اعلم أيدك الله تعالى بالتوفيق، وأرشدك إلى سواء الطريق، أن أول من وضع علم العربية، وأسس قواعده، وحد حدوده، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وأخذ عنه أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلي، وهو منسوب إلى الدئل بن بكر بن كنانة. والدئل، على "فُعِل" اسم دُوَيبة، تسمى الرجل بها، قال سيبويه: وليس في كلام العرب اسم على وزن "فُعِل" غيره، وأنشد:
[ ١٧ ]
جاءوا بجيش لو قيس معرسه ما كان إلا كمعرس الدئل
وحكى غيره: رُئِم، اسم للسبة، ووعل [لغة] في الوعل. والديل في عبد القيس، والدول في حنيفة.
وسبب وضع علي ﵁ لهذا العلم، ما روى أبو الأسود، قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فوجدت في يده رقعة، فقت: ما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: إني تأملت كلام الناس فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء -يعني الأعاجم- فأردت أن أضع لهم شيئًا يرجعون إليه، ويعتمدون عليه؛ ثم ألقى إليّ الرقعة، وفيها مكتوب: "الكلام كله اسم، وفعل، وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبئ به، والحرف ما جاء لمعنى"، وقال لي: "انحُ هذا النحو، وأضف إليه ما وقع إليك، واعلم يا أبو الأسود أن الأسماء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، واسمٌ لا ظاهر ولا مضمر؛ وإنما يتفاضل الناس يا أبا الأسود فيما ليس بظاهرٍ ولا مضمر" وأراد بذلك الاسم المبهم.
قال أبو الأسود: فكان ما وقع إليّ: "إن" وأخواتها ما خلا "لكن". فلما عرضتها على علي ﵁،
[ ١٨ ]
قال لي: وأين لكنّ؟ فقال: ما حسبتها منها؛ فقال: هي منها فألحقها، ثم قال: ما أحسن هذا النحو الذي نحوت! فلذلك سمي النحو نحوًا.