش: ما رأينا أحدًا أعلم بالشعر من الأصمعي وخلف، فقلت: أيهما كان أ'لم؟ فقال:
[ ٩٠ ]
الأصمعي؛ لأنه كان نحويًا.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: كان أبو زيد صاحب لغة وغريب ونحو، وكان أكثر من الأصمعي في النحو، وكان أبو عبيدة أ'لم من أبي زيد والأصمعي بالأنساب والأيام والأخبار، وكان للأصمعي يد غراء في اللغة لا يعرف فيها مثله، وفي كثرة الرواية، وكان دون أبي زيد في النحو.
وحكى محمد بن هبيرة، قال: قال الأصمعي للكسائي وهما عند الرشيد: ما معنى قول الشاعر:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا ودعا فلم أرَ مصله مقتولا
قال الكسائي: كان محرمًا بالحج، قال: الأصمعي فقوله:
قتلوا كسرى بليل محرمًا فتولى لم يمتع بكفن
فهل كان محرمًا بالحج؟ فقال هارون للكسائي: يا علي؛ إذا جاء الشعر فإياك والأصمعي.
قال الأصمعي: قوله: محرما"، أي في حرمة الإسلام؛ ومن ثم قيل: مسلم محرم؛ أي لم يحل من نفسه شيئًا يوجب القتل. وقوله: "محرمًا" في كسرى، يعني حرمة العهد الذي كان له في عنق أصحابه.
قال المصنف: ويحتمل أن يكون قوله: "محرمًا" في حق عثمان، أي دخل في الأشهر الحرم؛ يقال: أحرم الرجل، إذ دخل في الأشهر الحرم، وقد كان قتل في ثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. وذو الحجة من الأشهر الحرم.
[ ٩١ ]
قال أبو عبد الله بن الأعرابي: شهدت الأصمعي وقد أنشد نحوًا من مائتي بيت، ما فيها بيت عرفناه.
وكان الأصمعي صدوقًا في الحديث، أخذ عن عبد الله بن عون وشعبة بن الحجاج وحماد بن سلمة والخليل بن أحمد؛ ويحكى أنه أراد أن يقرأ عليه العروض وشرع في تعلمه فتعذر ذلك عليه، فيئس الخليل منه، فسأله عن معصوب الوافر، فقال له: يا أبا سعيد، كيف تقطع قول الشاعر:
إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلاّ ما تستطيع
فعلم الأصمعي أن الخليل قد تأذى ببعده عن علم العروض، فلم يعاوده فيه. والعصب: إسكان الخامس [المتحرك] فتسكن اللام من "مفاعلتن" فتبقى "مفاعلتن"، أي بسكون اللام [منه]، فتنقل إلى "مفاعيلن" وتقطيعه هكذا:
إذا لم تستطع شيئن فدعهو وجاوزه إلى ما تستطيع
مفاعيلن مفاعيلن فعولفن مفاعيلن مفاعيلن فعولن
[ ٩٢ ]
وأخذ عنه ابن أخيه عبد الرحمن بن عبد الله، وأبو عبيد القاسم بن سلاّم، وأبو حاتم السجستاني، وأبو الفضل الرياشي، وأحمد بن محمد اليزيدي ونصر بن علي الجهضمي وغيرهم.
وكان من أهل البصرة. وقدم بغداد أيام الرشيد.
