وأما ابن أبي إسحاق، فهو أبو بحر عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي. وكان قيمًا بالعربية والقراءة، إمامًا فيهما؛ وكان شديد التجريد للقياس. ويقال: إنه كان أشد تجريدًا للقياس من أبي عمرو بن العلاء، وكان أبو عمرو بن العلاء أوسع علمًا بكلام العرب ولغاتها وغريبها.
ويروى أن بلال بن أبي بردة جمع بينهما، قال يونس: قال أبو عمرو: فغلبني ابن أبي إسحاق يومئذ بالهمز،
[ ٢٦ ]
فنظرت فيه بعد ذلك. ويقال إنه أول من علل النحو.
وقال محمد بن سلام: سمعت رجلًا يسأل يونس عن عبد الله بن أبي إسحاق وعلمه، فقال: هو والبحر سواء، أي هو الغاية.
وقال يونس: كان أبو عمرو أشد الناس تسليمًا للعرب، وكان عبد الله بن أبي إسحاق وعيسى بن عمر يطعنان على العرب، وكان موالي ابن أبي إسحاق الحضرمي مواليًا، وهم بني عبد شمس بن عبد مناف، وكان يردّ كثيرًا على الفرزدق ويتكلم في شعره، فقال فيه الفرزدق:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ولكن عبد الله مولى مواليًا
فقال له ابن أبي إسحاق: ولقد لحنت أيضًا في قولك: "مولى مواليا" وكان ينبغي أن تقول: "مولى موال" والحليف عند العرب مولى، ومنه قول الأخطل:
أتشتم قومًا أثبتوكم بنهشل ولولاهم كنتم لعكلٍ مواليا
وروى أبو عمرو أن ابن أبي إسحاق سمع الفرزدق ينشد:
وعض زمان يا بن مروان لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلفُ
[ ٢٧ ]
فقال له ابن أبي إسحاق: على أي شيء ترفع "أو مجلف"؟ فقال: على ما يسوءك وينوءك؛ قال أبو عمرو: فقلت للفرزدق: أصبت! وهو جائز على المعنى، أي لم يبق سواه.
وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي على يحيى بن يعمر؛ وقرأ أيضًا هو