وأما اليزيدي؛ فهو أبو محمد يحيى بن المبارك بن المغيرة المقرئ، صاحب أبي عمر بن العلاء البصري؛ وهو مولى لبني عدي بن عبد مناة؛ وإنما قيل له اليزيدي؛ لأنه صحب يزيد بن منصور - خال المهدي - يؤدب ولده فنسب إليه؛ ثم اتصل بالرشيد، فجعله مؤدب المأمون. وكان الكسائي مؤدب أخيه عبد الله الأمين.
وكان عالمًا باللغة والنحو وأخبار الناس، ولم يكن في النحو في طبقة الخليل وسيبويه والأخفش؛ وكان قد أخذ علم العربية من أبي عمرو بن العلاء، وعبد الله ابن أبي إسحاق الحضرمي، والخليل بن أحمد، وأخذ عنه أبو عبيد القاسم بن سلاّم، وإسحاق بن إبراهيم الموصلي وغيرهما.
وقال أبو حمدون الطيب بن إسماعيل: شهدت ابن أبي العتاهية، وقد كتب عن أبي محمد اليزيدي قريبًا من ألف جلد، عن أبي عمرو بن العلاء خاصة، يكون ذلك نحو عشرة آلاف ورقة؛ لأن تقدير الجلد عشر ورقات.
وأخذ عن الخليل من اللغة أمرًا عظيمًا، وأخذ عنه العروض؛ إلا أن اعتماده كان على أبي عمرو بن العلاء؛ لسعة علم أبي عمرو باللغة.
وكان اليزيدي يعلم بحذاء دار أبي عمرو، وكان أبو عمرو يميل إليه ويدنيه لذكائه. وكان اليزيدي صحيح الرواية، ثقة صدوقًا.
وألف من الكتب كتاب "النوادر" في اللغة على مثال "نوادر الأصمعي" الذي
[ ٦٩ ]
عمله لجعفر بن يحيى، وألف كتاب "المقصور والممدود"، ومختصرًا في النحو، وكتاب "النقط والشكل"؛ وغير ذلك.
وكان أيام الرشيد مع الكسائي ببغداد في مسجد واحد يقرئان الناس.
قال الأثرم: دخل اليزيدي يومًا على الخليل، وعنده جماعة، وهو جالس على وسادة، فأوسع له، فجلس معه اليزيدي على وسادته، فقال له اليزيدي: أحسبني قد ضيّقت عليك! فقال الخليل: ما ضاق مكان على اثنين متحابين؛ والدنيا لا تسع اثنين متباغضين.
ويحكى أنه تكلم اليزيدي مع الكسائي بين يدي الرشيد، فظهر كلامه على الكسائي، فرمى بقلنسوته فرحًا بالغلبة، فقال الرشيد: لأدب الكسائي مع انقطاعه أحب إلينا من غلبك مع سوء أدبك.
ويروى أن المأمون سأل اليزيدي عن شيء، فقال: لا وجعلني الله فداءك يا أمير المؤمنين! فقال: لله درك! ما وضعت واوٌ موضعًا قط [في لفظ] أحسن منها في لفظ مثل هذا، ووصله بعطية سنية.
وكان اليزيدي أحد الشعراء، وله جامع شعر وأدب، وفيه قصيدته التي يمدح بها نحويي البصرة، ويهجو نحويي الكوفة؛ التي أولها:
يا طالب لعلم ألا فابكه بعد أبي عمرو وحماد
وقد قدمنا منها ذكر من مدحه من أهل البصرة، ثم ذكر فيها بعد ذلك عجز أهل الكوفة، فقال:
أفسده قوم وأزروا به ما بين أعبام وأوغاد
[ ٧٠ ]
ذوى مراء وذوى لكنة لئام آباء وأجداد
لهم قياس أحدثوه لهم قياس سوء غير منقاد
فهم من النحو ولو عمروا
أعمار عاد
في أبي جاد
فقوله: "أفسده قوم" أراد به أهل الكوفة.
وله أيضًا في ذمهم:
كنا نقيس النحو فيما مضى على لسان العرب الأول
فجاء أقوام يقيسونه على لغى أشياخ قطربل
فكلهم يعمل في نقض ما به يصاب الحق لا يأتلي
إن الكسائي وأصحابه يرقون في النحو إلى أسفل
وله أيضًا قصيدة يرثي بها الكسائي ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وكانا قد خرجا مع الرشيد إلى خراسان، فماتا في الطريق، فمنها:
[ ٧١ ]
تصرمت الدنيا فليس خلود وما قد ترى من بهجة سيبيد
سيغنيك ما أغنى القرون التي خلت فكن مستعدًا فالفناء عتيد
أسيت على قاضي القضاة محمد=فأذريت دمعي والفؤاد عميد
وقلت إذا ما الخطب أشكل: من لنا بإيضاحه يومًا وأنت فقيد
وأقلقني موت الكسائي بعده وكادت بي الأرض الفضاء تميد
وأذهلني عن كل عيش ولذة وأرق عيني والعيون هجود
هما عالمان أوديا وتخرما وما لهما في العالمين مزيد
فحزني إن تخطر على القلب خطرة بذكرهما حتى الممات جديد
وكان اليزيدي الغاية في قراءة أبي عمرو بن العلاء، وبروايته يقرأ أصحابه. والمعتزلة يزعمون أنه كان من أهل العدل معتزليًا، والله أعلم بصحة ذلك.
وتوفي أبو محمد اليزيدي في سنة اثنتين ومائتين في خلافة المأمون بن الرشيد.
[ ٧٢ ]