قال محمد بن عبد الرحمن مولى الأنصاري: حدثنا الأصمعي، قال: بعث إلي الأمين وهو ولي عهد، فصرت إليه فقال: إن الفضل بن الربيع يحدث عن أمير المؤمنين أنه يأمر بحملك إليه على ثلاث دواب البريد - وكان حينئذ بالرقة - فجهزت وحملت إليه، فلما وصلت إلى أمير المؤمنين، وأنزلني منزلًا أقمت فيه يومين أو ثلاثة، ثم استحضرني فقال: جئني وقت المغرب حتى أدخلك على أمير المؤمنين، فجئته على الرشيد وهو جالس منفرد، فسلمت فاستدناني، وأمرني بالجلوس فجلست، فقال لي: يا عبد الملك، وجهت إليك بسبب جاريتين أهديتا إلي، قد أخذنا طرفًا من الأدب، أحببت أن تبور ما عندهما، وتشير فيهما بما هو الصواب عندك، ثم قال: ليمض إلى عاتكة فيقال لها: أحضري الجاريتين، فحضرت جاريتان ما رأيت مثلهما قط، فقلت
[ ٩٣ ]
لإحداهما: ما اسمك يا فلانة فقالت: فلانة، قلت: ما عندك من العلم؟ قالت: ما أمر الله تعالى به في كتابه؛ ثم ما ننظر فيه من الأشعار والآداب والأخبار، فسألتها عن حروف من القرآن، فأجابتني كأنها تقرأ الجواب من كتاب، وسألتها عن النحو والعروض والأخبار فما قصدت، فقلت: بارك الله تعالى فيك، فما قصرت في جوابي في كل فن أخذت فيه، فإن كنت تقرضين من الشعر فأنشدينا شيئًا، فاندفعت في هذا الشعر:
يا غياث البلاد في كل محل ما يريد العباد إلاّ رضاكا
لا ومن شرف الإمام وأعلى ما أطاع الإله عبد عصاكا
[ومرت في الشعر إلى آخره]، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما رأيت امرأة في مسك رجل مثلها؛ وسألت الأخرى فوجدتها دونها؛ إلاّ أنها إن ووظب عليها لحقتها، فقال: يا عباسي، فقال الفضل: لبيك يا أمير المؤمنين، فقال: لترد إلى عاتكة ويقال لها: تصنع هذه التي وصفها بالكمال لتحمل إلي الليلة. ثم قال لي: يا عبد الملك، أنا ضجر، قد جلست أحب أن أسمع حديثًا أتفرج به، فحدثني بشيء، فقلت: لأي الحديث تقصد يا أمير المؤمنين؟ فقال: مما شاهدت وسمعت من أعاجيب الناس وطرائف أخبارهم، فقلت: يا أمير المؤمنين، كان صاحب لنا في بدو بني فلان؛ كنت أغشاه وأتحدث إليه، وقد أتت عليه ست وتسعون سنة، أصح
[ ٩٤ ]
الناس ذهنا، وأجودهم أكلًا، وأقواهم بدنًا، فغبرت عنه زمانًا ثم قصدته، فوجدته ناحل البدن، كاسف البال، متغير الحال، فقلت له: ما شأنك؟ أأصابتك مصيبة؟ قال: لا، قلت: فمرض عراك؟ قال: لا، قلت: فما سبب هذا الذي أراه بك؟ فقال: قصدت بعض القرابة في حي بني فلان، فألفيت عندهم جارية قد لاثت رأسها، وطلت بالورس ما بين قرنها إلى قدمها، وعليها قميص وقناع مصبوغان، وفي عنقها طبل تدق عليه، وتنشد هذا الشعر:
محاسنها سهام للمنايا مريشة بأنواع الخطوب
برى ريب الزمان لهن سهما يصيب بنصله مهج القلوب
فأجبتها:
قفي شفتي في موضع الطبل ترتعي كما قد أبحت الطبل في جيدك الحسن
هبيبني عودًا أجوفا تحت شنة تمتع فيما بين نحرك والذقن
[ ٩٥ ]
فلما سمعت الشعر مني نزعت الطبل، ورمته في وجهي، وبادرت إلى الخباء، فلم أزل إلى أن حميت الشمس على مفرق رأسي، لا تخرج ولا ترجع إلي جوابا، فقلت: إنا لله! أنا والله معها كما قال الشاعر:
فوالله يا سلمى لطالت إقامتي على غير شيء يا سليمى أراقبه
ثم انصرفت سخين العين قرح القلب؛ فهذا الذي ترى بي من التغير من عشقي لها. قال: فضحك الرشيد حتى استلقى، وقال: ويحك يا عبد الملك! ابن ست وتسعين يعشق! قلت: قد كان كذلك، يا أمير المؤمنين، فقال: يا عباسي، فقال [الفضل]: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: أعط عبد الملك مائة ألف درهم، ورده إلى مدينة السلام، فانصرفت، فإذا خادم يحمل شيئًا، ومعه جارية تحمل شيئًا، فقال: أنا رسول الجارية التي وصفتها، وهذه جاريتها، وهي تقرأ عليك السلام، وتقول لك: أمير المؤمنين أمر لي بمال وثياب؛ وهذا نصيبك منها، فإذا المال ألف دينار؛ وهي تقول: لن تخليك من المواصلة بالبر، فلم تزل تتعهدني بالبر الواسع؛ حتى كانت فتنة محمد، فانقطعت أخبارها عني، وأمر لي الفضل ابن الربيع من ماله بعشرة آلاف درهم.
