وأما أبو عمر صالح بن إسحاق الجرمي النحوي؛ فهو مولى لجرم بن ربان، وجرم من قبائل اليمن.
وقال المبرد: هو مولى لبجيلة بن أنمار.
وأخذ أبو عمر النحو عن أبي الحسن الأخفش وغيره، وقرأ كتاب سيبويه على الأخفش، ولقى يونس بن حبيب، ولم يلق سيبويه، وكان أبو عمر رفيق أبي عثمان المازني، وكانا هما السبب في إظهار كتاب سيبويه، وقد قدمنا ذلك.
وقال المبرد: كان الجرمي أعوض على الاستخراج من المازني؛ وكان المازني
[ ١١٤ ]
أحد منه.
وأخذ أبو عمر الجرمي اللغة عن أبي زيد وأبي عبيدة والأصمعي وطبقتهم؛ وكان صاحب دين وإخاء وورع، وصنف كتبا كثيرة؛ منها مختصره المشهور في النحو؛ ويقال: إنه كان لكما صنف منه بابًا صلى ركعتين بالمقام، ودعا بأن ينتفع به، ويبارك فيه.
وقال أبو علي الفارسي: قل من اشتغل بمختصر الجرمي إلاّ صارت له بالنحو صناعة.
ويروى أنه اجتمع أبو عمر الجرمي والأصمعي، فقال الجرمي للأصمعي: كيف تصغر "مختار"؟ فقال: "مخير"، فقال الجرمي: أخطأت، إنما هو "مخيتير".
ويروى أنه قال له الأصمعي: كيف تنشد هذا البيت:
قد كن بخبأن الوجوه تسترًا فالآن حين بدون للنظار
أو "بدأن"؟ فقال: "بدأن" فقال له الأصمعي: أخطأت؛ إنما هو "بدون"، أي ظهرن.
وقال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: قال لي ابن قادم: قدم أبو عمر
[ ١١٥ ]
الجرمي على الحسن بن سهل، فقال لي الفراء: بلغني أن أبا عمر الجرمي قد قدم، وأنا أحب أن ألقاه، فقلت: إني أجمع بينكما، فأتيت أبا عمر فأخبرته، فأجاب إلى ذلك؛ فلما نظرت الجرمي، وقد غلب الفراء وأفحمه، ندمت على ذلك؛ قال ثعلب: فقلت له: ولم ندمت على ذلك؟ فقال: لأن علمي علم الفراء؛ فلما رأيته مقهورًا قل في عيني، ونقص علمه عندي.
ويحكى أيضًا أنه اجتمع أبو عمر الجرمي وأبو زكرياء يحيى بن زياد الفراء: فقال: الفراء للجرمي: أخبرني عن قولهم: "زيد منطلق"، لم رفعوا "زيدًا"؟ فقال له الجرمي: بالابتداء، فقال له الفراء: وما معنى الابتداء؟ قال: تعريته من العوامل، قال له الفراء: فأظهره، فقال الجرمي: هذا معنى لا يظهر، قال له الفراء: فمثله، قال له الجرمي: لا يتمثل. قال الفراء: ما رأيت كاليوم عاملًا لا يظهر ولا يتمثل، فقال له الجرمي: أخبرني عن قولهم "زيد ضربته"، لم رفعت "زيدًا"؟ فقال: بالهاء العائدة على زيد، قال الجرمي: الهاء اسم، فكيف يرفع الاسم؟ قال الفراء: نحن لا نبالي من هذا؛ فإنا نجعل كل واحد من المبتدأ والخبر عاملًا في صاحبه في نحو "زيد منطلق"، فقال له الجرمي: يجوز أن يكون كذلك في زيد منطلق؛ لأن كل واحد من الاسمين مرفوع في نفسه، فجاز أن يرفع الآخر؛ وأما الهاء في "ضربته" ففي محل النصب، فكيف ترفع الاسم؟ فقال له الفراء: لم نرفعه به وإنما رفعناه بالعائد، فقال له الجرمي: وما العائد؟ فقال له الفراء: معنى، فقال له الجرمي: أظهره، قال: لا يظهر، قال: مثله، قال: لا يتمثل، قال له الجرمي: لقد وقعت فيما فررت منه. فيقال: إنهما لما افترقا قيل للفراء: كيف رأيت الجرمي؟ قال: رأيته آية، وقيل للجرمي: كيف رأيت الفراء؟ قال رأيته شيطانًا.
[ ١١٦ ]
وكان أبو عمر الجرمي يلقب بالنباج - بالجيم - لكثرة مناظرته في النحو ورفع صوته فيها، فإن النباج هو الرفع الصوت وقال أبو القاسم عبد الواحد بن علي الأسدي: مات الجرمي سنة خمس وعشرين ومائتين في خلافة المعتصم.