وحكى أبو العباس المبرد، قال: دخل الأصمعي على الرشيد بعد غيبة كانت منه، فقال له: يا أصمعي، كيف أنت بعدنا؟ فقال: ما لاقتني بعدك أرض،
[ ٩٦ ]
فتبسم الرشيد، فلما خرج الناس قال: يا أصمعي؛ ما معنى قولك: "ما لاقتني أرض"؟ فقال: ما استقرت بي أرض؛ فقال: هذا حسن؛ ولكن لا ينبغي أن تكلمني بيد يدي الناس إلا بما أفهمه، فإذا خلوت فعلمني، فإنه يقبح بالسلطان ألا يكون عالمًا؛ لأنه لا يخلو إما أن أسكت أو أجيب، فإذا سكت فيعلم الناس أني لا أعلم إذ لم أجب، وإذا أجبت بغير الجواب، فيعلم من جوابي أني لم أفهم ما قلت. قال الأصمعي: فعلمني أكثر مما علمته.
وحكى المبرد أيضًا، قال: مازح الرشيد أم جعفر، فقال لها: كيف أصبحت يا أم نهر؟ فاغتمت لذلك ولم تفهم معناه، فأنفذت إلى الأصمعي تسأله عن ذلك، فقال: الجعفر: النهر الصغير، وإنما ذهب إلى هذا؛ فطابت نفسها.
ويحكى عن الأصمعي أنه قال: كلمت أبا يوسف القاضي بحضرة الرشيد في الفرق بين "عقلت القتيل"، و"عقلت عنه"، فلم يفهمه حتى فهمته؛ عقلت القتيل؛ إذا أديت ديته، وعقلت عنه؛ إذا لزمته دية فأديتها عنه.
وذكر أبو العباس المبرد أن رجلا كان يألف حلقة الأصمعي، فإذا صار إلى ضيعته أهدى إلى الأصمعي مما يحمل منها؛ فترك حلقة الأصمعي، وألف حلقة أبى زيد، وكان أبو زيد لا يقبل شيئا، قال: فمر الرجل يوما بالأصمعي فأنشده الأصمعي للفرزدق:
ولج بك الهجران حتى كأنما ترى الموت في البيت الذي كنت تألف
وقال أبو العيناء: قال الأصمعي: دخلت أنا وأبو عبيدة على الفضل بن الربيع، فقال: يا أصمعي، كم كتابك في الخيل؟ فقلت: جلد، قال: فسأل أبا عبيدة، فقال: خمسون جلدا، قال: فأمر بإحضار الكتابين وإحضار فرس. وقال لأبو عبيدة: اقرأ كتابك حرفا حرفا، وضع يدك على موضع موضع من الفرس،
[ ٩٧ ]
فقال أبو عبيدة: لست ببيطار؛ وإنما هذا شيء أخذته وسمعته من العرب، فقال لي: يا أصمعي قم، فضع يدك على موضع موضع [من الفرس]، فوثبت، فأخذت بأذني الفرس، ووضعت يدي على ناصيته، فجعلت أقول: هذا اسمه كذا؛ حتى بلغت حافره. فأمر لي بفرس؛ فكنت إذا أردت أن أغيظ أبا عبيدة، ركبت الفرس وأتيته.
وقال ابن بكير النحوي: لما قدم الحسن بن سهل العراق، أحب أن يجمع بين جماعة من أهل الأدب، فأحضر أبا عبيدة والأصمعي ونضر بن علي الجهضمي، وحضرت معهم، فابتدأ الحسن فنظر في رقاع كانت بين يديه للناس في حاجاتهم فوقع عليها، وكانت خمسين رقعة، ثم أمر فدفعت إلى الخازن، ثم أفضنا في ذكر الحفاظ، فذكرنا جماعة، فالتفت أبو عبيدة وقال: ما الغرض أيها الأمير في ذكر من مضى! هاهنا من يقول: إنه ما قرأ كتابا قط فاحتاج إلى أن يعود فيه، ولا دخل قلبه شيء وخرج عنه. فالتفت الأصمعي، فقال: إنما يريدني بهذا القول، والأمر في ذلك على ما حكى؛ وأنا أقرب إليه؛ قد نظر الأمير في خمسين رقعة، وأنا أعيد ما فيها وما وقع به على رقعة رقعة؛ فأحضرت الرقاع، فقال الأصمعي: سأل صاحب الرقعة الأولى كذا واسمه كذا؛ ووقع له بكذا، والرقعة الثانية والثالثة، حتى مر في نيف وأربعين رقعة، فالتفت إليه نصر بن علي الجهضمي، وقال: أيها الرجل، أبق على نفسك من العين؛ فكف الأصمعي.
وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي رحمه الله تعالى يقول: ما عبر
[ ٩٨ ]
أحد عن العرب بأحسن من عبارة الأصمعي.
وروى الرياشي، قال: سمعت عمرو بن مرزوق، يقول: رأيت الأصمعي وسيبويه يتناظران، وهذا يغلبه في لسانه في الظاهر - يعني الأصمعي.
وروى عباس بن الفرج، قال: ركب الأصمعي حمارا ذميما، فقيل له: بعد براذين الخلفاء تركب هذا! فقال متمثلا:
ولما أبت إلا طراقا بوردها وتكديرها الشرب الذي كان صافيا
شربنا برنق من هواها مكدر وليس يعاف الرنق من كان صافيا
وهذا وأملك ديني، أحب إلي من ذلك مع فقدهما.
قال نصر بن علي: كان الأصمعي يتقي أن يفسر حديث رسول الله ﷺ كما يتقي أن يفسر القرآن.
وقال أيضا: حضرت الأصمعي، وقد سأله سائل عن معنى قول الرسول ﷺ: "جاءكم أهل اليمن وهم أبخع أنفسا"، ما معنى أبخع؟ قال: يعني أقتل، ثم أقبل متندمًا على نفسه كاللائم لها، فقلت له: لا عليك، فقد حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى:] فلعلك باخع نفسك [، أي قاتل نفسك، فكأنه سريَ عنه.
وقال إبراهيم
[ ٩٩ ]
الحربي: كان أهل البصرة أهل العربية، منهم أصحاب الأهواء، إلا أربعة فإنهم كانوا أصحاب سنة: أبو عمر بن العلاء، والخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، والأصمعي.
وقال محمد بن إبراهيم: سمعت الإمام أحمد بن محمد بن حنبل يثني على الأصمعي بالثنة. قال: وسمعت علي بن المديني يثني عليه، وقال: وسمعت الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يثنيان عليه في السنة.
وروي عن [ابن] أبي خيثمة قال: سمعت يحيى بن معين، يقول: الأصمعي ثقة.
وحكى الشافعي أنه قال: ما رأيت بذلك المعسكر أصدق من الأصمعي.
وحكى أنه سئل أبو داود عن الأصمعي، فقال: صدوق.
وقال أبو العيناء: توفي الأصمعي بالبصرة وأنا حاضر؛ سنة ثلاث عشرة ومائتين. ويقال: سنة سبع عشرة ومائتين في خلافة المأمون.
وقال محمد بن أبي العتاهية: لما بلغ أبي موت الأصمعي جزع عليه ورثاه فقال:
أسفت لفقد الأصمعي لقد مضى حميدًا له في كل صالحة سهم
تقضت بشاشات المجالس بعده وودعنا إذ ودع الأنس والعلم
[ ١٠٠ ]
وقد كان نجم العلم فينا حياته فلما انقضت أيامه أفل النجم